ألمح خنجراً ما في الظلام مصوباً إلى قلبي
عربة مطفأة
تنقل أوراقي وطاولتي إلى عرض الصحراء
ستهب ريح قوية حينذاك
تداعب أظافري القصيرة
وتكنس قصائدي كقشور الخضراوات
ستنبت من لحمي آذان طويلة
أسمع من خلالها الضربات الأخيرة لشعبي
أسمع موسيقى الأبواب المخلعة
وهي تُغلق بالحراب
بالأصابع المجمدة على أطراف الشوارب
سأتأمل قدم الشرطي الغائصة في الوحل
وهي تقلب وجهي على الجانبين
ليعرف من أنا
من هذا الغريب الميت في شوارعنا ؟
وعندما تهدأ رئتاي
وتغمضان كعينين جميلتين
ويمتلىء صدري برائحة المطر والجدران الوحيدة كالأنياب
وما من جديلة تبعثرها الريح فوق وجهي
وما من حلمة تسقط كالدمعة فوق الصفحات
سأبكي بمرارة
سأعض الأرض التي أهانتني
سأغرس أسناني حتى اللثة في الأرض التي شردتني
وأتذكر الأمشاط القذرة
والنهود المتشابكة كالأغصان في المنفى
وأمي التي تنتظر أوبتي من النافذة
كأنني فراشة أو ذبابة
سأمرر يدي على خطوط الحافلات
وهي تبكي تحت ورق الخريف
على الأرصفة التي تسكعت عليها
والأعمدة العديدة التي اتكأت عليها
وأسمع قلبي وهو يهتف من أعماق الأرض المذنبة :
انتقم لبأسك وكفاحك
تذكَّر دموعك في باحة المدرسة
وأصابعك التي اهترأت على قبضات الحقائب
تذكَّر شقيقاتك النحيلات
وآذانهن المثقوبة بالخيطان
ومت هكذا بين البحر والصحراء
بين الوحل وقمامات الأشعار
أيها الفلاح الذي له عجرفة الملوك
آه أيها المطر
يا غباراً من الحبر والدموع
يخيل لي أنني أكثر الأموات أنيناً وكلاماً
لقد جئت متأخراً إلى هذا العالم
كزائر غريب بعد منتصف الليل
كان يجب أن أحلِّق مع أولئك الرومانسيين القدامى
ذوي اللحى المتهدلة
والياقات التي يأكلها العثّ
أن أعيش تلك الأيام الغابرة
سمكة أو ملاَّحاً أو صولجاناً
أقطن عند أولئك المرابيات الشقراوات
في غرفة من القرميد الأحمر
جواريرها من الأزهار
وجدرانها من مناقير البلابل وعيون الأطفال
أحمل دواتي وكتبي خلف ظهري
وهراوة في حزامي
وأمضي داخل الغابات الخضراء
في الضباب والأوحال والمستنقعات
أحتسي الخمر
وآكل الحشائش والطيور النائمة
وأُقذف مع زجاجتي ومحبرتي
كل ليلة خارج الحانات