قيمة تَلَقِّي عِلْمَي العروض والقافية(2) كن أول من يقيّم
قيمة تَلَقِّي عِلْمَي العروض والقافية(2) وخير ردٍّ على هذه النصوص الموجهة ضد العلمين أن نعدد ونحلل القيم المتنوعة لعلمي العروض والقافية، والتي تتمثل في الآتي: *مساعدة المتلقي على الاعتقاد العقلي- بعد اليقين القلبي- بأن القرآن الكريم ليس بشعر، وبأن الرسول-صلى الله عليه وسلم- ليس بشاعر، وذلك إذا ما طبق مقاييس هذين العلمين على النصين:القرآني الكريم والنبوي الشريف؛ إذ يجدهما يخالفان تلك المقاييس بجلاء، فالمتلقي لا يعرف أن هذين النصين المقدسين ليسا بشعر معرفةَ دراسةٍ لا تقليد إلا عن طريق المقاييس العروضية والقافوية؛ "إذ الشعر : ما اطردت فيه وحدته الإيقاعية التزامًا . أي-كما قال القدامى- (كلامٌ موزون قصدًا بوزن عربي). وبذا يدرك أن ما ورد منهما على نظام أنساق الشعر الوزنية لا يُحكم عليه بكونه شعرًا ؛ لعدم قصده" ؛ يقول ابن رشيق: "لأنه لم يُقصَد به الشعر ولا نيته، فلذلك لا يعد شعرًا ، وإن كان كلامًا مُتَّزِنًا"، ولأن أقل الشعر بيتان فصاعدًا وما ورد موزونًا من القرآن الكريم أو الحديث الشريف لا يمثل غالبًا إلا شطرًا أو بيتًا... ولأن هذا الموزون- من النصين المقدسين- إنما تحقق فيه الوزن بسبب الوقف، وهما مبنيان على الوصل، فمثلا قوله تعالى: إنا/ أعطي/ناك ال/كوثرْ فصلْ/([1]) لِ لربْ/ بِك وان/حرْ([2]) بالوقف على الكوثر أي إسكانها، يأتي على نسق بحر الخبب(أو المتدارك عند بعضهم!)، وبالوصل أي فتح راء الكوثر، ينكسر الوزن ويخرج النص المقدس من دائرة الشعر... وهكذا . *إعطاء المتلقي القدرة على تمييز الشعر من النثر، وتبيُّن سليم وزن الشعر من مكسوره، ومعرفة ما فيه من تغيير إيقاعي داخلي في أجزائه المختلفة:بدءًا وحشوًا وعروضًا وضربًا، وقافية. *مساعدة اللغوي في تحليله الظواهر اللغوية[صوتية، صرفية، لهجية، نحوية...] الموجودة في النص الشعري التراثي صرفيًّا ومعجميًّا ونحويًّا. *مساعدة الناقد في تبيُّن مواطن اللذة الإيقاعية أو مدارك الهبوط الموسيقي في النص الشعري الذي يواجهه تذوقًا وتحليلاً، فيعلم مبلغ اقتدار الشاعر على تصريف الكلام وتنويع الأنغام، فبدونهما لا يستطيع الناقد أن يحيط بعناصر الشعر، أو يحسن التذوق له؛ فالشاعر الفحل يغلب الوزن ولا يغلبه الوزن، إنه لاعب بالألفاظ يمتعه تقليبها وتسييرها كيف يشاء، والشعراء جميعًا سواء في هذا النوع من اللعب وإن تباعدوا جدًّا وهزلاً، والعروض أداة رئيسة في الوصول إلى تلك الغاية.[راجع مقدمة محقق الكافي للتبريزي]. *المساعدة على التفطُّن لما يزدان به الشعر العربي من اتساق في الوزن وتآلف النغم وانسجام في الموسيقى وتفنن في القوافي. وتربية الإحساس بمدى اطراد الأوزان وانسياب النغم، ولذلك أثر في غرس الذوق الفني ، وتهذيبه . أو المساعدة على التفطُّن والشعور بما يفسد هذا الاتساق والاطراد في النص الشعري مقروءًا كان أو مسموعًا. و"تلك ميزة يكبرها عشاق الفن وأرباب الذوق السليم. أَفَيرضيك أيها المعرض النافر أن تظل من أرباب الذوق السقيم؟"!![صفوة العروض ص9، أ/عبدالعليم إبراهيم، طبع مكتبة غريب بالقاهرة د.ت.] *التأثير في المبدعين من الفحول والناشئة؛ إذ لا غنًى لأي متلقٍ شاعر عن معرفة أبرز أسس هذين العلمين قبل إبداعه وأثناءه وبعده؛ حتى لا يقع في خلط بحور الشعر بعضها ببعض، أو يقع في الكسر أو التغيير الزحافي أو العِلِّي القبيح غير الجائز، أو عيوب القافية من إيطاء أو إقواء أو سناد أو غيرهما مما هو مفصَّل في أدبيات هذين العلمين؛ فهو يذكِّر الفحول دائمًا بالقواعد الموسيقية التي درج العرب على نظم أشعارهم عليها منذ جاهليتهم الأولى حتى آننا هذا. كما أن لهذين العلمين دورًا مؤثرًا في بناء الملَكة الشعرية وتنميتها وتطويرها لدى الناشئة من المبدعين، فهذان العلمان يصقلانُ موهبة الشعراء ، ويساعدان في تهذيبها، وتجنيبها الخطأَ والانحرافَ في قول الشِّعر، و أمنِها من التغييرِ الذي لا يجوز دخوله فيه، أو ما لا يجوز وقوعه في موطن دون آخر . وهناك عدد كبير من الشعراء وُلِدوا أو صُنِعوا شعريًّا على يد عروضيين ماهرين أخذوا بأيديهم خطوة خطوة، حتى صاروا شعراء. وتفرس سير الشعراء تدل على أن وراء إبداع كل منهم عروضيًّا ناقدًا ومعلمًا... *تنمية القدرة على قراءة الشعر قراءة صحيحة مؤثرة، وتوقِّي الأخطاء التي يتورط فيها القارئ إذا كان الشعر غير مضبوط بالشكل، أو إذا تسرَّب إليه شيء من الفساد أو التحريف في الرواية أو الطباعة أو نحو ذلك. *مساعدة مَن يشتغلون برواية الشعر ونقده وتحقيق نصوصه المطبوعة والمخطوطة في تقويم المعوج وإصلاح الفاسد من الأبيات، وفي تذوق النصوص وتحليلها، وبيان ما فيها من جوازات أو ضرورات شعرية. *المساعدة في معرفة ما يرد في التراث الشعري- والنثري أحيانًا- من الاصطلاحات العروضية التي لا يمكن أن يعيها إلا من له إلمام بالعَروض ومقاييسه . مثل قول العربي القديم لما اتُّهم القرآن الكريم أمامه بأنه شعر:" لقد عرفت الشعر ورجزه وهزجه وقريضه فما هو به". وقول الشاعر: وقصيدةٍ قد بتُّ أنظر بينها حتى أقوِّم مـيلَها وسنادها نظرَ المثقِّف في كعوب قناتِه حتـى يـقيمَ ثِقافُه منآدَها وقول الآخر: وشعرٍ قد أرِقْتُ له غريبٌ أجانبه المساند والمحالا وقول ابن الرومي: وذِكرُكَ في الشعرِ مثلُ السنا دِ والخرمِ والخزم أو كالمحالِ وإيطاءِ شعرٍ وإكفائهِ وإقوائهِ دون ذِكرِ الرُّذالِ وما عِيبَ شعرٌ بعيبٍ له كأن يُبتَلى برجال السّفالِ وقول الشاعر الأندلسي: يا كاملاً شـوقي إلـيه وافر وبسيط وجدي في هواه عزيز عاملت أسبابي لديك بقطعها والقطع في الأسباب ليس يجوز وقول الأندلسي الآخر: كففت عن الوصال طويل شوقي إليك وأنت للروح الخليل وكـفك للطويل فدتـك نـفسي قبيح ليس يرضاه الخليل وقول جرمانوس فرحات: ألغزته في طي شعرٍ معجمٍ باللفظ والمعنى وفي الوزن الخطل لحنٌ وإكفاءُ السنادِ وخَزمُهُ إقواءٌ اِيطاءُ القوافي أو خلل جاء في البيان والتبيين: ألفاظَ المتكلمين؛ إذْ كانوا لتلك العبارات أفهَمَ، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحنَّ وبها أشغَف؛ ولأنَّ كبارَ المتكلمين ورؤساءَ النظّارين كانوا فوقَ أكثرِ الخُطَباء، وأبلَغَ من كثير من البلغاء، وهم تَخَيَّروا تلك الألفاظَ لتلك المعاني، وهم اشتقُّوا لها مِن كلام العرب تلكَ الأسماءَ، وهم اصطلحوا على تسميةِ ما لم يكن له في لغة العرب اسمٌ، فصاروا في ذلك سلفاً لكلّ خلف، وقُدوةً لكلّ تابع، ولذلك قالوا: العَرَض والجوهر، وأيْس وليس، وفرَقوا بين البُطلان والتّلاشي، وذكروا الهذيّة والهُوِيّة وأشباهَ ذلك، وكما وضع الخليل بنُ أحمدَ لأوزان القصيد وقِصار الأرجاز ألقاباً لم تكن العربُ تتعارف تلك الأعاريضَ بتلك الألقابِ، وتلك الأوزانَ بتلك الأسماء، كما ذكرَ الطَّويلَ، والبسيطَ، والمديد، والوافر، والكامل، وأشباه ذلك وكما ذكرَ الأوتادَ والأسباب، والخَرْم والزِّحاف، وقد ذكرت العرب في أشعارها السِّناد والإقواء والإكفاء، ولم أسمع بالإيطاء، وقالوا في القصيدة والرّجَز والسّجع والخُطَب، وذكرَوُا حروفَ الرويّ والقوافي، وقالوا: هذا بيتٌ وهذا مصراع، وقد قال جَندَلٌ الطهويُّ حين مدح شعره: لم أُقْوِ فِيهن ولم أسانِدِ وقال ذو الرّمة: وشعرٍ قد أَرِقْتُ له غريبٍ أجنِّبه المُسانَدَ والمُحَالا وقال أبو حِزامٍ العُكْليّ: بيوتاً نصبْنا لتقويمها جُذولَ الرَّبِيئينَ في المَرْبَأه بيوتاً عَلَى الهَاء لَهَا سجحةٌ بغير السِّناد ولا المكْفَأَه وهاك نماذج شعرية فيها توظيف لمصطلحات العروض، وردت في كتاب نفح الطيب: "وقال أبو جعفر البيري، رفيق ابن جابر الأندلسي- رحمه الله تعالى -في العروض على مذهب الخليل: خلّ الأنام ولا تخالط منهم أحداً ولو أصفى إليك ضمائره إنّ الموفّق من يكون كأنّه متقاربٌ فهو الوحيد بدائره وقال على مذهب الأخفش: إنّ الخلاص من الأنام لراحةٌ لكنّه ما نال ذلك سالك أضحى بدائرةٍ له متقارب يرجو الخلاص فعاقه متدارك وله: دائرة الحبّ قد تناهت فما لها في الهوى مزيد فبحر شوقي بها طويلٌ وبحر دمعي بها مديد وإنّ وجدي بها بسيطٌ فليفعل الحسن ما يريد وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيراً، ومنهم الشيخ شهاب الدين بن صارو البعلي. قال أبو جعفر المترجم به: أنشدنا شهاب الدين المذكور لنفسه بحماة: وبي عروضيٌّ سريع الجفا يغار غصن البان من عطفه الورد من وجنته وافرٌ لكنّه يمنع من قطفه قال: وأنشدني أيضاً لنفسه: وبي عروضيٌّ سريع الجفا وجدي به مثل جفاه طويل قلت له قطّعت قلبي أسىً فقال لي التقطيع دأب الخليل |