الاتجاه العاطفي في شعر ابن منظور:     ( من قبل 2 أعضاء ) قيّم
الاتجاه العاطفي في شعر ابن منظور: جاء باقي شعر ابن منظور عاطفيًّا(رومانسيًّا) معبرًا - تقريبًا- عن أفكار ثلاثة، هي: - أثر جمال محبوبه فيه: وذلك في قوله: وفاترِ الطرْفِ ممشوقِ القوامِ له فعلُ الأسنَّةِ والهنديَّةِ القُضُبِ في حسنِه الفرْدِ أوصافٌ مركبَّةٌ الخلْق للتُّرْك والأخلاق للعربِ فهذه النتفة صورة واقعية لجميل- أو جميلة - ساحر آسر، جماله متنوع حسيًّا ومعنويًّا: جمال حسي يظهر في العين/الطرف(فاتر) والقوام(ممشوق)، والهيكل الجسدي(الخلْق للترك). وجمال معنوي عبر عنه بأنه(الأخلاق) العربية. إن هذه الصورة المتقابلة التي أحدثها ابن منظور أملت عليه مجموعة من الأساليب التي تؤهل صورته للتأثير في ذهن المتلقي، لعل في محاورة بنية النُّتفة يدل على ذلك: النص من البحر البسيط التام، ذي العروض المخبونة والضرب المخبون، وجاءت قافيته باءً مكسورة، توحي برقة الشاعر وتغنيه لأحاسيسه وقد خلا من أية منفرات صوتية أو كلمية، ومن أية انحرافات أو تجاوزات عروضية أو لغوية! وجرُّ (فاتر)-بـ"رُبَّ" المحذوفة- يعطي معنى الكثرة، أي أن الشاعر مر به من هذا النمط الجمالي كثيرون وكثيرات! وذكره الطرف الفاتر والقوام الممشوق فقط يدل على أثر هاتين الهيئتين الحسيتين في نفس الشاعر. وفي المطلع تناسب تصويري، ساعد في الربط بين مصراعيه؛ فالسِّنان مُعادل ومبين للطرف( دلالة شدة التأثير)، والسيف معادل ومبين للقوام(دلالة الامتشاق والرشاقة). وعجز البيت الأول يدل على التأثر الشديد بهذا الجميل، إنه قاتل بجماله ودلاله كأنه سن أو سيف قاطع أو لطيف دقيق! نقله لمفردتي(الأسنة والهندية) من مجال الحرب العسكرية إلى مجال العلاقات العاطفية أسلوب جميل أشاد به القدماء عند عنترة والمتنبي وغيرهما. وإن كان ذكر الأسنة -وليس السهام- مما ينال من الصورة المرادة، فالطرف يُشبَّه في الشعر العربي بالسهم غالبًا! كقول عنترة: رَمَت عُبَيلَةُ قَلبي مِن لَواحِظِها بِكُلِّ سَهمٍ غَريقِ النَزْعِ في الحَوَرِ فَاِعجَب لَهُنَّ سِهاماً غَيرَ طائِشَةٍ مِنَ الجُفونِ بِلا قَوسٍ وَلا وَتَـرِ وكأني بابن منظور أحس بنزعته الجزئية في تصوير جمال المحبوب بالمطلع، فأتى في صدر البيت الثاني بتلك الصيغة العامة: (في حسنه.. أوصاف مركبة)، وقيد الحسن بوصف مدحي(الفرد) أي الوحيد المميز؛ قصدًا إلى المبالغة، وانتقالاً بالجمال إلى أعلى درجة. إن ابن منظور يرسخ في هذين البيتين قيمتين غليتين، رفيعتي المستوى: الخلْق والأخلاق، ويستثمر لهاتين القيمتين صورة جمالية غاية في الروعة والإبداع، ويستمد معطياتهما من جنسين مختلفين في اللون واللغة، هما الجنس التركي والجنس العربي. لكن حس ابن منظور وانتماءه لأصالة أهل اللغة التي يتعامل معها، ويرتوي من روائها؛ غلب عنده اللسانُ الناطقُ وما فيه من جمال على النمط الحسي للجسد البهي! كأنه يذكرنا بأبي تمام في بائيته، حيث يقول: أَبقَت بَني الأَصفَرِ المِمراضِ كَاِسمِهِمُ صُفرَ الوُجوهِ وَجَلَّت أَوجُهَ العَرَبِ وعجز البيت الثاني يدل على التنوع العرقي(العرب/الهند/الترك) الموجود بمجتمع الشاعر، وهو تنوع تكاملي لا تنافري! |