الشكل الأدبي في مرآة الأدب الإسلامي: كن أول من يقيّم
الشكل الأدبي في مرآة الأدب الإسلامي: للدكتور عبده زايد-أستاذ البلاغة والنقد بجامعة الأزهر- كتاب بعنوان)الأدب الإسلامي ضرورة) فيه مبحث نفيس، تناول فيه موقف مدرسة الأدب الإسلامي من قضيتي الشكل الأدبي ، والشعر الحر، فجاء ما مفاده: يذهب دعاة مدرسة الأدب الإسلامي في موقفهم من الشكل الأدبي إلى رؤيتين: *رؤية تذهب إلى أن الشكل حيادي، لا يمكن أن يوصف بقبح أو حسن، وإنما القبح والحسن راجع إلى المضمون، فلا بأس على الأدب الإسلامي أن يقدم مضامينه في أي شكل أدبي، بغض النظر عن المذهب الأدبي الذي ينتمي إليه هذا الشكل. *ورؤية أخرى يذهب أصحابها إلى أن بعض الأشكال الأدبية تلبست بمفاهيم خاصة هي على النقيض من المفاهيم الإسلامية حتى بدا أنهما (الشكل والمضمون) متلازمان لا ينفكان، وقد انسحب رفضهم للمضمون على الشكل.ص108.:"ونحن إذا نظرنا إلى بعض الأشكال الأدبية وجدناها ذات ارتباط وثيق بأصولها الأولى المرفوضة إسلاميًّا، وأقرب مثال على ذلك سجع الكهان الذي ذمه الرسول صلى الله عليه وسلم، ونفر منه حتى كره بعضهم السجع كله لا سجع الكهان وحده، والسجع كان موجودًا قبل الإسلام وبعده، وهو موجود في القرآن الكريم- وإن كره بعضهم اسم السجع وأطلق عليه الفواصل- وموجود كذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفي كلام العرب. ولم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إن السجع من حيث هو سجع مكروه منبوذ، ولكن ذم سجعًا بعينه هو سجع الكهان، ذلك السجع الذي لا يقوم على الفهم والإفهام ولكن يقوم على الإبهام والإيهام، بل إن كل كلام لا يعبر عن معنى ولا يوصل إلى غرض مرفوض إسلاميًّا مسجوعًا كان أو غير مسجوع ص109. ولم يكره الإسلام من أشكال التعبير التي كانت معروفة غير سجع الكهان. أما الشعر والخطابة والمثل والحكمة فقد أصبحت من أشكال التعبير الإسلامية بعد أن اصطبغت بصبغة الإسلام وتشربت روحه. وإذا سلم لبعض النقاد أن الملحمة لا بد أن تقوم على الخوارق ولا بد أن تشارك في أحداثها الآلهة الذين ينتصرون وينهزمون ويحبون ويعشقون ويأكلون ويشربون، أقول إذا سلم للنقاد هذا خرجت الملحمة حينئذ من دائرة القبول في الأدب الإسلامي، أما إذا لم يكن هذا جزءًا من تكوينها وأمكن أن تصبح شكلا محايدًا كما يذهب نقاد آخرون فلن تكون حينئذ مرفوضة ويمكن للأدب الإسلامي أن يتعامل معها إذا أراد. أي أنه يمكن أن نقبل الشكل الأدبي إذا لم يكن له ارتباط حتمي بأصوله الفلسفية والفكرية المرفوضة إسلاميًّا، فإذا لم يكن كذلك فلا بأس به.ص110. ونحن نعلم أن جميع الأشكال الأدبية –الشعر والقصة والرواية والمسرح- قد استخدمت للتعبير عن أفكار ومضامين لا يقبلها الإسلام ولكن هذه الأشكال لم ترتبط بمضامينها ارتباطًا عضويًّا شأنها شأن اللغة التي تستخدمها جميع الأفكار والمذاهب والفلسفات، ويستخدمها العامة والخاصة والأخيار والأشرار والأنبياء والكفار للتعبير عما يريدون، وما زعم أحد أن اللغة خاصة به وبفكره إنها وعاء عام محايد يتسع لهذا ولذلك. وكما لا يرفض الأدب الإسلامي اللغة التي يستخدمها الآخرون فكذلك لا يرفض الشكل الأدبي الذي استخدمه الآخرون ما دام شكلاً محايدًا حيدة اللغة التي يعبر بها الجميع. ولقد جاء المبدأ الثامن من مبادئ العامة للأدب الإسلامي معبرًا عن هذه الحقيقة:" إن الأدب الإسلامي يفتح صدره للفنون الأدبية الحديثة ويحرص على أن يقدمها للناس وقد برئت من كل ما يخالف دين الله – عز وجل- وغنيت بما في الإسلام من قيم ثمينة وتوجيهات سديدة". فإذا قرأنا المبدأ السابع:" "الأدب الإسلامي يرفض المذاهب الأدبية المنحرفة" اتضح لنا ما يقبله الأدب الإسلامي وما يرفضه. ص110والانحراف المرفوض قد يكون انحرافًا في المضمون –وهذا هو الغالب- وقد يكون انحرافًا في الشكل- وهو قليل إذا قيس بما سبقه ولكنه موجود- إن العبث والامعقول والرمزية والسريالية والحداثة مذاهب أدبية تجدها في الشكل كما تجدها في المضمون. وإن البرناسية والفنية وهما أساس مذهب الفن للفن تجدهما في الشكل أكثر مما تجدهما في المضمون. إن الغموض الذي يلازم الرمزية والسريالية والحداثة ولا ينفك عنهما يبعد أشكالها الفنية عن باب القبول عند الأديب الإسلامي؛ لأن الأدب الإسلامي يقف من الغموض موقف النقيض ص111. وإن الفن للفن المنبثق عن البرناسية والفنية لا يستقيم في الأدب الإسلامي إلا في مرحلة المران والدربة ورياضة القول. وهو من هذه الزاوية يشبه التدريبات العسكرية والتمرينات الرياضية. أما إذا تجاوز هذا القدر فإنه ينأى عن القبول لأن الوسيلة عند ذاك تصبح هي الغاية. والفن في الإسلام ليس غاية ولكنه وسيلة لغاية أبعد منها، لكن إجادة الوسيلة مطلوبة بل واجبة، وهذا هو ما تنهض به رياضة القول، وهو ما يدخل في باب الفن للفن. واستخدام اللفظ المقدس في السياق المدنس بإصرار غريب عند الحداثيين وتفجير اللغة من داخلها لتقويض نظامها ودك بنائها عندهم، يبعد هذا الشكل عن دائرة القبول في الأدب الإسلامي. واستخدام رؤى الأحلام وهذيان المحمومين، وهي لغة لا ضابط لها ولا رابط، يبعد هذه الأشكال عن دائرة القبول. إننا إذا اهتدينا بمبدأ: خالفوا اليهود والنصارى والمجوس والمشركين في موقفنا من مذاهب الأدب المعاصرة استقامت لنا طريق نراها أقرب إلى الصواب. ـــــــــــــ الأدب الإسلامي ضرورة، عبده زايد طبع رابطة الجامعات الإسلامية، ونشر دار الصحوة بالقاهرة، سنة 1991م |