البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 92  93  94  95  96 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
ريتشارد فاغنر (2 )    كن أول من يقيّم

النضوج في المنفى :
 
كانت فترة المنفى من أقسى الفترات التي عاشها في حياته حيث تراكمت عليه الديون وعانى من حالة زوجته ( الغير راضية عن أعماله ) التي أصيبت بانهيار عصبي حاد ، وعانى هو نفسه من طفح جلدي واضطر للتنقل عدة مرات بين باريس وزوريخ ولندن ، كما عانى من غربته عن الوسط الموسيقي الألماني . وكانت فترة من التشاؤم الكبير كان لقراءته لفيورباخ وشوبنهاور خلالها تأثيراً كبيراً على مجرى حياته ، لكن أفكاره كانت قد بدأت بالتبلور والنضوج ، كتب خلالها الدراسة النظرية التي سوف يؤسس عليها مجمل مدرسته الفنية والتي تنتقد الإضافات الصوتية الزخرفية والدور الكبير للفرقة الموسيقية في الأوبرا الإيطالية وتصفها بالاصطناعية ، والتي تسعى لإقامة وحدة صوتية متناغمة تنصهر فيها الموسيقى مع الكلام المغنّى ، الصوت مع آلة العزف ، في موضوع واحد وفكرة واحدة قائدة لروح العمل . ويحدد فاغنر بأن العمل الدرامي هو لقاء روحي بين الفنان والشعب الذي هو مصدر كل إلهام ، تماماً كما كان يحصل في اليونان القديمة حيث كان الشاعر يعبر عن ضمير الجماعة من خلال الصور والرموز ، وأن هذا التحالف الضمني الحميم بين الفنان وجمهوره هو ما يخلق الأعمال الخالدة .
 
وجد فاغنر في المسرح مثالاً يجمع بين الفنون المختلفة ( الشعر ، الموسيقى ، الغناء ، التمثيل ، الرسم والديكور ... ) بطريقة حميمة شديدة الالتصاق ، وبحيث أننا نستطيع استخدامه للتعبير عن أفعال إنسانية ، وبطريقة رمزية ، وبحيث تكون هذه الوسيلة صدى لصراع الإنسان مع قدره . وكان مؤلفه الشهير " حلقة نوبلنغ " ( L'Anneau de Nibelung) الذي استلهمه من أحد الأساطير الجرمانية ليتحدث من خلاله عن فاغنر الإنسان الذي هو أحياناً إشتراكياً ومرة فوضوياً ، وعن فاغنر المسيحي والآخر الوثني ، عن فاغنر المتشائم وفاغنر المتفائل ... وليصنع من هذه الملحمة ( مجموعة من أربع أوبريت ) وحدة متكاملة بالاعتماد على العودة إلى لازمة موحدة ( Refrain - Leitmitov ) تستعيد الفكرة باستمرار وتؤلف بين أجزاء العمل .
 

22 - فبراير - 2009
الفلسفة والموسيقى
ريتشارد فاغنر (3 )    كن أول من يقيّم

الحب المستحيل :
 
 كان فاغنر قد التقى أثناء إقامته في زوريخ  بالزوجين وزندونك ، الزوجة المثقفة الكاتبة والشاعرة والزوج الثري المعجب أشد الإعجاب بموهبته الفنية والذي وضع تحت تصرفه منزلاً كان يملكه هناك . خلال تلك الفترة ، وقع فاغنر في حب الزوجة " ماتيلدا " التي كانت تبادله مشاعره تلك لكنها أبت أن تتخلى عن رباط الزوجية وحرصت على أن تكون علاقتها به " أفلاطونية " أي دون دنس . في غمرة هذه العاطفة المتوقدة والمستحيلة التي هزته في الصميم ، ( من 1852 وحتى 1858 ) وبالنظر إلى حكاية طفولته وحب والدته لزوجها الثاني الذي يظن بأنه ابنه الطبيعي وحياته الحزينة التي لا تعرف الاستقرار ، ولدت أوبرا " تريستان وإيزولدة " تلك الحكاية الخلابة ذات الأبعاد الرومانسية والعاطفة القوية والمواقف البطولية والدرامية التي لا تكف عن التصعد بوتيرة عالية تحبس الأنفاس ودون أن يكون هناك من حل واقعي ممكن إلا الموت . وليس فاغنر سوى تريستان نفسه من المهد إلى اللحد ، ينتقل من تناقض إلى آخر ، ومن تنافر إلى ضد . وكان قد ألف في تلك الفترة مجموعة من الألحان لأشعار من نظم ماتيلدا ، وهو لا زال متزوجاً من مينا فدب الخلاف بينهما من جديد ، ومن جديد ترك البيت مغادرا إلى البندقية ومن ثم إلى باريس ثم عاد إلى ألمانيا ، وهكذا حتى افترق عن زوجته نهائياً في العام 1862 لكنه ظل يساندها مادياً حتى موتها في العام 1866 . 
 
كان العام 1864 منعطفاً جديداً في حياة فاغنر حيث اعتلى الملك لويس الثاني البالغ من العمر ثمانية عشر ربيعاً عرش بافاريا وكان من أشد المعجبين بموسيقى فاغنر فأرسل يستدعيه إلى ميونخ بعد أن سدد عنه ديونه ووضع تحت تصرفه كل الإمكانيات المطلوبة التي تمكنه من تحقيق مسرحياته الغنائية ، وعين فون بولو Von BÜLOW مديراً فنياً للمسرح وهو زوج ابنة صديقه الذي ساعده كثيراً الموسيقار الشهير فرانز ليست . ومرة أخرى يقع فاغنر في غرام كوزيما ابنة Liszt وزوجة بولو والتي تصغره بأربع وعشرين سنة . تمخضت هذه العلاقة عن ولادة طفلة غير شرعية أسمياها " إيزولدة " واضطرته لأن يغادر ميونخ تحت ضغط الفضيحة وأعدائه السياسيين حتى أن الملك كان قد فكر بالتخلي عن العرش تحت ضغط الفضيحة ليحافظ على بقاء فاغنر في ميونخ ، لكن هذا الأخير ثناه عن عزمه ولم يرض بهذه التضحية . وبعد فترة جديدة من التشرد ، استقر في سويسرا ، ثم تبعته كوزيما إلى هناك بعد أن حصلت على الطلاق من زوجها ليتزوجا ولكي يعيش ولأول مرة ، حياة مستقرة وتنجب له بعدها بنتاً أخرى وولداً أسمياه " سيغفريد " كما الأوبرا التي تحمل اسمه (1870 ) والتي تعبر عن سنوات السعادة تلك .
 

23 - فبراير - 2009
الفلسفة والموسيقى
مكتوب    كن أول من يقيّم

تحيتي للأستاذ زين الدين وأرجو أن يأذن لي بهذه المشاركة احتفاء بموضوعه الطريف :
 
للمكتوب أو " الرسالة " أهمية كبرى في حياتنا ، نحن اللبنانيون ، لأننا سافرناً كثيراً وباكراً ، ولأن المكتوب كان صلة الوصل الوحيدة بمن هاجروا وأصبحوا في ديار بعيدة ، خصوصاً  أثناء الحرب أو الحروب الكثيرة التي عانينا منها خلال العقود الماضية حيث تكثفت هذه الهجرة وازدادت أضعافاً حتى لم يبق في لبنان بيت واحد لا يوجد فيه من " تغرَّب " . لم يكن هناك هواتف خليوية بعد ، والهواتف العادية كانت غالباً مقطوعة ، ولم يكن لدينا مكاتب للبريد ، فكان المكتوب الذي يأتينا من الخارج ، من العزيز المسافر ، ينتقل من يد ليد عبر من جاؤوا من البلاد التي يقطنها ، ليصل إلينا بعد لهفة وطول انتظار ، أو لا يصل أبداً .
 
وكنا في مرحلة المراهقة والشباب ، إذا طلب منا أحدهم أن نرسل له خبراً بشيء مستعجل لدى حدوثه ، وألح علينا في الطلب ، ورغبنا في أن نسخر من طلبه قلنا له : " ما عليك ، روح بكرا ببعتلك مكتوب " وهذا يعني بأننا غير مهتمين ، وأننا غير مستعجلين على الإطلاق لإخباره .
 
عندما وصلت إلى باريس ، وكان ذلك في شهر كانون الأول من العام 1984 ، كان موعد التسجيل في الجامعات قد انتهى ، لكنني كنت أحمل موافقة خطية من أحد الأستاذة الذين وافقوا على تسجيلي ، لذلك ، كان علي إجراء المعاملات الإدارية بأسرع ما يمكن .
 
كنت في مكتب المعادلات ، وبعد أن خضعت لامتحان اللغة الفرنسية وأثرت استغراب الموظفات هناك لأنني لم أكن أجيد الكلام بالفرنسية في الوقت الذي اكتشفن فيه بأنني أجيد القراءة والكتابة  وأنني قد أجبت على كل أسئلة قواعد الصرف والنحو بنجاح . المهم أن مديرة المكتب طمأنتني بأن كل شيء على ما يرام وبأنها سترسل الملف كاملاً إلى إدارة الجامعة وسيستغرق الأمر بضعة أيام قبل الحصول على الموافقة الرسمية . ثم قالت بأن مهمتي قد انتهت وأنهم سيستدعونني خلال أيام ، حين وصول الإذن بالتسجيل . قلت لها : " كيف ؟ " ، قالت : " سنكتب لك ! " .
 
يا للهول ! وماذا تقصد بهذه الكلمة ؟ لم أصدقها صراحة وشككت بأنها تريد أن تتخلص مني وأن الوقت سوف يضيع وأنا بانتظار " المكتوب " . أعدت عليها السؤال بطريقة أخرى لأتأكد بأنني قد فهمت : " هل تفعلون ذلك دائماً ؟ أي تكتبون لكل الطلاب ؟ " . قالت : " نعم ! " . حيرتني هذه المرأة ولم أصدقها ، بل بقيت مسمرة في مكاني وأنا أرفض بأن أغادر قبل استجلاء ذلك الغموض :
 
ــ كم سيستغرق وصول " المكتوب " ، سألتها بتذاكي .
ــ أربع وعشرون ساعة ، قالت ، وقد بدأت تفهم شكوكي واستغرابي .
 
لم أصدق ، وكيف يمكن لي بأن أصدق بأن " المكتوب " ذلك الشيء العزيز النادر ، الذي كنا نقبع بانتظاره شهوراً وأحياناً سنين طويلة ، يصل هنا في أربع وعشرين ساعة ؟ وكيف يمكن لهذا الإنقلاب أن يحدث في ذهني مرة واحدة وفي هذه اللحظة المصيرية ودون أن يثير في نفسي الشك والارتياب ؟ لم أصدق ، وألححت عليها بالسؤال :
 
ــ هل هناك من وسيلة أخرى أستطيع أن أستعلم من خلالها بأن الإذن بالتسجيل قد وصل ؟
ــ نعم ، تستطيعين أن تتصلي بي في التلفون متى شئت وسأخبرك بذلك ، قالت وهي تضحك ، ثم كتبت لي على ورقة رقم التلفون ، ورقم مكتبها الشخصي واسمها : " مدام فيرراني " !
 
وهذا ما فعلته في كل يوم ، كنت أتصل في كل يوم " بمدام فيرراني " لأسألها إذا ما كان " المكتوب " قد وصل ، وظلت تجيبني طوال تلك المدة ، التي استغرقت خمسة عشر يوماً ، بكل لطف وأدب ووداد يخالطه شيء من الدهشة ورغبة في تقديم المساعدة ، لن أنساها أبداً .
 

24 - فبراير - 2009
مواقف طريفة في ألمانيا ...
ذكريات مع السياب    كن أول من يقيّم

ذكريات مع السيَّاب
 
  
في عام 1960، كنت عاطلاً عن العمل. وكانت العروبة نفسها عاطلة عن العمل، ويا ليتها ظلت كذلك.. وكنت حينذاك ضيفاً على مجلة “شعر” وأسرة التحرير كلها ضيفة على صاحبها يوسف الخال. ويوسف الخال ضيفا على شارع السادات في رأس بيروت. في هذه الأثناء حلَّ بدر شاكر السياب (بأناقته المعروفة) ضيفاً على الجميع، وهو يمشي قدماً في الشرق وقدماً في الغرب بسبب تباشير الروماتيزم في ركبته. ولما كان بريئاً وساذجاً ولا يعرف أن يتحرك بمفرده فقد كلفني يوسف الخال بمرافقته طوال إقامته هناك، وأوصاني وهو يسلمني إياه: لا تعذبه، إنه شاعر كبير.

ومن أول المشوار توطدت عرى الصداقة فيما بيننا، خاصة بعد أن أهداني في لحظة انفعال كرافيت من نوع سيلكا أو سمكا، لم أعد أذكر، عربوناً على صداقتنا الأبدية، وبدأت مهمتي في إطلاعه على الحياة الثقافية في بيروت فأخذته من ذراعه وقلت له: هذا هو الشارع الفلاني، وهذه هي السينما الفلانية. في هذا المطعم يجلس أركان الناصريين ليهاجموا القوميين. وفي هذا المطعم يجلس أركان القوميين ليهاجموا الناصريين والشيوعيين. وفي هذا المقهى يجلس أركان مجلة “شعر” ليهاجموا الجميع، متخذا كل واحد منهم أفضل طاولة وأفضل واجهة من الصباح إلى المساء على فنجان قهوة وخمسين كأس ماء بنصف ليرة. وعند هذه الزاوية بالذات سحبني صاحب المقهى من يدي وقال لي: إما أن تخلصني منهم، وأما أهدم المقهى وأحوله إلى محل لبيع الشاورما، كرمى ليوسف الخال وشعره الحديث.

وكان بدر يضحك كالأطفال من هذه المعلومات، وكنت بدوري أكثر سعادة منه وأنا أقوم بمهمتي خير قيام لصالح الشعر والحرية حسب مفهومي. ولكن ما أن انتهينا من الشوارع العريضة والمناطق السكنية، وبلغنا منطقة الأسواق التجارية والشوارع المزدحمة، حتى أخذت بعض المتاعب تواجهني في مرافقته. فقد اكتشفت ان المسكين لا يستطيع التسكع كالمراهقين أكثر من عشر دقائق أو ربع ساعة. بعدها يأخذ في الترنح والدوران حول نفسه وحول مرافقه، ولذلك كنت أجده في لحظة على يميني وفي اللحظة التالية على يساري. وعندما لا يجد مرافقه إلى جواره، يدور حول أي شيء، حول عمود كهرباء أو شرطي سير، أو حول نفسه. ويتابع طريقه وحديثه عن الشعر الحديث والشعر القديم. وفي باب ادريس حيث رافقته لشراء بعض الهدايا “لأم غيلان” أتعبني أكثر من ثلاثة صفوف في سن الحضانة، إذ ما أن يمر بزقاق أو زاروب فرعي حتى يترك طريقه الأصلي ويسلكه، وما أن يرى أي باب مفتوح حتى يدخله. باب دكان أو باب مستودع، ويتابع حديثه عن صلاح عبدالصبور وعمر أبو ريشة.

مثلا، فيما نحن نهم بدخول نوفوتيه، يدخل هو صيدلية أو مكتب طيران أو فرن كاتو. وعندما زادها بعض الشيء قلت له أمام المارة، أما أن تظل ملازماً لي في كل خطوة وفي كل اتجاه، وأما أن أمسك بيدك أو أربطك بخيط وأعرف قراءك عليك وأنت في هذا الوضع.

لكن في الأمسية الشعرية التي أحياها مساء في بيروت، انقلب إلى شخص آخر لم أعرفه ولم أرافقه خطوة واحدة من قبل. حتى إنني عندما رأيته يحدق بالحضور فردا فردا بكل ثقة وثبات، خفت منه، وانتقلت من الصف الأول إلى الصف الثامن أو التاسع, ومن هناك أخذت أراقبه، كل ما فيه كان كبيرا. قلبه، موهبته، رأسه، أذناه، ما عدا جسمه. كان المسكين، رأس.

وعندما تقدم من الميكروفون تحت الإضاءة نصف الخافتة، أمحت ملامحه كلها، ولم يبق بارزا منها أمام الجمهور سوى أسنانه، كانت جاحظة من خلال شفتيه بوضوح فيزيولوجيا وايديولوجيا حتى كادت تغطي الصف الأول من الحضور. وسط الصمت المطبق، صرح بقصيدته الجزائرية الشهيرة “من قاع قبري أصيح حتى تضج القبور”.

وما أن انتهت الأمسية حتى كنت في الصف الأخير بسبب تدافع المعجبين والمعجبات للوصول إلى الشاعر الكبير، شاعر الحرية والثورة الجزائرية مقرظين مهنئين. ولكن ما أن سلمت عليه أول معجبة وهي تتنهد حتى ارتخى، وأخذ يصرفني من بعيد بإشارات متلاحقة من يده. وكلما ازداد عدد المتحلقات من حوله بثيابهن الفاخرة وعطورهن المثيرة، ركبه الغرور أكثر وأكثر، وراح يحلق في أجواء من المواعيد الوهمية والأجواء الكاذبة. إذ قال لي ما معناه، بأنه يعتذر عن مرافقتي تلك الليلة وربما لا يستطيع أن يراني أو يرى غيري حتى بعد يومين أو أسبوعين. وعاد لتبادل كلمات الإعجاب والاطراء مع المتحلقين من حوله. ولما كانت السماء ممطرة، وأعرف جيدا هذا النوع من الانبهار وتبادل العواطف والمجاملات أثناء ارتداء المعاطف والتهيؤ للانصراف على أبواب النوادي والمراكز الثقافية، فقد أشفقت على بدر.

كان المطر ينهمر، والرؤية معدومة فوق البحر وفي الشوارع، عندما أخذت مصافحات الوداع والتمنيات باللقاءات في مناسبة أخرى تتوالى على مسامع الشاعر الكبير مع انغلاق أبواب السيارات وانطلاقا بمعجبيها ومعجباتها في ظلمات بيروت الضاجة الساهرة. وبقي بدر خارج القاعة وحيدا كالميكروفون في داخلها. وفجأة نسي كل شيء. وأقبل عليّ يدور حول نفسه كعادته، ووضع ذراعه في ذراعي وانطلقنا باتجاه منطقة البارات ضاحكين ساخرين.

وفي الطريق، أخذ يحدثني عن زيارته الأخيرة لايطاليا، وعن شغفه الجديد بالمعكرونة، ثم انتقل من المعكرونة للحديث عن شعر عبد الوهاب البياتي. ومن ثم عاد للحديث مرة أخرى عن ايطاليا ثم انتقل إلى ثرثرة المضيفات، وعن ولعه بالبحر، وتصميمه على تعلم السباحة بالمايوه. ثم انتقل من الحديث عن السباحة إلى الحديث عن ثورة الشواف في الموصل. وعندما قلت له: وما علاقة هذا الموضوع بحديثنا؟ نظر إلي عابساً وقال: هات الكرافيت.

وفي البار تولى بدر شؤون السهرة. فأوقعنا بين يدي غانية ايطالية دوختنا قبل أن تحضر كؤوسنا دون أن نأخذ منها حقا أو باطلا، وخاصة وأن “بدر” من أول كأس لم يعد يعرف روما من بورما. حتى إذا جاء آخر الليل لم يكن معنا قرش واحد إلا ودفعناه على مائدتها. ثم انصرفت مع بدر وهي تدعي الوقوع في غرامه من أول نظرة والإخلاص له إلى الأبد.

وغادرت البار ولحقت بهما متباطئا دون أن يغيبا عن ناظري. وبينما كان بدر يرقص ويدور حولها كعادته ويغني لها الأغاني العراقية بصخب الأطفال، وإذ به يصمت فجأة ويختفي، وعلى الرصيف المقابل فوجئت به يجلس القرفصاء وحيدا على عتبة فندق، فسألته، ماذا تفعل هنا؟
- أنتظرها.
- وأين ذهبت؟
- صعدت إلى غرفتها لتغير ثيابها.
- وإلى أين ستذهبان بعد ذلك؟
- لا أعرف.
فسحبته من يده وقلت له منفعلا، قم وكفاك جنونا، إمرأة على هذا القدر من السكر والنعاس، أتظنها قادرة على تبديل ثيابها والتبرج لجنابك في هذه الساعة من الليل. أؤكد لك أنها لن تصل إلى غرفتها حتى تنام على لحافها وحقيبتها في ذراعها. فقال بدهشة، غير معقول، لقد وعدتني.

فقلت له: ومن هي التي وعدتك؟ سهير القلماوي، أنديرا غاندي؟ قم ولا تشرشحنا أمام الناس لقد طلع الفجر.
ونهض، ومر بنا حارس ليلي فقال: ماذا تفعلان هنا؟ فقلنا له: لا علاقة لك بهذا الأمر. نحن من رواد حركة الشعر الحديث.

وانطلقنا في أول تاكسي باتجاه الفندق، ولكن في اللحظة التي وصلنا فيها وصل ترامواي وتوقف فترة هناك لجمع الركاب. وبعد ان ودعته، مضيت على أساس أن هذه الليلة انتهت على خير، ولكنه، وبدلا من دخول الفندق، دخل الترامواي وانطلق به وأظن أنه بهذه الطريقة دخل الحزب الشيوعي من قبل.
 
* نقلاً عن موقع الحافة 
 

25 - فبراير - 2009
أحاديث الوطن والزمن المتحول
سرتني رسالتك    كن أول من يقيّم

مساء الخير أستاذي الكريم ياسين الشيخ سليمان وتحياتي لأم أحمد ولعائلتكم الكريمة جمعاء وتهنئتي القلبية لك على قصيدتك الجميلة في ملف العداون على غزة والتي لم أجد الوقت الكافي للتعليق عليها لكني قيمتها بالنجمة الحمراء المخمسة وهو أضعف الإيمان ، وسلامي للإخوة جميعاً والأخوات ولأستاذنا الدكتور يحيى المصري العزيز ووالدته الطيبة وعائلته الكريمة :
 
سرني جوابك على رسالة بريجيت وأخبرتها به منذ قليل وسترد عليك بنفسها وما على الرسول إلا البلاغ . بريجيت ليست آنسة ، بل هي أم وجدة ولديها أبناء وأحفاد منذ أمد طويل ، والصورة التي تراها هنا هي صورة قديمة لها اختارتها خصيصاً للأستاذ زهير ولكثرة ما حدثتها عنه وترجمت لها بعضاً من شعره ، وهي أكبر من أمي سناً ، لكنها صديقتي وجارتي منذ عشر سنين وتحنو علي كما تحنو أمي بل أكثر لأن أمي ، أطال الله عمرها ، بعيدة ولا أراها إلا نادراً .
 
دمتم بخير أستاذ ياسين وتصبحون على خير .

25 - فبراير - 2009
رسالة بريجيت
عن أهمية بعض التفاصيل    كن أول من يقيّم

* لم يكن لدينا في بلادنا كابينات للهواتف العمومية ولم أكن أعرف كيفية استخدامها وكنت في البداية أضع فرنكاً في الصندوق وأقوم بتشكيل الرقم فلا يرد علي أحد ، أو يكون الخط مشغولاً ، فكنت أعيد السماعة إلى مكانها وأخرج من الكابين دون أن أعرف أنه بإمكاني استرداد القطعة النقدية التي وضعتها وأنها تسقط تلقائياً إذا لم تتم المكالمة حتى سمعت صوت رنينها بالصدفة مرة وسقوطها من الجهة الأخرى .
 
* ومرة كنت في مكتب مؤسسة الحريري في منطقة اللا ديفانس La Défence وأردت العودة إلى باريس بالباص لأن المترو كان بعيداً ، وكنت قد طلبت منهم أن يشرحوا لي كيفية العودة فكتبوها لي على ورقة وهو ما كنت ألح عليه في كل مرة أصل فيها إلى مكان ثم أريد العودة منه . وبهذا أخذت الباص الصحيح في الإتجاه المعاكس . ولما انتبهت بأن هذه المناطق التي كنا نجتازها لا تشبه باريس فهمت ، ورغبت بالنزول والعودة ، لكني خفت ، وصرت أترقب الطريق لكي أرى موقف الباص العائد في الجانب المقابل قبل التورط بالنزول ... عبثاً ! ورحنا نسير ونسير ربما ساعة أو أكثر حتى وصلنا إلى منطقة نائية هي عبارة عن ساحة واسعة جداً وسط أرض خلاء يوجد فيها مئات الأوتوبيسات . ولما نزل الجميع ، نزلت معهم ، ونظرت من حولي لكي أقرأ أرقام الحافلات لعلني أستدل على ضالتي ، غير أنني لم أجدها ! وفي تلك اللحظة ، رأيت رجلاً يمر بقربي وأنا لا أزال مسمرة بقرب الأوتوبيس الذي نزلت منه ، كان يسير مطرقاً رأسه كأنه يفكر بموضوع هام أو يقوم بحسابات صعبة لا تحتمل التأجيل . لكني قطعت عليه حبل أفكاره وسألته ، بعد السلام طبعاً ،  " هل هذا هو المكان الذي يمكنني أن أستقل منه الأوتوبيس العائد إلى باريس ؟ " .
 
رفع ذلك الرجل رأسه وكأنه يعود من مكان بعيد لينظر إلى هذه البلهاء التي تطرح عليه سؤالاً عجيباً كهذا ، ولما نظر في وجهي أيقن حالاً بأنني قد أتيت من عالم آخر ، فخبط بكفه على مقدمة رأسه ليستفيق من الصدمة ، أو من هول السؤال ربما ، أو وكأنه يقول في نفسه : " أنت فين والحب فين " ، ثم ، وبدون أن يجيبني بكلمة واحدة ، أمسكني من معصمي كما نمسك بيد ولد نريد أن نساعده لكي يجتاز الطريق ، وجرني وراءه بين صفوف الحافلات ، وتوقف أمام واحدة منها لا تحمل أي رقم ، ثم قال لي : " قفي هنا ولا تتزحزحي من مكانك حتى يأتي سائق الباص ويفتح الباب ، عندها تصعدين وتجلسين في الداخل ولا تتزحزين من مكانك قبل أن تري بعيونك برج إيفل ، عندها انزلي أينما شئت . " وهكذا فعلت !
 
 

26 - فبراير - 2009
مواقف طريفة في ألمانيا ...
ميرا دلمار : أيار    كن أول من يقيّم

ميرا دلمار - أولغا شمس الحاج
Meira Delmar
 
التقديم والترجمة: أنطوان سعيد خاطر :
 
ولدت أولغا شمس الحاج (ميرا دلمار) عام 1922 في بارّانكيليا (كولومبيا) من والدين لبنانيين. زارت لبنان مع والديها واخوتها عام 1931. في الخامسة عشرة بدأت تنشر قصائد باسم مستعار في مجلة "أباطيل". ثم في مجلات اخرى وجرائد كولومبية. مجموعتها الاولى "فجر النسيان" اختيرت عام 1999 كواحد من اجمل عشرين ديوان شعر في كولومبيا في القرن العشرين. طوال 36 عاماً كانت مديرة المكتبة العامة في محافظة الاطلسي فأطلق اسمها على تلك المكتبة. وفي عام 1985 كرّمتها جوقة توماس لويس دي فكتوريا بتقديم اثنتي عشرة قصيدة من شعرها وضع لها موسيقى المعلم رودولفو ييريث. وفي عام 1992 كرّمها المركز الثقافي الكولومبي – اللبناني والجامعة اللبنانية الثقافية في العالم. وفي عام 2000 انشأت جامعة مقاطعة الاطلسي (كولومبيا) جائزة شعر باسم ميرا دلمار.
دواوينها: "خطوات اولى"، "فجر النسيان" "مكان الحب"، "حقيقة الحلم"، "جزيرة سرّية"، "لقاء ثان"، "مِزْهر تذكاري"، "أحدهم يمرّ"، "سَفَر الى الامس".

 
رثاء أيار

 
ارى دائماً شجرة مزهرة بين المطر
حين يقول احدهم بصوت راعش: أيار.
شجرة في المطر... لكنه مطر رائق،
والشمس والبساتين مشرئبة في النسيم.
ففي ايار احبّتني عيناك. عيناك...

كان ذاك زمان الوردة المشتعلة اللاهبة!
وكان الزمان الرنّان، زمان الاجراس العالية...
على موسيقاها الجهيرة كانت تنمو النجوم
العشايا، كانت تتهادى كالصبايا،
وعلى الكتف جرّة ملؤها ماء خاضع.

على الشرفات الفسيحة تبتسم للفجر
كانت حمائم أليفة تستهل النهار...
وأنا أجوز ايار بالخطو السعيد،
مثلي مثل طفل يسير في حقل سنابل!
اليدان تكادان تطيران، والألم بلا اصول،
والقلب مشروع، والجبين في ذهول
.
وراء الجبين تظهر بلاد الحلم
مبهمة دروبها والبدر فيها نيّر...

في الاقليم الضعيف، اقليم الحب الخابي الأمل،
قطفنا العنب اللذيذ ونحن نغنّي...

كان ايار في الارض. وفي صوتك. وفي الريح.
كان خمر احمر ذو لهب يسري في العروق...
كان ايار في الارض... ليس غير... كان ايار...
وحياتي كانت تطقطق، مثلها مثل الحطب!

 

* عن النهار اللبنانية بتاريخ 27 شباط 2009

 


27 - فبراير - 2009
من روائع الشعر العالمى
ميرا دلمار : البحر الأخضر    كن أول من يقيّم

 
 بحر اخضر
 
ترجمة : أنطوان سعيد خاطر : 
   
 لكثرة حبّي ايّاك، يا بحر،
صار قلبي بحّاراً.
تراه ينطلق في الفناء
مع الصواري، ذهّبها القمر
في مدى الهواء
هنا الصوت، هنا الاغنية.
والقلب في البعيد،
حيث ترنّ
على رصيف المرفأ، خطاك.
لكثرة حبي اياك، يا بحر،
تؤلمني في الغياب
تؤلمني حتى تثير فيَّ البكاء
.

 آه، يا بحر!
وكأني به، فجأة،
ينبلج الضياء.
ملائكة عارية.
ملائكة من نسيم النور.
غناء الماء يرقص
رقص "سربندا" من بلّور
.
جزائر، امواج، حلازين.
صراخ الملح الابيض...
والقلب، نبضة نبضة،
يقول:
آه، يا بحر!

 
* عن النهار اللبنانية بتاريخ 27 شباط 2009
 
 

27 - فبراير - 2009
من روائع الشعر العالمى
جواب بريجيت    كن أول من يقيّم

مساء الخير مجدداً أستاذنا وها هو نص الرسالة مترجماً :
Cher Monsieur Yassine
J'étais particulièrement touchée par votre message , traduit également par notre amie Madame Dia , et qui reflète si profondement mes propres convictions . Et pourtant , notre monde devient de plus en plus ensanglanté . Les hommes perdent de plus en plus leurs valeurs fondamentales et semblent de moins en moins différencier le bien et du mal . Etait - ce le dessein de Dieu , le votre et le mien qui vint à créer l'homme , lui donna l'intelligence et la raison , et lui transmis sa loi universelle basée sur l'amour de son prochain , de contrôler sa propre destinée et d'en assumer la responsabilité ? Combien de pages dans nos livres d'histoire sont réservées aux poètes , aux philosophes , aux médecins , aux inventeurs et combien sont consacrées aux guerres , aux batailles , aux massacres , aux conquêtes dont on a même oublié la justification ? combien de méres ont - elles et continuent encore à pleurer la perte de leur enfant ? Notre Dieu de bonté ne peut tolérer l'injustice et nous devons éspérer qu'au bout du tunnel il y aura des hommes de bonne volonté qui se montreront dignes et seront reconnus à leurs juste valeur
Puisse la destinée faire parmi ceux que vous aimez , l'un de ceux là
 
عزيزي الأستاذ ياسين :
أثرت بي كثيراً رسالتك ، التي ترجمتها ضياء ، والتي تعبر عن قناعاتي بشكل عميق . غير أن العالم الذي نعيش فيه يتحول ليصبح أكثر فأكثر دموية ، في الوقت الذي يتخلى فيه البشر أكثر فأكثر عن قيمهم الأساسية وتبدو معرفتهم بالتمييز بين الخير والشر وكأنها تضعف شيئاً فشيئاً . فهل هذه هي إرادة الله ، ربي وربك ، الذي خلق الإنسان وأعطاه العقل والذكاء ، والذي نبَّأه برسالته السماوية التي تقول له : أحب قريبك ، والتي علمته كيف يمسك بدفة حياته ويديرها بمسؤولية ؟ كم من الصفحات في كتب التاريخ تطالعنا خصصناها للشعراء والفلاسفة والأطباء والمخترعين ، وكم من الصفحات خصصنا للحروب والمعارك والمجازر والغزوات التي لم نعد حتى نتذكر أسبابها ؟ كم من الأمهات بكين ولا زلن ولدهن الفقيد ؟ الله خير ولا يحب الظلم وعلينا أن نأمل بأنه سيكون هناك في آخر النفق رجال من ذوي الإرادة الطيبة الذين سيعرفون كيف يستحقون الاحترام وبكل شرف .
آمل أن يجعل القدر أحد الذين تحبهم واحداً من هؤلاء .
 

27 - فبراير - 2009
رسالة بريجيت
اليوم الذي كنت فيه زبونة Rank Xeros     كن أول من يقيّم

 

 مرة أخرى كنت في منطقة اللا ديفانس La Défence التي كنت أكره الذهاب إليها لكثرة ما ضعت فيها ، وهي عبارة عن مجموعة أبراج شاهقة الارتفاع لا يمكنك رؤية آخرها لو وقفت في أسفلها، وهي لذلك تعطيك شعوراً مضنياً بالضآلة والتقزم ، وبأنها تسحقك وتستولي على عزيمتك قبل أن تسمح لك بالدخول إلى بطنها . ثم لأن الساحات والسلالم العريضة التي تفصل بين هذه الديناصورات الهندسية فسيحة واسعة ومكشوفة ولا شيء يحميك فيها من الهواء والريح . لا معالم أو تاريخ لحجارتها وأرصفتها أو للنباتات وبعض الأشجار السقيمة التي تم إدخالها قسراً إلى هناك أو ، كما يتهيأ لي ، عن طريق التلقيح الاصطناعي .لا يوجد هناك مقاه لينبعث منها ضجيج الآدميين ممزوجاً بصوت ارتطام الفناجين فوق صحونها ورائحة دخان السجائر يخالطها عبق النبيذ والقهوة الساخنة . لا دكاكين أو متاجر  بقربك تشعرك بوجود مخازن للغذاء ، أو مخابز تشتم رائحتها الشهية من بعيد . لا يوجد هناك حتى متاجر صغيرة للألبسة تعرض في واجهاتها الثياب التي تنم عن ذوق بائعة المحل ... المساحة خالية من الحياة ، ومن الناس والأولاد ، وكل شيء هناك  نظيف ومعقم وبارد ومنظم بطريقة هندسية واعية ومدروسة لا تشبه الحياة ولا الإنسان ، لا شيء هناك تحبه أو تكرهه أو تهابه أو ترغبه أو تقرف منه أو يطاله إحساسك ويثير في نفسك الانفعال لكي تنطبع صورته في ذاكرتك وتحتفظ بمعالم الطريق ، بل مجرد غابة من الأبنية الشاهقة المتراصة كفيالق الرومان ، المتطاولة إلى الأعالي لترمز إلى سلطان عالم المال والأعمال والأرقام الحسابية بكل قسوته وأنانيته وأشكاله المكعبة والمدببة الأطراف ، تتنافس فيما بينها بالقامة والقوة والضخامة والفخامة وتظهر جبروت ذلك العالم الذي يطمح لاعتلاء قبة السماء . 
 
وكنت  يومها بحاجة لتصوير أحد المستندات . نظرت من حولي يمنة ويسرة وإلى فوق ثم إلى تحت : لا شيء ! لا مكتبة ولا مخزن لبيع الجرائد ولا أحد لأسأله ... ثم ، في أسفل أحد الأبراج ، لاح لي من بعيد كلمة " PHOTOCOPIES " مكتوبة بخط كبير وبلون ناري صارخ يمكن للأعمى رؤيته ، فمشيت إليه يحدوني الأمل بأنني ربما أكون قد وجدت ضالتي .
 
لما وصلت إلى كعب ذلك البرج ، استنتجت بأن تلك الحروف كانت ملصقة على واجهة الطابق السفلي لمعرض كبير لبيع آلات تصوير المستندات Rank Xeros  وكان يمكنني أن ألمح في الداخل المئات من مكنات التصوير الحديثة المتعددة الأشكال والأحجام والاستخدامات . مع هذا ، قررت الدخول ! لماذا ؟ لأنني كنت بحاجة لتصوير ذلك المستند وبأي ثمن .
 
كانت الساعة تقارب العاشرة صباحاً وكان المعرض خالياً تماماً من الزبائن . ولما دفعت الباب ، انبرى من الداخل شاب بمنتهى الجمال والأناقة ، يلبس بدلة من النوع الفاخر بربطة العنق والقميص الأبيض المنشى والتسريحة العصرية والحذاء اللامع ، ليستقبلني بالترحاب وهو يرسم على وجهه ابتسامة آسرة ، ولتلحق به امرأة شابة لا تقل عنه أناقة وجمالاً ، ولولا أن طقمها كان أحمر اللون لظننتها مضيفة طيران بتسريحتها وأناقة خطواتها . وبعد أن ألقت علي تحية الصباح أيضاً ، أسرعت لتسبقنا في الممر ، لتدفع إحدى مكنات التصوير التي انزاحت عن مكانها بضعة سنتيمترات ولكي تجعلها متراصة تماماً مع بقية المكنات فتتيح لنا بذلك مجال العبور بكل حرية . في ذلك الوقت كان الشاب قد سألني بلطف وتواضع كبيرين : " ما الذي أستطيع أن أخدمك به ؟ " ، فأجبته بكل فخر وثقة بالنفس : " أريد تصوير ورقة ! " ...  قلت ذلك وأنا أفتح محفظتي لأدفع إليه بالمستند الذي كنت أرغب بتصويره وهو عبارة عن إخراج قيد قديم قد أكل الدهر عليه وشرب ومكتوب بالعربية . صعق المسكين لهذه المفاجأة ، ولأنه ، لا أدري لماذا ، كان يتوقع مني طلبية بمئات الآلاف من الفرنكات ، لكنه تناول مني الورقة وهو يحاول أن يخفي ضحكته . الفتاة التي كانت بعيدة عن مجرى الحدث ويكاد يقتلها الفضول نظرت إليه لتستطلع الخبر بعد أن نسقت لنا ممر العبور إلى الصالة ، كانت قد سألته بعيونها عن أهمية هذه " الزبونة " التي هي أنا ، ومستواها بالأرقام ، فأخذ يلوح لها بإخراج القيد من بعيد كمن يودع مسافراً ، وهو يضحك قائلا : " تريد تصوير ورقة !" .
 
مع هذا ، وبعد أن انتهت موجة الضحك التي شاركت فيها ، رافقتهما إلى إحدى الزوايا وراء حاجز ساتر  كانا قد وضعا خلفه ماكينة لصنع القهوة ، وطاولة صغيرة عليها أوراق وكتيبات ، وآلة تصوير عتيقة جداً لا تشبه أبداً تلك المعروضات في الخارج ، لكنها تعمل جيداً ، لأنهما صورا لي المستند الذي كنت بحاجة إليه والذي لا أزال أحتفظ به حتى اليوم .
 
وكل التحية والسلام لأستاذي العزيزين يحيى وزين الدين .
 
 

1 - مارس - 2009
مواقف طريفة في ألمانيا ...
 92  93  94  95  96