البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 96  97  98  99  100 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
الرواية مرآة العصر    كن أول من يقيّم

تختلط في كتابة الرواية مقاطع الوصف مع مقاطع الحوار والنثر الأدبي ، ويمكننا الانتقال في الرواية الواحدة ما بين عدة أزمنة أثناء السرد ، كما يمكننا الانتقال بين عدة أمكنة جغرافية بحسب تغيرات مجريات الحدث وحركة انتقال الشخصيات . فالرواية مطاطة ، متحررة من القيود ، وهي تعبر تماماً عن المرونة المطلوبة في مجتمع لم تعد فيه الأمكنة ثابته ومحددة كما كانت في الماضي .
 
لعل أبرز شخصية طبعت ذلك العصر بطابعها كان نابليون الذي لم يكن ابناً لأحد : فهو لا ينتمي إلى سلالة معروفة ، وهو من صنع اسمه ومجده بنفسه . إنه رمز للطموح الشاب المجدد الذي لم تعد تعيقه فروقات السلم الاجتماعي والذي أصبح بإمكانه تحقيق نتائج مذهلة . أهمية هذا الرمز تكمن في تحرير الخيال من القوالب القديمة التي كانت تعيقه وتحد من تحفزه ، ففي الأمس القريب ، كان الفقر والجهل والعزلة وغياب اللقب الاجتماعي كلها معوقات فعلية محبطة ومجهضة لقوة الدفع الداخلية الخاصة بكل إنسان : خياله . كان الفرنسيون قد فهموا درس نابليون وهو أنه بإمكان كل إنسان أن يكون سيد قدره ، وبأن حياته يجب أن تحقق له رغباته وما يتمناه وما ينتظره منها .
 
هذه الصورة كانت قد أصبحت إذن في مخيلتهم ، ومن خلال هذه الصورة لإنسان العصر الطموح الذي يريد أن يحفر لنفسه مكاناً في المجتمع الجديد ، وأن يطالب بحقوقه بصوت عال وهو يقنع نفسه بأنه لا يوجد ما هو مستحيل ، سوف تنبت شخصيات الرواية الجديدة التي تحمل أفكار العصر وطموحه . وبالاستناد إلى هذه الصورة أصبح بإمكان شخصيات الرواية أن يعيشوا وأن ينجحوا وأن يحبوا بما يتعدى شروط حياتهم الفعلية وبيئتهم الأصلية .
 
والرواية تقود زمنها كما تريد ، وتستطيع ببضع كلمات أن تنقلنا من وقت لوقت ، ومن عصر لآخر . عندما يقول فيكتور هيغو في " البؤساء " : " كبـِرَتْ كوزيت " يكون قد اختصر بجملة واحدة عدة سنين من حياة كوزيت ، وفي الوقت الذي يمكنه فيه أن يتباطأ عدة صفحات لوصف زهرة في حقل كما فعل بلزاك في " زنبقة الوادي " . يمكن للرواية أن تسير بنا إلى الأمام ، أو تعود بنا إلى الوراء ، أن ترصد لحظة من الزمن لتصف كل ما حدث فيها من تغيرات ، أو لتقبض عليها في ذروة الحدث :  لحظة تطور غير متوقع ، انهيار مفاجىء ، انطلاقة جديدة ، بعث ، إفلاس ...
 
والرواية ليست معنية بوحدة المكان فهي حرة التنقل وبإمكانها أن تنقلنا بومضة عين من تحت السنديانة إلى قصر فرساي ، وهي قادرة على الدخول إلى كل الأمكنة حتى الأكثر حميمية فهي تقتحم كل الأبواب التي كانت مغلقة أمامها : من أماكن العبادة ، إلى الخمارات وكواليس السياسة ، وحتى غرف النوم وملاءة السرير . إنها تعرف كل ما يدور في الرؤوس وفي الصدور من حسابات ورغبات ، وهي تهتم بأدق التفاصيل في عالم متموج ومتقلب مسكون بالقلق وعدم الأمان : ومن خلال كل هذا سوف تبرز حيوات إناس كانوا مهمشين ، برزوا من القاع ، ولم يكن في السابق من الممكن رؤيتهم أو الحديث عنهم . رواية " البؤساء " لفيكتور هيغو تحوي كل هذا . فيها التقلبات السياسية والدخول في أسرار الأديرة ، ومعركة واترلو ، والانتفاضات الشعبية في باريس . وجان فالجان ، بطل الرواية ، هو ملك هذه التحولات لأنه رمز الإنسان الجديد الذي تمكن من اجتياز كل هذه التحولات على خلفية قصة حب رومانسية مليئة بالعاطفة .
 
الرواية هي المراقب الذي يتلصص على حياة المجتمع ، ويرصد تحركاته وتبدلاته ، ويعبر عن قلقه وعدم استقراره وعن شخصيته وعن طموحه . بلزاك كان يعشق الملاحم ، وستاندال كان يحلم بالثروة التي يمكن أن يكسبها من نجاح مسرحياته ، وهيغو كان يضع مؤلفاته فوق كل اعتبار . وكل منهم كان يعبر عن نفسه بشكل من الأشكال : فالرواية بطلها الإنسان .
 
 فمن هو هذا الإنسان ، وما هي ملامحه ؟
 

15 - أبريل - 2009
هل نحن في عصر الرواية ؟
الهدف التربوي لتحليل الشخصيات    كن أول من يقيّم

كانت الثورة الفرنسية قد تخلت عن دورها وموقعها في رفع شعارات ثورية رنانة لكي تقايض بها دوراً آخر هو : الطموح والشهوة للمال . وفي الوقت الذي أصبح فيه المواطنون متساوين في الحقوق أمام القانون ، كانت المنافسة والحسد والتطاحن من أجل الثروة هي الحقيقة السائدة في المجتمع ، وأضحت النرجسية والغرور هي الدرجة العليا في سلم الترقي الاجتماعي .
 
الإنسان الذي يستحق مركز البطولة والإعجاب أصبح نادراً في مجتمع " المساوة " والديموقراطية ، ولم تعد التبريرات بالظلم الاجتماعي التي تحدث عنها  "روسو " كافية لفسير سلوك ذلك الإنسان ، لذلك ، راحت الرواية تبحث عن التفسير ، واستطاع فلوبير أن يثير ضجة عارمة واستياءاً عاماً من حوله عندما كتب " مدام بوفاري " ، لكن دراسة العوامل النفسية والبحث في داخل التكوين النفسي للفرد كان قد أصبح أحد ملامح ومحددات الكتابة الروائية في القرن التاسع عشر .
 
كنا قد لمحنا لدى شاتوبريان ميلاً شديداً للكلام عن نفسه وعن اختلاجات روحه المشتتة والموزعة بين عصرين ، لكن الحديث عن " الأنا " و " الهو " ، وتطور الحالة النفسية والشعورية لأبطال الرواية  بدأ يظهر بصفته العامل الداخلي والمحرك ، الموازي ، الذي سيرافق عملية سير وتطور الأحداث الخارجية . سوف يشيع أيضاً استخدام ضمير المتكلم ، بصفته الراوي ، وستنتشر روايات السيرة الذاتية .
 
كانت مدام دو ستيايل Madame De Staël قد كتبت في روايتها بعنوان " دلفين " Delphine : " إن مراقبة قلب الإنسان تعني أننا سوف نلمح عند كل خطوة  تأثير الأخلاق على المصير الإنساني : هناك سر في الحياة  متعلق بالخير والشر الذي نعمله . يختبىء هذا السر تحت ألف شكل وشكل مخاتل : فأنتم تتألمون دون أن تستحقوا هذا الألم ، أو تتمتعون بالرفاهية التي حصلتم عليها بطريقة مشبوهة ، لكن فجأة ، سوف ينكشف مصيركم ، وسوف تنكشف كلمة السر ، وهذه الكلمة كان الضمير قد قالها قبل أن تكشفها الأقدار بوقت طويل . يجب أن نقدم لحياة البشر في الرواية على هذه الصورة ، بهذا ، ستنكشف بالخيال ، وبواسطة مشاعرنا ، أسرار مصائرنا ، وما فينا من خير وشر " .
 
وكان بنجامين كونستان Benjamin Constant قد نشر في العام 1816 رواية عرفت شهرة واسعة بعنوان أدولف Adolphe قريبة من أفكار مدام دو ستايل وتحكي قصة غرام شاب لامرأة أكبر منه سناً والتي ستنتهي بالانفصال ثم بالندم ، وفي العام 1824 كان قد أضاف إليها المقدمة التالية :" أردت أن أرسم العذاب والألم الذي تسببه القلوب القاسية ... عندما نرى صورة العذاب والألم الذي نفرضه على الآخرين فإنه يبدو لنا غامضاً ومتموجاً كمن يقوم باختراق غيمة . ومما يشجعنا على ذلك هو تشجيع المجتمع المزيف الذي استعاض عن المبادىء بالأعراف ، وعن العواطف باللياقات ، والذي يكره الفضائح لأنها مزعجة وليس لكونها لا أخلاقية ، ولأنه يتقبل الفساد والمعصية حين تبقى مستترة . نظن بأن هذه العلاقات التي لم تخضع للتفكير سوف تنكسر بسهولة .... إننا نشعر بأنه يوجد شيء مقدس في القلب المتألم وذلك لأنه يحب " .
 
جهد الروائيون في الكشف عن الدوافع المضمرة للسلوك الإنساني حتى تعدى دورهم موقع الكتابة الأدبية إلى موقع الفكر والبحث . كان ستاندال قد نشر  في العام 1822 مؤلفاً بعنوان " عن الحب " يتحدث فيه عن مشاعر الغيرة والعاطفة الجارفة ، وكنا قد لمحنا في رواياته شخصيات تجسد هذه النظرة كما برزت لدى الكونت موسكا في La Charteuse De Parme ، أو كما عبرت عنها شخصية مدام دو رينال في " الأسود والأحمر " Le Rouge Et Le Noir .
 
إن اللجوء إلى الخطاب الباطني وتطوير أسلوب الخطاب الداخلي المرسل والذي يعني : الكلام عن الموضوع من وجهة نظر داخلية حميمة وشمولية هي وجهة نظر الراوي أو الكاتب ، كل هذا دفع رواية القرن التاسع عشر لكي تتخذ صفة التحليل النفسي ، أو الوصف النفسي للشخصيات .
 

15 - أبريل - 2009
هل نحن في عصر الرواية ؟
الرواية والتحليل الاجتماعي    كن أول من يقيّم

حاولت رواية القرن التاسع عشر رسم شخصية الفرد الواقع تحت تأثير بيئته الاجتماعية وذلك من خلال تقديم نماذج ذات ملامح محددة تتطابق مع رموز الشخصيات التي تشكل مختلف الفئات الاجتماعية . قدم فلوبير في روايته " التربية العاطفية " Education Sentimentale  فريدريك مورو ، بطل الرواية ، على أنه شخصية تتطابق في سلوكها الاجتماعي مع الحقبة التي عاشتها فرنسا خلال السنوات العشر الواقعة ما بين 1840 ـ 1850 وهي الفترة التي كانت لا تزال فيها موزعة الأهواء بين العصر الملكي والعصر الجمهوري . هذه الشخصية تشبهه تماماً لأنها تنتمي إلى البرجوازية المثقفة التي فقدت امتيازاتها المادية والاجتماعية لكنها عادت وتبنت أفكار العهد الجديد . كان موباسان وآميل زولا ، اللذان حفرا عميقا في بنية العلاقات الاجتماعية ، يعتبران هذه الرواية مرجعاً لأن بنيتها متكاملة من الناحية الفنية ، ويعتبران فلوبير الأب الروحي للقصة الاجتماعية .
 
لكن روايات بلزاك أيضاً كان طابعها اجتماعياً بامتياز لأنها تعج بالرموز الاجتماعية وخصوصاً في مجموعته التي تحمل اسم " الكوميديا الإنسانية " Comédie Humaine التي تحتوي على 91 مؤلفاً وفيها 2000 شخصية مختلفة . والهدف منها كان " المنافسة مع سجلات الأحوال الشخصية " ، يقول بلزاك مازحاً ، ثم يضيف : " الصدفة هي أكبر منتج للقصص في العالم ، ولكي تبدع ، ما عليك إلا أن تدرس . المجتمع الفرنسي هو المؤرخ وانا لست سوى سكرتيره ، وذلك عندما أضع لائحة بأصناف الفضائل والرذائل ، أو عندما أحاول رسم الخطوط العامة للعاطفة ، أو عندما أؤلف شخصية أحاول أن أجمع فيها مواصفات عديدة ومختلفة متناسبة فيما بينها . ربما أستطيع بهذه الطريقة كتابة التاريخ الذي نسي كل المؤرخين أن يكتبوه ويكون سجلاً  للسلوك والعادات الاجتماعية . بالكثير من الصبر ، سيكون باستطاعتي أن اكتب عن فرنسا في القرن التاسع عشر ما أسفنا كون ، روما وأثينا وصور وممفيس وفارس والهند ، لم تكتبه عن حضاراتها . "
 
ومن الضروري الإشارة إلى أن رواية القرن التاسع عشر حرصت على أن لا يقتصر دورها على رصد أسلوب حياة الطبقات الثرية ، بل لأن يشمل كل طبقات المجتمع . تحدث بلزاك عن باريس بقدر ما تحدث عن الريف ، كذلك روى عن حياة النبلاء وعامة الشعب ، الأغنياء والفقراء ، العرائس والعوانس ، الشباب والعجائز ... وظل ينافس سجلات الأحوال الشخصية ويستلهمها حتى النهاية .
 

17 - أبريل - 2009
هل نحن في عصر الرواية ؟
مواكبة الرواية للتطور العلمي    كن أول من يقيّم

كان العلم في قمة ازدهاره في القرن التاسع عشر وكان له تأثيره المباشر على الرواية .
 
عندما كان بلزاك يحاول رسم ملامح شخصياته ، كان يرتكز إلى معطيات نظريتين علميتين راجتا في ذلك الوقت وقادتاه في رحلة تصميمه وتركيبه للشخصيات التي اخترعها : النظرية الأولى كان قد طورها العالم الألماني Gall ( 1757 - 1828 ) وتسمى Phrénologie أي الفراسة ، وهي تطمح للبرهنة على إن شكل الجمجمة يحدد ملامح الشخصية من الناحية النفسية ومستوى الذكاء . والثانية ترتكز إلى السيماء وملامح الوجه في قراءة الشخصية واستنباط سلوكها وتدعى : La Physionomie وكان قد قال بها Gaspard Lavater ( 1741 - 1801 )
 
وكانت نظرية داروين Darwin ( 1809 - 1882 ) حول تطور النوع والانتخاب الطبيعي للعناصر رائجة جداً ، وكذلك نظرية ماندل Mendel ، وهو عالم نبات نمساوي بحث في علم الوراثة واستطاع أن يوضح العلاقة الموجودة بين الجينات الوراثية واضعاً لها قانوناً عرف باسمه . بهذا تمكن آميل زولا خلال رصده لتطور مسيرة وسلوك الشخصيات في مجموعته القصصية التي تحمل عنوان Rougon - Macquart من تتبع أثر العامل الوراثي في سيرة تلك العائلة لكي يجعل منها  القصة الطبيعية والاجتماعية لعائلة في فترة الأمبراطورية الثانية  : " أردت أن أشرح كيف يكون سلوك عائلة ، أي مجموعة صغيرة من الأفراد ، داخل المجتمع ، والتي سوف تتمدد لتصبح عشرة ، إلى عشرين شخصاً ، وكي يظهر التحليل كيف أنهم يبقون ملتحمين بقوة واحدهم للآخر . الوراثة وقوانينها تشكل هذا القانون الجاذب . عائلة روجون ماكار ، أي مجموعة الأشخاص الذين أقترح دراستهم هنا ، لديهم مواصفات مشتركة هي : شهيتهم القوية ، وهذا الفوران الهائل الذي نراه والجموح نحو اللذة . على المستوى الفيزيزلوجي ، نجد أنهم يمثلون  مجموعة من الصدف التي أدت لاجتماع الخلايا الدموية والعصبية التي تتشكل عادة في العرق الواحد ، ثم نتيجة انشطار عضوي ، سوف يتحدد لدى كل من هؤلاء الأفراد في هذا العرق ، كل بحسب بيئته ، مستوى العواطف والرغبات والحب الجارف وكل المظاهر الطبيعية الغريزية التي هي منتجات سوف تتخذ  أسماء ما هو متعارف عليه بأنه : الفضيلة والرذيلة . "
Emile zola , Préface :  La Fortune Des Rougon 1870
 
وفي محاولة أشمل ، سوف يحاول ، رئيس المدرسة الطبيعية ، أن يقارن منهجه بمنهج الطبيب كلود برنار الذي كان قد نشر في العام 1865مقدمة للطب التجريبي ، فما كان من آميل زولا إلا أن كتب الرواية التجريبية في العام 1880 متبنياً هذا الموقف الذي يقول بضرورة المراقبة والتجربة تماماً كما عبرت عنها النظرية العلمية الفيزيزلوجية .
 

17 - أبريل - 2009
هل نحن في عصر الرواية ؟
عن الغربة    كن أول من يقيّم

صباح الخير أستاذ أحمد :
 
يسعدني توقيعك في هذا الملف كما تسعدني دائماً قراءة ما تكتبه في المجالس . موضوع الغربة والاغتراب بمعانيه المختلفة كنا قد أثرناه أكثر من مرة وهو لا يزال كثير الغموض  ، والنص الذي اخترته عميق المعنى والدلالة ، وهي ليست المرة الأولى التي نستضيف فيها واسيني الأعرج وفي موضوع الغربة بالذات . كنت قد كتبت تعليقاً بعنوان : " حب الوطن " نشرته بتاريخ 29 نيسان ( أبريل ) 2006 في ملف البنت التي تبلبلت ، في الصفحة العاشرة منه ، فيه نص استلهمته من كتابات واسيني الأعرج .
 شكراً لك هذه الإضافة الجميلة وتحياتي إلى صفاء .

21 - أبريل - 2009
أحاديث الوطن والزمن المتحول
فيكتور هيغو : رجل العصر    كن أول من يقيّم

تميزت رواية القرن التاسع عشر بواقعيتها ، وبصفتها رواية اجتماعية تحكي التجربة الإنسانية بكل أبعادها رغم الطابع الرومانسي الذي لم تتخل عنه نهائياً .
 
سجلت الرواية بتحولها هذا تأثرها بالنظريات الفلسفية الفلسفية الكبرى التي ظهرت في عصر الأنوار لأنها ، ومنذ ديكارت ، مروراً بماركس وهيغل وكنت وسان سيمون وأوغست كونت ... انتصرت للعقل ، ووضعت الإنسان في قلب العالم بمواجهة مصيره ، وأوكلت إليه مسؤولية صنع التاريخ .
 
والقرن التاسع عشر هو العصر الذي تم فيه اختراع الكهرباء ، والمحرك البخاري ، والذي عرف سطوة رأس المال ، والتحرر الاجتماعي ، وأوهام الإشتراكية ، وسادت فيه الصحافة ، وكان للعلم فيه منزلة " دينية " مقدسة ... إنه بالاختصار : عصر " الجمهورية " !
 
وإذا استثنينا شاتوبريان الذي عاش ومات ملكياً ، والذي شكل حالة خاصة في تاريخ الأدب ، فإن رجل العصر الذي مثله بكل أبعاده كان فيكتور هيغو بلا منازع .
 
عاش فيكتور هيغو ( 1802 - 1885 ) في زمن يتميز بالوفرة والحيوية ، مضطرب ، شديد التبدل والتحول ، فكان على صورته ومثاله . وكانت له صورة البورجوازي المثالي المثقف بأناقته ولحيته المقصوصة بعناية . وقد اعتني هوجو بجميع الفنون فكان روائياً وشاعراً وكتب المسرحية والمقالة ، وهجا وخطب على المنابر ، واعتنى بالتصوير والموسيقى وتقلب في كل الإتجاهات السياسية فكان من أتباع ستيوارت في عصر الثورة ، ثم انتسب لنادي اليعاقبة ( كان في السابعة عشرة ) ثم عاد ملكياً مخلصاً للشرعية ، ثم تحول إلى الجمهورية فكان من اليسار المخملي ، وكان شديد العداء لنابليون الثالث ، وكان صديقاً لكل مشاهير عصره من لامنيية إلى باكونين مروراً ببرليوز ومريميه ، تشارلز دكنز وأنجر ، زولا ديست ولاكروا . وحتى أنه ، وكانت تلك العادة من طقوس ذلك العصر ،  تقاسم عشيقة مشتركة له مع فلوبير . كان في مخيلة الفرنسيين ، خير من يمثل فرنسا بكل طموحها وشبقها ، لكن أيضاً باعتزازها بنفسها وإنسانيتها العميقة . هو الجمهورية التي جمعت بين النخبة البورجوازية وعامة الشعب حتى أصبح اسمه على كل شفة ولسان ، ووصلت شهرته حتى أبعد قرية نائية في الريف الفرنسي ، فكان اسمه يكتب على الحيطان ، وتستقى منه الشعارات . رواية البؤساء كانت قد خلدت شخصيات يتماهى معها الفرنسيون بكل أطيافهم كجان فالجان ، لكن أطرفها وأقربها إلى وجدان الفرنسيين هو " غافروش " الفتى المراهق ابن الحارات الشعبية الذي تحول إلى رمز ، وكان قد لاقى حتفه في حرب الشوارع في انتفاضة الجمهوريين عام 1832 بعد أن جعله فيكتور هيغو ينطق بالأهزوجة الشهيرة قبل أن يستشهد ببطولة :
 
Je suis tombé par terre
C'est la faute à Voltaire
Le nez dans le ruisseau
C'est la faute à Rousseau
 
وترجمتها : إذا كنت قد سقطت على الأرض ، فكله بسبب فولتير ، وإذا كنت قد غرقت في الساقية ، فكله بسبب روسو . ( والمقصود هنا الفيلسوفان : فولتير وجان جاك روسو كونهما يشكلان مرجعين أساسيين في صياغة أفكار الثورة الفرنسية ) .
 
لكل هذه الأسباب ، وعند موته ، خرجت لروسو جنازة شعبية حاشدة يقال بأنها كانت الحدث الأبرز في تاريخ القرن التاسع عشر ، ويقال بأنها تقدمت بأهميتها على كومونة باريس وحفلة تنصيب نابليون أو انتصارات الجنرال بولانجيه العسكرية ، وأن كل هذه الأحداث تفتقر إلى الحرارة بالقياس لضخامة الأثر الذي تركته في مخيلة الباريسيين خاصة . وقد جاء في وصف يوم وفاته ، في الأول من حزيران عام 1885 : بينما كان الأب مونييه يلقي مرثيته في وادعه متأسفاً ومتسائلاً " كيف اقتلعنا ذلك الرجل العظيم من كنيسته ؟ " ( لأنه حورب من قبل الكنيسة بعناد ) كانت الجموع تحتشد في كل مكان على جانبي الطريق المكسوة بالعشب من قوس النصر وحتى ساحة البانثيون ، بينما مجموعات أخرى كانت قد افترشت ضفة نهر السين وغطست أرجلها في الماء . الأولاد كانوا قد تسلقوا التماثيل وجلسوا في حجورها . في الحدائق المنتشرة هنا وهناك ، كانت البنات يتفحصن أوراق الشجيرات بينما الصبيان يدفعون المارة . جموع حاشدة وتواشيح ورايات من كل الألوان وحتى من تلك النساء اللواتي كن يعملن في بيوت الدعارة وكن في عطلة في ذلك اليوم وتتبادلن الحديث فيما بينهن على الرصيف ، بينما نساء محترمات تعبرن الشارع لاجتياز حشائش جادة الشانزليزة ...
 
كان رينان يقول : ولد هيغو بموجب مرسوم خاص نص عليه الخلود " .
وروني كان يقول عنه : " هذا الأحمق العبقري ...."
 
ولهيغو ساحة ونصب في باريس وشارع يحمل اسمه منذ كان لا يزال على قيد الحياة حتى أنه سكن في جادة فيكتور هيغو بنفسه ، وكان ربما أول رجل يسكن في جادته هو . ولقد طبع اسمه على ورق البنكنوت وحملت رسمه الطوابع البريدية والميداليات ونجد تماثيل له ومجسمات في كل مكان في فرنسا .

 

21 - أبريل - 2009
هل نحن في عصر الرواية ؟
نعم ، هذا كثير    كن أول من يقيّم

صباح الخير أستاذ أحمد : آلمتني كثيراً صورة ذلك الرجل السوداني الذي قضى معلقاً فوق جسر في أرض غريبة عن روحه لأنها صورة عميقة الدلالة ، فهي صرخة مكتومة تدوي في قلوب الملايين من الذين اقتلعتهم الحروب وظروف حياتهم البائسة وألقت بهم على قارعة الطريق . هناك صرخة مؤلمة تمزق في كل يوم الصورة البراقة لهذا العالم المنافق والمزيف الذي نعيش فيه ، والذي صمّ أذنيه عن سماع أصواتهم ، وتنقلها وسائل الإعلام لكي تروج من خلالها لتسويق معان أخرى ساقطة مثلها تستخدمها في دعايتها السياسية ، هي صورة هؤلاء الذين يرمون بأنفسهم إلى البحر ، في زوارق مطاطية تتسع لعشرة وغالباً ما يكون فيها ما يزيد على الخمسين ، هرباً من جنون الحروب أو من جنون عصابات السلطات ومافياتها الحاكمة في بلدانهم ،الخفية والمعلنة ، وجنون أوضاع إنسانية أوصلتهم إلى حد اليأس والحد الذي يدفع بهم لجنون آخر مواز له يقضي بأن يسلموا أنفسهم لأهوال البحر ، ليرتجوا الرحمة من قراصنته وحيتانه أكثر مما يرتجونها في بلدانهم الأصلية . هذه الصورة التي تتكرر في كل يوم يجب أن تهز ضمير هذا العالم النائم ، لكن لا حياة لمن تنادي ، لأنه سيفتح عينيه يوماً ، بعد فوات الأوان ، بعد أن تتهاوى هذه العروش الزائفة التي تتوغل في الفساد والنفاق والجشع في كل يوم أكثر فأكثر ، ولكي تندم عندما لا يعود يفيد معها الندم .
 
هل تعرف المثل الذي يقول " قاتلك ببيتك ، قاتلك بالطاحون " . ؟؟؟

23 - أبريل - 2009
البنت التي تبلبلت
من أين أدخل في الوطن    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

صباح الخير مجدداً وتحياتي لكما ، أحمد وصفاء :
 
من الواضح أنك أدركت تماماً معنى هذا المثل الشعبي القروي الذي يعني حرفياً بأن من يستطيع أن يضربك في بيتك يستطيع أن يضربك في الطاحون ، والذي يعني بأن تغيير المكان لا يعني تغيير طبيعة العلاقة أو ميزان القوة القائم بين طرفين . هذا يعني أيضاً بأن من عاش مهزوماً على أرضه ، وبين أهله وفي وطنه ، لن يكون إلا مهزوماً على أرض غريبة . كل ما يحصل اليوم هو أننا ننقل المشكلة من مكان لأخر ، أو أنهم ينقلون المشكلة من مكان لأخر فتنتقل بذلك المواجهة من مكان لأخر رغبة في تأجيلها ، بينما الإحساس بالظلم والهزيمة باق ومتربع في النفوس ، وهو متأت من فقداننا الشعور بالأمان والعدالة في الأرض التي ولدنا فيها والتي لم تمنحنا أبوتها . هذا لا يعني بالمقابل بأن ميزان القوة قائم على حاله إلى الأبد ، فالمواجهة قادمة ونحن في كل يوم نسمع عنها : من أين أدخل في الوطن ؟

24 - أبريل - 2009
البنت التي تبلبلت
أهلاً ومرحباً    كن أول من يقيّم

صباح الخير أستاذي وحمداً لله على سلامتك وكل المحبة والتقدير للأخ العزيز سعيد ظاظا وللأستاذ بسام :
 
لم يكن باستطاعتي الاحتفاظ بهذه الرسالة الرقيقية دون نشر وقتاً طويلاً ، وإذا كانت قد الحت عليك بالعودة إلى المجالس نكون اصطدنا بهذا عصفورين بحجر واحد . وأنا أشكر جزيل الشكر صديقنا ، منذ الآن فصاعداً ، أبا بسام على تهنئته الودودة والكلام الخطيرالذي نقله عن الوالدة والذي يدل على محبتها وقلبها الكبير ، أطال الله في عمرها ورعاها بفضله ، وأقر عينها برؤية أولادها وأحفادها من حولها وحفظهم جميعاً .
 
هنيئاً لك أستاذي رؤيتك لهذه المدينة الجميلة " أصفهان " وهؤلاء الاصدقاء الجدد . أما مباراة الشطرنج فهي ما فاتتنا مشاهدته والله . كنت أظن بأن الأستاذ هشام سوف يتصبب عرقاً أمام مناورات جميل وبأنه سيحتار معه وقتاً طويلاً قبل أن يفهم لعبته ، ولا بد للأستاذ جميل أن يشرح لنا خطته واستراتيجية اللعبة التي تبناها .
 
تحياتي لكم جميعاً ودمتم بخير .

25 - أبريل - 2009
ديوان زهير
الشاطر والمشطور والكامخ بينهما     ( من قبل 7 أعضاء )    قيّم

صباح الخير ، وكل التحية والسلام عليكم جميعاً :
 
أظن بأن الغاية التي دعت الأستاذ محمد كالو إلى كتابة موضوعه كانت شد الانتباه إلى تفشي مرض الأنانية في المجتمع ، فالشعور ب " الأنا " كمحور للعالم أصبح من مميزات العصر الذي نعيش فيه بحيث برزت الهوية الشخصية على حساب الهوية المشتركة للجماعة ، التي بنيت عليها الحضارة العربية الإسلامية وكل الحضارات السابقة للعصر الحديث ، وبحيث أصبحت هذه الظاهرة محوراً أساسياً من محاور أزمات لا حصر لها على المستوى الفردي النفسي ، وعلى المستوى الجماعي .
 
نقطة العطب كانت في " اختراع " لفظة " النحنية " ، ليس فقط لأن المشكلة ليست لغوية ، فالمعنى المقصود بالنحنية يقابله لفظ " الغيرية " المستخدم بكثرة ، بل لأن اللجوء إلى اللغة كمصدر معرفي يكون بالسؤال عنها ، والبحث فيها ، ومحاولة الاقتراب من مصادر هذه الكلمات ومعانيها واشتقاقاتها وكيفية استخدامها ، ولا يكون بلوي عنقها ، فاللغة العربية ليست بهذه " المرونة " التي نتوقعها منها أبداً ، بل هي شخصية عملاقة لا زالت على قيد الحياة ، وهي تعاني حتماً من تشتتنا وضعفنا تجاهها فتسامحنا أحياناً ، لأنها أم ، ولأنها رحم ورحمة .
 
اعتقد الإنسان في الماضي ، وهو لا يزال يعتقد أنه يستطيع التأثير في الوجود عن طريق اللغة ، عن طريق السحر والشعر والغناء والخطابة ... إنه يريد أن يمارس سلطته عليها ، وأن يستولي على معانيها ، وهو يظن بأنه يستطيع أن يحتويها ، أو أن يمنحها مدلولات جديدة : وهذا الخطأ وجودي قبل أن يكون معرفياً .
 
هناك مشاكل حقيقية تتعلق بالترجمة ، من لغة لأخرى ، كالموضوع الذي قرأناه حديثاً في المجالس عن مصطلح الإيتمولوجيا ( علم أصول الكلمات واشتقاقاتها ) ، وبترجمة ما نحياه من أفكار وأحاسيس خرجنا بها من الدائرة الثقافية التي كانت تحتويها اللغة العربية وعلومها إلى فضاء آخر ، وهذا الخروح هو واقع وحاصل ونهائي ولا رجعة فيه ، يبقى أن نعرف كيف نتعامل معه ، وبأية وسائل ، فاللغة كائن حي نطالبها في كل يوم أن تتكيف ، وأن تلبي حاجات الوجود العصرية والزمن الذي ننتمي إليه ، دون مراعاة أحياناً لتكوينها الأصلي وجذورها الضاربة في القدم وشخصيتها ولحنها وموسيقاها ، ودون مراعاة كونها لغة البيان الذي ينص على ما في الضمير من العلوم والمعارف .
  
 

28 - أبريل - 2009
النحنية
 96  97  98  99  100