البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 76  77  78  79  80 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
علامة الشام أحمد راتب النفاخ6     ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

وأداه حبّه للعربية وحرصه على إظهار تراثها المكنون، محقّقاً، محرّراً، أن يشّق على نفسه حين يتصدى للتأليف أو التحقيق أو النقد، فهو يروّي في عمله ويتأنى في خطواته، لا يقبل أول خاطر يهجم عليه، بل يقلّب وجوه النظر، ويأخذ نفسه بالتثبت، ويتشوف إلى بلوغ الكمال.
لقد هيّأ وكتب الكثير، ولكنه لم ينشر إلا القليل القليل.
ولهذه الخصلة التي تملكته كان يضيق ذرعاً بأولئك الذين يتعجلون في تحقيق التراث، ولا يوفّونه حقه من الجهد والتمحيص، ولا يرعون ما يجب في مثله من الدقة والأمانة، فيقعون في الغلط تلو الغلط، فكان يرى من واجبه أن ينهض للتصحيح والتقويم، ذياداً عن التراث، يقول: "ومن ثمّ رأيت من حق العلم عليّ، ومن الوفاء لهذا التراث، وللأئمة الذين أورثونا إياه، ألا أدع بيان ما وقفت عليه" .
ولكنه كان رحمه الله يقسو أحياناً في النقد، مأخوذاً بغيرته على تراث الأجداد.
أول ما نشر كلمة في نقد رسالة الغفران التي ظهرت في مصر سنة 1950م، وقد أرسل كلمته إلى مجلة الكتاب المصرية فنشرتها بعد أن تصرفت بها تصرفاً أفسدها.
فلما ظهرت الطبعة الثانية لرسالة الغفران سنة 1957م علق عليها في مقال له في مجلة المجمع. وكان رائده في كل ما صنع هو الوصول إلى وجه الصواب. يقول: ".... فأحببت أن أعرض وجهة نظري فيما توقفت [أي الدكتورة بنت الشاطئ] فيه، على العاملين في هذا المضمار ليدلي بوجهة نظره من عنّ له رأي فيه، عسى أن نصل إلى وجه الصواب في هذا كله........". ثم يختم تعليقاته بقوله :"هذا ما عنّ لي من خواطر حول الطبعة الجديدة من رسالة الغفران، وإني لأشكر من رأى فيما أبديت خطأ فردني إلى الصواب....." .
وأصدر الأستاذ
راتب ديوان ابن الدمينة سنة 1959م، وهو جزء من رسالة الماجستير فدل على تمكنه في باب التحقيق، وسَعة إطلاعه على مصادر التراث، ومقدرته الفذة في البحث والتقصي والتهدي إلى حل المشكلات المعضلات .
وكتب مقالة جليلة في نقد الجزء الأول من طبعة المحتسب لابن جني، وعرض جملة ما استدركه حتى ختام الكلام في سورة البقرة، ثم رغب إلى القائمين بالكتاب أن يعيدوا معارضته بالأصل ثانية، وأن يستعينوا على استكمال تحقيقه بأصول أخرى .
ومن كتبه القيمة: فهرس شواهد سيبويه ،سنة 1970م.
وقد نسق فيه شواهد القرآن فشواهد الحديث ،وهي قليلة لا تتجاوز خمسة /ص57-58)، فشواهد الشعر .وقد بلغت 1047بيت، بإلغاء المكرر/ ص9. فقرب بفهرسه الممتع كتاب سيبويه إلى الناس، ودلّهم على مواضع كثيرة من مسائله، ومهّد لهم بتعليقاته الإفادة منه[ وقد كان صنيعه أكمل وأشمل من فهارس الأستاذ النجدي ناصف ، ولكن كتاب سيبويه لا تُغني فيه فهرسة شواهد القرآن الكريم والشعر والحديث !! هو في حاجة إلى فهارس متنوعة  تقرّبه من قارئه ، وتيسّر الرجوع إليه ، ولذلك صنع شيخي العلامة محمد عبد الخالق عضيمة فهارس ذللت صعابه ، وجمعت شعابه ، ووطنت عاصيه،وقرّبت قاصيه ، وقد حافظ على عبارة سيبويه وأسلوبه ما أمكن ذلك. وفهارس شيخي في تسع مئة وإحدى عشْرة صفحة ، كان حمّلها المرحومَ راتب النفاخ عندما زاره في مصر المحروسة (يحيى مصري) ].
وأصدر كتاب القوافي للأخفش عام 1974م، إثر طبعة للكتاب لم تكن عنده بالمرضية. وكان هو قد هيأ الكتاب وأعده للنشر، فنقد الكتاب المطبوع، وأظهر عثراته ، ثم نشر كتابه محققاً محرراً. وإنك لتحس الجهد البالغ الذي بذله المحقق والعلم الغزير في تلك التعليقات التي شفت قارئها، ووضعت يده على مصادر المعرفة .
ووكل إليه مراجعة كتاب (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف) لأبي
أحمد العسكري وقد قام بتحقيقه الدكتور السيد محمد يوسف، فأضاف الأستاذ النفاخ بتعليقاته فوائد جمة. ثم دعت الضرورة أن تزيد تعليقاته في الأبواب الأخيرة زيادة كبيرة طال بها الكتاب، مما دعا إلى جعله في قسمين: وقد صدر القسم الأول من الكتاب عام 1981م، ومما يؤسف له أن الأسباب لم تتهيأ لصدور القسم الثاني منه، ففاتنا بذلك علم غزير .
وللأستاذ مقالات شتى صحح بها جملة من كتب التراث المحققة وهي تمور بالفوائد النفيسة .
وقد رأيت من المفيد أن أجعل في ختام كلمتي لحقاً يضم كل ما عثرت عليه من آثار الأستاذ الكريم .
اللهم ارحمه الرحمة الواسعة، وأنزله منازل الأبرار في عليين، وارزق آله وأصدقاءه وعارفيه الصبر الجميل .
ولا زال ريحان ومســـك وعنبر على منتهـــاه ديمـة ٌ ثم هــــاطلُ

18 - مايو - 2008
توقير الأعلام
علامة الشام أحمد راتب النفاخ7     ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم


لحق
آثار الأستاذ
أحمد راتب النفاخ
أولاً – الكتب

1- النصوص الأدبية: (منهاج شهادة الثقافة العامة في كلية الآداب) بإشراف
أحمد راتب النفاخ، مطبعة الجامعة السورية 1374هـ-1955م .
2- ديوان ابن الدمينة: صنعة ابي العباس ثعلب ومحمد بن حبيب، تح.
أحمد راتب النفاخ، مكتبة دار العروبة – القاهرة 1378هـ-1959م .
3- مختارات من الشعر الجاهلي: اختارها وعلق عليها
أحمد راتب النفاخ، مكتبة دار الفتح- دمشق 1386هـ-1966م .
4- فهرس شواهد سيبويه: صنعة
أحمد راتب النفاخ، دار الإرشاد – دار الأمانة/ بيروت 1389هـ - 1970م .
5- كتاب القوافي: لأبي الحسن الأخفش، تح.
أحمد راتب النفاخ، دار الأمانة- بيروت 1394هـ - 1974م .
6- شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف: لأبي
أحمد العسكري ج1، تح. الدكتور السيد محمد يوسف مراجعة الأستاذ أحمد اتب النفاخ، مجمع اللغة العربية بدمشق 1401هـ - 1981م .
ثانياً – المقالات
1- رسالة الغفران: مجلة الكتاب المصرية، مج10، ج6 حزيران / يونيه 1951م.
2- القصيدة الصورية: مجلة معهد المخطوطات العربية، مج2، ج1/ 1956م .
3- رسالة الغفران: مجلة المجمع بدمشق، مج32، ج4/ 1957م، مج33، ج1 / 1958م .
4- المحتسب: مجلة المجمع بدمشق، مج42، ج4/ 1967م، مج43، ج1، ج2/ 1968م .
5- المعيار في أوزان الأشعار: مجلة معهد المخطوطات العربية مج15، ج1 – 2/1969م .
6- نظرات في كتاب اللامات: مجلة العرب، س5، ج1/ 1970م .
7- كتاب القوافي لأبي الحسن الأخفش: مجلة المجمع بدمشق، مج47، ج1 / 1972م .
8- تعقيب على أرجوزة في العروض: مجلة المجمع بدمشق، مج47، ج4 / 1972م .
9- كتاب إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج: مجلة المجمع بدمشق، مج48، ج4 / 1973م، مج 49، ج1 / 1974م .
10- كلمة في حفل استقباله يتحدث فيها عن سلفه الشيخ محمد بهجة البيطار: مجلة المجمع بدمشق، مج53، ج1 / 1974م .
11- حركة عين المضارع من ( فَعَل ): مجلة المجمع بدمشق، مج57، ج3 / 1982م .
12- كتاب المحبة لله سبحانه: تح. الأستاذ عبد الكريم زهور مراجعة الأستاذ
أحمد راتب النفاخ، مجلة المجمع بدمشق مج58، ج4 / 1983م، مج59، ج1، ج2، ج3 / 1984م .
13- نظرات في نظرات: مجلة المجمع بدمشق، مج59، ج3 / 1984م، مج60، ج2، ج3 / 1985م .
14- فقيد المجمع الأستاذ عبد الكريم زهور: مجلة المجمع بدمشق، مج60، ج3 / 1985م .
15- استفتاء وجوابه: مجلة المجمع بدمشق، مج60، ج4 / 1985م .
16- أشعار اللصوص وأخبارهم: التعليقات الأستاذان
أحمد راتب النفاخ وشاكر الفحام، مجلة المجمع بدمشق، مج66، ج4 / 1991

18 - مايو - 2008
توقير الأعلام
علامة الشام أحمد راتب النفاخ8     ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

كلمة الزملاء الجامعيين
الدكتور عادل العوا

في الومضة الأولى من فجر استقلالنا السياسي الراهن، ومنذ جلاء كرب الغزو الأجنبي بالجلاء، أنشأت الجامعة السورية المعهد العالي للمعلمين بجناحين هما كليتا الآداب والعلوم .
وقد جمعتني منذ السنة الأولى من تاريخ هذا الحدث العظيم قاعة تدريس عرفت فيها الفقيد الغالي المرحوم الأستاذ (
راتب)، طالباً متميزاً بأفكاره، وسلوكه، وشخصيته، ومزاجه. وقد بان ولعه، بل شغفه باللغة العربية أجلى بيان حين كاد يعزف عن النطق بلغة أجنبية، وكأن لغة الإنسان الحق هي اللغة القرآنية، لغة الصدق واللسان المبين .
وقد حرص أعضاء الهيئة التدريسية في المعهد المذكور، وفي كلية الآداب، على رعاية الطالب (
راتب) رعاية محبة وإعجاب، وما لبثت الجامعة أن احتضنته مدّرساً واعداً للغة العربية وعلومها، وأوفدته لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة، فأصاب نجاحاً موفوراً في الأولى، واعترض سبيله شيء ما حال دون بلوغه المرام في نيل الدرجة الأخيرة. وهذا الشيء القاهر العنيد لم يكن في الحق أمراً طارئاً جديداً، ولا أمراً خارجياً غريباً، بل كان ذاتياً حميداً. وهل سمعتم بعائق نفسي يقف عثرة في درب نجاح صاحبه فيغدو دافعاً ورادعاً معاً ؟
أجل، إنني أشير هنا إلى خصلة جلّى، خصلة واحدة ذات دلالة إيضاحية شاملة، ألا وهي مطلب الاتقان الذي تحلى به عزيزنا (
راتب) الطالب الموفد، وزميلنا الأستاذ في الجامعة، والفقيد الغالي لمجمع الخالدين. إنه إتقانٌ مبتغى في كل ما ابتغى هو ذاته من شؤون الحياة .
اختار المرحوم القراءات القرآنية موضوعاً لدراسته لنيل درجة الدكتوراه في الآداب. وعمل من أجل ذلك وأجاد. وإنما إجادته تلك هي الإتقان الذي أعاقه بعض نقص ٍ في المصادر، على نحو ما سمعت منه غير مرة، فكان أن أحجم من ذاته، وبذاته، عن طماح اللقب، ولم يستجب لالحاح معلميه في القاهرة، وهم ما برحوا سنين كثيرة ً، ومرات متعاقبة، يدعونه للحضور إليهم، مجرد الحضور، لمناقشة ما كتب، والاستمتاع باللقب، ولكنه أبى، وأصرّ على موقفه حرصاً مخلصاً منه على تلبية حافز الإتقان. وهذا الحافز هو الذي عرفناه في حياة زميلنا الجامعي الأستاذ (
راتب) طوال سني تدريسه في كلية الآداب .
أنفق الفقيد في هذه الكلية ما وسعه الجهد والإخلاص في تدريس علوم اللغة العربية، وفي نشر نصوص مختارة من تراثها المجيد. ومثلاً من كتاب "الكامل" أو من كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف". وقد نقّب في كل مرة عن الصواب التائه بين علماء الكوفة والبصرة. وحكى رأيه مؤيداً بالدليل. والدليل معيار. وهذا المعيار عنده هو تواتر الرواية عن إنسان عربي صريح من صميم العرب. فكلام هذا الإنسان العربي الصريح هو إذن كلام صحيح، وحجة دامغة، وبرهان قاطع. ومثل هذا التدقيق البصير يطالعنا به الاستاذ
راتب في سائر أعماله العلمية، ومختلف إسهاماته، ومثلاً عندما نشر كتاب "القوافي" للأخفش، و"فهرس كتاب سيبويه" .........
 
المصدر : أخي الحميم الباحث المحقق المدقق الأديب الأستاذ الدكتور: مروان العطية الظفيري. جزاه الله خير الجزاء.

18 - مايو - 2008
توقير الأعلام
وثيقة نادرة    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

رفاعة الطهطاوي
هناك شبه إجماع على أن رفاعة الطهطاوي (رفاعة بدوي بن رافع الطهطاوى) هو رائد النهضة الفكريَّة الحديثة في مصر - والبلدان العربيَّة المجاورة - فقد استطاع هذا الرجل أن يفتح ألف نافذة على العالم الأوروبي ، دون أن يسمح لرياح التغريب أن تقتلعه من جذوره . ولد رفاعة في بلدة (طهطا) بمحافظة سوهاج الواقعة بوسط صعيد مصر ، عام 1216هجري (سنة1801 ميلاديَّة) ودرس علوم الدين في بلدته ، ثم نزل القاهرة ليتابع دراسته في الأزهر الشريف ، وهناك تعرَّف إلى أستاذه حسن العطار الذي رشَّحه ليكون إماماً للبعثة التي أرسلها (محمد علي) إلى باريس ، وهناك قضى الطهطاوي خمس سنوات تعلَّم خلالها الفرنسيَّة وكتب بعدها كتابه الشهير الذي قدَّم فيه قراءته الخاصَّة لواقع الحياة الأوروبيَّة من خلال مشاهدته لمدينة باريس ، وجعل الطهطاوي كتابه بعنوان: تخليص الإبريز في تلخيص باريز . 
وبعد عودته إلى مصر ، حمل الطهطاوي لواء التعريف بالحضارة الأوروبية من خلال ترجمة أمّات الفكر الأوروبي ، كما حمل لواء التحديث من خلال مؤلفاته الإصلاحيَّة ، وقد ترك لنا عند وفاته عام 1290 هجري (=1873ميلاديَّة)
حصيلةً فكريَّة غنيَّة من المؤلفات والترجمات ، من أهمها : المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين ، نهاية الإيجاز ، أنوار توفيق الجليل ، تعريب القانون المدني الفرنساوي ، جغرافية بلاد الشام ، قلائد المفاخر في غرائب عادات الأوائل (مترجم) . 
وكانت لنا فرصة نادرة للتعرّف إلى الخلفيَّة الثقافية لرفاعة الطهطاوي ، يوم عكفت على فهرسة مجموعة مخطوطاته المحفوظة حالياً بسوهاج وصدرت أوائل التسعينيات عن معهد المخطوطات العربية في ثلاثة مجلدات تضم مايقرب من تسع مئة وألف مخطوطة، وهي متاحة اليوم على الفهرس الإلكتروني للمخطوطات بهذا الموقع . 
والآن يمكننا أن نرى جانباً آخرَ من شخصيَّة رفاعة الطهطاوي من خلال هذه الوثيقة النادرة التي
كتبها لزوجه يوم طلب يدها للزواج . كتب الطهطاوي بخط يده ، متعهِّداً ، ما نصُّه 
التزم كاتب الأحرف رفاعة بدوي رافع لابنة خاله المصونة الحاجة كريمة بنت العلاَّمة الشيخ محمد الفرغلي الأنصاري أن يبقى معها وحدَها على الزوجيَّة دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية أياَّ ما كانت وعلَّق عصمتَها على أخذ غيرها من نساء أو تمتع بجارية أخرى .. فاذا تزوَّج بزوجة أياَّ ما كانت بنت خاله بمجرد العقد خالصة بالثلاثة وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين ولكن وعدها وعداً صحيحاً لا يُنقض ولايخل أنها ما دامت معه على المحبَّة المعهودة مقيمةً على الأمانة والحفظ لبيتها ولأولادها ولخدمها ولجواريها ساكنةً معه في محل سكناه لن يتزوج بغيرها أصلاً ولا يتمتَّعَ بجوارٍ أصلاً ولا يُخرجها من عصمته حتى يقضيَ الله لأحدهما بقضاء . 
هذا ما انخطت عليه العهود وشهد الله سبحانه وتعالى بذلك وملائكتُه ورسلُه وإنْ فعَل المذكورُ خلافَه كان الله تعالى هو الوكيل العادل للزوجة المذكورة يقتصُّ لها منه في الدنيا والأخرة . هذا ما انخط عليه الاتفاق وكذلك إن أتعبته فهي الجانيةُ على نفسها. (رفاعة بدوي رافع ، 14 شوال 1255هـ).
د/ يوسف زيدان.
 

18 - مايو - 2008
المخطوطات
قادش ؟    كن أول من يقيّم

قَـادِش
هذه (الكلمة) هي اسمٌ لموقعة حربية شهيرة جرت في الأزمنة القديمة، وهي في الأصل اسمُ بلدةٍ تقع على نهر العاصى، بالقرب من مدينة حلب الحالية. والمفترض أن موقعة قادش هذه، انتصر فيها رمسيسُ الثاني على الحيثيين سنة 1285 قبل الميلاد، وهي السنة الخامسة من حكم رمسيس الثاني .. إذ كانوا قديماً، يؤرِّخون لوقائع الزمان، بحسب سنة تولِّي الملوك للحكم .
وأشهر (خبر) عن هذه الموقعة، وصلنا مرسوماً على جدران معابد مصرية قديمة، في الصورة المشهورة التي يظهر فيها رمسيس الثاني وهو يلقي بسهامه من فوق عجلة حربية ينطلق بها حصانان رشيقان، وقد تناثر على الأرض القتلى من أعدائه. ولاتزال هذه (الصورة/ الخبر) باقية إلى اليوم فى عدة مواقع أثرية، حيث نراها في أصلها المرسوم على جدران معابد أبو سمبل والكرنك والأقصر والرامسيوم (البر الغربي) . وهي أيضاً محفورة بأذهاننا ، لأننا كثيراً ما نراها مطبوعةً على أوراق النقد المتداولة اليوم، أو مقلَّدةً في الجداريات الحديثة التي يبتكرها فنانونا المعاصرون .
لدينا إذن صـورة خبرٍ مشهورٍ متداول، عن نصرٍ قديمٍ يؤكِّد فى أذهاننا أن مصر كانت دائماً، سيدة الدنيا وأم البلاد. وأرى من الضروري أن نتأمل قليلاً هذا الخبر، وأن نطبق عليه القاعدة الواردة فى قول ابن خلدون : ينبغى علينا إعمال العقل فى الخبر .
أول ما يسترعي الانتباه في هذه الصورة/ الخبر ، هو أن رمسيس الثانى مرسومٌ وحده. فلا الجيش المصري موجودٌ في الصورة، ولا حتى سائق العربة الحربية، الذي كانت مهمته التحكُّم في العربة، لإفساح المجال أمام الرماة لإطلاق السهام . لاشيء في الصورة إلا رمسيس الثانى، والمغلوبون من الحيثيين. وكأن هذا النصر، هو فعلُ شخصٍ واحد: ملكٍ، هو الملكُ الوحيد! ثم جاءت قصائد الشاعر المصري القديم بنتاأور لتؤكِّد النصر الساحق لرمسيس الثاني، على ملك خيتا وجيشه من الحيثيين، الذين كانوا أيامها يسكنون آسيا الوسطى .
وفي واقع الأمر، فإن قادش لم تكن نصراً مؤزَّراً لرمسيس الثاني على الحيثيين. بل إن رمسيس الثاني حوصر هناك، لأنه تَهَّور وتقدَّم عن جيشه بحاميةٍ صغيرة، فأحاط به جيشُ الحيثيين. ولم ينقذه منهم، إلا طلابُ المدرسة الحربية المصرية بمدينة (حلب) الذين كانوا فى طريقهم للترحيب بقدومه! وعاونه هؤلاء الشباب حتى خرج من مأزقه، وفلت من الأسر أو الموت. ومن بعد ذلك، تقاتل الجيشان سنواتٍ طوالاً، حتى عقد رمسيس الثاني مع ملك (خيتا) معاهدة صلح شبيهة بكامب ديفيد، فى السنة الثانية والعشرين من حكمه ، تزوَّج رمسيس الثاني بمقتضاها من ابنة ملك خيتا، وتعاهدا على أن يكون الممر المائي (نهر العاصي) هو الحد الفاصل بين المملكتين، فلا المصريون يجوز لهم أن يتوسَّعوا شمالاً ، ولا الحيثيون يحِق لهم أن يتوغَّلوا جنوباً. ثم جرت مياه التطبيع بين البلدين، فصارا مثل السمن على العسل
 (لا أدرى لماذا نستخدم هذا التعبير) وهو ما تشهد به رسائل الملكة نفرتارى زوج رمسيس الثاني إلى قرينتها الملكة الحيثيية، حيث تخاطبها الملكة المصرية بألفاظ مثل: يا أختى الغالية .. إلخ .
  المهم أن علماء المصريات الأوروبيين، من أمثال كيتشن وكريستيان دي روش. كشفوا عن وثائق حيثية، تتغنى بأمجاد النصر الباهر الذي حققه ملك الحيثيين على المصريين في قادش ! والأهم أن رمسيس الثاني ظل يحكم مصر حتى بلغ التسعين من عمره، على اعتبار أنه (المنتصر الوحيد) والشخص الوحيد في (الصورة) .. وهو الأمر الذي تعلَّمه منه معظم الذين جاؤوا بعده من الحكام، فقد حرَصوا دائماً على أن ينفردوا بالصورة، وأن يتفرَّدوا بالخبر. وكأن لا أحد معهم، ولا أحد حولهم، ولا أحد إلا الملك الوحيد .. لن أفصح بأكثر من ذلك ! فتدبَّر هذا الأمر، وتأمَّله قليلاً.
د/ يوسف زيدان: كلمات
التقاط الألماس من كلام الناس
الناشر
نهضة مصر
 
 

18 - مايو - 2008
المخطوطات
هاجر !!!    كن أول من يقيّم

هاجـر
 
ظهرت المرأة (المصرية) في التوراة اليهودية مرات قليلة ، لعلها تحديداً : ثلاث مرات .. وبإنعام النظر في هذه المرات القليلة التى أشارت فيها التوراة إلى (المرأة المصرية) سوف نجد النساء في مصر القديمة يظهرن بشكل مختلف تماماً عن الحال الفعلي للنساء في الزمن المصري القديم . فالمصريون القدماء قدَّسوا الأنثى وعبدوها في شخصيات : إيزت (إيزيس، بحسب النطق اليوناني) وحتحور وسخمت .. وغيرهن من الآلهات اللواتي انعكس حضورهن العقدي على الصورة الاجتماعية للنساء ، بوصفهن صورة الربة (الآلهة) في الأرض .
غير أن (المصريات التوراتيات) يعكسن طبيعة التوراة التي تم تدوينها بعد عودة اليهود من السبي البابلي ، وبعد قرون من طردهم من مصر (كما يقولون هم!) .. انعكست فيها الحالة اليهودية المزمنة ، أعنى حالة الرد على الاحتقار بالاحتقار !ولعلهم في ذلك كانوا معذورين . فالأمم المتحضرة القريبة منهم ، أو التى عاشوا على أطراف حدودها ؛ كانت أمماً عريقةً في التحضر ، ومن ثم كانت تحتقر الجماعة اليهودية القابعة في أشد نواحي المنطقة جدباً وأقلها حظاً من الخضرة والتحضر (هناك علاقة وثيقة بين الاثنين) وهي الأرض التي نسميها اليوم
فلسطين
.
المصريات فى التوراة ، منهن
(العاقر) التي التقطت النبي موسى وأنشأته في بيتها ، وهيالتى نسميها اسماً لا يمكن أن يتلاءم مع مسميات النساء في مصر القديمة : آسيا ! . ومنهن (العاهر)
التي نشأ في بيتها النبي يوسف ، فراودته عن نفسه هي وصويحباتها من المصريات ، ثم اتهمته ظلماً فسجنوه . ولها هي الأخرى اسم لا يمكن أن يكون لامرأة مصرية قديمة : زليخة ! .
على كل حال ، فإننى أود فيما يلي
أن أتوقف عند المرأة المصرية (التوراتية) الثالثة، التي لا يمكن أيضاً لاسمها أن يكون مصرياً قديماً : هاجر !.
حسبما تذكر التوراة ، فإن الفرعون (أهدى) هاجر إلى النبي إبرام ، الذى هو سيدنا إبراهيم عليه السلام . مع أن تقديم فرعون مصر ، ابن الشمس ، جاريةً إلى وافد على البلاد بجماعته ، هرباً من مجاعة ؛ لا يمكن أن يقنع أيَّ دارس لتاريخ مصر القديمة .. غير أن الجارية المصرية ، صارت بحسب التوراة (أُمَّ العرب)
وبذلك تحققت لليهود بهذه الصورة التوراتية للمرأة المصرية ، عدة أهداف .. أهانوا النساء في مصر القديمة ، أو بالغوا فى إهانتهن بالتأكيد غير المنطقى على رحيل (هاجر) مع العبرانيين ، يوم طردهم الفرعون من البلاد .. وجعلوا العرب جميعاً ، نحن ، أبناء جارية مصرية لا أصل لها ولا فصل ! ومن ثم صاروا هم أبناء (الحرة) سارة / ساراى ، ونحن أبناء الجارية . وبالإضافة لذلك كله ، وهو غير قليل بل خطيرٌ ومهم ومهين ؛ جعلوا أنفسهم مصدر اليقين ورواة التاريخ الذي سوف يتلقفه من بعدُ أصحابُ الديانات ، ويعدّونه ويعتقدون فيه ويظنونه – كما نظنه اليوم – حقيقةً تاريخية ، مع أن التاريخ في مجمله وتفصيلاته ، لا يعرف مثل هذه الحكايات التوراتية ، ولا مثل هذه الأسماء للمرأة المصرية القديمة .. فتدبّروا .
د/ يوسف زيدان.
 

18 - مايو - 2008
المخطوطات
لله درك يا ملك: ( زهير ظاظا).    كن أول من يقيّم

أولاً : ستبقى أستاذ سراة الوراق.
ثانياً : أغبطك على دقتك .
ثالثاً : اسمك  ورسمك يزيّن صفحة الدكتور مروان وصفحتي....
رابعاً: غفر الله لي : أردت أن لا أتدخل في النص ؛ لاسترعاء انتباه أمثالكم وأمثال حبيب الكل د/  مروان إلى أنّه ليس كل ما  يلمع ذهباً....
 * بارك الله فيكم يا آل ظاظا ، ويا آل الظفيري ، وفي مَن كان أخاً لكم .

19 - مايو - 2008
المخطوطات
تراثنا 2    كن أول من يقيّم

وفي عجالةٍ يمكننا الإشارة إلى وظيفة التُّرَاث الإنساني فنقول إنَّه يتراكم في ذاكرة التَّارِيخ ليمثِّل الزَّاد الثَّقافي العِلْمي الخصب لأهل الأبصار، ويمد بخبراته التَّربية المعاصرة ومقاصدها برصيد استراتيجي من شأنه تأصيل وتوسيع نطاق العمل في هذا الحقل. من هنا ارتبط التُّرَاث بالتَّربية لدرجة يصعب فيها الفصل بينهما. ولهذا الاعتبار وغيره من الاعتبارات فإنَّ الأمُّة التي تحترم تُراثها - المتمثل بحصيلة العلوم والفنون والآداب والقِيم - ثم تعمل على تنميته، والنُّهوض به لاستئناف المسيرة الحضارية هي الأمُّة المُحصَّنة عَملياً وفِكرياً من اجتياح الغزو التَّغريبي، والقادرة على مواجهة حملات "العَولمة"، ومقاومة حركات "الأمركة"، ومناهضة الاستبداد مهما كان اسمه أو رسمه وهذا أضعف الإيمان. أما أكمل الإيمان، وأفضل الإحسان فإنَّه يكون بتفعيل التُّرَاث الذي ازدهر بجهود القدامى وتقديمه عالمياً كنموذج عملي حضاري يُعزِّز رصيد المبادئ الإنسانية، ويثري الحياة الروحية والعِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة للجنس البشري كله.
**الثَّروة التَّراثية الإسلاميَّة ذات قيمة شديدة الأهميَّة فمنها كانت انطلاقة أوربا ثم بعدها أمريكا نحو العِلْمِ والمعرفة والفن، فأضافوا للمعرفة كمّاً هائلاً وبرزوا في ميادين لم يُسبقوا إليها ونحن في الشَّرق قد نجهل معظمها لا لعجزٍ فينا، ولكن لتقصيرٍ منا فهي مُنجزات لا مُعجزات. إنًََّ البصمة الإسلاميَّة على صفحات الفكر والثَّقافة العالمية من الأمور المعروفة لأهل الاختصاص، ولسوف نتناول موضوع أثر الحضارة الإسلاميَّة في حضارات العالم بالدِّراسة والتَّحليل في عدَّة أماكن وبصورة مُتنوعة في بحثنا هذا.
يجب أن يكون إحياء الصَّالح من تراثنا التَّربوي من استراتيجياتنا نحو انطلاقتنا الكبرى لتعود الأمَّة المسلمة شاهدة على سائر الأمم في هذه الدُّنيا وفي الآخرة. قال تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (سُوْرَةُ البقرة: الآية 143). إنَّ استئناف مسيرة الأمة الحضاريَّة عبر استلهام الرَّصيد التُّراثي مسؤولية فِكرية جَسيمة، كما أنَّها فضيلة دينية عظيمة تستدعي همَّة عالية، وتضحية مُتواصلة، ونية صادقة، وعقليَّة مُجتهدة، وتعاون ومثابرة من أجل دراسة واستثمار تراث خير أمَّة أخرجت للنَّاس جميعاً.
التُّراثُ مستودع واسع مُتنوع يُنمي الفكر ويساعد على معرفة لماذا وكيف وصلت الشُّعوب إلى ما هي عليه الآن، وكيف كسبت وحقَّقت المُنجزات، وكيف كان منهج السَّابقين في التَّربية والتَّعليم، كما أنَّ التُّراث يعطينا الخلفية الْتَّارِيْخية الكافية لمسائل قد نناقشها اليوم ولا نعلم جذورها. من غير هذا التُراث لا يمكن تقدير جهد السَّابقين في تطوير العلوم والتَّغلب على مصاعب الحياة وهو في النَّهاية من المتطلبات المهمة في مرحلة إعداد المعلمين والمربين الفضلاء لأن التُّراث يعطينا هوية من سار في هذه المهنة قبلنا.  
نقد التُّراث بمعنى تحليله وتتبُّع مواطن القوَّة وأماكن الضَّعف من أهم النَّتائج الفكرية التي يمكن تحصيلها من الدِّراسة المنهجية لجوهر التُراث. هذه الثَّروة التُّرَاثية غير المُنظَّمة بحاجة إلى آليات وأدوات فِكْرِيَّة تُسهِّل عَمَلِيَّة تنظيمها واستيعابها واستقرائها، وتضبط مسارها، وتحُدِّدَ معالم الإفادة من مِشكاتها، وتكشف مُشكلاتها التي قد تظهر في بعض شُعَبِهِا، وهو ما نحاول أن نجلِّيه في كتابنا هذا على أمل أن يتواصل المسلمون عبر الزمن في نقل التُّرَاث النَّافع كمصدر إلهام في عالم التَّربية والإصلاح كي يكون لنا فيه السَّلامة من كل رذيلة، وندعو به الأمم إلى كل فضيلة.

19 - مايو - 2008
تراثنا 1
تراثنا 3    كن أول من يقيّم

أهميّة دراسة التُّراث
يتَّفق عُلَمَاء التَّربية على أنَّ التَّارِيْخ يمثِّل أصلاً مهماً من أصول التَّربية فلذلك لا يكاد يخلو كتاب من الكتب التي تدرس أساسيات التَّربية، من ذكر أسماء بعض رُواد التَّربية والتَّعْلِيْم قديماً ويتوغل البعض في شرح مضامين أفكارهم. والحق أنَّ الحضارة السُّومرية والمصرية واليونانية والرُّومانية … من الحضارات العريقة التي لعبت دوراً مهماً في دفع عجلة التَّعْلِيْمِ، وإرساء أساليب التَّربية، وبيان أنماط التَّعامل مع الآخرين. تكمن القيمة العِلْمِيَّة للتُّراث الفكري في أنَّه وعاء يمكن أخذ الحِكمة منه حاضراً ومستقبلاً ؛لأنَّه يحتوي على دقائق أخبار السَّابقين، ولطائف فضائل الماضين. ولعل تجربة اليابان الشَّاملة في القرن الماضي لاستلهام ماضيها لبناء حاضرها من دون أن تخرج من إهابها من الدروس المهمة والدَّالة على بقاء قوة التُّرَاث روحياً وفكرياً في ضمير الأمم.
*إنَّ ظهور نظام الكتابة زمن السُّومريين في العراق وعند المصريين أعطى عَمَلِيَّة التَّعْلِيْم أهمية كبرى وفي القرن الخامسَ عشرَ بدأت تنشط مسيرة الطِّباعة فإذا بالتَّعْلِيْم يصبح حاجة ضرورية في المجتمعات المدنية عالمياً وفي هذا القرن أخذ الحاسب الآلي يصوغ بعض أهداف التَّربية ويُحَدِّد كيفية التَّعلم بأنماط جديدة … وهكذا نجد أنَّ الحاجة إلى إعداد الإنسان لمواجهة التَّوجهات الجديدة والتَّغيرات الحياتية المستمرة سمة من سمات الْتَّارِيْخ البشري.
إنَّ التَّارِيْخ في أحداثه المستمرة حركة متغيرة (دِيناميكية)، لا كتلة جامدة (استاتيكِيَّة) ومِن ثمَّ فإنَّ التُّرَاث البشري وعاء مُتجدد متوقد، يتغير تِباعاً ولا يتوقف أبداً طالما أنَّ الإنسان يعيش في هذه الحياة فاعلاً ومتفاعلاً.
إنَّ وقائع الْتَّارِيْخ السَّارة والأليمة تُعَدُّ مدرسة واسعة من شأنها أن تدفع الإنسان إلى التَّقدم إذا أحسَنَّا الاستفادة من دروس الأمس وعبره. يقول الغزالي في كتابه (الحكمة) في مخلوقات الله عز وجل عن نعمة الكتابة "وبها تخلد في الكُتبِ العلوم والآداب، ويعلم النَّاس ذكر ما يجري بينهم في الحساب والمعاملات، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، وَدَرَسَت العلوم وضاعت الفضائل والآداب وعظُم الخَلل الدَّاخل على النَّاس في أمورهم بسبب عدمها" (ص 2).
  في نفس هذا المعنى يقول ابن خلدون في مقدِّمته الخالدة "اعلم أنَّ فنَّ الْتَّارِيْخ فن عزيز المذهب، جمُّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياساتهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدِّين والدُّنيا".
**من الأخطاء التي وقعت في عَمَلِيَّة تدوين الأخبار وتوثيق الْتَّارِيْخ عالمياً أنّ بعض المؤرِّخين دوَّنوا الْتَّارِيْخ السِّياسي وأهملوا تدوين الجانب الاجتماعي منه، فاهتموا بِسِير الملوك أكثر من تدوين حياة المفكرين أو المفكرات ولم يَصِفُوا الحياة الاجْتِمَاعِيَّة لعامة النَّاس.

19 - مايو - 2008
تراثنا 1
تراثنا 4    كن أول من يقيّم

تراثنا الإسلامي، ولله الحمد، لم ينزلق في هذا المزلق في كثير من الأحيان فإنَّنا نجد تراجم الفقراء من الْعُلَمَاء إلى جانب تراجم الأثرياء من المحسنين إلى جانب تراجم النِّساء المُبدعات كلها في كتاب تاريخي يُوثِّق منجزاتهم دون غضاضة.

يؤمن توماس كارليل (1795-1881م) الأديب الإنجليزي المرموق صاحب كتاب الأبطال بأنَّ الْتَّارِيْخ في حقيقته يحتوي على سِيرة الأبطال الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث ولكن يصعب قبول مقولته على هذا الإطلاق من دون بعض القيود إلا أنَّ المرء قد يتَّفق معه في أنَّ الْعُلَمَاء، قادة الفكر، في تاريخ الأمم والشُّعوب ويمثلون معالم مهمة في الْتَّارِيْخ ولكنهم قطعاً لا يمثلون الْتَّارِيْخ بأكمله وسوف تظل سيرتهم محل دراسة واستفادة وموضع إعجاب وإكبار.
إنَّ الوقوف أمام نِتاج السَّابقين من رجال الفكر ورواد التربية بغرض الاعتبار والاستبصار خُلُقٌ نبيل حث عليه القرآن الكريم في مثل قوله تعالى:"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَاب" (سُوْرَةُ يوسف: 111) وقوله سُبْحَانَهُ: "فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176}" (سُوْرَةُ الأعراف) .وبذلك يُزوِّد المسلم نفسه بثقافة ثرية. وفي سورة الأنعام قال جلَّ ثناؤه: "قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11}"، وفي سورة الروم قال الحقُّ سُبْحَانَهُ يحثُّ عباده: "قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ {42}".
 ولأنَّ العِلْم رديف العمل فإنَّ أحداث الماضي لا تُروى لمجرد الاستماع والتَّسلي، بل الغرض الأسمى وراء استعراض سيرة الماضين الصَّالحين هو الاقتداء بمحاسنهم، وينبغي للبشر كافةً أن يعلموا ذلك ؛لقوله سُبْحَانَهُ:"أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ {90}" (سُوْرَةُ الأنعام).
ولقد ورد في الحديث النَّبوي الشَّريف أنَّ بني إسرائيل هلكوا لما قَصُّوا ؛أي انشغلوا عن العمل بالرِّواية والسَّرد بغرض التَّسلية والسَّمر، لا للاستفادة منها فكان الهلاك والدَّمار مآلهم. قال ابن الأثير في النّهاية في غريب الحديث والأثر: (إنَّ بني إسرائيل لَّما قَصُّوا هَلَكوا)، وفي رواية (لَّما هَلَكُوا قَصُّوا)؛ أي اتَّكلوا على القَول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكِهم، أو بالعكس، لما هلكوا بتركِ العمل أخْلَدوا إلى القصَصِ.
يقول أمير الشُّعراء:
اقرأ الْتَّارِيخ إذ فيــه العبر

 
ضــاع قوم ليس يدرون الخبر

**إن دراسة الفكر الجيد في تاريخ البشر يهبنا الآراء الْنَّافِعَة، ويطلق مواهبنا التي تنير جنبات الحياة بالعمل الهادف والْتَّارِيْخ بعد ذلك كله  مصباح للصَّلاح، وشعاع للعقل يهدي إلى الهُدى، وينهى عن الهوى.
إنَّ صياغة القوانين التَّربوية وما يلحق بها من سياسات ونظم إدارية تضبط مسيرة المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة لا تتم بمعزل عن فهم ثقافة المجتمع، وثقافة المجتمع لا بد أن تحتوي على تراث السَّابقين فهي حلقة من سلسلة استحكمت وتكاملت حلقاتها وحركاتها، أولها يقود إلى آخرها. الأمة التي تُعلِي من شأن العِلْم وتشجِّع العمل الجاد، وتمدح الكدح هي الأُمَّة التي تُفلح وتنال مُرادها ؛لأنَّها واصلت السَّعي فوصلت، وزرعت فحصدت.
 من هنا تأتي أهمية دراسة التُّرَاث التَّربوي؛ للاسترشاد به مع غيره من المصادر في صياغة الفلسفة التَّربوية لبناء الذَّات والمجتمع ورسم السِّياسات التَّعْلِيْمِيَّة المستقبليِّة على أسس صالحة صلبة.
المصدر : تراثنا التربوي: ننطلق منه ولا ننغلق فيه
د/ بدر ملك ، و د/لطيفة الكندري

19 - مايو - 2008
تراثنا 1
 76  77  78  79  80