تراثنا 4 كن أول من يقيّم
تراثنا الإسلامي، ولله الحمد، لم ينزلق في هذا المزلق في كثير من الأحيان فإنَّنا نجد تراجم الفقراء من الْعُلَمَاء إلى جانب تراجم الأثرياء من المحسنين إلى جانب تراجم النِّساء المُبدعات كلها في كتاب تاريخي يُوثِّق منجزاتهم دون غضاضة. يؤمن توماس كارليل (1795-1881م) الأديب الإنجليزي المرموق صاحب كتاب الأبطال بأنَّ الْتَّارِيْخ في حقيقته يحتوي على سِيرة الأبطال الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث ولكن يصعب قبول مقولته على هذا الإطلاق من دون بعض القيود إلا أنَّ المرء قد يتَّفق معه في أنَّ الْعُلَمَاء، قادة الفكر، في تاريخ الأمم والشُّعوب ويمثلون معالم مهمة في الْتَّارِيْخ ولكنهم قطعاً لا يمثلون الْتَّارِيْخ بأكمله وسوف تظل سيرتهم محل دراسة واستفادة وموضع إعجاب وإكبار. إنَّ الوقوف أمام نِتاج السَّابقين من رجال الفكر ورواد التربية بغرض الاعتبار والاستبصار خُلُقٌ نبيل حث عليه القرآن الكريم في مثل قوله تعالى:"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَاب" (سُوْرَةُ يوسف: 111) وقوله سُبْحَانَهُ: "فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176}" (سُوْرَةُ الأعراف) .وبذلك يُزوِّد المسلم نفسه بثقافة ثرية. وفي سورة الأنعام قال جلَّ ثناؤه: "قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11}"، وفي سورة الروم قال الحقُّ سُبْحَانَهُ يحثُّ عباده: "قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ {42}". ولأنَّ العِلْم رديف العمل فإنَّ أحداث الماضي لا تُروى لمجرد الاستماع والتَّسلي، بل الغرض الأسمى وراء استعراض سيرة الماضين الصَّالحين هو الاقتداء بمحاسنهم، وينبغي للبشر كافةً أن يعلموا ذلك ؛لقوله سُبْحَانَهُ:"أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ {90}" (سُوْرَةُ الأنعام). ولقد ورد في الحديث النَّبوي الشَّريف أنَّ بني إسرائيل هلكوا لما قَصُّوا ؛أي انشغلوا عن العمل بالرِّواية والسَّرد بغرض التَّسلية والسَّمر، لا للاستفادة منها فكان الهلاك والدَّمار مآلهم. قال ابن الأثير في النّهاية في غريب الحديث والأثر: (إنَّ بني إسرائيل لَّما قَصُّوا هَلَكوا)، وفي رواية (لَّما هَلَكُوا قَصُّوا)؛ أي اتَّكلوا على القَول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكِهم، أو بالعكس، لما هلكوا بتركِ العمل أخْلَدوا إلى القصَصِ. يقول أمير الشُّعراء: | اقرأ الْتَّارِيخ إذ فيــه العبر
| | ضــاع قوم ليس يدرون الخبر
| **إن دراسة الفكر الجيد في تاريخ البشر يهبنا الآراء الْنَّافِعَة، ويطلق مواهبنا التي تنير جنبات الحياة بالعمل الهادف والْتَّارِيْخ بعد ذلك كله مصباح للصَّلاح، وشعاع للعقل يهدي إلى الهُدى، وينهى عن الهوى. إنَّ صياغة القوانين التَّربوية وما يلحق بها من سياسات ونظم إدارية تضبط مسيرة المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة لا تتم بمعزل عن فهم ثقافة المجتمع، وثقافة المجتمع لا بد أن تحتوي على تراث السَّابقين فهي حلقة من سلسلة استحكمت وتكاملت حلقاتها وحركاتها، أولها يقود إلى آخرها. الأمة التي تُعلِي من شأن العِلْم وتشجِّع العمل الجاد، وتمدح الكدح هي الأُمَّة التي تُفلح وتنال مُرادها ؛لأنَّها واصلت السَّعي فوصلت، وزرعت فحصدت. من هنا تأتي أهمية دراسة التُّرَاث التَّربوي؛ للاسترشاد به مع غيره من المصادر في صياغة الفلسفة التَّربوية لبناء الذَّات والمجتمع ورسم السِّياسات التَّعْلِيْمِيَّة المستقبليِّة على أسس صالحة صلبة. المصدر : تراثنا التربوي: ننطلق منه ولا ننغلق فيه د/ بدر ملك ، و د/لطيفة الكندري |