أثر اللغة البربرية (3) كن أول من يقيّم
3-اللغة البربرية قديمًا وحديثًا: وقبل أن أمضي أحب أن أذكر أن المراد بالبربرية ليست لغة البرابرة أو النوبيين الذين يسكنون وسط وادي النيل فيما بين جنوبي أسوان ودنقلا، بل هي تلك التي جرت على ألسنة من سكنوا غربي مصر حتى المحيط الأطلسي إلى الشمال من مدار السرطان. وهذه اللهجات كما نعرف، ترجع إلى أصل واحد، هو البربرية الأولى أخت السامية والمصرية والحامية. ومنذ أن دخلت العربية مواطن البربرية وزحمتها، تقلصت اللهجات البربرية أمام هذا الزحف، واحتمت وراء الجبال وفي بطون المغاور، حيث يعز على الغازي المضي. وأصبحت في بقاع محدودة متفرقة، هي إذا أخذنا من الشرق مُغَرِّبين: (أ) في لبيبا: واحات سيوة وأوجلا وسكنا ونمسا وغدامس وجبل نفوسة ( جنوبي طرابلس ). (ب) في المغرب الأدنى : بعض جهات من جنوبي تونس ، أي سند وجزيرة جربة وتمزرط. (ج) في المغرب الأوسط: جبال الأوراس ( حيث قبيلة الشاوية) والمنطقتان المسمتان بالقبائل الكبرى والقبائل الصغرى شرقي مدينة الجزائر ( حيث زواوة ) وبعض النواحي من جنوبي الجزائر، مثل تكرت وواركَلة والمزاب وواحات فيجيج وتافيلالت وكَرارة وتوات . (د) في كثير من مناحي المغرب الأقصى إما في شماليه، أي الريف، وإما في جنوبية، أي عند الشلوح، وعند الزناكة. (هـ) بين معظم البـدو الرحل المتنقلين في الصحراء الكبرى ، ومنهم التوارق والأهكَار والأزجر وغيرهم. 4-أسباب تأثر اللغات بعضها ببعض وكيفيته: (أ) أسباب هذا التأثر: وقبل أن أسوق ألوانًا من تأثر العربية بالبربرية في تلك الأصقاع، ينبغي أن أعرض للأسباب التي تحمل الناس على الأخذ بالدخيل دون الأصيل، وأعرف تلك الأسباب وأشيعها، ما نعرفه لكل جديد من شيوع. ونرى ذلك مع المكتشفات والمستحدثات في التجارة والصناعة والعلم، فما تكاد تولد في بلد حتى تطير إلى البلد الآخر. والناس عبيد كل جديد ولهم ولع بالتقليد. وهذه المستحدثات تفرض نفسها على الألسن المختلفة بأسمائها دون أن يمسها تبديل، وقد قدمت لذلك بعض الأمثلة . ويعد جديدًا أيضًا ما يلقاه النازح إلى وطن غير وطنه من مسميات لا عهد له بها، فهو آخذها مجربها على لسانه ضامها إلى قاموسه . (ب) كيفية هذا التأثر : (1)وشيء آخر مرده إلى البيئة الجغرافية فالمشاهد أنه كلما أوغلت لغة في مناطق مترامية الأطراف وأبعدت عن مراكزها الرئيسية، فقــدت مع البعد بعض ما لها من خصائص وصفات، وصيغت على جوهر آخر يكاد يخالف جوهرها الأول. وشاهدنا على هذا من اللغات قديمها وحديثها في تطورها، اللاتينية حين جازت موطنها الأول روما ، إلى مهاجر من الأرض وأبعدت في السير حتى البحرين: الأطلسي والأسود، لقد أصابها ما أصاب غيرها، فبدت في مهاجرها غيرها في مهدها، جوهرًا غير الجوهر وخصائص غير الخصائص. (2) وهناك ظاهرة اجتماعية نعرفها في البدو الرحل، فهم أبعد من غيرهم عن التأثر بلهجات سواهم؛ لما في طبيعة البدوي من الاعتزاز بكل ما يملك، فهو حريص على عاداته متمسك بتقاليده معتز بلسانه، يساعدهم على ذلك مجانبتهم لأهل الحضر، إلا في القليل الذي تقضي به شئون الحياة، ذلك إلى أن نزوحهم إلى تلك المناطق كان متأخرًا ولم يجئ مبكرًا. وغير البدو سكان الحواضر، فهو مدنيون يأخذون ويعطون، ولذلك كانوا أسرع إلى التأثر من البدو يفيدون من اللغات المحيطة بهم وتؤثر فيهم. (3) وثمة شيء آخر مرده إلى اللغة. فالأسماء دون الأفعال، والحروف والصيغ، سهلة على الأخذ، هينة في الاستعمال؛ من أجل ذلك كان أول ما يشيع في لغة من اللغات أسماؤها، وأكثر ما نعد من الدخيل يكون من الأسماء. والناس مع الأفعال والحروف والصيغ أقل أخذًا وانتفاعًا.
|