البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 86  87  88  89  90 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
قيلولة يوم الثلاثاء (4)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

فُتح الباب الموجود في أقصى القاعة ليدخل منه الخوري وهو يمسح زجاج نظارته بمنديل . ولما أعاد وضعها فوق أنفه ، كان من الممكن التكهن للحال بأنه أخو المرأة التي فتحت لهما الباب .
" ماذا تريدان ؟ سألهما .
ــ مفاتيح المقابر " قالت المرأة .
 
كانت البنت جالسة فوق المقعد ، وقد وضعت باقة الزهور فوق ركبتيها ، وهي تعقد رجليها تحت المقعد . نظر الخوري إليها ، ثم إلى المرأة ، ثم وعبر قضبان حديد النافذة ، نظر إلى السماء المتوهجة والتي لا يبدو فيها أثر لأية غيمة .
" أفي هذا الحرِّ القائظ ، قال ، كان بإمكانكما الانتظار إلى حين غروب الشمس . "
هزت المرأة رأسها بصمت . مشى الخوري نحو الطرف الآخر من المنصة ، أخرج من الخزانة دفتراً مجلداً بغلاف من البلاستيك ، مقلمة من الخشب ، ومحبرة ، ثم جلس إلى المكتب . الشعر الذي اختفى عن رأسه ، كان قد نبت فوق يديه بكثرة .
" قبر من ترغبان بزيارته ؟ سألهما .
ــ قبر كارلوس سانتينو
ــ من ؟
ــ كارلوس سانتينو " ، أعادت المرأة .
مع هذا لم يفهم الخوري قولها .
" إنه اللص الذي قُتل هنا الأسبوع الفائت ، قالت المرأة بذات النبرة ، أنا أمه . "
 
حدَّق الخوري بها جيداً . وهي حدَّقت به بثقة وهدوء وبحيث شعر أنه يحمرُّ خجلاً . أطرق رأسه ليكتب . وفي الوقت الذي كان يقوم به بملء استمارته ، طالباً منها المعلومات حول هويته ، كانت تجيبه بدقة وبدون تردد ، وكأنها تقرأ ما كانت تقوله . أخذ الخوري يتصبب عرقاً . البنت الصغيرة كانت قد فكت رباط حذائها الأيسر وأخرجت منه كعب قدمها لتسنده إلى الحافة السفلية للمقعد ، ثم فعلت الشيء عينه بقدمها اليمنى .
 

4 - ديسمبر - 2008
قيلولة يوم الثلاثاء
قيلولة يوم الثلاثاء ( 5)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

الحكاية كانت قد بدأت في يوم الإثنين من الأسبوع المنصرم ، عند الثالثة صباحاً ، وعلى بعد بضعة أرصفة من هنا . ربيكا ، أرملة تعيش وحيدة في منزل مليء بالتحف ، كانت قد سمعت من خلال طرق المطر المتساقط بأن هناك من يحاول كسر قفل باب المدخل .
 
كانت قد نهضت من سريرها ، وأخذت تتلمس في خزانتها بحثاً عن مسدس قديم لم يستخدمه أحد منذ عهد الكولونيل " بوينديا " ، ثم توجهت ، ودون أن تشعل النور ، نحو غرفة الطعام . كان الخوف الذي ربته بداخلها خلال العشرين سنة المنصرمة التي عاشتها وحيدة يقودها أكثر مما كانت تقودها أصوات الخربشة المتأتية من قفل الباب . وكانت قد استطاعت أن تقدر بحدسها ، ليس فقط موضع الباب ، بل وأيضاً ، الموقع المحدد تماماً منه للقفل . ثم ، وهي تطبق على السلاح بكلتا يديها ، وتغمض عينيها بقوة ، ضغطت على الزناد . كانت أول مرة في حياتها تطبق فيها على زناد مسدس . لم تسمع أية ضجة بعد إطلاق النار مباشرة سوى صوت خشخشة المطر فوق صفيحة الزنك . إنما بعدها ، كان قد طرق سمعها صوت ارتطام جسم معدني بأسمنت الرصيف ، وصوت خفيض ، هادىء إنما مجهد يقول : " للأسف ، يا أمي " . الرجل الممزق الأنف ، الذي وجد مقتولاً في صبيحة اليوم التالي ، أمام باب البيت ، كان يرتدي فانلة مقلمة بخطوط ملونة ، وبنطالاً عادياً قد شده حول خصره بحبل عوضاً عن الحزام . كانت قدماه عاريتين ، ولم يتعرف إليه أحد من سكان القرية .  

4 - ديسمبر - 2008
قيلولة يوم الثلاثاء
قيلولة يوم الثلاثاء (6)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

" كان يدعى كارلوس سانتينو إذن ، تمتم الخوري وهو ينهي ما كان يقوم بتدوينه .
ــ سانتينو أيالا ، قالت المرأة ، وكان ولدي الوحيد ."
 
توجه الخوري مجدداً نحو الخزانة حيث يوجد مفتاحان قد علاهما الصدأ معلقان بمسمار . البنت الصغيرة تخيلت بأنها يجب أن تكون مفاتيح الجنة ، تماماً كما كانت أمها قد تخيلت عندما كانت بمثل سنها ، وكما يجب أن يكون الخوري نفسه قد تخيل عندما كان بمثل سنها .
 
انتزع الخوري المفاتيح من مكانها ووضعها فوق الدفتر المفتوح ، ثم أشار بإصبعه إلى مكان محدد فوق الصفحة التي دون فيها المعلومات ، ودون أن يرفع بصره عن المرأة :
" وقعي هنا ."
 
خربشت المرأة اسمها فوق الدفتر وهي تطبق على حقيبتها تحت ذراعها . استعادت البنت زهورها ومشت تجر حذاءها باتجاه المنصة وهي ترقب أمها .
تنهد الخوري :
" ألم تحاولي أبداً أن تعيديه إلى الطريق القويم ؟ "
أجابته المرأة بعد أن انتهت من توقيع اسمها :
" لقد كان رجلاً طيباً . "
 
نظر الخوري إلى البنت الصغيرة ، ثم إلى المرأة ، واكتشف بشيء من الدهشة ، يخالطها بعض الرحمة ، بأنه لم يكن لديهما أدنى رغبة بالبكاء . تابعت المرأة حديثها بدون تلجلج :
" كنت أقول له بأن لا يسرق أبداً ما يمكنه أن يحرم إنسان من قوته ، وكان يسمع مني . إنما في الماضي ، عندما كان يلاكم ، كان يبقى احياناً ثلاثة أيام متوالية في الفراش لكي يبرأ من اللكمات التي كان يتلقاها .
ــ بل كان قد توجب عليه اقتلاع كل أسنانه ، قالت البنت .
ــ هذا صحيح ، تابعت المرأة ، كل لقمة كنت ابتلعها كان لها طعم اللكمات التي كان ابني يتلقاها عشية كل سبت .
ــ إرادة الله التي لا يعلم بها إلا هو  " ، قال الخوري .
 

4 - ديسمبر - 2008
قيلولة يوم الثلاثاء
قيلولة يوم الثلاثاء (7)    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

لكنه قالها بدون قناعة حقيقية ، فمن جهة ، كانت التجارب قد علمته الشك ، ومن جهة أخرى بسبب الحر الذي كان يعانيه . طلب منهما تغطية رأسيهما لكي تتفاديا ضربة الشمس . ثم بعد أن تثاءب ، شرح لهما كيفية العثور على قبر كارلوس سانتينو وهو شبه نائم . ليس هناك داع للدق على الباب بعد العودة من المقبرة ، يكفي أن تدسا بالمفتاح من تحت الباب ، وأن تدسا معه ، لو شئتما ، عطية من أجل الكنيسة . أصغت المرأة بانتباه إلى كل التعليمات لكنها شكرته دون ابتسامة .
 
قبل أن يفتح باب المدخل ، كان الخوري قد تنبه لوجود من يراقبهم ، ويلصق وجهه بحديد الشباك . كانت فرقة من الأولاد . وعندما فتح الباب على مصراعيه ، كان الجمع قد تبخر . الشارع كان دائماً خالياً بمثل هذا الوقت ، بينما اليوم بالذات ، لم يكن هنالك فقط تلك الفرقة من الأولاد ، وإنما أيضاً تجمعات صغيرة  من الناس تحت شجرات اللوز . تأمل الخوري الشارع الذي تعذرت عليه رؤيته بسبب انعكاسات الضوء القوية ، وفهم فجأة . فأعاد إغلاق الباب بهدوء .
" انتظرا لحظة " قال بدون أن ينظر ناحية المرأة .
 
ظهرت أخته بقرب الباب الداخلي ، وكانت تلبس صدرية سوداء فوق قميص نومها وتترك شعرها ينسدل فوق أكتافها . أخذت تنظر إلى الخوري بصمت .
" ما الذي حدث ؟ " سألها .
ــ سكان القرية انتبهوا لوجودهما ، أجابت بهمس .
ــ من الأفضل أن تخرجا إذن من الباب الخلفي ، قال الخوري .
ــ لن يغير شيئاً ، الناس جميعهم على الشبابيك ."
 
حتى تلك اللحظة ، كان يبدو على المرأة وكأنها لم تسمع شيئاً مما كان يدور حولها . ثم ، وبعد أن تفحصت الطريق من خلال حديد الشباك ، انتزعت باقة الزهور من أيدي البنت الصغيرة وتوجهت نحو الباب . لحقت بها ابنتها حالاً .
" انتظرا حتى غروب الشمس ، قال الخوري .
ــ سوف تذوبان من شدة الحر ، قالت أخته المسمرة عند الباب الداخلي . انتظراني سآتيكما بمظلة .
ــ لا داعي لهذا ، أجابت المرأة ، شكراً لك ."
أخذت الأم ابنتها من يدها ، ثم خرجت معها إلى الشارع .
 
تمت

5 - ديسمبر - 2008
قيلولة يوم الثلاثاء
عيدكم مبارك     كن أول من يقيّم

صباح الخير وعيد مبارك للجميع :
 
ما أحلى هذه اللمة ، وما أحلى كلامك يا أستاذ خالد صابر وما أعذبه . عدت بالأمس إلى البيت ، وكنت قد ذهبت إلى السوق بعد العمل ، وكان الطقس عاطلاً جداً ، ولولا الضرورة لما ذهبت أبداً ، وبحثت عن نظارتي بعد عودتي ولم أجدها . قرأت تعليقات الأستاذ صابر والأساتذة يحيى وزياد وخولة بدون مشكلة ، وعانيت في قراءة تعليق الأستاذ ياسين ، أما موضوع الأستاذ زهير الجديد ( رحلة أعلام اليمن إلى استنبول ) فتركته لحين آخر . كان لا بد أن أكتب اليوم ولو " ع العمياني " ، وإذا كنت لم ألمح شيئاً في بطاقة معايدة الأستاذ زين الدين هذا الصباح ، فلسبب آخر تقني لا علاقة له بي وبنظاراتي الضائعة كما أظن . كان لا بد أن أكتب اليوم وأعايدكم قبل أن يأتي العيد وكما فعلتم تماماً ، بكل الطيبة والمودة . فنحن ننظر من حولنا ونتألم ، ونسمع الأخبار ونتألم ، ومرات نخلو إلى أنفسنا ونتألم ، ومع هذا نجدنا نفرح كالأولاد لأشياء بسيطة كهذه وهذا من رحمة ربي . عليكم السلام جميعاً ، ولكم الشكر جميعاً ، وسلام خاص لوالدة الأستاذ يحيى مصري حفظها الله ، ولكل أعلام الوراق وسراته الذين لم يظهروا بعد الأساتذة : عمر خلوف ، صبري أبو حسين ، أحمد عزو ، محمد هشام الأرغا ، لمياء بن غربية ، أحمد إيبش ، جميل لحام ، يوسف الزيات ، وحيد الفقيهي ، صبيحة شبر ، محمد كالو ، عبد الله الحذيفي ، مروان العطية ، عبد الحافظ بخيت ، إدريس القري ، علاء أبرون ، والأستاذ مكي ، وعبد الحفيظ الأكوح وندى وزكرياء ( مع حفط الألقاب ) والأساتذة الذين نفتقدهم ، خصوصاً في هذه المناسبات : سعيد الهرغي ولحسن بنلفقيه وصادق السعدي وعبد الرؤوف النويهي وطه المراكشي ومحمود الدمنهوري وثائر صالح والأستاذ داوود ، ولأستاذنا الكبير الغالي زهير ظاظا وكنتي الحبيبة وكل العائلة الكريمة مع سلام خاص إلى الوالدة في ألمانيا وللأستاذ السويدي شكرنا له وتقديرنا لجهوده وعرفاننا بفضله ولكل العاملين في هذا الموقع الكريم من فنيين وعلى رأسهم طبعاً الأستاذ معتصم زكار .
كل عام وأنتم بخير ودمتم سالمين .
 

6 - ديسمبر - 2008
عيد مبارك
دو شيش    كن أول من يقيّم

لم أر تعليقك أستاذي إلا بعد أن نشرت تعليقي وانتبهت إلى أنني نسيت ذكر بعض الأصدقاء الذين لم نسمع عنهم منذ فترة طويلة ، وفهمت بأن الطقس عاطل في أبو ظبي أيضاً . صدفتان يا أستاذ يحيى لا صدفة واحدة ، الأولى كانت عندما كتبنا ونشرنا في نفس اللحظة ، والثانية أننا تحدثنا كلانا عن الطقس السيء في ذات الوقت .

6 - ديسمبر - 2008
عيد مبارك
من المشرق إلى المغرب : كل التحية    كن أول من يقيّم

أعود من جديد لأهنىء كل الأصدقاء الذين شاركونا فرحة العيد حتى هذه الساعة وأشكرهم على كلماتهم اللطيفة . سرتني ، بهذه المناسبة ، عودة فارس أرغن ( صبوا له القهوة هذا سعيد ) وسماع أخباره ، وفرحت لسماع أخبار الأستاذ النويهي من جديد ، لأننا مهما اختلفت وجهات نظرنا أو تباعدت ، لا زلت أحتفظ له بمكانة خاصة ومميزة في نفسي ، ولا زلت أعتبر بأن التجربة التي عشناها على صفحات الوراق كانت غنية ومحفزة لطاقاتنا ، وأنها مفيدة وإيجابية ، رغم نهايتها التراجيدية . ملعون أبو السياسة يا أستاذ عبد الرؤوف ، فهي ليست " شغلتنا " ، وأنا لا أنتمي إلا للذين أحبهم ، سواء كانوا من رأيي أم من رأي مخالف . أما ما كتبته يا أستاذ هشام في تعليقك ، ووصفك لكل واحد منا بالشكل الذي تراه فيه ، فهو أحلى من الشعر . تعود إلى ذاكرتي دائماً الصورة التي عبرت بها عن شعورك يوماً بأنك سمكة في قاع مظلمة ، لأنها صورة قوية جداً التصقت بمخيلتي ولم تعد تبارحها أبداً ، رغم أنني استهجنت ذلك في حينه . لم أكتب الشعر منذ مدة طويلة وتشغلني حالياً بعض الترجمات التي أقوم بها وكتاب عن شاعر فرنسي من القرون الوسطى ( القرن الخامس عشر ) اسمه فرنسوا فيّْون françois Villon كان لصاً ومجرماً وقاطع طريق وكان ، في الوقت عينه ، شاعراً مبدعاً يتمتع بشجاعة وفطنة قل لها نظير . أحاول أن أتبع صوت الموسيقى ، لعلها ترشدني إلى الطريق .
تحياتي لكم جميعاً ، وكل عام وأنتم بخير .
 

8 - ديسمبر - 2008
عيد مبارك
بول فيرليو : لعنة التيه    كن أول من يقيّم

استكمالاً للنقاش الذي كنا قد بدأناه في المقالة السابقة ، سأعرض عليكم وجهة نظر فيلسوف متخصص بدراسة المجتمعات المدنية ( Philosophe - Urbaniste ) هو بول فيريليو Paul VIRILIO الذي يعتقد أيضاً بأن العالم قد وصل إلى نهايته بسبب أننا سرَّعنا حركة الزمن وألغينا الجغرفيا من التاريخ ، وأن السرعة التي باتت تحركنا هي التلوث المضمر الذي لا نتحدث عنه ، وأن اختصار الوقت ( اختصار الزمن ) هو تقليص للمساحة والامتداد بحيث باتت الأرض صغيرة جداً وأخذت تضيق بنا .
ما سأنقله هنا ، هو نص المقابلة التي أجرتها معه مجلة النوفيل أوبسرفاتور Le Nouvel Observateur  الفرنسية بعددها الصادر في 27 تشرين الثاني 2008  . أجرى المقابلة : François Armanet et Gilles Anquetil . والمقال بعنوان : " لعنة التيه " .

10 - ديسمبر - 2008
المجتمعات البشرية في طريق التفتت والانحلال
السرعة هي القدرة     كن أول من يقيّم

ــ هل الأزمة الإقتصادية الراهنة هي حدث عارض كغيره من الأحداث ؟
ــ لا بل هي حدث كلي ، والبعض يقول بأنه حدث في أصل البنية ( systémique ) ، وأنه حدث مؤسس لنظام ( جديد ) . وهل يمكننا أصلاً تصنيفه ب " الحدث " ؟ بالطبع لا ، لأننا بصدد نوع جديد من " الحدث العرضي " الذي يضع طبيعة التطور موضع تساؤل . غالباً ما نعود لأحداث 1929 ( انهيار بورصة نيويورك ) كمرجع في هدا الموضوع ، لكن مصدر الفوضى الحاصلة حالياً يعود إلى العام 1987 ( الانهيار الثاني في بورصة نيويورك ) والذي تسبب به ال Program Trading ، تاريخ ربط المبادلات المصرفية وعمليات البورصة بشبكة الإتصالات الفورية ، أي ربطها بامتدادات إفتراضية ( Flux virtuels ) منفصلة عن الواقع وهو ما أسميناه بوقتها " الانفجار الكبير " Big Bang الذي أدى اليوم إلى " الفجوة الكبيرة " ( Big Crunch) في قطاع التسليف . لقد شاهدنا بروز عالم البورصة أمام أعيننا بطريقة حية ، مباشرة ، ورأينا كيف يتم التبادل لهذا الكم الكبير من العمليات بسرعة الضوء . والنتيجة هي أننا ، بعد عشرين سنة ، لدينا برامج يصعب السيطرة عليها ، وأنظمة حسابية فيما يخص " المال والفرضيات الاحتمالية " مصطنعة ولا عقلانية . الحسابات الرياضية طغت على التفكير الاقتصادي السليم ، والرأسمالية سرَّعت الخطى . لم تعد البنوك تعرف أين يجري كل هذا ! والطارىء الجديد هو أنه لم يعد هناك مكان محدد لما يحدث ، إنه في الشامل واللامحل ، ولم نعد نستطيع تحديد موقع الخطر . والأسهم " السامة " كانت قد انتشرت في عالم الاتصالات الإفتراضي .
لكن التاريخ كله يرتكز إلى الجغرافيا : الأرض ، الملك العقاري ، المناجم ... الإنسان هو السماد . ليس من سبيل الصدفة أن تكون الأزمة الحالية قد بدأت في قطاع العقارات ( السكن ) . للملك العقاري هيمنة قوية على التاريخ . في أثينا مثلاً ، كان عليك أن تكون مالكاً لكي تكون مواطناً .( يقصد بهذا مفهوم الثبات والاستقرار في مكان واحد ) . إن تسريع وتيرة الحركة في مجتمعاتنا كانت قد بدأت في القرن التاسع عشر مع الانقلاب الذي حصل لوسائل النقل . وأما الثورة الثانية فقد حصلت في مجال سرعة انتقال الأخبار والمعلومات . الثورة الثالثة هي اليوم في طور التحضير : هي عملية النقل والزرع بواسطة الكبسولات ( puces ) . لقد اجتاحت السرعة ليس الجسم الاجتماعي فقط ، بل حتى جسم الإنسان .
يكمن الإنقلاب الحاصل حالياً في هذه : الفورية ، والتزامن ، والتواجد في كل مكان ( l'instantanéité , l'Ubiquité , la simultanéité ) وهي من صفات الألوهة الخارقة .  مجتمعاتنا الحديثة التي هي بالإجمال مجتمعات علمانية تنكر هذه الصفات ، في الوقت الذي تقوم فيه بتحريكها باستمرار . وإذا كان " الوقت من ذهب " ، فإن " السرعة هي القدرة " . يقول التجار والموزعون : كلما ازدادت رقعة الامتداد ، كلما خفَّ الاحتياطي . الامتداد هو السرعة ، والاحتياطي مساوي للصفر ، أي أنه لا يوجد تراكم . إن هذا الصراع داخل الرأسمالية اليوم أدى إلى الانهيار الكبير : تعارض مبدأ السرعة مع مبدأ التراكم .
( يتبع )
 

10 - ديسمبر - 2008
المجتمعات البشرية في طريق التفتت والانحلال
أرض الوطن    كن أول من يقيّم

ــ موضوع " السرعة " هو في القلب من المعرض " أرض الوطن " ( Terre Natale ) الذي تقيمونه مع ريمون دوباردون ( Raymond Depardon ) لدى مؤسسة " كارتييه " . هذا الثنائي الذي تؤلفانه معاً يبدو غريباً : دوباردون هو البدوي ، الريفي ، المحب للحياة الهادئة ، نموذج الشعوب الآيلة للانقراض . وأنت المدني ، الحضري ، المنـَظـّْر للسرعة و" اللامحسوس " ( الافتراضي ) ( virtuel ). ما الذي يجمع بينكما ؟
 
ــ التناقض بين المدينة والقرية هو ما يجمعنا . وهذا التناقض هو الذي صنع تاريخ أوروبا . أنا ابن مهاجر إيطالي " غير شرعي " ( clandestin ) ودوباردون فلاّح . من جهته : توجد الحياة الريفية ، التجذر ، السياسي والجغرافي . من جهتي : المدينة ، فقدان الجذور ، واليوم صحراء التيهلأننا اليوم في مرحلة حلت فيها هجرة المدن إلى المدن مكان هجرة القرية إلى المدينة . إن المدن التي تحتوي على 20 إلى 30 مليون إنسان هي دليل على فشل المدنية والتحضر . إنها لحظة خارقة ( inoui) تهم رجل السياسة ، كما تهم الإقتصادي أو الباحث المدني . المدينة كانت تعني : التراكم . هذه المدن التي تحتوي اليوم على 20 إلى 30 مليون من البشر تعني فشل الرأسمالية التي تعتمد على التراكم .
الغريب أن دوباردون هو حضري ودائم الترحال ، وأنا رجل يتحدث عن السرعة دون أن يبرح مكانه . أنا أفكر بما يتعلق بخط السير . وهو ، رجل الصورة ، يفكر بما يخص الموضوع . غير أن ثورة " الترحيل "  الشاملة (  délocalisation globale ) الحالية سوف تفتتح عصر ما أسميه ب : " المسيرية " ( Trajectivité ) ( وتعني سجلاً يرسم الخط الزمني لتاريخ مسيرة كل شخص وحركة تنقله )  كما كانت الفلسفة بالأمس تتحدث عن الذاتية والموضوعية ( objectivité et subjectivité ) .
 

11 - ديسمبر - 2008
المجتمعات البشرية في طريق التفتت والانحلال
 86  87  88  89  90