جان بول سارتر والموسيقى كن أول من يقيّم
كان لفيلسوف الوجودية علاقة حميمة جداً بالموسيقى التي كانت تشكل المساحة السرية لشخصيته التي عـُرفت بثوريتها وتمردها والتزامها السياسي . فمن معارضته للدور الفرنسي في حرب الهند - الصينية إلى مناصرته للثورة الجزائرية ، ومن محاوراته الساخنة مع التشي غيفارا إلى نضالاته المعروفة في انتفاضة العام 1968 في فرنسا إلى مناصرته للطلاب الماويين إلى ، إلى ... وفي خضم هذه الأحداث الطاغية والهادرة ، ورغم انخراطه الكامل في العمل السياسي آنذاك ، كان جان بول سارتر يخصص جزءاً من وقته ، في كل يوم ، للعزف على البيانو وكأن هذا الرجل الممثل لروح عصره ، كان يعيش على وقع موسيقاه الخاصة التي كان يعزفها في أوقاته الحميمة ، وهو لم يتوقف عن القراءة والعزف إلا في آخر حياته بعدما شح نظره . كان في طفولته ، يسمع ألحان أمه التي كانت تعزف لشوبان وشومان . وكان جده يصطحبه أحياناً إلى المحفل البروتستانتي فيسمع هناك باخ ، وصوت الأورغ الكنسي الضخم والمهيمن . وكان سارتر يحب موسيقى الجاز ، لكنه قال على لسان بطل روايته " الغثيان " بأن سماع الجاز يولد لديه شعوراً مضنياً لأن تلك الموسيقى تضعك في الحد الفاصل بين الإحساس بالرحمة ، والإحساس بالقرف وبعبثية هذا العالم الذي نعيش فيه . هناك موسيقى نتكلم عنها ، وموسيقى نعزفها : ورغم أنه كان قد تحدث عن الموسيقى القديمة وعن الجاز ، إلا أنه كان يعزف " شوبان " Chopin ( وهو خير من يمثل الرومانسية في الموسيقى الكلاسيكية )، وكان يطيب له أن يعزف البيانو عندما يكون مدعواً لدي الآخرين ، خصوصاً لدى النساء . ويصف نودلمان عزفه بقوله : " كانت أصابعه الغليظة والثقيلة تحاول ، على الأقل ، أن تتحرك بدلال وخفة فوق اللوحة ، ودون أن تخترق أصابع البيانو " بل هو يصف حركاته على أنها نوع من " المداعبة " التي تشبه " اللمس " . ويذكرنا الكاتب بأن سارتر كان قد صرح ذات مرة بأنه لا يحب كثيراً " الدخول في المرأة " . والعزف على البيانو يصفه سارتر بأنه " نوع من الانحراف السلبي والإيجابي " ومعناه أن نتوقف عن رؤية العالم كشيء دبق يصعب الخلاص منه ، بل أن نقطع كل علاقة لنا معه . في روايتة الأولى " الغثيان " التي يتحدث فيها عن جمهور إحدى الحفلات الموسيقية ، وهو جمهور " سلبي " ( برأيه ) يستمع فقط ولا يجيد العزف ، يقول بسخرية وعلى لسان بطلها ( الذي يشبهه تماماً ) : " يا للحمقى ! إنهم يظنون بأن الجمال يشاطرهم الألم " . وهي تعيد إلى أذهاننا فكرة سارتر الرئيسية التي تتحدث عن علاقة الإنسان بحريته وكيفية تحقيقه لوجوده عبر ممارسة هذه الحرية . فهل كانت ممارسة العزف هي نوع من التمرد على نظام اجتماعي ؟ أم أنها كانت حديقته الخاصة والسرية وعودة إلى طفولة يبحث فيها ينبوع العاطفة الأمومية التي افتقدها ؟ على أية حال ، يظن نودلمان بأن علاقة سارتر بالبيانو هي النسخة السرية لحياته ، أو الأثر المخفي لعاطفته الأشد حميمية . |