البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 6  7  8  9  10 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
مذكرات 10    كن أول من يقيّم

 

 

 

                                      أختار غداً ! .....

 

 

 

  بالأمس ، رأيته بالصدفة ........ كنت قد مررت إلى المركز ، لأستعيد بعض المراجع التي تلزمني في التحضير للامتحانات ، كنت قد نسيتها هناك . كأنه ليس هو ! صوته جاف ، قاس ، متوحش ........ لم أكلمه إطلاقاً ، كان يتحدث مع الآخرين .

 

  أحس بالهزيمة ، بالكراهية ، بالرغبة في الهروب ........

 

  الساعة الآن الثانية بعد الظهر ، سأراه عند الثالثة ، لدينا اجتماع دوري سوف أحضره للمرة الأخيرة . حسمت أمري هذه المرة ولن أتراجع . يجب أن أوقف هذه المهزلة بأي ثمن . يجب أن يتوقف كل هذا العبث ولن يكون ذلك إلا على حسابي .

 

  لا أريد الاستسلام لهذا الشعور المدمر ، لكن كيف أقاوم ? أنا خلقت هكذا ، كومة من الانفعالات ، فكيف أغير نفسي ?

 

  قبل أيام اتصل بي البديل ، فرحت به كثيراً ! كانت هدنة وسعادة حقيقية بأن نلتقي على التلفون لبعض الوقت . تحدثنا مطولاً في كل الأخبار ، وضحكنا ....  كنا سعيدين كما طفلان يلعبان لعبة مسلية . فرحت به فعلاً لكن ، ما إن أغلقت سماعة الهاتف حتى عدت إلى حالتي الأصلية . أرتاح لوجودي معه ، ولا أستطيع أن أحبه كما الآخر . أشعر بالذنب نحوه أيضاً .  طلب أن يراني من جديد مع أنني لمحت له عن سبب ابتعادي عنه . كيف أوقف هذه المهزلة ? هل سأجد القوة لهذا ? هل سأستطيع ?

 

  تحضرني  كلمات أحبها للشاعر عبد العزيز المقالح :

 

  " طال مخاض الأيام

  ماذا يخفي البطن المنفوخ ?

  جبلاً ? فأراً ?

  ما بين الفأر الواعد والجبل الموعود

  ما بين الأمس القاتل

  واليوم المقتول

  ماذا تختار ?

  أختارغداً ! "

 

 

6 - أبريل - 2006
البنت التي تبلبلت
الرسالة العاشرة    كن أول من يقيّم

 

 

الطريدة

 

 

  عزيزتي صفاء :

 

  عدت إليك عزيزتي ، وسأحكي لك ما جرى في ذلك اليوم الأخير الذي رأيته فيه ، رغم شعوري بأنني قد خيبتك بما فيه الكفاية . أكيد ، بدون شك خيبتك ، كما خيبت نفسي أيضاً ، لكن اصبري واسمعي المزيد ، لعلك  تفسري لي ما عجزت عن تفسيره .

 

  عندما وصلت إلى مقر الاجتماع ، ورأيته ، شعرت كأنه كان بانتظاري . حالته  كانت مزرية تماماً ، بادي القلق والوجوم ، رث الثياب والهيئة ، طويل الذقن ، كأنه لم يستحم منذ أسبوع . جربت أن أتحاشى النظر إليه ، لكي لا أبدي تأثري بمنظره الحزين .......... هي أول مرة أراه فيها على هذا الهندام  ....... كنت أراه يختلس النظر إلي من بعيد ، وكنت ألمح في عينيه ،  شيئاً من الانكسار ......... 

 

  في تلك الجلسة ، اختصرت الكلام قدر استطاعتي ، كي لا أقول أكثر مما ينبغي ، وكي لا تفضحني نبرة صوتي المترددة . لساني لم ينطق بالكثير ، لكن عيوني لا بد كانت تتكلم ، ........ هيهات لمن كان مثلي أن يعرف كيف يخفي عواطفه . هذا تعرفينه عني ولا داعي لأن أشرحه له لأنك تعرفين أيضاً بأن لا سلطة لي عليه .

 

  بعد انتهاء الاجتماع ، لملمت أوراقي ، وكنت قد حزمت أمري .  سلمتهم دفتر محاضر الخلية ، ودفاتر الحلقات التي كنت أشرف عليها ، وأعداد المجلة المتبقية عندي ، وكنت قد أعلنت خلال الاجتماع عن تعليق عضويتي لفترة لم أحددها . لم يناقشني أحد . كان ذلك متوقعاً منذ وقت طويل، وقد دار حوله بعض النقاش سابقاً وكان منتظراً . توجهت بعدها إلى الباب الخارجي أريد الانصراف . كنت قد فهمت بمجرد أن وقع نظري عليه ،  أن أية مواجهة بيننا لن تكون مجدية بعد اليوم ، فهو يبدو مقراً بذنبه ومستسلما سلفاً . ووجدته يلحق بي ويستوقفني عند الباب الخارجي ،  ليسألني عن أوراق الجامعة ، وإذا كانت لا تزال معي ?

 

  ـ " رميتها ! "  قلت بقسوة ، و بدون أن ألتفت .

 

  انتظرت الجواب خلف ظهري . لا شيء ، لا جواب .

 

   كنت قد تخيلت هذا الموقف ، مرات كثيرة في رأسي الصغيرة ، وتخيلت ردات  فعله بكل الوجوه : توقعت أن يزعل ، أو أن يثور، أو أن يتعجب ، أو حتى أن يسألني " لماذا رميتها ? " . لكن لا  شيء ، لا ردة فعل ......... ضاعت منه امتحانات هذه السنة ، وسيتكلف الكثير من المشقة لاستبدال الأوراق المفقودة ، ومع هذا لا يبدو أن الموضوع يهمه من قريب ولا من بعيد . سيان !

 

  كنت أهم بالانصراف من جديد عندما سمعته يقول باستسلام :

 

  ـ " منشوف شو منعمل !"

 

  انصرفت ، بدون التفات ، وبدون تعليق ، فأنا أيضاً نسيت كل هذا ، أنا أيضاً الأمر عندي سيان ،  ولم يعد يهمني شعوره أو ردة فعله حيال الموضوع . نسيت انتقامي الصغير ، ونسيت كل التفاصيل الأخرى ... رؤيتي له على هذه الهيئة أنستني حقدي كله ، بل .... يبدو أن شعوري بدأ يميل إلى الصفح والرحمة ! كدت أنسى عذابي كله لما رأيته متألماً ............  استعجلت بالهروب قبل أن تفضحني عيوني لأنني في عمقي ، صرت أتمنى لو كان باستطاعتي أن أحضن رأسه بين ضلوعي وأن أمسح بيدي عليها لعلي أخفف عنه بعض آلامه ............. ستقولين " مجنونة ! " . بلى ! هو كذلك ، عزيزتي ، لكنها الحقيقة !

 

  عندما صرت أهبط الدرج ، شعرت به من ورائي يتبعني ، لكنني تجاهلته ولم ألتفت . صرت أمشي في الطريق نحو البيت  دون أن أستدير خلفي ، وظل ورائي يتبعني . قطعت ساحة الكورة نحو ساحة التل ، ثم توجهت نزولاً  نحو مبنى البلدية ، وأنا لا أزال أشعر بخطواته خلف ظهري ........... صرت أحث السير أريد أن أبتعد وكأنني فعلاً ملاحقة ......... كأنني أهرب ???  قلبي صار يخفق بشدة ، فهل أنا فعلاً مطاردة ? ............. هذا الشعور الغريزي بالخوف يبدو لي اليوم غريباً ولا أجد له مبرراً إلا في كونه شعور الطريدة الذي يستيقظ فينا لمجرد توفر الشرط المنبه له ........ انفعالي كان شديداً وبالكاد كنت أحبس دموعاً تريد أن تطفر من عيوني . كان كلما اقترب بخطواته نحوي ، كلما ازدادت نبضات قلبي خفقاناً ، والخوف مني تملكاً ، حتى كاد يشلني .

خطواته ، كانت تغير علي كما غزو المغول ، وفي داخلي ريح صرصر تبلبلني ، وتحيلني إلى بعثرتي الأولى .

إرادتي ، صارت موزعة بما يشبه الانشطار : رغبتان عرفتهما بالفطرة الأولى، ودون أن أضيف إليهما شيئاً من تجارب التاريخ الطويل ....... غريزتان متضادتان تتصارعان في داخلي بما يشبه ارتطام النو بالموج الهائج ...... في لحظة اقتتال الأضداد الطاحنة هذه ، يغيب العقل تماماً ، ونعود إلى خطوات وجودنا الأولى وكأننا لا زلنا حيوانا يسكن في العراء ..........  رغبتان لا زالتا تتقدان في نفسي منذ عصر ما قبل التاريخ وتؤججان  فيها حمى الانشطار ، واحدة للحياة وأخرى للموت . ذاكرة الوجع الأولى   استيقظت ، وأعادت غرس بذور الدمار السحيق .......................

 

 

  شيء ما كان يدفعني للتمرد ، للانقضاض ، للمواجهة . كأن أقف في وسط الطريق ، دون خوف ، دون حياء ، أن أنتصب أمامه بقوة وعزم ، أن أصرخ في وجهه بكل ما أوتيت من شراسة :

" ماذا تريد مني بعد الآن ? ألا يكفيك كل ما حدث ? ابتعد عن طريقي فأنا لا أريد أن أرى لك وجهاً بعد اليوم . " أن أصب جام حقدي وغضبي كله فوق رأسه . أن أحرق كل أمل عنده في أن يراني أو أن يقترب مني بعد الآن . أن أفرغ شحنتي العصبية المدمرة كلها عليه لتصعقه كالصاعقة ، وربما بالمرة أردته قتيلاً ، فأرتاح ...........

 

  لكن رغبة أخرى كانت توازيها ارتفاعاً كانت تدفع بي نحو الاستسلام . كنت أتمنى لو ألتفت إليه ، أن أراه أمامي صامداً كالجبل الكبير ، ملجأي ومثواي ......... أن أرتمي بين ذراعيه مرة أولى وأخيرة .... سأبكي كثيراً وأتضرع وربما أذوب من البكاء ، وأختفي كلية ، فلا يعود يبقى مني أثر ليحلم ، أو يتألم ، أو لتسكنه الهواجس ......... لا يعود بي أثر للحياة ، أو جسد مهترئ أعود به إلى البيت . في هذه اللحظة التي كنت فيها الطريدة ، كنت أتمنى بأن أختفي عن العالم !

 

  كنا قد أصبحنا بقرب الإطفائية وبجانب مدرستي التي تربيت فيها ... ولحظتها ، شعرت بيد الصياد تطبق بقوة على معصمي ، وتشد عليه بتوسل :

 

  ـ " اسمعيني  "سيرة " ، يجب أن أقول لك شيئاً ، أعطيني خمس دقائق ... "

 

  كان الصوت متضرعاً ، متهدجاً وعلى حافة البكاء أيضاً . أين ذهب  الصياد ? سألت نفسي . هذه نبرة آدمي قلت في روحي وأنا أنتزع يدي من يده بعنف وأقول :

 

  ـ " لا أريد أن أعرف شيئاً ، لم يعد هناك أي لزوم لذلك . "

 

  ـ " تعالي معي لعند " كميل " ، سنتكلم هناك . أعطيني عشر دقائق   

فقط ، أريدك أن تعرفي شيئاً مهماً ، عشر دقائق فقط ولن تتأخري أكثر ... "

 

  أعتقد بأنني أعرف كل ما سوف يقوله ! ما هم ما سوف يقوله بلحظتها ? البيت خال ، وصديقه مسافر ........  سيقول أشياء تريحني ، تمسح الدمع من عيني لحظة . مجرد أن أقبل بالذهاب معه معناه أنني أعطيه فرصة جديدة . معناه أن أقبل كل الوضع الذي أعرفه والذي سأكون فيه الضحية .  بلحظتها سوف أنسى كل شيء : كل الإهانات والحماقات وكرامتي الجريحة  وحتى المستقبل الكالح الذي سوف ينتظرني سوف أنساه ، ولن أتذكر إلا أنني أحبه وبحاجة إليه ، وأنني تعبت من كل هذا وأريد أن أرتاح من عنادي بأي ثمن ........ أية قوة في العالم ستمنعني عنه ، وتمنعه عني لو التقينا بلحظتها ? سيكون انتصار الطبيعة فينا أقوى وأبلغ من أي كلام . أية إرادة سوف تقاوم بلحظتها كل هذا الجوع الذي راكمناه ، واحدنا للآخر ، حتى صار يعوي فينا كما الذئاب الجارحة ?

 

ستكون بدون شك ، دقائق إلهية ! أحلق فيها بين النجوم وأرتقي السماء السابعة بومضة عين . ثم ، أهوي بعدها إلى قعر الهاوية ........... هي لحظة واحدة ، كانت كافية لإرسالي إلى الحضيض . كان يجب أن أذعن مرة واحدة وأخيرة ، لتكون السعادة ملك يدي ، لحين ...,...  ثم يكون الشقاء من نصيبي ، وللعمر كله . لو قلت : " نعم "  وقتها لعبرت نهائياً إلى الضفة الأخرى وبلغت نقطة اللا رجوع .

 

  لكنني لم أفعل . لا أعرف كيف أوتيت كل هذا العناد والإصرار . لا أعرف كيف فكرت بكل هذا ، ودفعة واحدة . هل أنا فكرت فعلاً ? هل أنا قررت فعلاً ? لا ، لا أعتقد ، عزيزتي ، بل أظنه الخوف هو من فكر عني ، وقرر عني . الخوف الذي لم تزعزعه الأفكار ولا النظريات ولا تغيرات الظروف . الخوف الذي دجنا به غريزتنا ، تماماً ، كما دجنا الجمال ........

 

  أذكر بأنني انتزعت يدي من يده ، ومشيت نحو بيتنا !

 

  لم ألتفت ورائي أبداً . صرت أبتعد عن مكان موتي ، والخطوات على دربي تتعثر ، وتتطاوح ...... القلب كسير ، والعين حبلى بالدموع ، كأنني كنت أسير في جنازتي . في ذلك اليوم ، كنت أنا الشهيد الذي لم يمت ! لم يحملوني على الأكتاف ، ولم يزغرد لي أحد ، إلا أنه في ذلك الوقت الذي كادت تغيب عنه الشمس ، جريمة ما كانت قد وقعت ، وكنت فيها القاتل ، وكنت المقتول ..........

 

أستمحيك عذراً ، صفاء ، إلا أنني سأذهب . سأرتاح طويلاً لكي أستعيد هدوئي ، لكنني سوف أعود . لا بد أن أعود لأكمل لك ما بدأناه ، فانتظريني . إلى اللقاء .

 

6 - أبريل - 2006
البنت التي تبلبلت
إلى شاعرنا الكبير    كن أول من يقيّم

 

  مساء الخير أستاذ زهير :

  كنت قد أستوحشت أن أنشر فصلاً جديداً من روايتي دون أن أسمع منك قصيدة جديدة ، لذا تراني اليوم أفرح بقصيدتك الحزينة . سأتجرأ بأن أطلب منك قصيدة أخرى تضعها في الملف بين الرسالتين التاسعة والعاشرة ، لكي يستقيم فيه الميزان .

  كل ما تقوله أو تكتبه هو مصدر سعادة لنا ، وهو عطية ثمينة أتمنى لو نكون من مستحقيها .

7 - أبريل - 2006
البنت التي تبلبلت
حول موضوع اللغة العربية ( 1 )    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 

الأخوة الأعزاء :

لا بد قبل البداية ، من العودة إلى بطاقة الأخ عبد الحفيظ التي شاءها تذكاراً للأستاذ وحيد في عيد ميلاده . كانت شهادة حية ومبدعة في خيالاتها ، أغنتها تصورات هؤلاء المراهقين الصغار بألوان طفولتهم المودعة ، وببذور شك وحيرة من عقولهم الناشئة ، المترددة لازالت بين الحذر والفضول ....... إلا أن الفلسفة فيها جاءت عجوزاً تمشي على عكازة ، تميل إلى الثرثرة والتخريف أكثر منها إلى الحكمة والتنوير . وجهة نظرهم تعكس ربما ، الجو العام ، والخيال السائد حول الفلسفة وموضوعاتها ........ لن تكون الفلسفة مستقبلاً على صورة مغايرة لما سمعناه اليوم منهم ، إلا إذا طرحناها للنقاش ، وأعملنا فيها عقولنا ، جعلنا منها غرسة في حقل الذكاء العام ، بينما هي اليوم مومياء في متحف الشمع ، لا تزال .

أتيت اليوم لأسأل ، وأول من سأتوجه إليه بالسؤال هو الأستاذ وحيد عن ترجمة عنوان الكتاب الذي ذكرناه : " هل الرأسمالية أخلاق ? " . أم " هل الرأسمالية أخلاقية ? " .

ترددت كثيراً في أول مرة تحدثت فيها عن الكتاب ، وكنت بالفعل أرغب بترجمة عنوانه على هذه الصورة : "هل الرأسمالية أخلاقية ? "...... فهي الترجمة الحرفية المطابقة . لكني ترددت ، ووجدتها ثقيلة على سمعي ، وأنا لا أعرف في اللغة إلا السمع . فضلت " سماعياً " قول : " هل الرأسمالية أخلاق ? " دون أن أكون قادرة على تبرير ذلك لغوياً لأنني لا أعرف الكثير في قواعد العربية . ما أعرفه هو أنه : لو قلنا : هل الرأسمالية أخلاق ? ، لاستوى المعنى المقصود من الجملة، حتى ولو استبدلنا كلمة : أخلاقية وهي صفة ، بكلمة : أخلاق وهي اسم ، ومع أنه بالفرنسية جاءت كلمة  moral بمعنى الصفة .

هاتوا رأيكم ..... وأنا أشدد على رأي الأستاذ وحيد لأنني كنت قد أثرت معه هذا الموضوع في السابق ولم نناقشه . أعيد طرح الموضوع يا أستاذ وحيد بعد أن توطدت بيننا أواصر الثقة ، وأطرحه اليوم وأنا على ثقة بأنك ستأخذه بمنتهى الجدية هذه المرة ، لما لمسته فيك من سعة أفق وسماحة نفس ،  ولكن أيضاً ، لما لا حظته عندك من معرفة وافية باللغة ، جعلتني أتجرأ بالعودة إليك كسائل ، يقينه يبدأ من الشك .

أتردد في طرح موضوع اللغة ، ومنذ مدة ، وذلك لشعوري بأنني لا أمتلكه تماماً . لكني أقرأ أشياء تفزعني ، وأنا لا أتكلم هنا عن الأخطاء اللغوية التي يمكن لأي كان بأن يقع فيها . بل إن ما يخيفني هو تلك النصوص الكبيرة ، التي تأخذ صفة "العلمية " و " التحديثية " وهي موقعة من قبل أسماء كبيرة لأشخاص متعلمين ، وهم في مواقع القرار والمسؤولية ....... مثلاً : 

.. أصبحت الأدوات اللسانية لجميع اللغات الطبيعية أساسية في بناء الأنظمة الحاسوبية وأنظمة المعلومات ، لأن التجربة العلمية أثبتت بالملموس أن اللسانيات أكثر العلوم تجريبية  من العلوم التجريبية نفسها ، وأنها العلم الإنساني الوحيد الذي تقبل الصورنة والريضنة "نسبة إلى الرياضيات" وفتحت مواضيعها وتخصصاتها ومستوياتها فعولجت صوريا من دون أية مجازفة علمية -تطبيقية .إنها العلم الذي جرب الحوسبة وعانقها من دون أي تردد . إنه ايروس حب جعل اللغة تعانق الآلة بامتياز، فقيل إن الزواج حصل بين الانسان وآلة الحاسوب من خلال اللغة لان بها وعبرها يتم نقل الخبر والمعلومة والرموز .. بها يتم التواصل وما يصبو اليه العلماء والمهندسون هو أن يحصل بشكل كبير هذا التواصل الآلي بين الآلة والبشر بدون رجعة

  موضوع النقاش : هندسة اللغة : من المعالجة الصورية إلى المعالجة الرمزية . مجلس اللغة العربية . توقيع الدكتور : عز الدين غازي .

صراحة ، أنا لم أفهم شيئاً ! وهذا النص مترجم ترجمة حرفية تجعل منه لغزاً يستعصي على الفهم  . هل هذا الكلام عربي ???? وهل اللغة كلمات وجمل ، أم أنها منطق وحياة ??? ما الفائدة من هذا الكلام ??? وما هو المطلوب منا بالتحديد لكي نتطور ونصبح أذكياء وقادرين على تطبيق علم الألسنيات بواسطة " الحاسوب " ? أسأل ........

 

 

9 - أبريل - 2006
لما ذا لايوجد لدينا فلاسفة وهل عقمت الأمة العربية ?أم أننا خارج التاريخ ?
مذكرات 11    كن أول من يقيّم

 

  

 

في انتظار الموت ! 

 

 

  تعبت ، ........ مضت حوالي النصف ساعة ولم يحصل أي شيء ، ...... لا أشعر بأي تغيير . حتى الموت يجب أن أجهد في انتظاره ?

 

  ضجرت ، ثم تعبت .......... سأكتب قليلاً حتى لا أضجر كثيراً !

 

  إخوتي يتحدثون في الخارج ... أنا أحبهم ! نتعارك أحياناً لكني أحبهم . يضايقونني كثيراً لأنني أرغب بالعزلة فلا أجدها في بيتنا . يغيرون على عزلتي ، وعلى أشيائي الخاصة ، فلا تنجو منهم ثيابي ولا أدراجي ولا أقلامي ، وأحياناً لا أجد مكاناً أجلس فيه لأتفرج على التلفزيون  ........ لكنني أحبهم   وأجدهم رائعين ! كنت سأكون شيئاً حلواً مثلهم ، ربما ، لو كنت حييت ،  لكنني تعبت ! لم أعد أقوى على احتمال الألم ، وليس لي أمل بأية حياة طبيعية بعد اليوم .

 

  فكرت بالاتصال بصديقتي " أمال " لقتل الوقت . أحبها كثيراً وهي أول إنسان أشعر بصداقته فعلاً . لكني لن أفعل ! تأخر الوقت  .... أحب أمي كثيراً ، أمي امرأة شجاعة ! ........ هل تذكر يا أبي كيف  تتهكم عليها دائماً وتتهمها بالجهل والبساطة ? هي التي كانت معجبة بذكائك أيما إعجاب ، وهي من كانت تردد بتفاخر أنك : " تلمحها على الطاير !" ..... هل لمحت شجاعتها يا أبي ?  مسكين أنت فأنت لم تعد تلمح شيئاً ، حملك ثقيل وأنت مثلي لم تعد تحتمل ......... ما أشقانا  ! ما أشقى هذه الحياة التي نعيشها ! أنا حزينة يا أبي ، حزينة ولا أجرؤ على البوح بحزني لأحد ......... حزينة مثلك ولا أتكلم ، فأنا أحزن بصمت ، مثلك .......... لا أرغب بأن أسبب لكم الأذية لكنني عاجزة عن الاستمرار ....... عاجزة ، عاجزة مثلك تماماً على تغيير هذا القدر الملعون ..... ألهذا أنت حزين يا أبي ? ألهذا اخترت بأن تنتحر قليلاً في كل يوم ? ستموت بطيئاً بطيئاً ، وأنا أحسدك على صبرك هذا ! لن ينتبه إليك أحد ، ولن يعرفوا أنك قررت أن تغادر بطيئاً ! ليس لي صبرك يا أبي ......... كلنا مساكين ونداري ضعفنا ، ........ أكثر الناس مساكين ، حتى هؤلاء الذين يتحايلون على الحياة بخبث وشطارة ، حتى هؤلاء الذين يصبرون عليها  وينتظرون منها أن تنصفهم  يوماً ....... لن يحصل ، لن يحصل أبداً فهي " بنت كلب !" ...... لن يحصل وليس من عدل على الأرض ،  أكره هذا ولم أعد أحتمله ! أكره  كل ما أنا فيه وأريد أن اختفي عن هذا العالم ........

  

12 - أبريل - 2006
البنت التي تبلبلت
الرسالة الحادية عشرة    كن أول من يقيّم

 

 

 

طقوس الاغتسال الأخير

 

 

   عزيزتي صفاء :

 

  عندما رجعت إلى البيت من ذلك اللقاء الأخير ، كنت في حالة يرثى لها . تعمدت أن لا يراني أحد ، وتوجهت مباشرة إلى الحمام ، لأنه الملجأ الوحيد  " الآمن " في بيتنا .

 

  أول ما فعلته ، بعد أن أحكمت إغلاق الباب على نفسي ، هو أنني نظرت إلى وجهي في المرآة .......... رأيتني مرعبة ! لم يكن شكلاً آدمياً ما رأيته ، بل شيئاً أقرب إلى التوحش والبدائية .... شيء يشبه اختلاط الأضداد في مزيج متنافر . يا إلهي ، لم كل هذا ? ما الذي أنا فاعلته بنفسي ? أأدمر ذاتي وأغير معالمها ? من أين أتيت بكل هذا العناد يا ربي !???  ولماذا أصر على الاعتقاد بأن العالم هو أنا وما أبتغيه ? .......  

 

  صرت أحدق بذلك المشهد الذي راعني : عيناي الحمراوان المنفوختان ، ووجهي المخضب كحقل تم حرثه حديثاً ، ولم تعد تستوي فيه أية معالم ... عيناي ، كانتا مهدودتين ، ولا قرار لهما ! ولما حاولت أن احدق فيهما ، ظلتا تراوغان وتتهربان من محاولاتي . لم تشاءا أن تنظرا إلي أبداً ، عيناي ،  كأنهما تتمنعان على النظر في وجهي ، كأنهما تخجلان من أن أرى فيهما قرارتي السحيقة .

 

  نزعت عني ثيابي لأغسلها . قلت في نفسي : " سأشغل روحي بهذا ، لعلني أستطيع ! " . ثم رحت أكومها أمامي في الوعاء الكبير ، قطعة فقطعة ، مددتها فوق بعضها ، كأنها أشلاء ميتة ، حتى صارت بارتفاع القبر . رششت فوقها مسحوق الغسيل بكثرة ، ولما فتحت حنفية الماء فوقها ، صارت الرغوة ترتفع ، ثم تتدفق وتفيض من حول الوعاء .......... رحت أنظر بنهم شديد إلى تلك الرغوة الكثيفة اللامعة . شيء ما تحرك داخل صدري ، وتذكرت بركان الألعاب النارية الذي كنا نشعله في عيد المولد النبوي(*) ، عندما كنا صغاراً . كان الضوء المنبعث منه  يبهرني ، والحرارة المثيرة التي كانت تتولد من ذلك الضوء ، كانت تحرك في داخلي فيضاً من الانفعالات التي طفقت تعاودني بإلحاح ، بينما كنت أحدق في تلك الرغوة التي كانت تفيض أمامي . صرت أقول في نفسي :

 

  " غريب الإنسان ، كيف يمكن لي أن أنسى همي بسرعة، هكذا بمجرد أن ألتهي بهذه الأشياء الصغيرة ? " .

 

  عبثاً اقتنعت بهذا الهراء ، لأنني وفي الوقت الذي كنت أردد فيه هذه المقولة الساذجة ، كنت أشعر بما يشبه الفيضان الآخذ بالاقتراب ......  أمواه البحر الهادرة صارت تحرث في صدري .... زبد مالح ، كما أكمة الموج المتصاعد راح يندفع بقوة وإلحاح ، نحو رقبتي  وبلعومي ، ولما لامست رغوته الكثيفة ، حلقي الناشفة ، صرت أختنق .... تقلصات وارتجاجات تشبه التعرض للصدمة الكهربائية ، أخذت تجتاحني بعنف مخيف ، كنت أرتجف له بكليتي . هذا الاهتزاز الجائر ، كان مدمراً ! ذلك الارتجاج الجائر ، كان يتحرك داخل نفسي فيدفع بالألم الكامن من جوفي ، نحو خلايا جسمي  كلها، بما يشبه المد والجزر ، بما يشبه حركة البحر في تقدمه وارتداده  ............. خيبة بعمق المحيط كانت تتقلص  في داخلي ، ثم تنجبل بذلك الشيء الذي نسميه : القهر القاتل ، لتثير من حولها رياحا لها قوة عاتية ، رغبة مستبدة تسعى لتدمير وتفتيت كل ما عداها . شيئاً فشيئاً ، تمكن مني ذلك الشعور بالقهر ، واستحال في تفجراً ، ثم عويلاً يشبه النباح ...... بكاء وعويل ، تخالطه سوائل مقرفة صارت تخرج من حلقي بما يشبه التقيؤ .... ذلك التفجر صار يستطيل ويتواصل حتى استملك بي تماماً ، فاستسلمت له طائعة ، ووجدتني ألوذ به ، وأنا منطوية فوق ذلك الوعاء الذي كان يفور أمامي  كالبركان ، أجعر كالممسوسة ... 

 

  " يا الله ، يا الله ، لم كل هذا يا ربي ? لما كل هذه الخيبة ، لم كل هذا القهر ? لماذا أشعر بهذا الذل كله ? شعور من داسوا على رأسه بالجزم ? شعور من سحقوه ذلاً وعاراً ? متى أرتاح من هذا الألم  ? متى سيتوقف هذا العذاب ? ما أهون الموت !  ما أهون الموت ! ما أهون الموت ....... "

 

   في تلك اللحظة القصوى من الألم ، لم أعد أريد أن أوقف الانحدار نحو الهاوية . أحببت التوغل فيه حتى النهاية ، وصرت أدفعه دفعاً نحو قراره الأقصى .... كنت أريد التخلص من شحنات الألم الضاغطة فوق ضلوعي ، وذلك بتفجيرها كلها دفعة واحدة ، تماماً كما نحب أن نضغط على الضرس المؤلم ليتضاعف وجعنا لحظتها ، ثم يستكين لبرهة وكأننا نطارد بهذه الحركة تلك الشحنات الخبيثة الضاغطة على أعصابنا .

 

  بت لا أرى إلا الرغوة ، وصرت أشعر بالقرف من حالتي إلا أن هذا القرف كان شافياً ،  ذلك القرف كان محرراً ? ........

 

   تلك الأحاسيس ، كانت قد بدأت بالتسلل إلى منطقة الوعي في رأسي التي كانت هي ، لا زالت منطوية فوق بركان الدمار ... رأسي المقطوعة فوق سماء الجحيم والمعزولة عن العالم ، إلا عن عالمها  هي ، المتزلزل في داخلها ...........  رأسي المقطوعة ، بدأت تتحرك وبدأت تعقل بمجرد أن خف عنها بخار الحموضة القاتل ، المنبعث من جيشان صدري الذبيحة .... رأسي الخبيثة بدأت توسوس لي بأن الآتي أعظم ، وبأن ما أنا فيه من عويل لن يريحني إلا إلى حين ....  هذه الفكرة المرعبة ، بدأت تحفر لها مكاناً في قعر الهاوية ، في موطن اليأس المسيطر ،  لتؤسس فيه بؤرة للخوف ، أكبر وأعمق وأكثر ديمومة ، من هذا الارتجاج الهستيري المتفجر .... شيئاً فشيئاً ، بدأت أفهم مرارة ما كان ينتظرني من عذاب ، وبدت لي تلك المسؤولية مرعبة وفوق طاقتي على الاحتمال .........

 

  عدت لا أرى إلا تلك الفقاقيع المثيرة  تمتزج بما كان يسيل من رأسي المنحنية فوقها بيأس واستسلام .......

 

  بحقد شديد ، صرت أدلق تلك الرغوة الفائضة من فوق الوعاء الكبير . وبنزق كبير صرت أعيد وأزيد من فوقها الماء .... الماء ، كان عزيزاً جداً تلك الأيام، إلا أنني بددته برعونة ! كل ما كان يخرج مني  ويسيل على وجهي  كان يدخل في دورة المياه الجارية ويختلط معها  وكنت أعود لأدلقه بشراسة في أرض المغطس . عشرات المرات كررت فيها ذلك الطقس المطهر . عشرات المرات دلقت عنها الماء العقوق حتى عاد بنظري إلى المياه لونها الطاهر الرقراق ، لون البراءة ........

 

  ثم أنهيت حمامي بماء يجلو ماء ......  ثلاث مرات غسلت رأسي ، ثلاث مرات غسلت جسمي ...... كل ما كان من حولي كان يعبق بالسخونة واحتقان عيوني كان يمنع عني الرؤية . كنت أتلمس الأشياء بأحشائي ونبضي وأنجبل معها بكياني كله .

 

  عندما خرجت إلى الغرفة ، كنت لا زلت أشعر بالبلل الكثيف وبالحاجة  إلى التنفس . لبست يومها بيجاما كحلية اللون لم ألبسها من سنين ، ونظرت إلى نفسي في المرآة ووجدت أنني أشبه ختم الحكومة .

 

  على الشرفة ، صرت ألقي بقطع الثياب التي كنت ألبسها على الحبال ، ثم أشبكها بالملاقط ...... أرقبها تتدلى وهي تنزف ماء ....  ولما ابتعدت لأنظر إليها وأنا أهم بالدخول ، تهيأ لي بأنني قد نشرت نفسي على حبل الغسيل .

 

  أصوات مواء هرة  ينبعث من معمل البلاط خلف المبنى . الحارس المراهق يستعين على الوقت ، بتعذيب قطة صغيرة ساقتها إليه الأقدار ، لتسلي ليله الضجر . شاءت هي بأن تتسلل إلى الجرن الكبير الذي يتوسط الباحة ، وشاء هو أن يحبسها فيه بأن يلقي عليها بحصوات صغيرة صائبة ، كلما حاولت الاقتراب من الحافة للخروج من الدائرة . كانت تئن وتزأر بألم ،  كلما مسها منها حجر ..... هو ، كان يستدير من حولها بخفة ومهارة ، ويصوب حصواته بمتعة وبراعة ، أذهلتني ! إلا أن ما أثار عجبي يومها ، هو صوتها المؤثر والمروع ...... كان صوتها ينطق بإشارات غريبة ، وينم عن سطوة جائرة ، تتجاوز حجمها وقوتها بكثير ، حتى خيل إلي بوقتها ، بأنه قد عاد إليها ، تحت وطأة الخوف ، خصال من ذاكرة النمر البعيدة التي لا تزال كامنة فيها  .

 

  تعبت من النظر إليهما ، وتعبت من وجعي ، وتعبت من انتظار أي أمل جديد يمكنه أن يغير ما أنا فيه ........ علبة الدواء المهدئ لآلام العادة الشهرية كانت في الخزانة الصغيرة التي بجانب السرير ....... أخذتها كلها ، بلعتها على دفعات  ، ثم جلست في السرير ، أنتظر الموت ............

 

  سأتركك الآن عزيزتي ، وسأعود لأحكي لك الفصل الأخير في رسالتي القادمة فإلى اللقاء .


* كنا نطلق الإسهم  النارية والمفرقعات في ليلة المولد احتفالاً بالمناسبة : والبركان هو أحد هذه الألعاب النارية وهو كرة صغيرة كنا نشعلها فتفور منها النيران كالبركان الحقيقي وينطلق شررها عالياً من فوهته وهي ترسل أشعة فضية لامعة متشظية في كل اتجاه تبهر النظر وتشيع من حولها حرارة قوية يصاحبها انفجارات متقطعة تدفع بهذا النور الذي يشبه الحمم في كل مرة إلى  الأعلى من جديد ليصبح فورانه أقوى وأشد اشتعالاً .

 

12 - أبريل - 2006
البنت التي تبلبلت
إلى الأستاذ عبد الحفيظ    كن أول من يقيّم

 

هديتك إلى "البنت التي تبلبلت" جميلة ومعبرة . تمنيت لو كنت قد قرأت رواية علوية صبح لأقول أكثر ، لكنني لم أحصل عليها بعد . لو تيسر لي قراءتها قريباً لعدت إلى هذا الملف لأقول ما أفكر فيه . اليوم أكتفي بالشكر لإهتمامك ب "البنت التي تبلبلت " والتي سأكون مسؤولة عن بريدها ، سكرتيرتها يعني ، فشكراً ، جداً .

15 - أبريل - 2006
هدية للبنت التي تبلبلت ..
مذكرات 12    كن أول من يقيّم

 

 

تهيؤات في لحظة اكتمال الدور

 

 

 

  أمشي في ذلك الليل الطويل .......... أمشي يكتنفني ذلك الألم الكبير أحس به في داخلي ومن 

حولي وأمشي ........... أهرب إلى تلة خضراء فسيحة كأنها صحراء ذات عشب ! ........ ليل أحمر يغطي المكان ، موسيقى حزينة تشبه أجراس النجوم ، أسمعها من البعيد ....... حفيف اهتزازات شفيفة يشق المدى ............ في الأفق ، ألمح حصاناً طائراً بجناحات بيضاء يتهلل في قبة السماء : الحصان الطائر يحوم فوق التلة فارداً ريشه الوثير مظللاً به عتمة الليل ........... قلبي يخفق بشدة ! قلبي يرتعد ويرفرف في صدري الذي يكاد أن ينشق عنه ، يريد أن يطير إليه ........ أمد كلتا يدي نحوه وبكل الرجاء الذي يعتريني تجاهه أستطيل ... أحاول أن أتشبث بجناحيه وأستطيل ...... لا أصل إليه ........... أراه يبتعد وحده . يضم جناحيه بانكسار وهو يحني رأسه بحزن ظاهر ، ويبتعد ......... قلبي ينخلع من مكانه ثم يهوي .......

 

  أسقط من الخيبة ، أتدحرج عن التلة لأتهاوى في الفضاء السحيق ولا شيء من حولي إلا العدم ....... لا نبي من حولي ، ولا أرض ، ولا سماء .......... النبي الذي كنت أعرفه وأحفظ كلماته ، مر من قربي ولم نلتق ! كنت أريد أن أسمعه يردد تلك الكلمات التي كنت أعرفها ،  لأعرف بأنه هو ! كنت تمنيت لو كان أخذ بيدي وسار بي ..... لكنه مر بقربي دون أن    يراني ، ورأيته يمشي متجهاً إلى عكس المكان .......  أسمع صوت الله يناديني قائلاً :

 

   " لقد ظلمت نفسك ! "  ......

 

  " ما أغناني عنه ما قلته يا ربي !  وسأدفع الثمن ! " ، أقول في نفسي ......... 

 

  أهوي وأهوي في عراء ذلك الفضاء اللامتناهي والخاوي إلا من خوفي القاتل .

 

   في لحظة ما ، أرتطم بذكرى ......... يوم قذفني أبي إلى العالم وصرت أتساقط في ذلك الفضاء  السحيق ، قبل ان أغرق في الملوحة !

 

  ووجدتني أسبح ، ثم أسبح ، بكل ما أوتيت من قوة نحو رغبة عمياء تدفعني إليها بصيرة لا أعرف لها قراراً ........... وحدي ، ولا ألوي .......... كيف وصلت إلى هنا ?

 

  أمشي أجر قدمي العاريتين ....... لغط كبير في سوق الخضار ، باعة ومشترون وسط أكوام من الزبالة والليمون المتعفن . مسلحون في لاند عسكري ، عليه مدفع "دكتاريوف" ، يجمعون التبرعات   للمقاتلين ، ويتخاطبون مع تجار السوق بصوت عال ........  رائحة التفاح تختلط برائحة النعناع والبصل الأخضر في تلك الصناديق المكدسة رتلاً طويلاً ومنفرجة عن ممرات ضيقة تمر فيها قدماي العاريتان .......... نسيم شجيرات الآس القادمة من المقابر المجاورة تملأ المكان ...... أشعر ببيت جدتي يقترب مني وأنا أقترب منه . أسمع أزيز المنشرة يصم الآذان ، كلما اقتربت أكثر ، ونشارة الخشب الناعمة بدأت تدفئ لي قدميَّ ........

 

  أمام باب الدار القديمة ، أجدني مبطوحة على بطني ، لأبدأ بصعود الدرج المظلم ، مستندة  إلى  أكواعي المرتجفة ! برودة درجاته الإسمنتية الناعمة صارت تمدني بخدر خفيف  . في البهو الكبير ، أمام البيت ، اجتمع الجيران من حولي :

 

 " الحمد لله على السلامة ! " ، سمعتهم يقولون . أبتسم ، أهز لهم برأسي ، " الحمد لله على السلامة ! " ، يزحفون نحوي بالعيون .......

 

  عيونهم تتفرس بفضول ، أسمع غوغاءهم وهم ينكبون فوقي ، ماذا يريدون أن يعرفوا ? أتساءل !

 

  أرفع إليهم ببصري وللمرة الأخيرة ، ينصرفون عني بصمت .......

 

  أمام العتبة التي تفصلني عن بيت جدتي ، أستجمع قواي الأخيرة لأدفع بنفسي إلى الداخل ........ كان صوت إغلاق الباب هو آخر ما سمعته ، ولم أعد أرى شيئاً ...........

 

 

 

15 - أبريل - 2006
البنت التي تبلبلت
الرسالة الثانية عشرة والأخيرة    كن أول من يقيّم

 

 

 

دائماً أبــي ....

 

  

عزيزتي الغالية :

 

  هي آخر رسالة أكتبها إليك ، صفاء ، حول هذا الفصل من حياتي ، الذي انتهى على هذا الشكل المؤلم . فالباقي تعرفينه ، وتعرفين أنني لم أمت رغم أن الدواء أتلف أحشائي ، وأنني عانيت من المرض وآثاره لمدة طويلة . إلا أن أسوأ ما خرجت به من هذه التجربة ، كان ما تركه علي الانهيار العصبي من ندوب في نفسي ، لم أشف منها أبداً .

 

  بقيت حوالي الشهرين في عزلة تامة ، كانت أمي خلالها تعتني بي بصبرها المعهود ، وصمتها المضني ، دون أن تسألني شيئاً ......... تغير لي الشراشف ، وتعطيني الدواء ، وتشتري لي عصير الخرنوب ، وتسألني إذا كان باستطاعتي أن آكل لتصنع لي بعض الحساء ........ تغطيني عند اللزوم ثم تذهب إلى أمورها الأخرى ........ تترك لي بقرب المخدة ، عينيها الباردتين ، بكل ما فيهما من ملامة وقسوة ، وكرمها الزائد في العناية بي ، بكل ما فيه من عزاء ورحمة ........ تعيدني إلى  طفولتي التي عشت فيها دائماً معها في هذا الحد الفاصل ، بين تلك الأمومة الباردة ، وطقوس الواجب المقدس .........

 

  أبي ، كان يصل به ما تبقى لديه من علائق بأمورنا وحياتنا ، ما تبقى لديه من حنان الأبوة ، إلى باب الغرفة ، دون أن يجتازه يوماً . فيقف هناك ، عند العتبة ، ليلقي علي نظرة من عينيه السوداوين الكبيرتين ، وأنا متكورة في فراشي ، دون أن يدفعه فضوله ، أو يتجرأ أن يكلمني أو يسألني شيئاً . نظرته كانت تعذبني وتعيدني إلى حزني القاتل ، حزني المسجى في فراش مريح ، كان قد تمطى وأصبح طويلاً تحت تأثير الدواء ............ حزني صار هو حزنه ، وخيبتي هي  خيبته ، وانهزامي هو انهزامه السحيق المزمن ......... ثم يعود لينسحب ببطء من حيث أتى ، إلى عالمه هو المنهار أيضاً والمطبق عليه ......... هو لا يعرف كيف حدث كل هذا ، هو لا يعرف كيف وصلنا إلى هنا ، هو كان يظن أنه أسد وأننا جراؤه . وكان يظن أنه قادر على أية حال على إطعامنا وحمايتنا .........  حوله ، كنا نجلس على الطاولة ، في غرفة الطعام الكبيرة ، فنأكل ونشرب ثم نتبارى بالشعر :

 

   ـ " اشرحي لي هذا البيت " :

 

  ـ " صنت نفسي عما يدنس نفسي ........ " ، أسمعه يقول .

 

  اليوم ، وأنا أنظر إليه أتذكر :

 

  " لا أنت أنت ولا الديار ديار ..... "

 

........................................................................................

 

 

  هكذا عزيزتي ، بدأت رحلتي الجديدة مع الغربة الثانية ، ومع ما خرجت به من تجربتي الأولى من استنتاجات . كانت تلك أول مواجهة فعلية لي مع الحياة ، وخسرتها بالضربة القاضية . بمرور الأيام ، شفيت ولم أشف .... انكسر الحلم في داخلي ، ماتت الأسطورة ! لم يعد عندي مسكن لذاتي الحائرة بين ذلك الوهم المتسربل بالبراءة ، والواقع المخيب ... لم أنجح بتبديل أسطورتي بما يماثلها ،  لأستعيد معها الحلم وأستعير منها شهوة الحياة . نأيت بنفسي عن الأحداث  لأحميها ، بقيت خارج اللعبة ، أرقبها من بعيد ، دون ان أجرؤ على الانضمام إلى هذا المهرجان . صرت أحسد أولئك الذين لا يزالون ، بدون كلل ، يستبدلون الأبطال بالأبطال ، والقرابين بالقرابين ، في زمن يدور ، وفي احتفالات صاخبة ، تموت فيها الذاكرة في كل يوم ، مرات ، إلى ما شاء الله ، تمجيداً لدورة الحياة السرمدية ............  في هذا الزمن المتحول أبداً ، المنتج أبدأ لعناصر ديمومته ، صرت أشعر وكأنني ، بت خارج التاريخ .

 

  في رحلة الحياة والموت هذه ، لحظات من النداوة تتبدى لي أحياناً في تخيلات ألقيها على الواقع لأخفف عني  من عبء وطأته . أخلق منها الحلم ....... ومن الحلم ،  وجودات متعددة أخترعها لأسلي بها وحدتي ، ثم تستعصي على فهمي أحياناً ! أتتبعها طويلاً  في خيالي وفي ذاكرتي المنتقصة لأستعيد منها رغبة الوجود ......... في العمق ، لا تزال شعلة ضئيلة تنتج في داخلي ذلك الشوق إلى الوجود الذي يستعصي ويتمرد على الذاكرة ........

 

  أتعبتك معي ، لا شك ، أتعبتك وأنا أعلم بأنك لا تشاركينني مواقفي وأفكاري ، وأعلم بأنك أكثر مني  حذراً وتعقلاً واعتدالاً وربما " واقعية " ?  لكنني أردت أن أشرح لك ، بكلام لم أخترعه أبداً ، شيئاً تعرفينه ، لكنك تنسينه . أردتك أن تعرفي مني ، بكلمات تأتي  من القلب ، الذي ظننت يوماً أنني فقدته إلى الأبد ، أو أنه قد أصيب بالصمم والبكم والعمى والكساح ........ حتى إنني ظننت يومها أنه قد مات ! ويومها  فقط ، عرفت أن السمع مركزه القلب ، والنظر ، مركزه القلب ، والحلم مركزه القلب ، وأن الكلام يأتي من القلب أو لا يأتي أبداً .

 

سلامي لك كبير صفاء ، وعلى أمل بأن نلتقي قريباً ، لك مني كل المودة .

إلى اللقاء .

 

 

 

 

15 - أبريل - 2006
البنت التي تبلبلت
هل هو لغز أم مداخلة ?    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 

ما هي أنظمة الكون الرمزية ?

الأستاذ الدكتور عز الدين غازي المحترم :

مع احترامي الشديد لكل ما تبديه من رغبة أكيدة في تنوير عقولنا المظلمة ، إلا أنني لم أفهم شيئاً ( رغم إصرارك على إفهامنا ) من مداخلتك المليئة بالمصطلحات " الحديثة " . وذلك رغم معرفتي المبدئية بمفردات الفلسفة ورغم معرفتي المبدئية أيضاً باللغة الفرنسية التي ، كما أفترض ، قد تم استعارة هذه المصطلحات منها . فما بالك إذاً بالقارئ " العادي " الذي لا يعرف هذه ولا تلك ، والذي سيشعر أمام نص ـ بهذا المستوى العلمي ـ بأنه أمام لغز كبير أو شيفرة عليه تفكيكها ? أم أن عليه ربما أن يشعر بأنه في هيكل العلم ذي البروج العالية وان يشعر بالدونية تجاهها ?

هل المطلوب منا أن نفهم أم أن ننحني إجلالاً لهذا العلم الكبير ?

 

15 - أبريل - 2006
الاستدلال الصوري والرمزي
 6  7  8  9  10