البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 90  91  92  93  94 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
نيتشه والموسيقى    كن أول من يقيّم

 
لنيتشه صلة وثيقة جداً بالموسيقى التي تعلمها كذلك من أمه ، وهو لم يكف طيلة حياته عن الاعتقاد بأنه سيصبح موسيقياً لامعاً ، وكان مواظباً على العزف في كل يوم ، وأول ما كان يسأل عنه عندما كان يقوم بحجز غرفة له في أحد الفنادق ، أثناء تنقلاته الكثيرة ، هو معرفة ما إذا كانت الغرفة تحتوي على بيانو .
 
ألف نيتشه حوالى الخمسين مقطوعة موسيقية خلال حياته ، لكنها كانت ذات مستوى متواضع جداً ، بل مخيب للأمل . بالمقابل ، كان عازفاً بارعاً ومتشبعاً بكل تاريخ الموسيقى ، عارفاً بمجالها الواسع في التلحين والتدوين ، لكنه لم ينجح أبداً في إقناع معاصريه بالقيمة الفنية لمقطوعاته التي حاول أن ينافس بها صديقه ( لفترة من الزمن وقبل أن ينقلب عليه ) فاغنر ، والتي كان يكتبها للبيانو وتحتاج غالباً لأربع أياد لعزفها ( أي أنها كانت بحاجة لزوج من البيانوهات في كل مرة ). كان نيتشه يحب هذه المشاركة في عالم الموسيقى ويعتبرها بديلاً عن الروابط العائلية وأن هذه الثنائية هي نوع من المزاوجة بدون زواج ، وهي تحالف مؤلف من " الوحدة والتوحد " .
 
فشل نيتشه فشلاً ذريعاً في أن يصبح موسيقياً رغم محاولاته المتعددة والمتكررة ، مع هذا ، ظل يعتقد بأن كل ما ألفه من كتب " هو شكل من أشكال الموسيقى الجديدة التي لن تروق إلا للذين لديهم آذان جيدة للسمع " ، وكان يظن ، لوقت طويل ، بأن ألحان صديقه فاغنر ، الذي افتتن بموسيقاه ، ما هي إلا تجسيد للأفكار التي طورها بنفسه في كتبه الفلسفية .
 
بعد انفصاله عن فاغنر ، صار يعزف شومان " الذي لا مثيل له " ، لماذا ؟ لأن شومان هو الجرعة المضادة لفاغنر وبيتهوفن ، هو الجرعة المضادة لألمانيا . شومان بالتحديد ، بنظره ، هو " إيطاليا " ، وما يتهم به فاغنر بالتحديد ، هو إرادته في تحويل الموسيقى إلى " لغة ". أي منبع كل تسلط .
 
كانت الموسيقى هي الدواء الوحيد لروحه ، حتى في فترة جنونه الأخيرة . كان نيتشه يحاول أن يمسك العالم من أذنيه ، وأن يستخدم رنات الوتر لكي يتمكن من تقييم ما هو صالح لجسده ، ما يضعفه وما يقويه . وكان هذا العالم الصوتي الذي كان يسكنه ، المتولد من آثار وقع أصابعه فوق أحجار البيانو ، هو المكان الذي أتاح له تقييم أفكاره وقياس مستوى شدتها وجمالها .
 
 

24 - يناير - 2009
الفلسفة والموسيقى
رولان بارث والموسيقى     كن أول من يقيّم

قرار العيش مع الموسيقى هو إلزام للجسد العاشق . هكذا قرر رولان بارث بأن تكون علاقته مع الموسيقى ، وهو ما فهمه بمنأى عن الرموز التي كان المنظر الوحيد لها كعالم سيميائيات والمحرض الأساسي في زمنه على دراسة الفلسفة البنيوية . كان البيانو ، بالنسبة له ، هو الهروب من الخطاب النظري العالم إلى نوع من اللذة الحسية التي تكون أحياناً مهدهدة كأغنيات الطفولة ، أو عنيفة جارفة مسرِّعة لنبضات القلب أحياناً أخرى .
 
كان بارث يعيش علاقته مع البيانو كنوع من النرجسية رغم أنه لم ينجح أبداً بالوصول إلى درجة العازف الماهر ، بل ظل طوال حياته يعيش تجربته كهاو لا يمل من المحاولة . وكان يطيب له أن يردد ، بشيء من الفكاهة ، بأن : " العازف الأمثل لشومان هو أنا " . لقد كان هاوياً ، وعازفاً رديئاً ، لكنه كان يواظب على العزف وإعادة المحاولة بإصرار ، في كل مرة ، وكأن هذه المحاولات هي العلاقة الحميمية التي كان يتلذذ بنسجها مع الموسيقار الذي يعزف ألحانه . كان شومان يلمس روحه ، لذلك ، من أجله ، ومن أجل الموسيقى الألمانية ( التي كان سارتر يعشقها أيضاً ) فهو لن يتردد في قبول موقع الهاو ، والعازف الرديء ، المتحمس دوماً لقراءة المقطوعة عينها ، وتكرارها يوماً بعد يوم ، حتى حدود الإرهاق الشديد ، ودون أن ينجح أبداً في امتلاكها أو سبر غورها ، لأنه عندما يعزف ، فإن كل شيء يتحرك ، وكل شيء يتغير ، وبحيث أن الوقت يتقلص ويتمدد ، وكل هذه الاختلاجات وهذه الحيرة ، كانت تروق له تماماً .
 
وكما كان الحال لدى سارتر ، فإن بارث كان يعزف هرباً من الحداثة . هرباً من الحياة التي تجرفنا . وكمثل سارتر ، كانت الموسيقى في حياته هي الجانب الحميم والخاص المقابل للجانب الخارجي والعام والمكان الذي يلقي فيه بنفسه داخل نوع من التفكيك الحي والمحفز لطاقته الحيوية والذي كان ينقذه من تفكيك العالم بأساطيره المتعبة . والبيانو بالنسبة لبارث ، كان : " الوسيلة التي تمكنه من الكتابة بشاعرية وتترك من ورائها صدى . " ، " إنه مشهد ذاتي ، وأسلوب حياة " يقول نودلمان ، مع كل ما يمثله من هروب من الواقع ، واستبطان للذات ، لذيذ المذاق ، متقطع ، ويصعب الإمساك به .
 
خلاصة :
 
تنتقل عبر الموسيقى ، مجموعة من " الآثار " العاطفية التي نرى امتداداتها في الحياة الاجتماعية والثقافية . كل هذه الآثار سوف تفصح عنها أنامل العازف سواء كانت : الهيئة التي يتبدى بها عزفه ، أم ما يضمره من كياسة أو رقة أو رغبات ، وبشكل أن العزف على البيانو لا يترك الأيام التي تليه دون أثر ، لأنه يقوم بإخراج هذه المشاعر من الظلمة إلى النور .
إن ذلك الذي يتخيل للحظة بأن خطاب العشق ممكن ، سيبدي لنا من خلال عزفه بأنه لا يخاف تناقض المسميات ، وبأنه يجد لنفسه في الموسيقى الطريقة المثلى للغذاء ، لأن العاشق يجد فيها دائماً ما يتغذى به .
 

25 - يناير - 2009
الفلسفة والموسيقى
كثير من الأسئلة وقليل من الإجابات    كن أول من يقيّم

صباح الخير عليكم جميعاً :
 
أهلاً بالأستاذ يوسف ، ومرحباً مجدداً بالأستاذ ياسين . وتحيتي للأستاذ عبد الرؤوف الذي طالما أحببت كتابته النابضة بالحياة . من الصعب جداً أن أجيب على أسئلتكم ، وليس فقط لأنني لا أعرف الكثير عن تقنيات الموسيقى وتاريخها ، بل ولأن هذه الأسئلة تحتاج إلى بحث وتدقيق يتطلب الكثير من الوقت . سأقول على عجالة ، فيما يتعلق بسؤال الأستاذ الزيات ، بأن العلاقة بين الفلسفة الإسلامية والموسيقى ، كانت بدايتها ، كما يبدو لي ، لدى الفارابي الذي كان فيلسوفاً وعالماً موسيقياً ، ويقال بأنه من اخترع آلة القانون . ثم تمخضت عرفانية الفارابي وابن سينا ، على الخصوص ، عن جملة من المدارس الصوفية التي ترتبط طقوسها ارتباطاً وثيقاً بالرقص والموسيقى ، وهذا معروف جداً ( وقد رأينا جانباً منه في ملف " الطريق إلى قونية " ) كما هي معروفة علاقة الفلسفة اليونانية بالموسيقى لأنهما خرجتا معاً من رحم الأسطورة ، ثم عادتا إليها في عصر الأفلاطونية المحدثة ( التي هي من الروافد المهمة للفلسفات العرفانية ) وإنما بثوب جديد .
 
أما الموضوع الذي يتناوله هذا الملف والذي حدده مؤلف الكتاب " لمسة الفلاسفة " فهو يتناول الجانب الشخصي والخاص في حياة الفلاسفة الذين تحدث عنهم ، ليس فقط من ناحية شغفهم بالموسيقى ، ولكن لأنهم ارتبطوا بها جميعهم برباط عاطفي يبرز علاقتهم بأمهاتهم ومحيطهم العائلي ويعبر عن مدى عمق هذه العلاقة وتأثيرها في الجانب " الخفي " أو " السري " في حياتهم والذي يوازي بأهميته الجانب العام والعلني الذي حققوا من خلاله المجد والشهرة أي سلطتهم الاجتماعية . هي الكفة الأخرى للميزان التي لا بد من الاعتناء بها وإشباعها لإحداث التوازن في الشخصية . هناك فلاسفة ارتبطوا بالشعر أو الرسم ، وهي وسائل أخرى للتعبير ، لكن خصوصية الموسيقى كفن كانت مقصودة بحد ذاتها .
 
وأما سؤال الأستاذ ياسين عن بوش وأولمرت وليفني وشارون فهو بحاجة لعالم نفس متمكن ومختص بالحالات الصعبة والشاذة . ولو سألتني رأيي الخاص ، وهو بعيد جداً عن موضوع الملف ، لقلت بأننا لو جردنا السياسة من الأخلاق لأصبحت الدول عصابات والشعوب مجرد عبيد ومساجين يعيشون تحت رحمتها ، سواء كان هؤلاء العبيد يعون هذه الحقيقة أم لا يعونها ، وهذا حال أكثر الدول في عالمنا الراهن .
 

27 - يناير - 2009
الفلسفة والموسيقى
عباقرة ومهمشون    كن أول من يقيّم

كل التحية لكم جميعاً أساتذتي الكرام : أنا مثلك أستاذ ياسين لم أكن قد سمعت بالأحنف العكبري حتى هذه المناسبة ، ولقد أصابتني الدهشة لدى قراءتي للمجموعة الأولى من شعر الأحنف التي أرسل بها إلي أستاذنا الكبير زهير وتساءلت : هل أنا في مغارة الكنز ؟ وكيف يمكن لشعر بهذا المستوى من الدلالة والفصاحة والنباهة والصدق والحيوية أن يظل مغموراً طوال هذه المدة ودون أن يلتفت إليه أحد ؟
 
ويمشي على الأرض الثقيل كأنما =على ناظري يمشي وليس على الأرض
أراه بعيدا وهو يقبل ماشيا =  فيدخل بعضي حين يقبل في بعض
فإن جاءني قصدا إليّ تعمّدا = وكنت على رفع سقطت إلى خفض
 
كأنه آلة تصوير تعبر بمنتهى المرونة والجزالة والبصيرة النافذة والطرافة النادرة لتصف في الوقت عينه ظاهر المشهد وحركة المشي والفاصلة الزمنية لتلك الحركة التي كانت تقترب منه ، وباطنه مما كان يعتلج في نفسه من المشاعر والتخيلات . ثم يقول في مشهد آخر لا يقل عنه حيوية وطرافة وبراعة في إخراج الصورة والحركة بكل أبعادها : 
 
أصبحت في حلقِ المضيق = بين البكاء إلى الشهيق
لحوادثٍ هجمت عليّ = حملتها جهد المطيق
جيران بيتي ورور = ومغسّل الموتى صديقي
نعم الصديق لأنّه = في ودّه كأخ شقيق
بيتي إذا أبصرته= أبصرت قارعة الطريق
والبربرِيّ مجالسي = وهو الأصمّ عن النهوق
فإذا أردت خطابهُ = ناديته من خرق بوق
أسأله عن خبر العري = س يقول لي خبر السليق
 
وهو في الوقت عينه سجل تاريخي وذاكرة حية للزمن الذي عاش فيه وعالم الفقراء والمكدين الذين صور لنا حياتهم بمختلف جوانبها بكل صدق وواقعية . كما في وصفه مثلاً لغرفته ، أو في وصفه لحياة العميان . وهو مع هذا لم يستغرق في ذلك العالم البائس ، ولم ينجح ذلك العالم في احتوائه بل كان ناقداً له ومكابراً على حياة الذل والفاقة ، وكانت له نظرته الشاملة والعميقة إلى الحياة وحلمه وتطلعه إلى حياة أفضل ، حياة كريمة ، أقل نفاقاً وأكثر عدلاً :
 
أريت في النوم دنيانا مزيّنة = مثل العروس مشت بين المقاصير
قد حليت وهي تبكي في تأوهها = بكل معتقد عن سوء تاثير
تومي إلى كل حرّ أنها طويت = على مكارهه طي الطوامير
فقلت جودي فقالت لي وقد حسرت = إذا تخلّصت من أيدي الخنازير
 
إنه ليس بأقل من أبي العلاء في نقده وتشريحه ، وهذه الأبيات تدل على أنه كان ينظر لأسباب البؤس والشقاء في المجتمع نظرة عميقة ، رغم أنه كان يحيا في عالم المشردين والمنبوذين ، ورغم عاهته الخلقية ، وأنه كان يؤمن بأنه من الممكن تغيير الحال لو تمكنا من تغيير الظروف المحيطة ، وهو سابق لعصره ومعاصريه في قوله هذا . ثم نراه في أبيات أخرى تدل على عميق ثقافته واطلاعه ومعرفته بالمفردات ودلالاتها العلمية ، يبدو أقل تفاؤلاً ، وإنما أكثر تأملاً وفلسفة حين يقول : 
 
سبحان خالقيَ الذي = يحبو بأنواع القسَم
هو مخرجي من ظلمة = مستودع لي في الظلم
حتى إذا ما استكملت =لي علمه وجرى القلم
صوّرت شيخا أحنفا = أمشي على ظهر القدم
أخرجت من عدم الوجود = إلى وجود في عدم
 
كل الشكر لأستاذنا على جهده الرائع في استخراج هذا الكنز وغيره من الكنوز التي يزخر بها تراثنا وأدبنا العربي ، وطرحها هنا ، في مجالس الوراق وعلى صفحاته ، للجمهور الواسع من القراء ، وما هذا إلا غيض من فيض ، وسيكون للحديث بقية بإذن الله .
 

28 - يناير - 2009
الأحنف العكبري يولد من جديد
عافاكم الله    كن أول من يقيّم

صباح الخير والورد والفل والياسمين : وأنا أنقل هنا عن أخي وأستاذنا الدكتور يحيى لأشاركه كلماته الودودة والصادقة والمعبرة . تهانينا للأستاذة خولة على مدونتها الجديدة وإلى الأمام . تحياتي لبياع الورد الأستاذ أحمد عزو وإلى الأخت سلمى والأخ أبي هشام ودمتم جميعاً بخير .  

4 - فبراير - 2009
مدوَّنة خولة المناصرة
وجه بين حذائين : محمد الماغوط    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

 
نـُشرت هذه القصيدة في مجلة حوار التي كان يصدرها توفيق صايغ في بيروت في العدد الثاني من السنة الأولى ( كانون الثاني ) من العام 1963  
 
وجه بين حذائين 
 
محمد الماغوط
 
 
القلوب الوحيدة تقذف من النوافذ
النهود المهجورة تقذف من الحافلات
تمد رأسها من النافذة وتبكي
كلمات أرددها كالمجنون
في المقاهي والحوانيت
تحت النجوم وتحت بصاق الملايين
دون أن يفهمني أحد
لا طفل ولا طائر
لا وحش ولا إنسان
من الصباح إلى المساء وذقني ترتجف
وأنا أغني :
لقد ضاع زمن النبوغ والانزلاق على السلالم الطويلة
القمل على الأزهار
القمل على حطام الطائرات
 
 
يخيل إلي أنني أتهاوى على الأرصفة
سأموت عند المنعطف ذات ليلة
وأصابعي تتلوى على المحارة كديدان التفاح
إنني أرى نهايتي
ألمح خنجراً ما في الظلام مصوباً إلى قلبي
عربة مطفأة
تنقل أوراقي وطاولتي إلى عرض الصحراء
 
 
ستهب ريح قوية حينذاك
تداعب أظافري القصيرة
وتكنس قصائدي كقشور الخضراوات
ستنبت من لحمي آذان طويلة
أسمع من خلالها الضربات الأخيرة لشعبي
أسمع موسيقى الأبواب المخلعة
وهي تُغلق بالحراب
بالأصابع المجمدة على أطراف الشوارب
سأتأمل قدم الشرطي الغائصة في الوحل
وهي تقلب وجهي على الجانبين
ليعرف من أنا
من هذا الغريب الميت في شوارعنا ؟
 
 
وعندما تهدأ رئتاي
وتغمضان كعينين جميلتين
ويمتلىء صدري برائحة المطر والجدران الوحيدة كالأنياب
وما من جديلة تبعثرها الريح فوق وجهي
وما من حلمة تسقط كالدمعة فوق الصفحات
سأبكي بمرارة
سأعض الأرض التي أهانتني
سأغرس أسناني حتى اللثة في الأرض التي شردتني
وأتذكر الأمشاط القذرة
والنهود المتشابكة كالأغصان في المنفى
وأمي التي تنتظر أوبتي من النافذة
كأنني فراشة أو ذبابة
 
 
سأمرر يدي على خطوط الحافلات
وهي تبكي تحت ورق الخريف
على الأرصفة التي تسكعت عليها
والأعمدة العديدة التي اتكأت عليها
وأسمع قلبي وهو يهتف من أعماق الأرض المذنبة :
انتقم لبأسك وكفاحك
تذكَّر دموعك في باحة المدرسة
وأصابعك التي اهترأت على قبضات الحقائب
تذكَّر شقيقاتك النحيلات
وآذانهن المثقوبة بالخيطان
ومت هكذا بين البحر والصحراء
بين الوحل وقمامات الأشعار
أيها الفلاح الذي له عجرفة الملوك
 
 
آه أيها المطر
يا غباراً من الحبر والدموع
يخيل لي أنني أكثر الأموات أنيناً وكلاماً
لقد جئت متأخراً إلى هذا العالم
كزائر غريب بعد منتصف الليل
كان يجب أن أحلِّق مع أولئك الرومانسيين القدامى
ذوي اللحى المتهدلة
والياقات التي يأكلها العثّ
أن أعيش تلك الأيام الغابرة
سمكة أو ملاَّحاً أو صولجاناً
أقطن عند أولئك المرابيات الشقراوات
في غرفة من القرميد الأحمر
جواريرها من الأزهار
وجدرانها من مناقير البلابل وعيون الأطفال
أحمل دواتي وكتبي خلف ظهري
وهراوة في حزامي
وأمضي داخل الغابات الخضراء
في الضباب والأوحال والمستنقعات
أحتسي الخمر
وآكل الحشائش والطيور النائمة
وأُقذف مع زجاجتي ومحبرتي
كل ليلة خارج الحانات
 
 
 

4 - فبراير - 2009
أحاديث الوطن والزمن المتحول
نعم ، ولد من جديد    كن أول من يقيّم

أتقدم بالشكر مرة أخرى لأستاذنا الكبير زهير ظاظا لجهده الكبير الذي بذله ، دون منة ولا تقتير ، في تكريم هذا الشاعر المغمور الذي لم تنصفه الأيام ولم ينل من الشهرة والاهتمام ما يستحقه ، ولإتاحته لنا فرصة التعرف إلى الأحنف العكبري بالمستوى المتاح حالياً ، الذي هو نتيجة للمعلومات التي تمكن من جمعها وهي نادرة كما رأينا ، في محاولة لرؤيته من جديد والتقرب منه بميزان عصرنا وأدواته المعرفية . والشكر موصول دائماً لأستاذنا الكبير يحيى مصري ، راعي حبال المودة ، علماً يرفرف في سماء الوراق ويظلل عليه بالكلمة النافعة الطيبة والموقف النبيل الأصيل . ستجدنا دائماً هنا ، على وفاء إن شاء الله ، لهذا الجمع الكريم ، وهذه الصحبة النادرة .
 
ولي عودة لمناقشة بعض جوانب هذه الشخصية المحيرة والقلقة والتي لا أخفي انزعاجي حيال بعض مواقفها ومشاهدها ، وترددي في قبول الكثير من الأحكام والأفكار التي تثيرها في ضعفها وحيرتها وتمردها ، وإعجابي الشديد بقدرتها على الرصد والتأمل وتصوير المشاعر والأفكار والمشاهدات بطريقة مزلزلة ، لكنها صادقة ، تذكرني بشخصيات أخرى مماثلة تفرَّدت بعبقريتها عبر التاريخ .
 

6 - فبراير - 2009
الأحنف العكبري يولد من جديد
لا شك في هذا    كن أول من يقيّم

صباح الخير :
 
لا شك عندي أستاذي بأن ما تقوله صحيح ، وأن تلك العاهة التي ابتلي بها هي مصدر العاطفة المضطربة التي ولدت ذلك البركان وغالباً ما يكون الألم مصاحباً لليقظة الذهنية والتوهج الفني . ولو نظرنا إلى مجمل شعره المتعدد الأغراض لوجدنا بأن هذا الهاجس يخترقه ويستولي عليه ، وأن هذه العاهة وهذا الشقاء الذي كان يعيشه ، وكان قد ربط في مرات عديدة بين فقره واعتزاله العمل الشريف وحنفه ، وإلى حنفه وإعراض النساء عنه ، وإلى حنفه وغربته ، وهذا يعني بأن إعاقته كانت تلح عليه إلحاحاً شديداً في كل ظروف حياته ، بل كانت خيوط العنكبوت التي وقع في شراكها ، وبأنه كان يعاني شعوراً عظيماً بالظلم دفعه في طريق وعرة في محاولة منه لمواجهة غير متكافئة مع الحياة ، ولاقتناص بعض مباهجها ، ودفع بشعره إلى الخروج من مستوى الوصف والتصوير لحياة البائسين من أمثاله ، والنقد بل والسخرية أحياناً من أحوال عصره المضطرب وفساد قيمه وعلاقاته الاجتماعية ، والتأملات التي ترتجي الحمكة والفلسفة وتفسير العالم الخارجي ، إلى نوع جديد من النقد الذاتي تبدو فيه جلية حاجته الملحة لفهم ذاته ومعرفة أبعادها وسبر غورها ، وهذا ما سأحاول تفصيله في التعليق اللاحق .
 
 

7 - فبراير - 2009
الأحنف العكبري يولد من جديد
شخصية قلقة     كن أول من يقيّم

الأحنف العكبري شخصية قلقة ومتمردة وغير مستسلمة لأحول عصرها ومجتمعها والشروط القاسية التي فرضتها ظروف الفقر والحرمان التي عانى منها ، والخلل المدمر على الصعيد النفسي الناتج عن عاهة ظاهرة ومستديمة . لا يمكن النظر بدقة إلى شعر العكبري إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار إذن : الظروف العامة المحيطة بحياته من حالة سياسية مضطربة ( تطرق إليها في شعره ) وظروف بيئته في مدينة عكبرا التي كانت تحوي عدداً لا نعرفه بالتحديد من النصارى ( كما جاء في شعره وفي مقدمة الموضوع ) ، وكان الرحالة اليهودي بنيامين الطليطلي الذي زارها في العام 1168 ميلادي قد ذكر بأن عدد اليهود فيها كان يصل إلى العشرة آلاف ، وكان العكبري قد وصف خصوصية هذه المدينة في شعره بحاناتها وأماكن اللهو والسمر فيها واختلاط مذاهبها وبالتالي قيمها :
ومـسائل  حدب عليّ يقول لي بـتـوَدّد وتـعـطّف iiالإشفاق
مـاذا دعـاك إلا المقام iiبعُكبَرا وعدلت  عن وطنٍ ببابِ iiالطاق
وتركت  باب الكرخ وهو نهايةٌ في  الحسن فيه طرائفُ iiالآفاق
مـن  كل ذي أدب عليم فاضل حسن  الخلائق طاهر iiالأعراق
قلت  اكتسبت بها اعتبارا iiنافعا وعرفت وجه مساوئ الأخلاق
فـعدلت عما قد عرفت iiطريقه مـنـهـم إلى خلق بلا iiأخلاق
 
ودون النظر أيضاً إلى معاناته الشخصية المدمرة وشعوره بالعجز والمرارة الناتجين عن إعاقته البدنية ، وهو الهاجس الذي استولى كل أغراضه الشعريه وتجلى في كل ما أبداه من حزن ومرارة ، انحراف ومجون ، نقد وسخرية ، إيمان وتأملات فلسفية ، بل وحتى في وصفه الدقيق والممتع لحياته اليومية حتى أشد تفاصيلها حميمية .
 
وإذا كنا لا نعرف الكثير عن سيرته الذاتية من خلال الوثائق والمؤرخين ، إلا أن شعره سجل حي وثق من خلاله لحياته وأحوال عصره وحياة الجماعة التي انتمى إليها بدواعي الحاجة وأقصد فرقة الكدية ( بنو ساسان ) الذين ذكرهم في أكثر من موضع :
 
تـقـمّـصت من iiالحرف قـمـيـصـا  باقيا بعدي
طـرازاه  مـن iiالـحرما ن  والـخـيـبة قد iiتعدي
وكّــمـاه  مـن الإفـلا س مـنـسـوجان iiكالبرد
عـلـى  أنـي بحمد iiالل ه فـي بـيـت من iiالمجد
بـفـخـري بـبني iiساسا ن  أهـل الـشكر iiوالحمد
 
فكان ذلك الانتماء القسري مناسبة قيمة للتعرف إلى أحوال تلك الفئة من الناس التي لا يوثق لها أحد ، ولا يكتب عادة عنها أحد . وكان وصفه لحياتهم ومكرهم وألعابهم وطرق التسول المختلفة لديهم وطرق الشعوذة والتنجيم وكتابة العطوف ووصفه لأماكن سكناهم واجتماعهم ولهوهم مع كل ما كان يرافق ذلك أحياناً من انحرافات وبذاءة وطرافة وفكاهة أحياناً ، كان وصفه شهادة صادقة أمينة ووثيقة تاريخية قيمة وحية خرج فيها عن الأغراض الشعرية المعروفة إلى نوع من الواقعية المذهلة بصدقها وعفويتها تتلاطم فيها كل المشاعر الإنسانية بكل تنوعاتها وتناقضاتها :
 
فـلـو أبـصرنا iiالخشني كـالآطـام  فـي iiالـخلد
بـهـالـيل بني iiالغربة فـي الأعـشـاش iiكالأسد
وقـد  عـدنـا من iiالكديـ ة  مـقـتـولـين iiبالبعد
يـحـيّـى  بعضنا iiبعضا إذا مــات مـن iiالـدرد
وقـد  قـمـنـا iiبتصفيق وتـعـديـد إلـى iiالـنهد
وألـقـيـنـا الـشقاعات بـتـجـريـد  على iiوكد
وأظـهـرنـا  الـبتيكات ومـا فـي ذاك مـن بـد
فـهـذا يـطـبـخ iiالقدر وذا  يـحـسـنُ في الوقد
وهـذا  يـصـلح iiالمجلـ س بـالـريـحان iiوالرند
فـقـشّـمـنـا iiوبـادرنا إلـى  الأشـنـان iiوالسعد
ودارت  بـيـنـنا iiالكاس عـلـى  الـخطة iiوالنرد
وأصـمـيـنـا وبـخّرنا بــلا  عــود ولا iiنـد
ولـكـنّـا  iiتـضـارطنا بـإيـقـاع عـلـى iiعمد
عـلـى  بشباشة iiالخشني أبـي مـوسـى بـلا iiرد
وطـنـجـرنا  iiوشرشرنا بــلا حــرّ ولا iiبـرد
وعـنّـانـا  iiفـألـهـانا
فتى ذو شعر جلد
 
هذا العالم الذي كان يعيش فيه هو عالمه البديل ، ونسبه البديل الذي استعاض به عن العالم الحقيقي والنسب الحقيقي الذي فقده بسبب حنفه وسوء طالعه :
 
أيـهـا الـمشتفّ في نسبي مـنك  لا من خسّتي iiعجبي
كـلـمـا فتشت عن iiنسبي لـم  تـجد شيئا من iiالنسب
إن يكن في الناس لي iiحسب فـهـو  معدول عن iiالعرَب
سـؤددي سـخف ومكتسبي بـمـخـاريقي iiومضطربي
أحـنـف الـرجلين iiمحتقر سـاقط  في الناس ذي iiذنبِ
كـل  هـجو قيل في iiرجل فهو في عرضي وفي حسبي
 
كان ينظر إلى ذلك العالم ، وإلى نفسه من خلاله ، بنظرة نقد قاسية تدلل على مستوى مرارته واستيائه من الحال التي وصل إليها ، وتدل أيضاً على أنه كان يرفض تلك الحال جملة وتفصيلاً لكن شعوره بالحاجة بعد محاولات يائسة في فترات من حياته انصرف خلالها لطلب العلم وانقطع للكتابة والأدب ، وحاول الارتزاق منها ، لكن ظروف المجتمع الفاسد الذي كان يعيش فيه سدت في وجهه أبواب الرزق :
حسبي ضجرت من iiالأدب ورأيـتـه سـببَ العطب
وهـجَـرت إعراب iiالكلا م  وما حفظت من الخطب
ونـسـيـت أخبار الزبي ر  ومـا رواه من iiالنسب
وتـركـت تـفسير iiالمعا نـي وهـو ديوان iiالعرب
ورهـنـت  ديـوان iiالنقا ئض واسترحت من التعب
لا تـعـجـبي يا هند iiمن قـولـي  فـما فيه عجب
إن الـزمـان بـمن iiتقدْ دم فـي  الـنـبـاهة منقلب
والـجهل يضطهد iiالحجى والـراس يـعـلوه الذنب
 
( يتبع )

8 - فبراير - 2009
الأحنف العكبري يولد من جديد
و قمح    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 
كنتَ قد طلبتَ مني اليوم أستاذي أن أتابع في بناء ملف الفلسفة والموسيقى ، لكني عندما دخلت لأقرأ هذه القصيدة الأخيرة لمحمد الماغوط التي نقلتها لنا مشكوراً ، شعرت بأن الموسيقى تنبعث منها ، وراح  إيقاعها ونغماتها يتصعدان داخل روحي بما يشبه حركة البحر ، كأنها ألحان أعرفها ، دفينة في أعماق نفسي صارت تترجع في صدري آتية من البعيد البعيد الذي يراه ويسمعه الماغوط ، دون أن أعرف إذا ما كان ذلك البعيد خلفي أم أمامي ، فكأنني أنا هو وكأنني امتداد لتلك الأصوات التي أسمعها وهي تخترق مساماتي ، كأنني أنا النهر والرمل والصحراء وعواء الذئاب وسنابك الخيل وغارات البدو الجياع وخوذات الرومان وسنابل القمح وانحناءة الحصادين وقد هدهم التعب يضربون الوقت بمناجلهم بحركة رتيبة وهم يشدون بقبضاتهم على ما حوته أيديهم ويتقدمون ببطء في ذلك الامتداد الشاسع الذي يتكرر موسماً بعد موسم ولا نرى نهايته ، إيقاعاً أزلياً بعمر العذاب والشقاء والخيبة والمرارة التي يعانيها ابن الإنسان على الأرض . سمعت لحناً رتيباً يتردد يشبه تلك المقطوعة التي كتبها زياد الرحباني ، أو الكنعاني لو شئت ، وسمَّاها " و قمح " وهي لا بد الموسيقى عينها :
 
 
 
أتمنى على الأستاذ هشام أن يشارك بالتعليق لأنني أتمنى معرفة رأيه ولأنه أدرى منا جميعاً بالماغوط ولأنه يسمع جيداً جداً ما لا نسمعه أحياناً .
 

9 - فبراير - 2009
أحاديث الوطن والزمن المتحول
 90  91  92  93  94