البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 89  90  91  92  93 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
غزة : بيت الكرامة العربي    كن أول من يقيّم

غزة بيت الكرامة العربي
سليمان تقي الدين :
 
غزة الغارقة في دمها والركام جراء العدوان الصهيوني لن تذهب تضحياتها الهائلة سدى. إنها تخوض حرب الدفاع عن خيار المقاومة في مواجهة خيارات تصفية القضية الفلسطينية. صمودها يوقف المسار التخاذلي الفلسطيني والعربي. هدف الحرب الإسرائيلية تبديد الهوية الوطنية وتطويع الإرادة الفلسطينية للاحتلال والوصاية العربية مجدداً.
 
غزة بهذا المعنى تطلق الانتفاضة الثالثة لتصحيح الخط ولوقف التنازلات المجانية ولإسقاط خيار التفاوض لأجل التفاوض دون آفاق حقيقية.

هذه الكلفة الإنسانية الباهظة وهذه المذابح البشعة يبدو أنها مطلوبة لذاتها من أجل فرض اليأس والتسليم بتدابير »إنسانية« على حساب التحرر الوطني وتقرير المصير. تريد إسرائيل وشركاؤها في المدى الإقليمي والدولي أن تسقط نقطة الارتكاز لمعارضة الحلول التصفوية.

صمود غزة ببعديه المسلح والشعبي يحاصر هذه »المؤامرة« التي تمتد أطرافها إلى النظام الرسمي العربي تواطؤاً أو تخاذلاً. لكن إسدال الستار على المسرح الفلسطيني كما يتوهّم أطراف هذا التحالف الجهنمي لن يكون سهلاً ولن يؤدي أصلاً إلى رفع الرايات البيضاء لهول الجرائم وفظاعتها.

لقد اجتازت المقاومة الفصل الأول والأخطر وهو التدمير المنهجي للقدرات والإمكانات والمقوّمات الإنسانية بواسطة آلة التدمير الجوية. لكن أحداً في غزة لا يملك أن يقول للمشروع الصهيوني إنك نجحت في كسر إرادة الصمود والمقاومة. إن هذا الدمار العظيم هو حافز إضافي لإدراك جذرية المشروع ومخاطره الوطنية والإنسانية. وإذا كانت غزة تقاوم وحدها إلا أن المناخ الذي نشرته من حولها لا يمكن له أن ينحسر بسهولة. إذا كانت إسرائيل تقدّم للفلسطينيين هذا النموذج من التعامل، فإنها ليست على استعداد أبداً، لأن تقبل بحل الدولتين.

غزة التي أرادت إسرائيل التخلي عنها أصلاً بوصفها كتلة نار ملتهبة لا تريد أن تبقي لها مقومات الحياة الإنسانية، فكيف بالضفة التي تحاول إسرائيل الاحتفاظ بها وبمعظم أجزائها وهي تمزقها بالمستوطنات والحواجز والأحزمة الأمنية.

إن الخطة الإسرائيلية التي توحي للنظام الرسمي العربي أنها تساعده على التخلص من تيار سياسي متشدّد ومن موقع محسوب على محور إقليمي مناهض له، هذه الخطة تستهدف خلق وقائع جديدة تؤجل البحث في الحل النهائي لسنوات وسنوات. فإذا كانت إسرائيل لم تكن جاهزة للسلام مع العرب من قبل فهي لن تكون جاهزة له أبداً مع كسر شوكة المقاومة وإضعاف مواقع المواجهة الإقليمية لها. ليس هناك من عاقل إلا ويدرك أن شروط أية تسوية سياسية مرهونة لميزان القوى على الأرض وليست لأية اعتبارات أخلاقية. لكن غزة ستظل شوكة في حلق الوحش الصهيوني وهو سيعجز عن مضغها. لقد استنفدت إسرائيل أهداف حربها الجوية ولم تنجح بكسر إرادة غزة، فهي ستبدأ بدفع الثمن السياسي والمادي سواء راوحت الخطة الإسرائيلية عند مستواها الراهن أو كانت قد توسعت بالحرب البرية.
لقد بدأت إسرائيل تخفض مستوى طموحاتها وتراجعت عن مطلب تغيير السلطة في غزة. لقد أدركت أنها ما زالت تواجه استعدادات سياسية معنوية وعسكرية قادرة على إيقاع الخسائر الحقيقية في صفوف جنودها. لم تعد حرب غزة مادة إعلانية للتنافس الانتخابي. ولم تعد حرب غزة تعطي النظام الرسمي العربي فرصة للقول إن خيار المقاومة ليست له مقومات. غزة ستخرج رغم عمق الجراح شاهداً لمصلحة مقاومة الشعب الفلسطيني وحاجزاً بوجه الاندفاعة الإسرائيلية لتصفية قضيته.

غزة بيت الكرامة العربي إذا تهدّم انهدمت الكرامة العربية لزمن طويل
 
* عن السفير بتاريخ 6 كانون الثاني 2009

6 - يناير - 2009
ملف العدوان على غزة
أوجاعي بغزة    كن أول من يقيّم

أوجاعـي بغـزة
 
صليت ببغداد صلاة الدمْ
نثرت بغزة أوجاعي
وعبرت الجسر الواصل ما بين الموت وأضلاعي
دمعي أصل الطوفان
وقرباني جسدي
فاقطع إن شئت يدي
ستموج الغابة بالأغصان
ويعلو للأشجار عويل حتى
يثقب سقف القبّهْ
من لــم يعــرف وجـع الإنسان
وغربته في الأرض
فلن يعرف ربّهْ
 
                     محمد علي شمس الدين

9 - يناير - 2009
ملف العدوان على غزة
لك الله يا غزة !    كن أول من يقيّم

لك الله يا غزة ! لقد تنصلوا منك ومن حليب أمهاتهم ، وتنكروا لأسمائهم وسحناتهم ، وأنكروا صوت الله الصارخ في الضمائر وفي هتافات الحناجر ، التي ترسل ملايين الدعوات والاحتجاجات ، ولم يسمعوا سوى نداء أسيادهم ، وفضلوا أن يكونوا في صف " الغالب " لا " المغلوب " وكأنهم سيعيشون إلى الأبد ، بدون ثواب ولاعقاب ، فليس هناك برأيهم من يحاسب ! ونسوا بأن الغول ، على الأقل ، لن يشبع ، وأن دورهم آت لا محالة عندما تنتهي مدة اعتمادهم ، وسيرون كيف سيبصق أسيادهم على وجوههم التافهة ويرمونهم إلى القمامة كمحارم الورق المستعملة .
كيف ينصرنا الناس إذا لم ننتصر لأنفسنا ؟ وكيف يحترمنا عدونا إذا لم نحترم أنفسنا ؟ وماذا نترك لأبنائنا من بعدنا ؟ عالماً من السخف والذل والهزيمة يتهاوى في كل يوم ويتفتت بين أيدينا ؟
 غزة ليست مشكلة إنسانية ، إنها شوكة في حنجرة الفرعون الأكبر ، وفلسطين ليست حرباً ، إنها قضية حياة أو موت ! قضية حق سليب ، إنها قضية وجودنا كعرب ، قضية ضميرنا كمسلمين  ، قضية إنسانيتنا كبشر يشاهدون بأم أعينهم هذا الظلم الهائل الذي يفتك بإخواننا ونحن قابعون في سجوننا الكبيرة ، وعلى رأس كل سجن سجَّان اختاروه لنا بعناية وبمنتهى " الديموقراطية " أحياناً .
لك الله يا غزة ، لك الله وتضحيات أهلك الكرام ، وشهادتهم المدوية في ضمير عالم فقد إحساسه . لك الله يا غزة ، وحفنة من الأبطال يقاومون عن أهل الأرض جميعها ويستبسلون في الشهادة .
نصرك الله يا غزة وأعزَّ أهلك ورحم الله شهداءك ، فليس لنا إلا الدعاء ، آمين يا رب العالمين ! 

10 - يناير - 2009
ملف العدوان على غزة
على الطريق : وليمة الدم    كن أول من يقيّم

وليمـة الـدم...
طلال سلمان :
 
الرقم تفصيل!.. وعليك أن تكتب فوق صفحة الدم: بلغوا الألف شهيد؟.. لا تقفل الخبر. لا يمكنك أن تقفل خبر القتل الجماعي. سيفتحه الطيران الحربي الإسرائيلي بالقنابل الفوسفورية. ولقد رفعوا اللافتات فوق المقابر في غزة: لا مكان لمزيد من الشهداء! صارت المقابر منازلهم والطرقات. أخيراً باتت لهم عناوين ثابتة! ولكنهم لا يكفون عن التوالد. لكأنهم في تحد دائم مع السفاح الإسرائيلي. كلما اغتال منهم عشرة، مئة، ألف رجل وامرأة، فتى وشيخاً، طفلاً له وجه الصباح، تزايدت أعدادهم ألوفاً. لكأن شهداء فلسطين يتناسلون بعد الغياب. لا يرحل الفلسطينيون فرادى. ولا حساب على المجازر الجماعية. المحاكم الدولية لا تطال الإسرائيليين. يدّعون أنها من أجلهم أنشئت. لقد احتكروا حقوق الضحايا، أمس واليوم وإلى دهر الداهرين.
صار مجلس الأمن دائرة ترخيص بالقتل الجماعي والاحتلال. هذه سيرة فلسطين والاحتلال الإسرائيلي معه (من دون أن ننسى لبنان).. وهذه سيرة العراق والاحتلال الأميركي معه.
مع ذلك يذهب إليه العرب مطاردين بقصورهم وتقصيرهم. يهربون من واجباتهم الطبيعية إليه. يعطيهم إقراراً بعجزهم عن حماية أوطانهم ومواطنيهم. يعطيهم شهادة مصدقة بأنهم لا يحمون شرف الحياة.
أهل النفط يجمعون التبرعات لأهل الدم
. ومصر تتقدم بمبادرات. باتت مصر وسيطاً، مجرد وسيط. أين المساحة للوسيط بين السكين والدم؟
المقاومة منقوصة الشرعية لأنها سلطة. ويوم حاولت أن تكون سلطة اكتشفت أن السلطة تلغي المقاومة، فعاشت ممزقة إلى أن أراحتها إسرائيل من سلطة لا تملك من أمرها شيئاً، لتصبح مجرد قناع مشترك للاحتلال وأنظمة الاستسلام؟!

كيف السبيل إلى غزة وبحرها من دماء أهلها وسماؤها حريق ورملها حمم متفجرة، والقذائف والصواريخ والحوامات لها وحدها حرية التجول؟!
غزة هي الاسم الحركي لفلسطين في هذه اللحظة.
من هؤلاء الآتون بعدما قرع جرس الانصراف للثورات والثوار والطامحين إلى التغيير، يرفعون أصواتهم بأنهم يريدون إعادة بناء العالم ليصير مكاناً للحياة؟
لعلهم لا يدركون أن باب التغيير قد أقفل، وأن الإمبراطورية الأميركية، (ومن ضمنها إسرائيل) قد رمت المفاتيح في البحر... لكن مياه بحر غزة من دماء، ولذلك لن تظهر فيه المفاتيح!
.. وليست فلسطين إلا مساحة مشعة من التاريخ، ابتنى أهلها فيها المدن والقرى والدساكر والمزارع، الجامعات والمعاهد والمدارس.
وليس فلسطينياً هو الإنسان الحي. يصير الإنسان فلسطينياً عندما يذوب في أرض وطنه. لذا تتنافس المدن والقرى بالشهداء: مدينة الألف شهيد، مدينة الألفين. ها هي غزة تكاد تبز الجميع، في انتظار حرب إسرائيلية جديدة.
لا اعتراف بالفلسطيني إلا شهيداً.
فلسطين هي العالم كله. لكنها ليست مكاناً لأهلها.
ممنوع على الفلسطيني أن يكون مواطناً في فلسطين. هو ليس كغيره: له أرض، له بيت، له أسرة، له أبناء، له أم وأخت، له أب وجد وشجرة عائلة تمتد عميقاً في التاريخ ألف سنة، ألفي سنة، ثلاثة آلاف سنة أو يزيد.
إنه مطلق! له الدنيا! ولكن ليس له مكان محدد فيها.
والإسرائيلي مطلق! لكن له الأرض وما عليها.. أما من عليها فيجب أن يخلي له أي مكان يطلبه... ويجب أن يخلي ما يجاوره من أرض لكي يعيش بهدوء. فإن رفض مكابر أو مستقو بالثورة أحرقه بالفوسفور.
لكأنما الفلسطيني كالهواء، يعيش في الهواء. له الأوطان جميعاً فضاء للهتاف بحقه. له الأعمدة جميعاً لتعليق صور شهدائه الأبطال. له الشوارع مفتوحة للمناداة بحقوقه في الأرض التي كانت له، ولكن ليس له الحق بأن يستردها ممن أخذها منه بالقوة وطرده ليصير لاجئاً في الريح!

مقتول هو مقتول حيثما حل. بلاده ليست وطنه. لا وطن له إلا دمه. ولا مجال لتحرير الدم إلا بالدم! يصير الوطن بحراً من الدماء. تطلبه بالدم. تعبر إليه بالدم. تبلغه بالدم، وحين تصل إليه تعطيه من دمك ليكون. لا يحيا الوطن الفلسطيني إلا بدماء مواطنيه. إن هم توقفوا عن ضخ شرايينه بالدماء اندثروا. وإن هم أعطوه من دمائهم صار لهم وجود.
من اعترف بسلطتهم الوهمية ألغاهم. ومن اعترف بمقاومتهم حاصر وطنهم (ودولتهم) بالاستحالة.
ليس الفلسطيني إنساناً طبيعياً. لا أحد يعترف به إلا لاجئاً أو شهيداً!
ليس في فلسطين أطفال. يولد الأطفال شهداء، ولو مرجأة مواعيد الاستشهاد. لا نعترف بالأم الفلسطينية إلا ثكلى. لا نعترف بالأب الفلسطيني إلا إذا كان أبناؤه قد سبقوه إلى الشهادة...
لا نعترف بالفلسطيني حياً. لكأنما كتب على الفلسطيني أن يكون شهيداً أو مطارداً بتهمة التنكر لأرضه!


لم تفعل إسرائيل غير تنفيذ المطلب العربي الرسمي. كانت تسمع نداءاتهم مهموسة أو مشفرة: أن خلصونا! وفهمت أنها إجازة بالقتل، والقتل حتى يستسلم آخر مقاوم في غزة (ومن يفكر بالمقاومة في الضفة الغربية وسائر فلسطين).
باشرت إسرائيل المهمة، فهرب عرب الأنظمة بخيبتهم إلى مرجعياتهم العظمى.
خلعوا الكوفيات الحــمراء والبيـــضاء. ارتــدوا البدلات الأنيقة وعقدوا رطبات العنق آخر موديل حتى تبدى وكأن ليس بينهم عربي واحد.
رطن الخواجات فرطنوا. لم ينتبهوا إلى أن فلسطين تصير بلغات الفرنجة إسرائيل، وأن القدس تصير أورشليم، وأن لا ذكر لغزة هاشم (عم الرسول العربي) في التوراة، حتى لو كان مثواه فيها، وبلا شاهدة.
هم يخافون فلسطين كما الإسرائيلي. ولذا فقد اجتمعوا على غزة اجتماعهم على وليمة الدم. غزة تهددهم جميعاً. إن تراخوا تمددت فصارت فلسطين.. وإذا ما صــارت فلسطين صارت مصر وبلاد الشام جميعاً حتى ما بعد آبار النفط.

هو اليوم السادس عشر من المذبحة وما زال النصر الإسرائيلي بعيداً.
هـا هـــي غزة تصــــير مجموعة من الجــــزر المقطعة بخنادق الدم وآلة القتل الإسرائيلية.
ولكنهم لن يسمحوا أن تتوحد فلسطين عبر غزة، وأن يتوحد العرب عبر فلسطين... مع وعيهم بأن البديل أن يتوحد »العالم« مع إسرائيل، وبهذا يُلغى العرب... فيرتاحون ويريحون،
لن يبقى منهم إلا النفط...
وهو ليس لهم لا اليوم ولا غداً.
.. وها هي إسرائيل موحـدة. يتنـافس زعـــماؤهـــا على ملء صناديق الاقتراع بالدم الفلسطيني.
لا يحتاج زعماء إسرائيل إلى تبرير المجزرة. بل إنهم يهينون أي مسؤول دولي يحاول مناقشتهم في نزعتهم الدموية التي تتجاوز الحدود، خصوصاً أن لا خطر جدياً يتهددهم من غزة، ومن حماس في غزة.
يخرج قادة إسرائيل على العالم متباهين بالمجزرة: قتلنا وسنقتل المزيد! نرفض التــــهدئة! لقد قصفناها بكل ما نملك من أسلحة حتى أبدناها. ماذا نريد أفضل مما نواجهه: العرب يتـــآمرون على العرب، الفلسطينيون يشهرون بالفلسطــــينيين، ولا أحد يسألنا عن أعداد الضحايا أو حجم الدمــــــــار في غزة وبيت لاهيا وبيت ياحون والزيتون والشاطئ وخان يونس ورفح والتفاح... وماذا لو صـــار اللاجئون أربع مرات لاجئين للمرة الخامسة؟!

هي الحرب الإسرائيلية السابعة، الثامنة، العاشرة، لا فرق. فإسرائيل والحرب توأمان. كلاهما تلد الأخرى.
ولا أهمـــية للوقت. العرب لا يتعـاملون مع الساعة.
وغزة، في خاتمة المطاف، لا تشكل إلا اثنــــين في المئة من أرض فلسطين! وفلسطين لا تشـــكل أكـــثر من واحد في المئة من مساحة الوطن العربي، وطالما أن لديك المزيد من الأرض والــزمن فـــلا تخف!
وماذا يعني أن يزيد عدد الشهداء (القدامى) ألفاً أو ألفين أو خمسة آلاف؟! إن فلسطين ولاّدة.. كذلك مصر وسوريا والعراق، كذلك الجزائر والمغرب واليمن... وحتى لبنان! 

غزة بداية لتاريخ عربي جديد.
هكذا يقول الدم.

وكـــل من وما فـــوق الأرض العـــربيـــة يهتــز.
وإسرائيل تقاتل معركة أنظمة الهــزيمة جمــيعاً..
وهي حرب ستمتد طويلاً، حتى لو هدأت جبهاتها المفتوحة خلال يوم أو أسبوع، ولأسباب إسرائيلية، أولاً وأخيراً.
 
* عن السفير اللبنانية بتاريخ 12 كانون الثاني 2009

12 - يناير - 2009
ملف العدوان على غزة
فلسطين فلسطين ، بيعوك البياعين    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

الويل للضعفاء
 
الفضل شلق :
الخلاف حول انعقاد القمة العربية هو تعبير عن عجز منظومتها السياسية. يعرضها العجز لخطر الانهيار. في الوقت نفسه يبدو أن قوى الهيمنة العالمية، ومن ضمنها إسرائيل، ما عادت تأبه لبقاء هذه المنظومة.

لا تستطيع الأنظمة العربية الانحياز لشعوبها، ولا تستطيع قيادة نضالها من اجل فلسطين، ولا تستطيع إلا التخلي عن آخر تبرير أخلاقي يجعلها تشعر بالتعاطف مع سكان غزة. كل ذلك لان ما نشهده هو »الحرب وما علمتم وذقتم«. وفي الحرب تسقط القناعات والأقنعة، وهذه الحرب على وجه الخصوص هي حرب تغيير الأنظمة. لا يستطيع هذا النظام اللعب على الحبلين والحفاظ على بقاء في نفس الوقت. في الحرب يضطر كل فريق الى الانحياز المطلق مع هذا الفريق او ذاك. كانت الأنظمة متواطئة في ١٩٤٨ مع القوى التي أقامت دولة إسرائيل، وهي ما تزال كذلك حتى الآن، لكنها كانت تستطيع أن تفعل شيئاً آخر، غير الانصياع الكامل لنظام الهيمنة العالمي.

ليس الحديث هنا عن قطر بعينه، او عن حاكم دون آخر. بل هو عن طبقة منتشرة على مدى الوطن العربي، طبقة لم تعرف إلا التبعية والخضوع للخارج، طبقة حاكمة فقدت الشرعية منذ نشوء دولها ودولة إسرائيل في وقت واحد تقريباً، فخافت من شعوبها وامتنعت عن الاستثمار في الإنتاج في الداخل. وما نعنيه بالإنتاج يتعلق بقطاعي الزراعة والصناعة، لا أكثر ولا اقل. ظنّت هذه الطبقة أن مداخيلها الريعية من النفط وغير النفط والخدمات ثروة. خافت على ثروتها من شعوبها. فاستثمرت ثروتها في الخارج. وما أدركت أن المال مهما كان ضخماً ليس ثروة حقيقية إلا اذا كان رأسمالاً منتجاً في الداخل. كان بإمكان هذه الطبقة أن تعتمد أساليب التنمية التي اتبعت في دول آسيا الشرقية، وبعضها دول إسلامية؛ كان بإمكان هذه الطبقة أن تستثمر في الداخل، ولنقل انه كان بإمكانها أن تستغل شعوبها ومجتمعاتها، لكنها فضّلت التبعية وان تبقى هي ايضاً المستَغَلَّة لدى قوى الهيمنة العالمية. اعتمدت على الخارج، فحرمت نفسها إمكانية البقاء إلا برضى الخارج. كان بإمكانها التضامن مع أمّتها، ولو من مواقع الاستغلال للقوى العاملة فيها، لكنها بقيت خائفة مذعورة من هذه القوى العاملة ذاتها، بقيت خائفة من مجتمعاتها، فوضعت نفسها خارجاً.

تجاهلت هذه الطبقة أن الاقتصاد والسياسة ليسا منفصلين. وإذا انفصلا يكون الأمر تعسفياً لإخفاء أغراض معينة. ليس الاقتصاد إلا جوهر السياسة، وليست السياسة إلا إدارة الاقتصاد. هناك اقتصاد سياسي وحسب. والتنمية تستدعي اقتصاداً سياسياً من نوع معين. تستدعي اقتصاداً سياسياً يأخذ المجتمع وقواه العاملة بعين الاعتبار ويتعامل معها على انها هي القاعدة حتى ولو كانت قاعدة للاستغلال.
 
تخلت هذه الطبقة عن مجتمعاتها. والآن يأتي دورها. في حرب تموز أعلنت كونداليسا رايس، وهي لا تحتاج الى تعريف، عن بداية تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير. الجوهري في هذا المشروع إلغاء العروبة وجعل المنطقة مستباحة لقوى الهيمنة العالمية عن طريق دول الجوار. ما لم يتحقق عن طريق حرب تموز يتحقق الآن: حين تمتنع المنظومة الحاكمة العربية عن الاجتماع، وحين يتم تهميش الجامعة العربية وصولاً الى إلغائها، وحين تدمّر مؤسسة القمّة العربية، ويتطلّع أهل المنطقة الى دول الجوار للنجدة. ومن غير المستطاع إلا الاستنتاج أن بين كل دولة من دول الجوار والإمبراطورية العالمية صفقة من نوعٍ ما. لا يلام الآخرون على صفقات يعقدونها مع إمبراطورية قوية فاجرة. لكن الملامة تقع على انعدام قدرة المنظومة العربية على عقد صفقة من أي نوع كان، تلام المنظومة العربية على عجزها الذي صنعته هي. ليس العجز امراً حتمياً، إلا اذا أراد أصحابه ذلك. صنعت المنظومة العربية عجزها بفقدان الصلة مع شعوبها وبإفقارها والتخلي عنها. كان الأجدر بالأنظمة العربية أن تعقد صفقة فيما بينها، من أجل أن تستطيع عقد صفقة مع الغير.

ليس العجز حصيلة تأخّر او تخلّف او ما يسمى فقدان الحداثة. ليس العجز حصيلة ما هي شعوبنا عليه، او لأن شعوبنا هي في حالة تستدعي الشفقة والقرف والهروب منها. بل العجز سياسة يمارسها الأقوياء المهيمنون في هذه المجتمعات بتبعيتهم لغير مصالح مجتمعاتهم. ليس العجز (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) نقيض الحداثة، بل هو حصيلة سياسة التبعية. الخروج من العجز يستدعي التقدم في قوى الإنتاج والعمل. يستدعي سياسة تعتبر المجتمع أولويتها. لا يحتاج التقدم الى حداثة بل الى سياسة، سياسة تدور حول الإنتاج وقوى الإنتاج. ومن يعتبر أن مجتمعاتنا تفتقر الى الحداثة، وانه لا يمكننا التقدم في الإنتاج دون الخروج من التخلف الى الحداثة فانه يلقي الملامة في ما يحدث على مجتمعنا المسكين؛ ويلتقي في هذا الرأي مع الطبقة المهيمنة ومع كثير من المثقفين واليساريين الذين يلومون المجتمع على ما هو عليه ولا يرضون عن هذا المجتمع قبل تغييره ليصير حسب صورة مرسومة في أذهانهم. هؤلاء سهلوا للأنظمة العربية الهروب من التنمية كما سهلوا لها بعد ١٩٦٧ الخروج من المعركة ضدّ إسرائيل. لا يحتاج مجتمعنا الى تغيير، لا يحتاج الى من يغيره، بقدر ما يحتاج الى قيادات تعمل معه ومن خلاله، يحتاج الى قيادات لديها حد أدنى من الاحترام للناس. لا يستطيع أن يعمل مع الناس من يحتقر ويسفه عاداتهم ومعتقداتهم وفقرهم وشقاءهم.

تصير إسرائيل الآن جزءاً من المنظومة المسيطرة على الوطن العربي، لان هذه المنظومة ذاتها كانت منذ عقود وما تزال، جزءاً من نظام الهيمنة العالمي، الذي أنتج إسرائيل. إسرائيل دولة عنصرية صهيونية استيطانية، وكذلك هو نظام الهيمنة العالمي. اسرائيل دولة قوية، ويدعمها بالسلاح نظام الهيمنة العالمي. أُسِّس النظام الرأسمالي العالمي على الاستغلال والحقد، وفي أزمته الاقتصادية ـ المالية الراهنة يستخدم أقصى درجات الحقد العنصري والديني، يستخدم الموروث التاريخي لتمويه الحاضر والتعمية عن الأهداف المضمرة.

ينقسم النظام العربي على نفسه. هناك محوران. نظام الهيمنة الإمبراطورية موجود في كل منهما لإدارة الصراع. تنهار المنظومة العربية. لا ندري اذا كانت منظومة أخرى ستحل مكانها. لكننا نعرف أن مشروع الشرق الأوسط مازال مطروحاً. يستدعي تنفيذه تغيير النظام العربي. منذ سنوات جرى تغيير النظام العراقي بالاحتلال ونتج عن ذلك فوضى ومليون قتيل وخمسة ملايين مهجّر وفرز طائفي وحرب أهلية. أزمع الإسرائيليون منذ انتخاب حماس في غزة على رفضها وعلى تغيير النظام. نرى النتائج أمام أعيننا متلفزة. هناك أقطار عربية أخرى مطروح أمرها لتنفيذ ما يسمى تغيير النظام (زمهىٍم وفَهم) ألغت سياسة تغيير النظام اقطاراً عربية، والآن يأتي تغيير النظام العربي لإلغاء الأمر الجوهري في هذا النظام وهو عروبته.

عجزت الأنظمة العربية عن تحرير فلسطين وعن الدفاع عن شعب فلسطين. وهي الآن تعجز عن الدفاع عن نفسها وعن كياناتها وعن عروبتها. ليست هذه الأنظمة معادلة للعروبة، ولم تدّع يوماً انها كذلك. لكن المستهدف هو ما لم تستطع هذه الأنظمة الاستغناء عنه وهو الادعاء رغم كل شيء، انها عربية وأنها جزء من منظومة عربية.

* عن السفير بتاريخ 16 كانون الثاني 2009

16 - يناير - 2009
ملف العدوان على غزة
ورقة من غزة : غسان كنفاني    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 
ورقــة مــن غــزة
 
 غسان كنفاني :

عزيزي
استلمت رسالتك الآن، وفيها تخبرني أنك أتممت لي كل ما أحتاجه ليدعم إقامتي في ساكرمنتو، وكذلك وصلني ما يشعرني أنني قُبلت في فرع الهندسة المدنية في جامعة كاليفورنيا، لا بد لي يا صديقي من شكرك على كل شيء، لكن سيبدو لك غريبا بعض الشيء، أن أزف لك هذا النبأ، وثق تماما يا مصطفى انني لا أشعر بالتردد قط، بل أكاد اجزم انني لم أر الامور بهذا الوضوح اكثر من الساعة، لا يا صديقي .... لقد غيرت رأيي، فأنا لن أتبعك إلى حيث »الخضرة والماء والوجه الحسن« كما كتبت، بل سأبقى هنا، ولن أبرح أبداً.
انه لشيء يزعجني حقيقة، يا مصطفى، ان لا نكمل ذلك الجريان لحياتينا في خط واحد، فإني أكاد اسمعك تذكرني بعهدنا على الاستمرار معا، وكيف كنا نهتف: »سنصير أغنياء«، ولكن يا صديقي ليس في يدي حيلة، نعم، إنني لا زلت أذكر تماما يوم وقفت في ساحة المطار في القاهرة، اشد على يدك واحدق بالمحرك المجنون، كان كل شيء ساعتئذ يدور مع المحرك ذلك الدوران الصاخب، وكنت انت تقف امامي، بوجهك المليء الصامت، لم يتغير وجهك عن الوجه الذي نشأت به في حي »الشجعية« في غزة، لولا هذه الغضون المسطحة، لقد نشأنا معا، وكان واحدنا يفهم الآخر تمام الفهم، وتعاهدنا على الاستمرار معاً إلى النهاية..
ولكن:
ـ »بقي ربع ساعة وستقلع الطائرة، لا تحدق هكذا باللاشيء، اسمعني، ستذهب في العام القادم الى الكويت، وستوفر من راتبك ما يقتلعك من غزة الى كاليفورنيا، لقد بدأنا معا، ويجب ان نستمر..«.
وكنت لحظتذاك ارقب شفتيك وهما تتحركان بسرعة، هكذا كانت طريقتك في الكلام: لا فواصل ولا نقط، لكنني كنت أحس إحساساً غامضاً انك غير راض تماما عن هروبك، لم تكن تستطيع ان تعد ثلاثة اسباب وجيهة لهذا الهروب، وكنت أعاني انا ايضا من هذا التمزق، ولكن الشعور الاوضح كان: لماذا لا نترك هذه الغزة ونهرب.. لماذا؟ الا ان وضعك كان قد اخذ يتحسن: فلقد تعاقدت معك معارف الكويت دون ان تتعاقد معي، وفي غمرة من البؤس الذي كنت اعيش فيه، كانت تصلني منك في بعض الاحيان مبالغ صغيرة، كنت تريدني ان اعتبرها ديناً، خوف ان اشعر بالصغار، لقد كنت تعرف ظروفي العائلية تماماً، وكنت تعرف ان راتبي الضئيل في مدارس وكالة الغوث الدولية لم يكن يكفي لإعالة امي، وزوجة اخي الارملة واولادها الاربعة.
ـ »اسمعني جيدا، اكتب لي كل يوم.. كل ساعة.. كل دقيقة، لقد اوشكت الطائرة ان تطير، استودعك الله، بل اقول الى اللقاء.. الى اللقاء«.
ومست شفاهك الباردة وجنتي، وادرت عني وجهك ميمماً شطر الطائرة، وعندما التفت الي مرة ثانية كنت أرى دموعك..
وبعدها تعاقدت معي معارف الكويت، لا داعي لان أكرر عليك كيف كانت تجري تفاصيل حياتي هناك، فلقد كنت اكتب لك دائما عن كل شيء، كانت حياتي دبقة، فارغة، كمحارة صغيرة: ضياع في الوحدة الثقيلة، وتنازع بطيء مع مستقبل غامض كأول الليل، وروتين عفن، ونضال ممجوج مع الزمن، كل شيء كان لزجاً حاراً، كانت حياتي كلها زلقة، كلها توق الى آخر الشهر!
وفي منتصف العام، ضرب اليهود مركز الصبحة و قذفوا غزة، بالقنابل واللهب، كان يمكن ان يغير لي هذا الحدث شيئاً من الروتين، لكنه لم يكن لي أن آبه كثيرا: فأنا سأخلف هذه الغزة ورائي، وسأمضي إلى كاليفورنيا أعيش لذاتي التي تعذبت طويلاً، إنني أكره غزة، ومن في غزة، كل شيء في البلد المقطوع يذكرني بلوحات فاشلة رسمها بالدهان الرمادي إنسان مريض، نعم، لقد كنت ارسل لامي، ولأرملة أخي وأولادها، مبالغ ضئيلة تعينهم على الحياة، لكنني ـ أيضا ـ سأتحرر من هذا الخيط الاخير، هناك، في كاليفورنيا الخضراء البعيدة عن رائحة الهزيمة التي تزكم انفي منذ سبع سنوات.. ان الشفقة التي تربطني بأولاد اخي وامهم وامي، لا تكفي ابدا لتبرير جريان مأساتي هذا الجريان الشاقولي.. لا يمكن ان تشدني الى تحت.. اكثر مما شدتني.. يجب ان اهرب!
انت تعرف يا مصطفى هذه الأحاسيس، لانك عشتها فعلاً: ما هذا الشيء الغامض الذي كان يربطنا الى غزة فيحد من حماسنا الى الهروب؟ لماذا لا نشرح الأمر تشريحاً يعطيه معنى واضحاً، لماذا لا نترك هذه الهزيمة، بجراحها، ونمضي الى حياة أكثر ألواناً وأعمق سلوى... لماذا؟ لم نكن ندري بالضبط!
وعندما أخذت إجازتي في حزيران، وجمعت كل ما أملك توقاً الى الانطلاقة الحلوة، الى هذه الاشياء الصغيرة التي تعطي الحياة معنى لطيفاً ملوناً، وجدت غزة كما تعهدها تماماً: انغلاقاً كأنه غلاف داخلي، ملتف على نفسه، لقوقعة صدئة قذفها الموج الى الشاطئ الرملي اللزج قرب المسلخ، غزة هذه، أضيق من نفس نائم اصابه كابوس مريع، بأزقتها الضيقة، ذات الرائحة الخاصة، رائحة الهزيمة والفقر، وبيوتها ذوات المشارف الناتئة.. هذه غزة، لكن ما هي هذه الأمور الغامضة، غير المحددة، التي تجذب الإنسان لأهله، لبيته، لذكرياته، كما تجذب النبعة قطيعاً ضالاً من الوعول، لا اعرف! وكل الذي اعرف انني ذهبت لأمي في دارنا ذلك الصباح، وهناك قابلتني زوجة أخي المرحوم ساعة وصولي، وطلبت مني، وهي تبكي، أن ألبي رغبة ناديا، ابنتها الجريحة في مستشفى غزة، فأزورها ذلك المساء. أنت تعرف ناديا ابنة أخي الجميلة ذات الأعوام الثلاثة عشر؟
في ذلك المساء اشتريت رطلاً من التفاح ويممت شطر المستشفى أزور ناديا.. كنت اعرف ان في الأمر شيئاً أخفته عني امي وزوجة اخي، شيئا لم تستطيعا ان تقولانه بألسنتهما.. شيئا عجيبا لم استطع ان احدد أطرافه البتة! لقد اعتدت ان احب ناديا، اعتدت ان احب كل ذلك الجيل الذي رضع الهزيمة والتشرد، الى حد حسب فيه ان الحياة السعيدة ضرب من الشذوذ الاجتماعي.
ماذا حدث في تلك الساعة؟ لا أدري!
لقد دخلت الغرفة البيضاء بهدوء جم، ان الطفل المريض يكتسب شيئاً من القداسة فكيف إذا كان الطفل مريضا اثر جراح قاسية مؤلمة؟ كانت ناديا مستلقية على فراشها، وظهرها معتمد على مسند ابيض انتثر عليه شعرها، كفروة ثمينة، كان في عينيها الواسعتين صمت عميق، ودمعة هي أبداً في قاع بؤبؤها الأسود البعيد، ووجهها كان هادئاً ساكناً، لكنه موح كوجه نبي معذب، لا زالت ناديا طفلة، لكنها كانت تبدو أكثر من طفلة، أكثر بكثير، وأكبر من طفلة، أكبر بكثير..
ـ ناديا..
لا أدري، هل انا الذي قلتها أم إنسان آخر خلفي، لكنها رفعت عينيها نحوي، وشعرت بهما تذيبانني كقطعة من السكر سقطت في كوب شاي ساخن، ومع بسمتها الخفيفة، سمعت صوتها:
ـ عمي.. وصلت من الكويت؟
وتكسر صوتها في حنجرتها، ورفعت نفسها متكئة على كفيها ومدت عنقها نحوي فربت على ظهرها، وجلست قربها:
ـ ناديا، لقد أحضرت لك هدايا من الكويت، هدايا كثيرة سأنتظرك الى حين تنهضين من فراشك سالمة معافاة، وتأتين لداري فأسلمك إياها، ولقد اشتريت لك البنطال الأحمر الذي أرسلت تطلبينه مني.. نعم.. لقد اشتريته.
كانت كذبة ولدها الموقف المتوتر، وشعرت وأنا ألفظها كأنني أتكلم الحقيقة لأول مرة، اما ناديا فقد ارتعشت كمن مسه تيار صاعق، وطأطأت رأسها بهدوء رهيب، وأحسست بدمعها يبلل ظاهر كفي:
ـ قولي يا ناديا.. الا تحبين البنطال الاحمر؟
ورفعت بصرها نحوي، وهمت أن تتكلم، لكنها كفت، وشدت على أسنانها، وسمعت صوتها مرة أخرى من بعيد:
ـ يا عمي!
ومدت كفها، فرفعت بأصابعها الغطاء الابيض، واشارت الى ساق مبتورة من أعلى الفخذ..
يا صديقي..
أبداً لن أنسى ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، لا، ولن أنسى الحزن الذي هيكل وجهها واندمج في تقاطيعه الحلوة إلى الأبد.. لقد خرجت يومها من المستشفى إلى شوارع غزة، وأنا أشد باحتقار صارخ على الجنيهين اللذين أحضرتهما معي لأعطيهما لناديا، كانت الشمس الساطعة تملأ الشوارع بلون الدم.. كانت غزة، يا مصطفى، جديدة كل الجدة، أبداً لم نرها هكذا انا وانت: الحجارة المركومة على اول حي الشجعية، حيث كنا نسكن، كان لها معنى كأنما وضعت هناك لتشرحه فقط، غزة هذه، التي عشنا فيها ومع رجالها الطيبين سبع سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً، كانت تلوح لي انها.. انها بداية فقط، لا ادري لماذا كنت أشعر أنها بداية فقط، كنت أتخيل أن الشارع الرئيسي، وأنا أسير فيه عائداً إلى داري، لم يكن الا بداية صغيرة لشارع طويل طويل يصل الى صفد، كل شيء كان في غزة هذه ينتفض حزنا على ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، حزناً لا يقف على حدود البكاء، انه التحدي، بل وأكثر من ذلك، انه شيء يشبه استرداد الساق المبتورة!..
لقد خرجت إلى شوارع غزة، شوارع يملؤها ضوء الشمس الساطع، لقد قالوا لي إن ناديا فقدت ساقها عندما ألقت بنفسها فوق أخوتها الصغار تحميهم من القنابل واللهب وقد انشبا اظفارهما في الدار، كان يمكن لناديا أن تنجو بنفسها، ان تهرب.. ان تنقذ ساقها، لكنها لم تفعل..
لماذا؟

لا يا صديقي! لن آتي لسكرمنتو، وانا لست آسفاً البتة، ولا ولن أكمل ما بدأناه معاً منذ طفولتنا: هذا الشعور الغامض الذي أحسسته وأنت تغادر غزة.. هذا الشعور الصغير يجب أن ينهض عملاقاً في اعماقك.. يجب أن يتضاخم، يجب أن تبحث عنه كي تجد نفسك.. هنا بين انقاض الهزيمة البشعة..
لن آتي اليك.. بل عد أنت لنا.. عد.. لتتعلم من ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، ما هي الحياة.. وما قيمة الوجود.
عد يا صديقي.. فكلنا ننتظرك..

الكويت ـ ١٩٥٦
من مجموعة »أرض البرتقال الحزين
«
 
* عن السفير بتاريخ 16 كانون الثاني 2009

16 - يناير - 2009
أحاديث الوطن والزمن المتحول
على الطريق : فلسطين وحدها القمة    كن أول من يقيّم

فلسطين وحدها القمة
 
 
تاريخ فلسطين سلسلة من القمم: كلما أُدخلت فلسطين إلى قمة ضيَّع الملوك بعض أهلها وبعض أرضها أو كلها... حتى قدسها!

ها هي ثلاث قمم دفعة واحدة! أوكازيون! صولد! بدلاً من قمة خذوا ثلاثاً: اقسم القرار على ثلاثة% تسقط منه غزة في أيدي السفاح الإسرائيلي. اضرب x القمة بالقمة فإذا فلسطين أو ما تبقى منها تغرق في دمائها.

صارت القمة موعداً مع الخوف: ما بعدها حروب أهلية والمزيد من الانتصارات المجانية للعدو الإسرائيلي، والذي بين كل قمة والأخرى يبتعد عن صورة »العدو« مقترباً من صورة »الجار« ثم »الصديق« وصولاً إلى »الحليف«.

قال الملوك: تريدون قمة لغزة؟ لكن غزة هي ثلث فلسطين أو أقل! هل نسيتم الضفة الغربية؟ هل نسيتم أراضي ١٩٤٨؟ لتكن إذن ثلاث قمم. هكذا نعيد تجميع فلسطين ونعطيها ثلاثاً: واحدة للمال، واحدة للرجال، وواحدة تنفع في كل الأحوال!

قال الملوك: تريدوننا في قمة واحدة؟! إنكم بهذا تحققون هدف العدو الإسرائيلي، فمتى اجتمعنا اختلفنا، ومتى اختلفنا ذهب بعضنا إليه، ووقف بعضنا الآخر على الحياد، واستشعر البعض الثالث ضعفاً عن المواجهة وحده فعوّض بالخطاب. لتكن لكم الخطب الطنانة جميعاً. والخطب ـ القمم، فإن ذهبت كلماتهم ذهبوا؟!

قال الملوك: تريدون قمة عربية لفك الحصار عن غزة؟! ولكن غزة محاصرة من زمن طويل، فلماذا القمة الآن، والموضوع عتيق ومعروف، ثم إنه موضع خلاف؟! أنتم، إذن، تريدون تفجير الخلافات!
 
قال الملوك: بدلاً من القمة خذوا ثلاثاً... فلا يبقى إلا القرار الإسرائيلي! قمة تذهب بقمة، وقمة تلغي وطناً، ولكن قرارات الأمم المتحدة معنا!

قال الملوك: تريدوننا في قمة واحدة؟.. ولكن الطيران الإسرائيلي يملأ السماء، ويضطرنا إلى خفض رؤوسنا.. وأنتم تريدون رؤوسنا مرفوعة (ولو على أسنة الرماح)، فهل ترضون لنا الذل والهوان وخفض الرؤوس؟!

قال الملوك: مستحيل أن تحفظ العرش والذهب والأرض والشعب. عليك أن تختار. هل يحتار غبي أمام مثل هذا الخيار؟! فليذهب الشعب إلى الجحيم! ما أكثر البشر في بلادنا! ثم إن أرضنا فسيحة جداً بحيث لا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي؟ فماذا لو رشونا العدو ببعضها وربحنا السلام مع العرش والذهب مع أرض أقل وبشر أقل؟! لو أنه عدو لما قدم لنا مثل هذه الخدمة! أرأيتم أنه صديق صدوق، فكيف بربكم تطالبوننا بأن نحاربه؟!

قال الملوك: لماذا تتعجلون النهاية؟ ها هو باراك أوباما في الطريق إلى البيت الأبيض؟ لماذا تفرضون عليه أن يصدر قراراً مسلوقاً؟ انتظروا أياماً فيكون لنا ما أريد؟ أم أنكم تريدوننا أن نتركه لأولمرت وليفني وباراك ونتنياهو؟ أين الحصافة؟ أين الذكاء السياسي؟! في القمم تضيع المواهب. أما في الحفلات الفردية فيشع الذكاء والدهاء المذهّب!

لكن غزة تقول كلاماً مختلفاً. غزة هي فلسطين، كل فلسطين الآن. هي فلسطين .١٩٤٨ هي الرجال والنساء والأطفال والأجنة الذين يساقون إلى المجزرة.
هي فلسطين. هي الحرية والكرامة والخبز. هي العروبة والوطنية جميعاً. هي الدين والدنيا.
ولن تهزم فلسطين. وحدها فلسطين هي القمة. ووحده من قاتل لأجلها ومعها وبها سيكون له غد.
وحدها فلسطين القمة.. ووحده من أعطاها سيفه أو قلبه أو ماله أعطته مجد الدنيا والآخرة... وهذا جمال عبد الناصر، في ذكراه، شاهد وشهيد
.
 
* عن السفير بتاريخ 16 كانون الثاني 2009

18 - يناير - 2009
ملف العدوان على غزة
القمة السعيدة    كن أول من يقيّم

 
لذيذة جداً هذه المصالحة ، ومؤثرة فعلاً ، ونهايتها سعيدة كنهاية الفيلم العربي : البطلة تبكي وهي تشتكي للبطل ( يا خاين ، يا غدَّار ، أنا بكرهك ) ، لكنها تنهار على صدره فيقبلها وينتهي الفيلم ... وهم تباوسوا ، ثم تصوروا ، ثم تغذوا ! وتصافوا فيما بينهم وكان الجو عائلياً ومريحاً ، بل أكاد أقول " مرحاً " ، ففرحنا لفرحهم وزعلنا لما انتهت القمة لأنها أعادت إلينا المشهد الذي نحاول أن نهرب منه منذ أسابيع ، بدون جدوى !
 
لم نستفق من الهزة بعد ! فغزة لا تزال تحت الأنقاض ، تجمع أشلاء بنيها ، وصور الدمار والجثث المتفحمة فيها يزلزل العقول !  لم تتهافت إليها الوفود للتعزية ، ولم يزرها أصحاب الفخامات والمناصب ليطمئنوا عليها ، وليشدوا من أزرها ، كما اندفع أصحاب الفخامات والزعامات من البرلمانات الأوروبية إلى إسرائيل لكي يقدموا لها فروض الطاعة ويطبطبوا على كتفها .
 
كأننا يتامى في هذا العالم رغم أننا نعد بالملايين !
 
" طلع المنادي ينادي مـا فـيهاش iiإفادة
الـرعيان  iiبوادي والقطعان بوادي ii"

20 - يناير - 2009
ملف العدوان على غزة
النقر وضبط الأفكار    كن أول من يقيّم

مساء الخير أستاذ عبد الرؤوف :
 
سرتني استجابتك المشجعة لموضوع هذا الملف الذي أحاول أن أفهم من خلاله العلاقة بين الفلسفة والموسيقى ، وهي محاولة متواضعة جداً أسعى فيها للاقتراب من الموضوع لأنني ، وإن كان باستطاعتي تفكيك بعض النصوص الفلسفية والقراءة بين سطورها ، إلا أن الموسيقى تبقى بالنسبة لي ذلك العالم المجهول الذي لم تتح لي الظروف الدخول إليه إلا من باب المستمع والمتلقي . سيقتصر دوري ، إذن ، على نقل بعض الأفكار التي جاء بها الكتاب واسترعت انتباهي
 
يظن فرنسوا نودلمان ( مؤلف الكتاب ) بأن العزف بالنسبة للفيلسوف يشبه تماماًعملية ضبط الصوت أو الصورة التي نقوم بها بواسطة أزرار التحكم ( réglage ) . إنها عملية ضبط " من بعيد لبعيد " ، وأن هذا " العلاج " بالنقر على أصابع البيانو ، يعيد الأفكار إلى مواضعها
 
أتمنى لو كان باستطاعتك إضاءة هذا الموضوع بالاعتماد على تجربتك ، وعلى الكتاب الذي ذكرته " الفيلسوف وفن الموسيقى " . ولك الشكر الجزيل .
 

22 - يناير - 2009
الفلسفة والموسيقى
جان بول سارتر والموسيقى    كن أول من يقيّم

كان لفيلسوف الوجودية علاقة حميمة جداً بالموسيقى التي كانت تشكل المساحة السرية لشخصيته التي عـُرفت بثوريتها وتمردها والتزامها السياسي . فمن معارضته للدور الفرنسي في حرب الهند - الصينية إلى مناصرته للثورة الجزائرية ، ومن محاوراته الساخنة مع التشي غيفارا إلى نضالاته المعروفة في انتفاضة العام 1968 في فرنسا إلى مناصرته للطلاب الماويين إلى ، إلى ... وفي خضم هذه الأحداث الطاغية والهادرة ، ورغم انخراطه الكامل في العمل السياسي آنذاك ، كان جان بول سارتر يخصص جزءاً من وقته ، في كل يوم ، للعزف على البيانو وكأن هذا الرجل الممثل لروح عصره ، كان يعيش على وقع موسيقاه الخاصة التي كان يعزفها في أوقاته الحميمة ، وهو لم يتوقف عن القراءة والعزف إلا في آخر حياته بعدما شح نظره .
 
كان في طفولته ، يسمع ألحان أمه التي كانت تعزف لشوبان وشومان . وكان جده يصطحبه أحياناً إلى المحفل البروتستانتي فيسمع هناك باخ ، وصوت الأورغ الكنسي الضخم والمهيمن . وكان سارتر يحب موسيقى الجاز ، لكنه قال على لسان بطل روايته " الغثيان " بأن سماع الجاز يولد لديه شعوراً مضنياً لأن تلك الموسيقى تضعك في الحد الفاصل بين الإحساس بالرحمة ، والإحساس بالقرف وبعبثية هذا العالم الذي نعيش فيه .
 
هناك موسيقى نتكلم عنها ، وموسيقى نعزفها : ورغم أنه كان قد تحدث عن الموسيقى القديمة وعن الجاز ، إلا أنه كان يعزف " شوبان " Chopin ( وهو خير من يمثل الرومانسية في الموسيقى الكلاسيكية )، وكان يطيب له أن يعزف البيانو عندما يكون مدعواً لدي الآخرين ، خصوصاً لدى النساء . ويصف نودلمان عزفه بقوله : " كانت أصابعه الغليظة والثقيلة تحاول ، على الأقل ، أن تتحرك بدلال وخفة فوق اللوحة ، ودون أن تخترق أصابع البيانو " بل هو يصف حركاته على أنها نوع من " المداعبة " التي تشبه " اللمس " . ويذكرنا الكاتب بأن سارتر كان قد صرح ذات مرة بأنه لا يحب كثيراً " الدخول في المرأة " . والعزف على البيانو يصفه سارتر بأنه " نوع من الانحراف السلبي والإيجابي " ومعناه أن نتوقف عن رؤية العالم كشيء دبق يصعب الخلاص منه ،  بل أن نقطع كل علاقة لنا معه .
 
في روايتة الأولى " الغثيان " التي يتحدث فيها عن جمهور إحدى الحفلات الموسيقية ، وهو جمهور " سلبي " ( برأيه ) يستمع فقط ولا يجيد العزف ، يقول بسخرية وعلى لسان بطلها ( الذي يشبهه تماماً ) : " يا للحمقى ! إنهم يظنون بأن الجمال يشاطرهم الألم " . وهي تعيد إلى أذهاننا فكرة سارتر الرئيسية التي تتحدث عن علاقة الإنسان بحريته وكيفية تحقيقه لوجوده عبر ممارسة هذه الحرية .
 
فهل كانت ممارسة العزف هي نوع من التمرد على نظام اجتماعي ؟ أم أنها كانت حديقته الخاصة والسرية وعودة إلى طفولة يبحث فيها ينبوع العاطفة الأمومية التي افتقدها ؟ على أية حال ، يظن نودلمان بأن علاقة سارتر بالبيانو هي النسخة السرية لحياته ، أو الأثر المخفي لعاطفته الأشد حميمية .
 
 

22 - يناير - 2009
الفلسفة والموسيقى
 89  90  91  92  93