هديتي إلى ملف الحرية     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
اخترت بأن أهدي هذه البطاقة إلى ملف الحرية لأن الرغبة على المشاركة فيه تنتابني منذ زمن طويل . إلا أن الحديث عن الحرية أمر شديد التعقيد ، لأن الحرية هي ، كما أظن ، أعمق غريزة لدى الإنسان . مع ذلك ، فهي القربان الذي نضحي به غالباً للحصول على الأمان والعيش الرغيد ، وهي بالتالي الغريزة الأشد تعرضاً للقسر والحرمان . فكيف نفهمها ? ثم ، كيف نعقلها ، وهي كالفرس الحرون التي ما تعرضنا غالباً للخطر ، والتي من الممكن لها بأن تقودنا إلى التهلكة ???
ليس لدي أجوبة جاهزة على هذه التساؤلات إلا أنني أضع بين أيديكم تهيؤات خطرت لي وأحببت مشاركتكم فيها .
اليوم أزعم ، بأن الحرية ، هي فرصتنا الوحيدة للخلاص ، وبان ملكوت السماوات لن تفتح لنا أبوابها إذا لم نعرف كيف نسترد حريتنا التي ضيعناها بأنفسنا .
خطرت لي هذه الذكرى التي أسردها عليكم ، عندما قرأت عبد الحفيظ وهو يرد على مشروع سراة الوراق بما قاله هناك ، من حسن بيانه الصافي المتأتي من روحه الصافية . مقولته عن البحر وزبده وذكريات أمه التي رضع حبها من منبع الماء الزلال ، دون أن يكدره جدول الحياة بمكدر ، أثارت في نفسي هذه الخاطرة ...........
بطاقة حب إلى الأزرق
حدث ذلك في حمأة شهر تموز السادي التوهج ، أن فتحت عيني على الحياة لأول مرة ! رأيت الشمس تملأ المكان ! أبهرتني منها تلك الأضواء المشتعلة بالفضة وأنست النظرإلى قببها المهرجان
تحت وطأة تلك الشمس الساطعة ، المسرفة في إشعاعها ، ومن على الشرفة البحرية ، رحت أنظر إلى بساتين الليمون التي كانت تستلقي تحت ناظرنا سابحة نحو الأديم . بساتين الليمون ، باخضرارها الداكن الوثير، كانت تسير بنا بالبصر حتى حدود البحر ، لتمشي بمحاذاته ، دون أن تجرؤ على ملامسته أبداً . تتململ بقربه بلطف ووداعة كأنها خليلته . هي كانت بدماثتها وتواضعها ، تمنحنا بركة هذا اللقاء ، لأن البحر ، تحت سمائنا ، هو سلطان المكان بدون منازع .
هو ذلك الأزرق الجميل ، الأزرق الواثق ، الممعن في الخيلاء ، الذي لا يخالطه الشك أو يعتريه الحذر . هو ذلك الأزرق المهيمن بقوة وقدرة ، الذي لا تشوبه الشوائب ، ولا يكدره مكدر . هو الغائص بوجدنا نحو الأعماق ، الفائض بأعيننا نحو اللامتناهي ، السابح صوب تخوم الرجاء . هو الأزرق القديم ، الذي عرفناه منذ الأزل ، المتوغل فينا حتى حدود الجهات . منذ البداية ، وحتى تمام الزمن الذي أعرفه ، لم يقو خيالي على الانفلات من ذلك المشهد الأسطورة ، كأن ارتطام اللون بأعماقي ، الذي ولد شرارة الحب الأولى ، قد التصق به وترسخ إلى الأبد .
ولما كبرت قليلاً ، وصار أبي يصحبنا معه إلى البحر ، صرت أتعلق بكتفه ، فيسحبني معه نحو العميق . هناك ، كان يتركني على مسطح صغير من الخشب كنا نسميه : " الطبلية " ويأمرني بأن أبقى ، دون حراك ، لكي يتمكن من السباحة ، هو ، بحرية ، في عرض البحر .
من على تلك الطبلية ، كنت أرقب حركة ذراعيه السمراوين اللتين لوحتهما الشمس ، ورأسه التي كانت تتلاشى مبتعدة عن ناظري ، فكنت أجد نفسي ، فجأة وحدي ، في حضرة البحر ، بجسمي الصغير، وبصري الذي أنس ذلك اللون ، وألف ذلك الإشعاع ، وتملكه منه ذلك الحب الخالد الذي لا ينتهي
شيء من الخوف كان يتملكني ! شيء من الرغبة العارمة في التوحد مع تلك الزرقة الطاغية ، كان يستبد بي . وكنت كلما استدرت حول نفسي ، ما رأيت إلا ذات المشهد : أمواه بلورية داكنة الزرقة ، وسحيقة الغور تطوف فوقها أشعة الشمس . وكنت كلما أمعنت النظر إليها من فوق المكان ، كلما توغلت بي نحو أعماق ليس لها قرار .
انجذاب عارم ، كان يدفع بي نحو تلك الأعماق . شيء من الضيق كان ينتابني لشعوري بأنني أسيرة قطعة الخشب المهترئة تلك وبأن خوفي من البحر ، هو أقوى من حبي له ، وأنه يحول بيني وبينه .
حبي العميق لتلك الكينونة من الجمال الآسر ، يحيط بي من كل جانب ، كان يأمرني بالسعي نحو ذاك اللقاء ، والانجراف وراء سحره الغامض . شيئاً فشيئاً ، صرت أنزلق بجسمي الصغير من على حافة الطبلية لألامس السحر بقدمي ، ثم لأستغرق فيه فيما بعد وأنا أشد بيدي على قطعة الخشب القديمة ، تكاد تفلت من يدي . ثم ، ذات مرة ، وبينما كنت أرى والدي متجهاً نحوي ، عائداً من نزهته البحرية ، انفلت منها تماماً وسبحت نحوه بقوة اندهش لها ، واندهشت لها أنا أيضاً ، فأسرع نحوي ليمسكني ، وكان ذلك الحب المضاعف هو أول درس تعلمته في السباحة .
|