البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 78  79  80  81  82 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 12    كن أول من يقيّم

يصدق في حق المستشرقين قول الأعشى:
كَناطِحٍ صَخْرةً يوماً لِيُوهِنُهَا

 
فَلمْ يَضرهَا وَأَوهَى قَرْنَه الوَعِلُ

ويمكن تلخيص أهم النقاط لتفنيد نقد المستشرقين المنكرين لعظمة دور الرِّحْلَة العِلْمِيَّة في تاريخنا بما يلي:
أسقط المستشرقون من حساباتهم أنَّ الدّين الإسلامي يحث على الرِّحْلَة والتّأمل والتّفكر وهو النَّهج الذي سار على هديه الْعُلَمَاء وطلاَّب العلم على حدٍ سواء.
اعتراف كثير من المنصفين من غير المسلمين بدور هذه الرِّحْلات في تنمية العلوم.
تدل ثمرة  الرّحلات من كتب وخوانق ومدارس ومعارف على مصداقيَّة وموضوعيَّة تلك  الرّحلات .
وجود بعض أو كثير من المرتزقة ممن اتخذوا الرِّحْلَة مطيّة لمطامعهم الشَخْصِيَّة الغير مشروعة لا يعني نفي كفاح أجيال وانكار كدح الآخرين فالأصل دائماً له شواذ والشَّاذ لا يشجب الأصل ولا يشغب عليه بأي حال من الأحوال.
تَدل الشَّواهد الْتَّارِيْخيَّة على حرص الْعُلَمَاء على التَّحلي بالصَّبر والصَّدع بالحق وعدم التَّملُّق للأمراء.
كل إناء بما فيه يطفح، وينضح، ويقدح، وافتراءات المستشرقين الغارقة بالمادية في حقيقتها تصوِّر أفعالهم الآثمة وتكشف نواياهم الخبيثة.
إذا كانت الرِّحْلَة لأغراض ماليَّة ونفعية غير جائزة فلِم ظهرت حركة النَّقد والتَّجريح لتقييم الرَّحَّالَة وللتَّأكد من قوة وصدق المعارف التي حصلوا عليها؟ ليس كل من ارتحل يُعْتَدُّ بعلمه بل يُمحَّص ثمَّ يُزكَّى عِلمه وفق معايير عِلْمِيَّة تجريبية معروفة. ذكر الْعُلَمَاء محاسن ابن المجبّر الكتبيّ (ت 680 هـ = 1281 م) ولكنهم ذكروا أن الْعِلْمَ الذي أخذه في رحلاته ليس دقيقاً وأنَّه لم يكن ثقة في نقله (ابن العماد، ج 7، ص 642). "تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حميد الرّازي سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِهِ حِينَ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلا وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلم" (ابن تيمية، الفتاوى، ج1 ص 226، بتصرّف).
مَن يسبر غَوْر الكتب التُّرَاثية يعلم أنَّ الكثير من الْعُلَمَاء مثل اللَّيث بن سعد وسعد الخير أنفقوا من كريم أموالهم ولما رجعوا إلى بلادهم بادروا إلي الإنفاق على الطُّلاَب. وكان الكثير منهم من طبقة الأثرياء حتى أنّ بعضَهم أنفق معظم ما يملك لأجل طلب الْعِلْمِ. قال الذَّهبي كان "غالب السَّلف إنما يُنفقون من كسبهِم" (ج10، ص 124). وقال ابن العماد إنّ عبدالرحمن بن القاسم العتقي (ت 191 هـ = 806 م) "قد أنفق أموالاً كثيرة في طلب الْعِلْم ولزم الإمام مالك (بن أنس) مدَّة، وسأله عن دقائق الفِقه (ج2، ص 420). كانوا قبل كلَّّ شيء يجودون بالمال من أجل بلوغ مجد عِلْمِي ديني يقوم على الأدب والحكمة والعمل الصَّالح .

19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 1
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 13    كن أول من يقيّم

تدل وصايا الْعُلَمَاء والأمهات والآباء على حرص المسلمين على توديع طلاب الْعِلْم وتذيكرهم بحِلية طالب الْعِلْمِ. درج العلماء على الاسْتِيصاَءِ بِمنْ يَطْلُب الْعِلمَ فيكثرون من مجالستهم لتزويدهم بالنَّصائح الأخلاقية التي تحثُّهم على توقير العلم وتحضّهم على مكارم الأخلاق وتحذِّرهم من عاقبة التَّملُّق والنَّفاق لكسب الشُّهرة والأرزاق.
لا يمنع الإسلام السَّعي والكسب وطلب الرِّزق الحلال وإقامة علاقات قائمة على المصلحة المشروعة طالما أنَّ التّعامل لا يقوم على مساومة باطلة. لقد كان بعض الْعُلَمَاء يَقبل جوائز السُّلطان، وصِلة الإخوان دون التَّفريط بالحق. لم تكن معارضتهم للسِّياسيين إن ظهرت في بعض الأحيان من أجل المعارضة فقط، بل كانت من أجل تجلية الحق.
تستدعي بعض العلوم الرِّحلة مثل عِلْمِ الحديث الذي يعتمد على لقاء وسماع المحدّثين ليكون السّماع صادقاً والسّند مُتَّصِلاً.
اعتاد كثير من المستشرقين الرِّحْلَة للشَّرق لدراسة عادات الشّعوب وأثناء ذلك يتنعَّمون بالسَّكن في أرقى الفنادق ذات الشّهرة العالميَّة ويتنقلون عبر وسائل المواصلات المُريحة الآمنة ولكن الحال لم يكن كذلك مع علمائنا الذين تحمَّلوا أذى الطَّريق ومات منهم من مات فنهشته السِّباع، أو ضلَّ الطَّريق فمات من الجوع والعطش أو وقع في قبضة قطَّاع الطَّريق. لم تكن الرِّحْلَة سفراً سهلاً ولم يتجشَّموا مشاقّها لمجرَّد الحصول على الجوائز الماليَّة.
لقد خَرج الرِّجال في الأسفار ليأخذوا الْعِلْم من أصله وحدث أن يدخل الواحد منهم في مدينة من المدن ومعه أصحابه أو بعض أولاده ليأخذ الْعِلْمَ من النِّساءِ بل ليطلب الرَّجلُ من المرأةِ الحافظةِ العالمةِ أن تُجيزهُ في الرِّواية عنها فتُعطيه الشَّهادة إذا كان يِستحقَّها ويعود الواحد منهم إلى بلده ليُعَلِّم غيره ويقول بكل فخر كتبت عن فلانة الشَّيخة، وأجازتني فلانة المُسْنِدَة، وسمعت من فلانة العالمِة فَهَلْ كَتَبَ الْتَّارِيْخ مثيلاً لهذه الرِّحْلات الفذَّة مع ملازمة لآدابها؟ وَهَلْ كَتَبَ الْتَّارِيْخ عن الرِّحلات الواسعة، وقصصها، وثمارها العِلْمِيَّة والمعاجم والموسوعات التي كُتبت لتقييد أسماء الأعيان والبلدان؟
طلب الأمير أبو مُحَمَّد الموفق من الإمام أبي داود أن يخصِّص لأولاد الخلفاء مجلساً ليعلِّمهم لأنهم لا يريدون أن يجلسوا مع عامة النَّاس. كان رد أبي داود: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ النّاس في الْعِلْمِ سواء" (الذَّهبي، ج13، ص 216). "النَّاس في الْعِلْم سواء" مفهوم طبَّقه وعشقه وعاش له جمع كبير من علمائنا مثل مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، والْبُخَارِيّ وغيرهم فكان دأبهم وأدبهم في التَّعْلِيْم يدور في دائرة هذا المفهوم. هذا مفهوم نَبيل لم يُعرف في حياة الشُّعوب الأخرى إلا عندما بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى وثارت الثَّورات، وأُريقت الدِّماء، وطالب الفقراء والنِّساء والضُّعفاء بحقوقهم بعدما عَرفوا حقيقة "النّاس في الْعِلْمِ سَواء". مَارس المسلمون مبدأ "النّاس في الْعِلْمِ سَواء" لا بِقوة القانون وضغوط الواقع، وسُلطان اللّعبة السِّياسيَّة ولكن بسماحة تعاليم الإسلام الذي يُنادي بالمساواة، وتحريم الطُّغيان وتكريم الإنسان مهما كان لونه أو عِرقه فأين المستشرق المُنصف؟ نزل البلاء في الغرب ولمدة قرون لأن الرَّجل الغربي الأبيض ظَنَّ أنَّ التَّعْلِيْمَ من حقوق طبقة الأثرياء فقط ولم يَعلمْ أنَّ النَّاس في الْعِلْمِ سَواء.
لقد قُلنا إنَّ الباحث المسلم عليه في مجال تَخَصّصه أنْ يَرُدَّ على مَزاعم المُستشرقِين ويُفنِّد شُبهاتهم وهو ما فعلناه هنا لنُثبت أنَّ شُبهاتهم الواهية لا تصمد أمام قذائف الحق لأنَّها مُتهافتة "كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ {41}" (سُوْرَةُ العَنكبوت).
المصدر : تراثنا التربوي: ننطلق منه ولا ننغلق فيه
د/ بدر ملك ، و د/لطيفة الكندري: جزاكم الله خير الجزاء

19 - مايو - 2008
أثر الحضارة الإسلامية في حضارات العالم 1
النكبة الفكرية 1    كن أول من يقيّم

             ماموقِفُنا مِن النَّكبات الفكريَّة ؟.
الْتَّارِيْخ الإسلامي فيه مواقف انتكاسٍ، وساعات ضعفٍ، وليس من الحكمة تضخيمها أو غض الطَّرف عنها وتجاوزها دون أخذ العبر والعظات منها إذا كان ذلك ممكناً مأموناً وكلٌ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ. يدل الاستقراء الصَّحيح الحكيم لتاريخ الإسلام على أنَّ الالتزام العام بأحكام الإسلام له صلة وثيقة بازدهار الفكر الإسلامي وأن التَّفريط في التَّمسك بتعاليم الدِّين فيه انحدار رهيب لواقع المسلمين. حبنا لتاريخنا وتُراثنا لا يعني عدم الاعتراف بنقد بعض مساراتنا الْتَّارِيْخيَّة بموضوعيَّة دون مبالغة وتضخيم، ومن غير تشويه وتحطيم.
من أجلِ المواقف الفِكْرِيَّة قُتل سعيد بن جبير، وسُجِن من سُجِن، وضايق السَّلاطينُ الْعُلَمَاء بسبب أفكارهم العِلْمِيَّة فتعرضوا للأذى ومن يقرأ سِيرة أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، والبويطي، وابن الجوزي، والسَّرخسي، والطَّبِيْب الحاذق ابن رشد، وغيرهم يجد أنَّ بعضهم قد طُرد من بلده، وبعضهم عُذِّب بالضَّرب، وبعضهم مات ظُلماً في ظُلمة السجون بفعل فساد السَّاسة ممن حَكموا البلاد، وتحكَّموا في العباد. للأسف الشَّديد، كانت عَمَلِيَّة تصفية الحسابات جسدياً سَوءة تدلُّ على التَّخلُّفِ السِّياسي، والتَّسلط الفردي، والبطش العسكري. هذه العوامل وغيرها من أهم أسباب انهيار الحضارة الإسلاميَّة وكما قال القرطبي "الجور والظلم يخرِّب البلاد، بقتل أهلها وانجلائهم عنها، وترفع من الأرض البركة" (الجزء 9، تفسير سُوْرِة الرَّعد، الآية: 41).
في العصر الحديث مجموعة من العلماء لقُوا مصرعهم على أيدي بعض قادة المسلمين. هذا شأن الْعُلَمَاء ومصيرهم، فكيف بحال البُسطاء .. سمل الأعين، وخنق الرِّقاب، وخصي العبيد، وتشويه الجثث، وقطع الأيدي عدواناً أمْرٌ مُرٌّ مَرَّ به تُراثُنا ولا يمكن محوه من ذاكرة الْتَّارِيْخ عند المسلمين وغيرهم قديماً وحديثاً.

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
النكبة الفكرية 2    كن أول من يقيّم

بَيَّنَ مُحَمَّد رضا (ت 1369 هـ = 1950 م) موقف المؤرِّخ المسلم، ومسؤولية الباحث الأمين إِزاءَ هذا الأمر فقال: "المؤرِّخ يستطيع أن يستعرض الحوادث وأن يستنتج منها ما يبني حُكمه عليه كالقاضي النَّزيه، وليس من شأنه أن يلتمس المعاذير ويميل كل الميل مع قوم دون آخرين. فإنَّ من عَدَّ السَّيئات حسنات، والأغلاط في حكم الصَّواب جرياً وراء إحساسه وعواطفه، أو خشية الرَّأي العام، أو البيئة، أو لإشباع شهوة في نفسه، أو للتَّظاهر بالْعِلْمِ، أو الصَّلاح لا يُعدّ في نَظرنا مؤرِّخاً، بل مُتحيزاً، أو مُغرِضاً. وقد تصدَّى قوم لتدوين سير بعض السَّلف فنزَّهوهم عن جميع الهفوات معتبرين ذلك تَعبداً، وصلاحاً، ونسكاً، غاضين الطَّرف عن الحوادث المؤلمة التي ترتبت عليها. وهذا فضلاً عن كونه مخالفاً مخالفة صريحة للتَّاريخ ولآراء المعاصرين من السَّلف الصَّالح الذين هم أعرف من غيرهم بالدِّين وأصوله، وبأساليب الحكم في زمانهم، وأسباب السَّخط العام، فإنَّه مضيع للفائدة المرجوة من الْتَّارِيْخ وما فيه من عبر يعتبر بها الخلف. ومن المؤرِّخين من يتصدَّى للطَّعن، واللَّعن، وتشويه الحقائق، وتشويه للمحاسن بدافع التَّعصب لرأي، أو لكي يعدُّ من أرباب العقول الرَّاجحة. وهؤلاء ينفثون سمومهم ولا يدركون مغبَّة ما تخطُّه أقلامهم الجامحة من إفك وبهتان" (عثمان بن عفان ذو النورين، 2001 م، مُقَدِّمة الكِتاب).
إنَّ المتتبع للحركة الفِكْرِيَّة وتقلباتها في تاريخ العالم الإسلامي يجد فترات من الرُّكود تتمثل في إغلاق باب الاجتهاد عن طوائف كثيرة، ونشأت في عصور الانحطاط والرُّكود فترات ضعف وتشرم حتى في أداء الصلاة كانت كل طائفة تصلى منفردة عن الأخرى في مسجد واحد، والمُسلمة قد لا تُزوج من رجل مسلم لأنَّه يتمذهب بمذهب معين من المذاهب الفقهيَّة الأربعة المشهورة. ولقد شاعت البدع والخرافات التي يمارسها النَّاس عند قبور الصَّالحين وفي قصور السَّلاطين، وتمجيد التَّقليد قد تَرَسَّخ في النَّفوس ولولا جهاد مَن ثبت على الحق من الْعُلَمَاء المجتهدين في الثَّورة على هذا التُّرَاث الجامد لساد التَّقليد كتبنا التُّرَاثية كلها ولأصبحت عِصمة الأولياء عقيدة في كل عصر، والتَّسليم المطلق لسيادة العلماء شريعة في كل أمر وهذا من شأنه أن يجعل التُّراث قيداً في عنق الأمَّة يخنق العقل ويُسَفِّه الفكر ويمنعه من محاولات التَّجديد والحركة والابتكار.
مَن يستعرض حال المسلمين يرى أنَّ التَّعصب للمذاهب الفقهيَّة وغيرها في بعض الفترات الْتَّارِيْخيَّة لعب دوراً عظيماً في تفرِّق الجماعة المسلمة المُتضامنة، وتشويه مسيرة الْمَدَاَرِس التَّعْلِيْمِيَّة. قام التَّقليد الجامد بتمزيق شمل الأمة وهو الأمر الذي ساقنا إلى الضَّعف والتَّمزق إضافة إلى جملة أمور أخرى أسهمت أيضاً في الانحطاط الذي يحيط بواقع الأمَّة اليوم.

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
النكبة الفكرية 3    كن أول من يقيّم

قال ابن تيمية في فتاويه واصفاً آفة التَّعصب للمعلمين والمرشدين "أَمَّا تَرْجِيحُ بَعْضِ الأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلَ مَنْ يُرَجِّحُ إمَامَهُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِهِ، أَوْ يُرَجِّحُ شَيْخَهُ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ .. فَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَرَاتِبِ الأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ وَلا يَقْصِدُونَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ بَلْ كُلُّ إنْسَانٍ تَهْوَى نَفْسُهُ أَنْ يُرَجِّحَ مَتْبُوعَهُ فَيُرَجِّحَهُ بِظَنِّ يَظُنُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بُرْهَانٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى تَحَاجِّهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (مجموع الفتاوى، ج20، ص 293).
لقد انحرفت القيم والموازين التي أقامتها التَّربية الإسلامية الصَّحيحة في ميدان تهذيب النَّفس، وتحصيل العلم، ورُقي المجتمع، وضاعت قيم تعظيم العمل، وتقدير البحث الحر الجاد فغلبت على الفكر الإسلامي جدلية اليونان الميتافيزيقية، وصوفيَّة الغلاة الانعزالية، والسِّياسة الفردية المُتسلِّطة القائمة على الإرهاب، وغابت المفاهيم الكليَّة لتطبيق مبادئ العدل وتشجيع عطاء المرأة في خدمة العلم والمجتمع وحركة الحضارة، واستحكمت الخلافات المذهبيَّة الحادَّة، وحلت مُناقشة الجزئيات الثَّانويَّة الضيِّقة محل الاتجاهات الشَّاملة العميقة في فهم الدِّين والحياة فضعف الوعي الإسلامي (المبارك، 1970 م، ص 39) الصَّحيح في المجتمع المسلم وفَقَدَ تدريجياًّ قيادة الفكر العالمي بعد أن كان يقود الأمم لمدة عدة قرون مُتطاولة في ميادين والسِّياسة والثَّقافة. كي تستأنف الأمة مسيرتها لا بدَّ من تصويب المفاهيم العامة التي شاعت فأفسدت الأوضاع.   
إلى منتصف القرن العشرين وكثير من المجتمعات المسلمة تسحق حقوق الإنسان فكان الإنسان الأسود البشرة عبداً عند الأمراء والأثرياء يسومونه سوء العذاب بعد أن يتحايل تُجَّار الرَّقيق في سرقة الأطفال من إفريقيّة ثمَّ يبيعونهم في أماكن أخرى دون أدنى شفقة، وكانت المرأة سَوْءَةً لا يُسمح لها بالتَّعلم، وكانت الدِّماء قد تسيل في حروب لا معنى لها بين قبائل المسلمين وكل فريق يرفع راية الدِّين، لا لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل بل لِيَمْحَقَ المُخَالِفِين .. كانت مؤسَّسات التَّربية والتَّعليم بصورة أو بأخرى إما تُسَوِّق وتُسوِّغ وإما تستر وتُمرِّر الكثير أو القليل من هذه المساوئ السَّائدة من خطف وسرقة وقتل وظلم. إنَّ دراسة الحقائق التُّرَاثية الأليمة بصورة واعية لا تزوير فيها أو تحوير قد تعصم الأمة من نكبات كثيرة جديدة، أو على الأقل قد تُقلِّل من احتمالات تكرار الكوارث.
تَعرَّضَ الفكر الإسلامي وما زال للعديد من الهجمات الشَّرسة، والضَّربات المستمرة المتمثلة في مكائد اليهود المأجورة، والحملات النَّصرانية المشهورة، وموجات العَلمانية "اللادينية" المسعورة، وهي كلّها رغم اختلاف توجهاتها ومناهجها وفلسفاتها التَّفصيليَّة تتفق على أمر واحد وهو توجيه أجهزة الإعلام والتّعليم نحو "تجفيف الينابيع" وتشويه التراث الإسلامي وتحريفه بأوسع معانيه وأقوى أركانه كي ينشأ الفتيان والفتيات بمعزل عن الثقافة الإسلامية. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في مُحكمِ التَّنزيلِ "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {120}" (سُوْرَةُ البقرة). إذا كانت الآية تُخاطب النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة فغيره من البشر أولى بالحذر إذا أراد النصر.

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
النكبة الفكرية4    كن أول من يقيّم

على أنَّ أشدّ الهجمات وأقساها هي هجمات أبناء المسلمين ممن جهلوا عظمة الدِّين الإسلامي وراحوا يهاجمون بجهلهم قلعة الإسلام باسم حرِّية الفكر تارة ،وباسم التَّقدم تارة أخرى ،كما أنَّ ظُلم الطَّواغيت واضطهادهم للعُلَمَاء واستكانة المجتمعات كان حصاده مُرّاً دَمَّر حال أمة الإسلام. لاَ جَرَمَ أنَّ العلمانية بصورتها الأصيلة كما ظهرت في باطنها وظاهرها انسلال من ربقة الإسلام؛ لأنَّها تفصل الدِّين عن تنظيم شؤون المجتمع، وتريد أن تضع أهواء النّاس فوق القيم خضوعاً لضغوط ما يُسمونه "التَّقدم".
يقول المفكّر مُحَمَّد رضا في كتابه (مُحَمَّد رسول الله) :"إنَّ الأجانب قد درسوا حالتنا الاجْتِمَاعِيَّة وما وصلنا إليه من انحطاط وجهالة وخور في العزائم وأخيراً حكموا بأنَّ هذا راجع إلى جوهر ديننا وتعاليمه لينفِّروا منه، ويصدونا عنه لئلا ترجع إلى الإسلام شوكته الأولى وعِزَّه القديم. وقد اغتر بكلامهم بعض قصار النَّظر من المسلمين فعززوا آراءهم وطعنوا على الدِّين طعنات شتى زاعمين أنهم مصلحون. وهم في الحقيقة مفسدون يخرِّبون بيوتهم بأيديهم. ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد بل حلَّلوا المحرمات ونشروا الفساد وروَّجوا الضَّلال وتعلَّقوا بمظاهر المدنيَّة الغربيَّة من خمور وفجور ولهو وخلاعة وإباحيَّة وما دروا أن عُلَمَاء أوربا وعقلاءهم ساخطون ناقمون على انتشار الفساد وقد صرَّحوا مراراً أنَّ هذه المساوئ مُنذرة بسقوط الأمم، ومؤذنة بخرابها مع أنَّها الآن في غاية القوة والمنعة". يصف مُحَمَّد رضا واقع الفكر الإسلامي في القرن الماضي قائلاً "إلاَّ أنَّ معاول الهدم أقوى أثراً وأسرع فعلاً من مجهودات المصلحين" (بتصرّف).
لقد بلغ بالعلمانيين (اللادينيين) في الدِّيار الإسلامية أنَّهم دَرَّسوا تُراثنا بمناهج هزيلة لتُجسِّد النَّقائص، ووضعوها في قوالب منفِّرةٍ لتُمثِّل التَّناقض، وعرضوها بصورة باهِتةٍ في الوقت الذي قدَّموا التُّرَاث الغربي في أبحاثهم ومُنتدياتهم بصورة جملية برَّاقة مع زخم إعلامي هائل لتلميع دُعاته فقاموا بعملهم هذا بترويج المذاهب الكاسدة، والعقائد الزائفة وليس هذا غرض دراسة الفكر التَّربوي للباحث المُنصِفِ. كان الأليق بهؤلاء أن يدرسوا التُّرَاث من المصادر الأصيلة، وبقلوب باحثة عن الحق، وعقول قويمة، ومناهج سليمة، ليُكْتَب لهم النَّجاح في أكمل نماذجه. وقديماً قال المتنبي:
 
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أشَدُّ مَضَاضَةً

 
عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّد

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
حال أجدادنا المسلمين 1    كن أول من يقيّم

                       المُسلمون شَيَّدُوا صُرُوح العلوم
لقد نقل المسلمون الميادين العلمية إلى آفاق رحبة استفادت ومازالت تستفيد منها الإنسانيَّة. وقاموا بتشييد صَرح العلوم، وحازوا على قَصَبَ السَّبقِ في تَعليم الإناث، وتأسيس الْمَدَاَرِس والمكتبات لعامة النَّاس، وتنشيط الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِ، والعِناية بتعليم الْعُمْيَانِ ووضع أساسيات إنسانيَّة كفلت انطلاقة تطبيقيَّة للتَّربية الخاصَّة للمعاقين ممن يواجهون العوائق والتَّحدِّيات الحِسية. جميع هذه المنجزات - وغيرها أكثر وأعمق - في تراثنا التَّربوي كانت ضمن المساهمة الإنسانيَّة الإيجابيَّة المُتميِّزة في التُّرَاث العالمي. شيَّد المسلمون صُروح العلوم وتراثهم الخصيب يُثبِت حقيقة هذا الأمر بالأدلَّة المُتواترة...
المُنصف الذي يستقصي طرفاً من تراثِنا الفِكري الوافر، سيعلم عظمة شأن المسلمين الذين نبغوا في علوم شتى كالجبر والصَّيدلة والطِّب والجغرافيا والفلك والتَّرْجَمَة وعِلْمِ الحيل والكيمياء ثم يرى براعتهم في نشر الْعِلْمِ بعد الفهم، شَرقاً وغَرباً عبر بوابات الْمَدَاَرِسِ التي بنوها في آسيا وأفريقيا وأوربا. قام المسلمون الأوائل بالتَّفتيش عن الْعِلْمِ في كل مكان فلم يُهملوا عِلْمَ السَّابقين من الأمم فأخذوا فكرة الإسطرلاب من اليونان، وطوَّروا في وظائفه وتصنيعه ليعمِّروا الحياة بعلوم راقية تخدمهم أيضاً في أمور دينهم. وبذلك العطاء وضعوا منهج الإسلام في التَّفكير الْعِلْمِي في موضع التَّنفيذ وتحولت النُّصوص الشَّرعية إلى خطاب عملي يسير على هديه خبراء التَّربية والتَّعْلِيْم في الحضارة الإسلاميَّة. كان المعلمون يُطالبون طلابهم بالتَّخصُّص ثم التَّعمق في هذه العلوم دون الإخلال بالضَّوابط الأخلاقيَّة كي يكون الْعِلْمُ مصدر تعميرٍ وهناء، لا تدمير وشقاء.

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
حال أجدادنا المسلمين2    كن أول من يقيّم

 
كانت ثقافات العالم تبني مناهجها الدِّراسيَّة على قاعدة العلوم السَّبعة الحرَّة (Seven liberal Arts) وهي تشتمل على النَّحو, والبلاغة, والمنطق, والحساب, والهندسة, والفلك, والموسيقى. هذا المنهج عرفه اليونان وتوسع به الرُّومان وسار عليه رجال الدِّين في أوربا في فترة العصور الوسطى وأضافوا إليها العلوم الدِّينيِّة. كانت هذه المناهج  تُدَرّس للطَّبقة الأرستقراطية كما كان هذا الأمر سائداً من قبل (Clabaugh & Rozycki, 1990, p. G7). وبما أنَّ الإسلام لا يخص ولا يحتكر الْعِلْم في طبقة المُختصين في العلوم الدِّينية فإنَّ العلوم التي عرفها المسلمون وشيَّدوا صروحها كانت أرحب في نطاقها من منهج العلوم السَّبعة الحرَّة كما عرفها وطبَّقها الأوربيون في القرون الوسطى.
درس المسلمون علم الأوائل وهي "علوم الأمم السَّابقة من هند وفرس ويونان، وتشتمل على الفلسفة، والطِّب، والرِّياضيات، والهندسة، والفلك وتعرف بعلوم الحكمة أو العلوم العقلية، ويُعْرَفُ أصحابها بالحكماء، تمييزاً لها عن علوم القرآن، والحديث، والفقه، التي تعرف بالعلوم النَّقلية ويُعرف أصحابها بالعلماء" (الترمانيني، 2001 م).
قام المسلمون بجميع طبقاتهم بتشييد العلوم لهدف واضح وهو توحيد الله سُبْحانه ثم عمارة الأرض من دون الإخلال بمبدأ تطبيق مكارم الأخلاق. لم يُدمِّروا البيئة للحصول على منافع سريعة آنية، ولم يَنسوا القيم الأخلاقية في نشر الْعِلْمِ واستخدامه في دائرة الواقع، ولم تكن العلوم المادِّية الدُّنيوية غاية علومهم. لَقَد ذمَّ القرآن الذين "يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ {7} أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ {8} أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {9} ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون {10} اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {11} (سُوْرَةُ الرُّوم). وهكذا تُصبح مسألة التَّوحيد المركز الحضاري الذي تتمحور حوله العلوم وتقوم عليه صروحه، وإلا كبا الفِكر، وانحرف المسار، وأصبحِ الْعِلْمُ المادي يقود الإنسانَ والمجتمعَ نحو الإلحادِ، والإلحاد يقود إلى الفساد، والفساد يعني خسارة الدُّنيا والآخرة.
لقد شيَّد المسلمون صرح العلوم ومن أول يوم من تاريخ الإسلام فقام كل من الرَّجل والمرأة، والأبيض والأسود، والغني والفقير، والأعمى والبصير فأسسَّوا أركانها في حقل العلوم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة ولهذا تختلف مُكونات ومُنتجات الحضارة الإسلامية عن سائر الحضارات. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ {24}" (سُوْرَةُ هُود).

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
حال أجدادنا المسلمين3    كن أول من يقيّم

قالَ ابن قيم الجوزيَّة عن مكانة الأمة المسلمة ومنزلتها بين سائر الأمم من حيث العلوم والمعارف الْنَّافِعَة أنَّ الْصَّحَابَة "كانوا أميين فمذ بعث الله فيهم رسوله زكَّاهم، وعلَّمهم الكتاب والحكمة، وفضَّلهم في الْعِلْمِ، والعملِ والهدى، والمعارف الإلهية، والعلوم الْنَّافِعَة المكمِّلة للنُّفوس، على جميع الأمم. فلم تبق أمة من الأمم تُدانيهم في فضلهِم، وعلومهِم، وأعمالهِم، ومعارفهِم، فلو قيس ما عند جميع الأمم من معرفة، وعِلْم، وهدى، وبصيرة، إلى ما عندهم لم يظهر له نسبة إليه بوجه ما" "هداية الحيارى (تهذيب)". وهكذا فإنَّ العلوم الخاصة بالتَّربية وتهذيب الأخلاق "المكمِّلة للنُّفوس"، وتطبيق مبادئ العدالة في واقع التَّعليم من أهم ميادين عطاء الحضارة الإسلاميَّة. 
قال حاجي خليفة في مقدِّمة كتابه كشف الظُّنون مُبيناً دور المسلمين في تشييد صروح العلوم: "فلما كان كشف دقائق العلوم وتبين حقائقها من أجلِّ المواهب وأعزِّ المطالب قيَّض اللهُ سُبحانه وتعالى في كل عصر علماء قاموا بأعباء ذلك الأمر العظيم وكشفوا عن ساق الجد والاهتمام في التَّعليم والتَّفهيم سيما الأئمة الأعلام من علماء الإسلام … فمنهم من استنبط المسائل من الدَّلائل فأصَّل وفرَّع ومنهم من جمع وصنَّفَ فأبدع ومنهم من هذَّب وحرَّر فأجاد وحقَّق المباحث فوق ما يُراد، رحم الله أسلافهم وأيدَّ أخلافهم".
"وقد ارتفعت عدَّة نداءات في الآونة الأخيرة في أنحاء العالم الإسلامي تطالب بتدريس تاريخ العلوم الإسلامية. من ذلك قرارات صدرت بمناسبة احتفال العالم الإسلامي بإطلالة القرن الخامس عشر الهجري. كما أنَّ مؤتمر الطِّب الإسلامي الذي عقد في تركيا سنة 1984 قد نادى بإدخال مادة الطِّب الإسلامي في جميع كليات الطِّب بالعالم الإسلامي". والسَّبب في ذلك يعود إلى أهمية معرفة تاريخ العلوم وأنَّه يكشف عن فضل المسلمين في إرساء كثير مما لا يعرفه الأحفاد عن الأجداد كي يحذوا حذوهم في تعمير الحياة.
إنَّ الْعِلْمَ الحقيقي قادَ المسلمين إلى الإيمان الواعي، والإيمان قادهم إلى التَّواضع، فكلَّما زاد عِلْمُ الواحد منهم انكسر الكِبر في نفسه فاستصغر عِلْمَهُ وعرف نقصه فلا يَغترّ بالدُّنيا ويَعلم: "إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {3} (سُوْرَةُ لُقمان).

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
الإسهامات الحضارية للمرأة المسلمة 1    كن أول من يقيّم

الإسهامات الحضاريَّة للمرأة المسلمة
إنَّ الرِّجال والنِّساء لهم إسهاماتهم النفيسة في صنع حضارتنا وهذا العطاء المُشترك من مفاخر تاريخنا الإسلامي ولا رَيب أنَّ المرأة شاركت الرَّجل في صُنع الحياة منذ مطلع فجر الْتَّارِيْخ الإسلامي. القرآن الكريم من قبل مئات السِّنين قَدَّم لنا وثيقة تاريخيَّة صادقة نادرة تدلُّ على حفاوة الإسلام بمكانة المرأة وأهليتها وذلك في قوله سُبْحَانَهُ "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا {35}" (سُوْرَةُ الأحزاب).  
نزلت هذه الآيات والعالم كلّه يحتقر المرأة ويعاملها كمخلوقة من الدَّرجة الثَّانية بل يَشك البعض في حقِّها في الحياة بعد وفاة زوجها أو يَشك في أنَّ لها رُوحاً مثلها مثل الرَّجل سَوَاءً بِسَوَاءٍ. تكرار الإشارة للمرأة في الآية السَّابقة وغيرها من الآيات في زمن تخلو فيه الكُتب من تعظيم منزلة المرأة من الأدلَّة المعجزة للقرآن الذي نزل لتحرير المرأة – في كل عصر ومصر- من فكَّي الإفراط والتَّفريط. إنَّ تحرير المرأة فعلاً كان ويكون مع مثل قوله تعالى "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض" (سُوْرَةُ آل عمران 195). قالَ رسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِه" (رواه التِّرمذي (من هنا كان معيار الأسرة المسلمة للتَّربية السَّليمة هو مدى الإحسان إلى المرأة وفي ذلك يقول ابن مِسكويه "وليس بعدلٍ مَنْ لم يُكرِم زوجته وأهلها المُتَّصلين بها" (ص 20) وكما يقول الشَّيخ الرَّئيس ابن سينا "على أنَّ المرأة كلَّما كانت أعظم شأناً، وأفخم أمراً كان ذلك أدلّ على نبل زوجها، وشرفه، وعلى جلالته".

23 - مايو - 2008
تراثنا 1
 78  79  80  81  82