البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 91  92  93  94  95 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
ألحان الغربة والكآبة    كن أول من يقيّم

من أهم ما يميز شعر العكبري ، كما أسلفنا ، نقده الشديد لأهل عصره وإلحاحه على الإشارة إلى ضياع القيم وفساد العلاقات الاجتماعية وانعدام الأخلاق وانحطاط منزلة الأدب والأدباء ، وما كتبه بهذا الخصوص هو صورة عن عصره المضطرب الذي عزز عنده الشعور بالظلم والاضطهاد فكان ما قاله في ذم أهل زمانه من أبرع شعره :
 
هـذا  الـزمـان iiوأهله بـيـن  المذلة والخساره
راعـي الـقـطيع iiمسلَّم يـعطي الفتِيّ به iiالخفاره
والديك يصدح في iiالدجى والـفأسُ  تصلحُ iiللنجاره
والـقـيـروانُ  iiمـدينةٌ والتبن يحشى في الغراره
والـدُّبّ  يفزعهُ iiالصيا ح فـيستريح  إلى iiالحجاره
والـمـرء يـهتك iiسترهُ أهلُ  التلصّص iiوالدعاره
والـمـرء يـطلبه iiالعنا بـيـن الإباحة iiوالإجاره
لـم  يـبق من نكد الزما ن وسـخـفه إلا الإشاره
إلا صـعود الكركدَنّ  إلى الأذان عـلـى iiالـمناره
 
ومجمل شعره هو تساؤل كبير عن معنى الحياة لأن نقده لم يكن هدفه التجريح والانتقام بقدر ما كان محاولة منه لفهم الواقع الذي يعيش فيه وتفسيره . فالعكبري ككل إنسان آخر ، يبحث عن السعادة ، لكنه لا يحظى منها إلا على ذلك الشعور بالظلم والغربة والمرارة :
 
ليس  الغبينة فوت كل iiغنيمة في الأرض ممّا فاتت الإنسانا
إن الـغبينة في انقلابك رائداً وطـنـا يسرّ فلا تحِسُّ iiأمانا
 
أو كقوله :
العنكبوت بنت بيتا على iiوهن تـأوي إليه وما لي مثله وطنُ
والخنفساء لها من جنسها سكن وليس لي مثلها إلف ولا iiسكنُ
 
أو كقوله في سوء طالعه :
 
 
طـالـعـت نجمي بالحسا ب  مـدقـقا في كل iiحالِهْ
وضـربـت بالهندي iiضر ب مـكـشّف جهد iiاحتيالِهْ
فـحـسـبـتـه  iiفوجدته الـ دبران في درج iiاعتداله
ورأيـتـه لا كـالـنـجو م الخمس في معنى خصاله
وسـعـوده لا iiكـالـسعو د ونـحـسـه أدنى iiفعاله
قـوّمـتـه  فـي iiسـيره ووقـوفـه  عـقبى iiزياله
فـرأيـتـه عـنـد iiالسعا
دة  مـا خـطرت له iiبباله
 
وكان يرافق ذلك الشعور بالظلم والحرمان وسوء الحظ شعوراً بالذنب والدنس وبأنه لم يحصل سوى على الراحة الحقيرة ورغبة في العفاف لمحناها مراراً في شعره وعلى الأخص في تضرعه إلى بارئه ورجائه في طلب المساعدة وذلك لإحساسه الضمني بأنه عاجز عن الالتزام لوحده بدون هذه المساعدة :
 
إلـهـي  إن تعذبني iiبذني
فذنبي عندك الذنب iiالعظيم
وإن تـغفر فعن حلم iiوعلم تـمُـنّ  ومنّك المنّ القديم
وأنت  بكلّ ما قد كان iiمنّي ومـا  هو كائن منّي iiعليم
وقلبي في يديك وأنت ربّي بـنورك  أهتدي وبه iiتقوم
فـيسّر كلما يرضيك iiعنّي فـإنّـك  مـنعمٌ برٌّ iiرحيم
وقـوّمني  تجدني iiمستقيما بـمـنّك أستجيب iiوأستقيم
 
يمكننا تلخيص موقفه بالنقاط التالية :
 
ــ الشعور بالظلم نتيجة الخلل الحاصل في تكوينه الطبيعي والذي منعه من أن يكون إنساناً كاملاً سوياً .
ــ الشعور بالظلم نتيجة الفقر والحرمان وانعدام فرص الرزق أمامه بسبب عاهته .
ــ عدم الاستقرار في العلاقة القائمة بينه وبين بقية البشر وشعوره بالغربة في عالمه .
ــ شعوره باختلال سلم القيم والمفاهيم وتخبطها في زمانه نتيجة العوامل التاريخية والاجتماعية التي تحدثنا عنها .
 ــ شعوره الضمني بالذنب والضعف ورغبته بالمساعدة .
 
تجدر الإشارة إلى أنني حاولت تلخيص المفاهيم الأساسية التي قام عليها شعر العكبري في محاولة أولية متواضعة جداً وسريعة هدفها التقرب من الموضوع وإثارة النقاش حوله وهي سطحية بالمقارنة لما يمكننا معرفته بالنظر إلى أحوال عصره وبيئته الجغرافية والاجتماعية ، وبالمقارنة بينه وبين غيره من الشعراء سواء في تجربة التشرد والصعلكة أم في مجالات أخرى كالنقد والصور الفنية ، لأننا أمام شاعر كبير وتجربة إنسانية وجودية غنية وعميقة تستحق الدراسة والنظر إليها عن قرب :
 
أقـاسـي  الـبـلا لا أستريح إلى iiغد فـيـأتـي غـدّ إلا بـكيت على iiأمس
سـأبـكـي  بـدمـع أو دم أشتفي iiبه فـهـل لـي عذر إن بكيت على نفسي
وأنـكـرت شـمـسا في دجى iiمدلهمّة لعمري لليلي كان أحسن من شمسي 
كـأن  الـصـبا والشيب يطمس iiنورهُ عـروسُ  أنـاس مات في ليلة iiالعرس

13 - فبراير - 2009
الأحنف العكبري يولد من جديد
من الحسيمة إلى كفر حالا    كن أول من يقيّم

صباح الخير :
شكراً لسفير الورود وندى بسكور هذه الإضافة الجديدة وتحياتي لكم مع زكرياء والسيدة نجاة . تجدين يا ندى في الرابط الموجود في التعليق السابق ( و قمح ) على يمين الصفحة لائحة بأسماء المسرحيات والألبومات الغنائية ، وستجدين أغنية " يا رايح ع كفر حالا " في مسرحية " يعيش يعيش " ، حبذا لو استمعت إليها فأنا أجد الشبه كبيراً بينك وبينها .

14 - فبراير - 2009
أحاديث الوطن والزمن المتحول
حول كلمة " طبيعة "    كن أول من يقيّم

أسعد الله مساءك أستاذي العزيز يحيى وكل التحية والسلام لأختنا أم بشار ، والوالدة الكريمة لها مني أحرّ السلام ، وكذلك جميع العائلة فرداً فرداً ، كباراً وصغاراً :
 
أظن أنك مصيب بما أشرت إليه ، ولا أخفيك أنني ترددت أثناء كتابة عبارة : " من جور الطبيعة " التي قصدت بها : الاختلال في التكوين الطبيعي الذي أدّى إلى حدوث التشويه الجسدي ، لأنني شعرت بأن كلمة " طبيعة " أصبحت ، في عصرنا الراهن ، مثقلة بمفاهيم ارتبطت بالفلسفات المادية التي تعزو إلى الطبيعة قدرات ذاتية مستقلة عن القدرة الإلهية ، وأنا لا أقصد هذا طبعاً ، بل اعتبرتها كلمة محايدة تتجنب الدخول في تفسير المدلولات الماورائية أو الدينية للعاهات الخلقية ، ولأن الكثير من هذه العاهات " الطبيعية " قد أصبح بمقدور الطب ، في عصرنا الحالي ، معالجتها أو الحد من نتائجها السلبية . أما عبارة " ظروف الحياة " فهي شديدة العمومية ونحن نتكلم هنا عن " ظرف محدد " . لاحظ معي أيضاً أن عبارة " ظروف الحياة " قد أصبحت بدورها مشحونة بمفاهيم تجعل متلقيها يظن بأننا نتحدث عن الظروف الاجتماعية . سأعود للتفكير بعبارة أو جملة أخرى تتطابق مع ما أريد قوله ، وكل الشكر لك وخالص المودة والسلام .

14 - فبراير - 2009
الأحنف العكبري يولد من جديد
شكراً للأستاذ محمد هشام    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

سرني أستاذ هشام أنك خرجت عن صمتك واستجبت للنداء ولأنك ناقشت الأسئلة التي تدور بخلد أي منا . نعم ، ما فتأ التاريخ يتكرر ويعيد إنتاج نفسه ، فهل تعلمنا منه شيئاً ؟ لا أظن ! فالتاريخ لا يعلمنا شيئاً ، إنه إخبار ، مجرد رواية وإخبار وإعادة إنتاج للذاكرة الجماعية ، فهل علمتنا شيئاً كثرة مشاهدتنا للتلفزيون وتسقط المعلومات ومتابعة الأحداث ؟ وهل هناك من غير موقفه أو موقعه بسبب أنه قد شاهد أو قرأ الأخبار ؟ وهل تغير شعورنا الضمني حيال ما جرى أو ما يجري بسبب معرفتنا بالأحداث ؟ لا أظن أبداً ، أظن بأننا نقف دائماً ، كل منا ، في نفس المكان وأن شيئاً لم يتغير !
 تحياتي لك وللعائلة الكريمة ودمتم جميعاً بخير .

17 - فبراير - 2009
أحاديث الوطن والزمن المتحول
حكاية     كن أول من يقيّم

 

كل التحية للأستاذ الكريم أبي هشام وشكرنا له على تفضله بفتح هذا الملف " للقصص والأدب الشعبي وهو موضوع هام وغني جداً فيه الكثير من الفائدة والمتعة . قصة " أبو النبوت " مثلاً ، حكاية لم أكن أعرفها رغم أنني أحفظ الكثير من الحكايا الشعبية . كانت جدتي ، رحمها الله ، تحكي لنا رواية مشابهة بمعانيها تسميها بقصة " الشقي " الذي لم يحسم أمره بين الخير والشر وكانت ترويها على الشكل التالي :
 
 كان ، في أيام القحط والجوع ، يوجد قاطع طريق قد روَّع الناس بقسوته وجبروته ، وكان ذلك الرجل الذي لا حسب له ولا نسب يسكن في البراري ويعيش فيها كالوحوش الضارية ، ويبرز للناس فجأة من بين الشوك والشجر ، ليسلبهم ويستولي على كل ما معهم ، ودون أن يستطيعوا تحديد مكانه ليقتلوه ،  حتى أنه حرم الناس حرية التنقل والسفر ، لأنهم صاروا يخافونه أكثر من الموت ، فهو لم يك يكتفي بالسلب والنهب والاعتداء بالضرب ، بل كان يقتل كل من كان يعانده ولا يمتثل لطلبه ، وحتى صار اسمه كالكابوس وصار ذكره رمزاً للجريمة والشر .
 
وذات مرة ، توفي شاب في مقتبل عمره في قرية مجاورة مخلفاً وراءه أرملة صبية ، وطفلاً رضيعاً ، وأباً عجوزاً قد أعيته السنون . وبالكاد كانت مراسم الدفن قد تمت حتى بدأ أهل القرية بالتوافد إلى دارهم لمطالبتهم بما كان قد خلفه الإبن من دين وأخذوا يسيئون معاملتهم حتى اضطروهم لمغادرة القرية .
 
كان البرد شديداً ، ولم يكن معهم شيئاً من الزاد يقتاتون به . وعلى الطريق ، برز لهم المجرم " الشقي " ليسلبهم حاجياتهم ، لكنه تفاجأ بمن هم أفقر منه وأشد حاجة : نظر إلى الجد العجوز المحني الظهر وهو يتمرجح في مشيته ، وإلى الأم النحيلة الشاحبة وهي تجذب ابنها الرضيع وتضمه إلى صدرها لتدفئه بينما هي ترتجف وتصطك أسنانها دون أن يوجد على كتفيها ما يحميها من البرد . أثار هذا المشهد الشفقة في قلبه القاسي ، فخلع عنه معطفه ، ووضعه على كتف المرأة ، ثم أخرج من جيبه بقية رغيف كانت آخر ما كان لديه من الزاد وأعطاها للرجل العجوز ، ثم تركهم وعاد إلى وكره بين الصخور .
 
وكانت جدتي تضيف بأن ما فعله في ذلك اليوم من خير يوازي كل ما فعله في حياته من شرور ولذلك فهو " الشقي " .
 

17 - فبراير - 2009
قصص من الأدب الشعبي
الميتافيزيقا كموسيقى    كن أول من يقيّم

سوف أعرض مقالة الأستاذ علي الشوك التي نشرت في الحياة بتاريخ 8 كانون الأول 2008 ومن ثم سوف أقدم حولها شروحات تتعلق بحياة فاغنر وأسطورة تريستان وأيزولدة في مقالات لاحقة : 
 
أثر الفلسفة في أوبرا «تريستان وإيزولدة»... الميتافيزيقا والموسيقى ... بين شوبنهاور وفاغنر
علي الشوك :
 
المتيافيزيقا: يُفترض أن الميتافيزيقا تتعامل مع المبادئ الأولى، وبخاصة «الوجود» (الأنتولوجيا)، و «المعرفة» (الابستيمولوجيا). وكان إيمانويل كانتْ يستعمل الكلمة في مدلولات مختلفة (مع أنه من بين رافضي الميتافيزيقا). في إطار ما، تحدث كانتْ عن ميتافيزيقا الطبيعة، وميتافيزيقا القيم. لكنه استعمل المصطلح أيضاً في الإشارة الى الرغبة التقليدية في الوصول الى معرفة العالم الذي يقع خارج عالمنا الطبيعي، أي العالم المتعالي، أو المتسامي. والعلم الحديث يعتبر الميتافيزيقا فكراً أو تفكّراً لا جدوى منه. لكننا، مع ذلك، سنستعمل المصطلح بما يوازي الشيء المتسامي على الحسي.
 
الموسيقى: أصوات تستعذبها الأذن، وهي تتراوح بين الموسيقى الخفيفة، والموسيقى الجادة، التي تحقق متعة استيطيقية. والموسيقى الجادة يمكن أن تنطوي على بناء تقني رفيع في تراكيبه الصوتية، أو تخلق تأثيراً سايكولوجياً يخاطب أعمق أعماق الروح. وهنا، ربما يحق لنا أن نقول إن للموسيقى بعداً ميتافيزيقياً.
 
الميتافيزيقا والموسيقى: ليس هذا العنوان من عندي، بل هو محرّف عن عنوان أحد فصول كتاب «فاغنر والفلسفة» للفيلسوف البريطاني المعاصر، والمولع بفاغنر، بريان ماجي. العنوان الأصلي هو «الميتافيزيقا كموسيقى». في هذا الفصل يتحدث بريان ماجي عن تأثر فاغنر المباشر بأفكار شوبنهاور الفلسفية، وحتى بآرائه الموسيقية. فشوبنهاور كان الفيلسوف الوحيد الذي عُني بالموسيقى في بعدها الفلسفي من خلال تقنيتها.
 
وشوبنهاور معروف بأفكاره التشاؤمية (على خلاف هيغل في نظامه الفلسفي المتفائل). وهو فيلسوف كبير تأثر به كتّاب مثل تولستوي وتوماس هاردي وتوماس مان ونيتشه وفرويد وفتغنشتاين، طبعاً وفاغنر. وهو صاحب قلم بليغ جداً. لكن أفكاره قد تعتبر ثقيلة على الهضم، على رغم أن أسلوبه يتسم بالوضوح والجمال. ويهمنا هنا الجانب الموسيقي من فلسفته. فالموسيقى عنده هي أكثر الفنون تجريداً. ولها طابع خاص، لأنها تعبر عن الحقيقة المطلقة مباشرة. وبمقتضى فلسفته أن الإرادة تجعلنا نعاني ونسبب المعاناة. أما التجربة الاستيطيقية، لا سيما الموسيقية، فتحقق لنا خلاصاً موقتاً، خلاصاً قصير العمر.
ومع أن أفكار شوبنهاور الفلسفية لم تعد تهمنا، إلا أن كلامه عن الأبعاد الفلسفية للتقنية الموسيقية يبقى موضع إعجاب.
 
يزعم شوبنهاور أن البشر هم، بالمعنى الحرفي للكلمة، تجسيد للإرادة الميتافيزيقية، بحيث ان الإرادة، والرغبة، والطموح، الخ، هي ليست أشياء نمارسها: إنها في حقيقتها ما نحن عليه. والموسيقى هي أيضاً تجسيد للإرادة الميتافيزيقية. وهذا يعني أن الموسيقى تعبر مباشرة عما نحن عليه في أعماق دخائلنا، كحياة بديلة. فشوبنهاور يؤكد أنه حتى أبسط الألحان، التي هي تعاقب لنوطات مفردة، تدعونا لأن نريدها ترجع الى القرار، مهما ابتعدت عنه، وأنها تثير فينا ضرباً من عدم الارتياح إذا انتهت الى نوطة أخرى غير القرار. ليس ذلك فحسب، بل ينبغي أن ينتهي اللحن ليس فقط عند تلك النوطة القرارية إياها، بل عند ضربة قوية في الإيقاع، في الوقت نفسه. وإذا فشل الموسيقي في تحقيق هذين الغرضين، فإننا سنشعر بشيء من عدم الرضا، وبشيء من القلق. ويخلص شوبنهاور الى أن «الموسيقى تتألف من تعاقب من مركبات صوتية غير مريحة للأذن الى هذا الحد أو ذاك، أو بالأحرى من مركبات صوتية تثير القلق، مع مركبات صوتية مريحة، مثلما أن حياة القلب (الإرادة) هي تعاقب للقلق في الحياة، من خلال الرغبة أو الخوف». وأكد شوبنهاور أننا حين نستمع الى الموسيقى، فنحن لا نستطيع إلا أن نشعر بمثل هذه التوقعات والرغبات. إنها شيء لا إرادي، وهذه الاستجابة لا علاقة لها بمعارفنا، أو ذكائنا، أو فهمنا. إن الغالبية العظمى من الناس ذوي الحس الموسيقي الطبيعي، الذين لم يتعلموا أي شيء عن الموسيقى، وليست لديهم أي فكرة حتى عن أبسط تقنياتها، مثل ترقيم الميزان في الفاصلة الموسيقية، أو ما هو مفهوم «القرار»، سيشعرون تماماً الشعور نفسه كما لو كانوا ملمين بالتقنية الموسيقية. لذلك، فإن الموسيقى، كالحياة، تعبر عن الوضع القلق الذي نحن فيه، الى أن يتحقق توقف كل شيء، نهاية المقطوعة الموسيقية، أو نهاية حياة المرء، ويتحقق معها توقف الشعور بعدم الارتياح.
 
عند هذه النقطة يولي شوبنهاور اهتماماً خاصاً بوسيلة تقنية في الهارموني، تدعى «التعليق». وكانت هذه الفكرة هي التي ومضت في ذهن فاغنر. إن التعليق يولد حالة من الترقب. وهذا يُلمس في المقطع ما قبل الأخير من المركب الصوتي في أي مقطوعة موسيقية. وهذا في واقع الحال تنافر تقريباً. الترقب ينطوي على تنافر في الموسيقى، وليس ذلك فحسب، بل إن التنافر يُفضي الى تنافر آخر، الى أن يعود ليستقر على الصوت القراري. هنا عندما يتحرك التنافر الى تنافر آخر غير متوقع، فإننا نشعر كأننا كنا بحاجة الى أخذ نَفَس آخر، نتيجة لما فوجئنا به من تنافر آخر. وهذا يعني أن حل الترقب كأنه يجعلنا نسترد أنفاسنا المحبوسة. ويرى شوبنهاور أن هذا مشابه لتطمين الإرادة، التي تزداد توتراً عند التأخير.
 
عندما قرأ فاغنر هذا الكلام، شعر أنه تلقف فكرة موسيقية، فكرة تأليف قطعة موسيقية كاملة، في الواقع أوبرا كاملة، على النمط نفسه من عملية الترقب. فالموسيقى ستتحرك، على طول، من تنافر الى تنافر، بصورة تجعل الأذن في حال ترقب مستمر لحل لم يأت. لكنّ هناك حلاً واحداً لذلك كله، هو المركب الصوتي النهائي، الذي هو نهاية النص الموسيقي، وفي الأوبرا نهاية حياة البطل.
 
وهنا يبقى المركب الصوتي الأول في أوبرا (تريستان)، الذي عُرف بمركب تريستان الصوتي أشهر مركب صوتي في تأريخ الموسيقى. فهو ينطوي ليس على تنافر صوتي واحد، بل على تنافرين صوتيين، وبذلك يخلق عند المستمع رغبتين معذبتين في مفعولهما، لنشدان الحل. والمركب الصوتي الذي يتحرك إليه، يحل أحد هذين التنافرين، لكن ليس الآخر، وبذلك يحقق حلاً، لكنه ليس الحل الكامل. وعلى هذا النمط تتحرك موسيقى فاغنر: في كل حركة لمركب صوتي هناك شيء يُحَلّ، لكن ليس كل شيء. كل مركب صوتي يُحل بطريقة يبقى فيها الآخر، أو يظهر فيها مركب صوتي جديد، وهكذا، في كل لحظة تشعر الأذن الموسيقية أنها اطمأنت جزئياً، لكنها ظلت في الوقت نفسه محبَطة. وهذا يستمر في العمل كله. ولا يُحل التنافر كله إلا في نقطة واحدة، هي المركب الصوتي الأخير، وهذا هو أيضاً نهاية كل شيء، الأبطال، واهتمامنا بهم، والعمل الأوبرالي كله.
 
قال إيرنست نيومان، وهو أحد أبرز كتبة سيرة حياة فاغنر، إن «تريستان وإيزولدة» هي شوبنهاور من المركز الى المحيط. إن الفكرة الأساسية لها التي تعتبر بذرة العمل كله كانت استجابة لقراءة شوبنهاور. وكل شيء فيها كان مستوحى من شوبنهاور: العلاقة بين الموسيقى والعناصر الأخرى في الدراما، المغزى المركزي للقصة، والمخيلة الأدبية التي تسود النص، كلها بوحي من شوبنهاور. لقد أكد توماس مان أن هذا الانصهار بين فاغنر وشوبنهاور كان مثالاً صارخاً في كل الثقافة الغربية ذات العلاقة المتكافلة بين فنان خلاق أصيل ومفكر كبير. لكن هذا لا يعني أن على المرء أن يُلمّ بفلسفة شوبنهاور ليتبين الجانب الفني في «تريستان» .
 

18 - فبراير - 2009
الفلسفة والموسيقى
يا للسعادة !    كن أول من يقيّم

تعجبت كثيراً لرسالة وصلتني إلى بريدي منذ أيام مكتوبة بريشة شاعر قدير ترافقها مقطوعة موسيقية قصيرة جميلة وجديرة بكل الإعجاب والتقدير ودون أن أعرف في البداية هوية صاحب الرسالة . ثم فرحت وزال عني العجب عندما عرفت بأن الكلام والموسيقى يحملان توقيع صديقنا العزيز الأستاذ محمود الدمنهوري الذي يفاجئنا في كل إطلالة جديدة له بما يثير في نفوسنا ألواناً من الغبطة والدهشة أمام فصاحته وموهبته وطموحه . أشكرك يا أستاذ محمود على استجابتك بالمشاركة في هذا الملف الخاص جداً وأتمنى عليك المتابعة معنا ، فالأستاذ النويهي أخرج من جعبته بعض اليواقيت لينثرها ههنا على دروب الموسيقى وفي طيات صفحاتها . شكري لكما أيها العزيزان وبالتوفيق إن شاء الله .

19 - فبراير - 2009
الفلسفة والموسيقى
تريستان وإيزولدة    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

أسطورة تريستان وإيزولدة ( Tristan et Yseult)

تنتمي هذه الحكاية إلى أساطير السلت أو الكلت ( Celtes ) وهم آريون من مجموعة الشعوب الهندو - أوروبية ، خرجوا من بوهيميا ، في تشيكيا الحالية ( La Bohême) واستوطنوا الشاطىء الغربي  للقارة الأوروبية المطل على المحيط الأطلسي من الشمال الفرنسي وحتى جنوب البرتغال وكذلك إيرلندة واسكتلندا وذلك في الفترة الممتدة بين القرن الثامن والقرن الثالث قبل الميلاد تحتوي هذه الأسطورة على عناصر يُحسب أنها تاريخية واقعية وأخرى خيالية ، وكانت قد راجت رواجاً كبيراً في القرون الوسطى على شكل ملحمة شعرية  وصلتنا  بروايات متعددة تختلف ببعض تفاصيلها ، أهمها ما كان قد كتبه شاعر ان من شعراء القرن الثاني عشر هما  بيرول Béroul النورماندي ، و Thomas D'Angleterre الإنجليزي .
 
ينبغي النظر إلى هذه الحكاية إذن بمفهوم العصر الذي صيغت فيه ، العصر المسكون بخيالات البطولات الخارقة والحب الرومانسي ، والذي كان قد بدأ يشعر بتناقض فكرتي العاطفة والواجب ، وبدأ يسعى لتفسير عاطفة الحب وتحديد مفهوم الواجب وأهمية ومكانة كل منهما في حياة البشر :
 

" تريستان " ابن ملك ، توفيت والدته بعد وضعه بدقائق ولذلك اختارت له اسم " الحزين " " تريستان " لأنها شعرت بدنو أجلها لحظة ولادته ، ولأن حياته ستكون كلها منذورة للتعاسة والشقاء بالرغم من أصله النبيل وجماله الساحر وقوته الخارقة . وقع " تريستان " الطفل تحت رحمة زوجة أبيه التي كانت تكرهه وتسعى للتخلص منه ، فما كان من خاله " مارك " إلا أن خبأه لدى أحد أصدقائه حفاظاً منه على حياته .
 
تعهد " مارك "  ( ملك منطقة البريتاني أرموريكان ) ابن أخته بالرعاية والاهتمام حتى كبر ، فجعله حينذاك ذراعه اليمنى ، وكان يعتمد عليه في المهمات الخطيرة ويعدّه لاستلام الحكم من بعده . لكن بقية أمراء المملكة رفضوا تعيينه كولي للعهد وألحوا على الملك بالزواج بغية إنجاب ولد من نسله المباشر ووقع الخيار على ابنة ملك إيرلندة " إيزولدة " الشقراء ، المعروفة بجمالها وقدرتها على صنع عقاقير لتخليص الجسم من السموم ، لكي تكون الزوجة المنشودة . بعد موافقة ملك إيرلندا ، أرسل " مارك " " تريستان " لإحضار العروس التي كانت قد شعرت بالحزن والخيبة لقبول أبيها تزويجها من ملك كبير السن ، لكن أمها صنعت لها شراباً من وصفة سحرية تعرفها وأوصتها بأن تشربه في ليلة العرس مع زوجها لكي يعقد الحب بين قلبيهما ، وقالت بأن مفعول هذا الشراب سوف يدوم ثلاث سنوات .
 
وبينما هما في طريق العودة ، وعلى ظهر السفينة ، يعطش " تريستان " فيشرب عن غير قصد من ذلك الشراب السحري ويسقي منه " إيزولدة " . للحال يشعر كل منهما بانجذاب خارق نحو الآخر ، وعاطفة جامحة تتملكهما دون أن يتمكنا من لجمها أو كبتها أو السيطرة عليها .
 
عندما يصلان إلى البريتاني ، موطن " تريستان " وخاله العريس ، وفي ليلة العرس ، تضع " إيزولدة " خادمتها مكانها في سرير الزوجية وتهرب مع " تريستان " إلى جهة مجهولة .
 
تثور ثائرة الملك ويتوعد بالانتقام لشرفه وقتل الحبيبين الفارين اللذين لم يجدا لهما من ملجأ على الأرض سوى الكهوف والمغاور والغابات الموحشة . ثم ، ذات ليلة ، وبعد ثلاث سنوات من البحث الدؤوب ، يعثر الملك " مارك " على ابن أخته وزوجته نائمين واحدهما بجانب الآخر في أحد الكهوف البعيدة ، يفصل بينهما سيف " تريستان " الذي كان مغروساً كالرمح في باطن التربة ، فيظن الملك " مارك " بأنها علامة الطهر ، ودليل على أنهما لم يتماسا ، ويندم على حمقه وتسرعه ويقرر العفو عنهما ، ويسارع بانتزاع سيف " تريستان وغرس سيفه مكانه ، ثم يضع خاتمه الخاص في إصبع " إيزولدة " النائمة ويغادر المكان دون أن يوقظهما من رقادهما .
 
عندما يستفيق الحبيبان ويشعران بهول ما حدث يندمان كل الندم على فعلتهما ويقرران الافتراق نهائياً للتكفير عن خطيئتهما وخيانتهما للملك " مارك " ، وتقرر " إيزولدة " العودة إلى زوجها ، وأما " تريستان " فيتزوج أميره من منطقة نائية تدعى " إيزولدة " ذات الأيادي البيضاء تشبه بجمالها " إيزولدة " الشقراء إلا أنها لا تمتلك قدراتها السحرية . وعبثاً حاولت ذات الأيادي البيضاء استمالة قلب " تريستان " الذي ظل مشغولاً بحب " إيزولدة " الشقراء رغم انقضاء مفعول الشراب السحري ومدته .
 
وذات يوم ، وفي إحدى المعارك ، جُرح " تريستان " بسيف مسموم ، ولم يكن بمقدور أحد من البشرعلاجه سوى حبيبته القديمة ، فأرسل يطلب منها أن تلاقيه إلى عرض البحر بينما هو في طريقه إليها ، وبأن تفرد له الأشرعة البيضاء كعلامة يمكنه رؤيتها من بعيد في حال وافقت على طلبه ، وإلا ، فلتفرد الأشرعة السوداء ...  " إيزولدة " الشقراء التي كانت لا تزال على حبه ، كانت قد أبحرت للحال لنجدته ، وبدون إبطاء ، وهي ترفع عالياً أشرعتها البيضاء ، لكن " إيزولدة " ذات الأيادي البيضاء أعلنت لزوجها ، بعد أن أكلت قلبها الغيرة ، بأن الأشرعة القادمة من البعيد مجللة بالسواد . لم يحتمل " تريستان " وقع ذلك الخبر القاتل الذي أوحى إليه بأنه قد فقد حب " إيزولدة " إلى الأبد ، فما كان منه إلا أن غرس السيف في قلبه وقضى على حياته .
 
وتقول الأسطورة بأن " إيزولدة " الشقراء ماتت حزناً بدورها على " تريستان " عندما سمعت بالنبأ ، وبأن الملك " مارك " استعاد جثتي الحبيبين وقام بدفنهما واحدهما بجانب الآخر وبما يليق بمكانتهما للتدليل على أن المجتمع البشري الذي يضيق أحياناً بقصص الحب ولا يستطيع إدخالها دائماً في حساباته المادية إلا أنه يعرف كيف يفتن بها ويقدرها حق قدرها .
 
 

19 - فبراير - 2009
الفلسفة والموسيقى
فكرة قوية ومبتكرة    كن أول من يقيّم

صباح الخير وتحياتي للأستاذة خولة والأخوة المشاركين في هذا الملف الجميل :
 
أهلاً بإيهاب باشا وحكايته اللذيذة . أعدتنا يا إيهاب إلى أيام السوبرمان والوطواط وغولدوراك وغريندايزر ... حكايتك مزيج من قصص كثيرة وهذا يعني بأنك تقرأ جيداً وأن خيالك واسع أنما يلزمك لتصوير الشخصيات الرئيسية تحديدات تساعدنا على تخيلها لكي نشعر بأنها موجودة ، لا يكفي مثلاً أن نقول د. خالد أو د. رامي لكي يكون عالماً ، وما الفرق بين الأول والثاني ؟ عليك رسم شخصية كل واحد  منهما وتحديد اختصاصه ووصف سلوكه وحتى شكله ( دون الاسترسال بالوصف ، تكفي الإشارة إلى ما هو مختلف ومتميز أحياناً )، وكذلك العميد الذي ألبسته ثوب الشرير ، ورسم شكل الحيوان الغريب بصورة أوضح ( نحن تخيلناه كالدينوصور فهل تقصدت ذلك ؟) وتحديد طبيعة قدراته الخارقة وما يميزه عن غيره من الحيوانات فإذا قلت بأن ذيله يبلغ ضعف حجمه ويستخدمه بالتنفس وكسلاح ضد الآخرين فعليك أن تبين كيف يفعل ذلك لأنك عدت وقلت بأنه يبتلع الناس . وبما أنك استخدمت فكرة " البعد الخامس " وهذا جيد ، عليك أن تضيف من خيالك لهذا المفهوم الغامض ، الذي اعتبرته أنت مكاناً خارجاً عن كوكبنا ، مواصفات تميزه عن كوكبنا .
 
أما فكرة أحمد والعميد اللذين التهمهما الخوار ثم قذفهما فتحولا إلى وحوش تصارع نفسها فهي فكرة قوية ومبتكرة تستطيع أن تجعل منها محور قصتك القادمة سواء فيما يتعلق بطبيعة الوحش الذي تحدثت عنه أم لجهة ما سيترتب على ذلك من تغيرات لدى شخصيات القصة سوف يتولد عنها أحداثاً جديدة .
 
تمنياتي لك بالتوفيق وإلى الأمام .
 

21 - فبراير - 2009
قصة: البعد الخامس
ريتشارد فاغنر (1)    كن أول من يقيّم

ريتشارد فاغنر Richard Wagner ( لايبزغ 1813- البندقية 1883 ).
 
هو أحد عمالقة الموسيقى والمجدد الفعلي لفن الغناء الأوبرالي الذي تحولت الأوبرا تحت تأثيره من لون موسيقي إلى مسرح غنائي يحتوي على كل عناصر البناء المسرحي : الشعر ، الموسيقى ، التمثيل ، الديكور الفني .
 
كانت حياة فاغنر عاصفة وغنية بالتجارب ، انتقل فيها من وطن لأخر ، ومن مدينة لأخرى ، ومن امرأة لأخرى ، ومن قناعة لأخرى ، ومن صداقة لأخرى ، ومن عاطفة مدمرة لأخرى ، وكان كاتباً وشاعراً وفيلسوفاً وموسيقياً وعاشقاً ومناضلاً سياسياً وصديقاً مخلصاً وأباً رحوماً ... ، وكان يقوم بكل هذه الأدوار بإخلاص كبير وعاطفة جياشة قادت حياته منذ بدايتها وحتى نهايتها . وكانت موسيقى فاغنر انعكاساً لكل هذه التنوعات في شخصيته والتجارب التي عاشها في حياته وبحيث ارتبطت مؤلفاته الكثيرة بهذه التجارب وعبرت عنها مرحلة فمرحلة ، وما أوبرا " تريستان وإيزولدة " سوى مثال ساطع تتشابك فيه كل هذه الرغبات والتناقضات ويبدو فيها هذا النسيج العاطفي لشخصيته والذي يعكس رؤيته للحب والحياة والقيم والواجب ويعبر عن سطوة عاطفة الحب الخارقة ، التي لا تستطيع مقاومتها إرادة البشر ،  وبخلودها إلى ما بعد الموت .
 
كان فاغنر الولد الأخير لعائلة من تسعة أولاد ، توفي والده وهو لا يزال في شهره السادس فتزوجت أمه ممثلاً مسرحياً يظن فاغنر بأنه والده الحقيقي ( الغير الشرعي ) أحاطه بالكثير من الرعاية والاهتمام وغرس في نفسه حبه للمسرح . في البداية ، درس فاغنر الموسيقى والبيانو على مضض لأنه عكس نيتشه ، كان يحلم بأن يكون كاتباً كبيراً كشكسبير وليس موسيقياً . ثم درس الفلسفة وعلم الجماليات في الجامعة . في العام 1833 حصل على أول وظيفة له وهي المدير الفني لأوبرا مدينة فورتسبورغ وتزوج من الممثلة المسرحية مينا بلانر وكان زواجاً فاشلاً وعاصفاً على الصعيدين المادي والشخصي هاجر بعدها إلى لندن ومن ثم باريس هرباً من مدينيه وللبحث عن عمل ، وأثناء هربه وفي إلى لندن هبت عليهم عاصفة قوية وهم في عرض البحر ألهمته أوبريت " السفينة الشبح " أول عام هام في حياته على الصعيد الفني .
 
بعدها عاد إلى دريسدن عاصمة مقاطعة الساكس الألمانية (1840 ) حيث شغل منصب مدير الأوركسترا هناك وعقد صلات وثيقة مع " الفوضويين " وهم مجموعة ثورية كانت تنادي بالحريات السياسية المدنية وبوحدة الأمة الألمانية ، ثم اضطر لمغادرتها بعد اندلاع الثورة هناك وفشلها وسجن صديقه " باكونين " .
 
 
 

22 - فبراير - 2009
الفلسفة والموسيقى
 91  92  93  94  95