ألقيت هذه المحاضرة في الجلسة الثانية لمؤتمر المجمع اللغوي العربي بالقاهرة في دورته الثامنة والستين مساء يوم الاثنين 11 من المحرم سنة 1423هـ الموافق 25 مارس (آذار) سنة 2002م
تأثير الثقافة العربية في الثقافة الغربية الحديثة
للأستاذ الدكتور شوقي ضيف
ورثت الثقافة العربية في القرون الإسلامية الأولى الثقافات العالمية الهندية والفارسية واليونانية، وابتدأ ميراثها للثقافة الهندية الرياضية في زمن مبكر؛ إذ أخذت عنها أرقام العدد، وأضافت إليها الصفر وكان لذلك أثره البعيد في نظام العدد العالمي إذ عُرفت فيه العشرات والمئات والآلاف ، ونقل الغرب النظام العربي للعدد عن الأندلس؛ إذ نزل بها جربرت الذي تقلد البابوية باسم سيلفستر الثاني في القرن العاشر الميلادي وعرف نظام الأرقام العربية الإسبانية ونقله إلى الغرب وأدخله في مدارسه. ونقل الغرب النظام العربي للعدد، وشاع في كل بلدانه، ودفعهم إلى إنشاء بنوكهم وأسواقهم المالية، ولولا العرب وما أخذه الغرب من أرقامهم ما كانت بنوك ولا أسواق مالية في العالم إلى اليوم.
وقدم وفد هندي في خلافة المنصور العباسي في منتصف القرن الثاني الهجري وفيه رجل ماهر في معرفة حركات الكواكب وحسابها وسائر أعمالها على مذهب كتاب هندي لهم يسمى جزؤه الأخير "سيدهانت" فأمر المنصور بنقل الكتاب إلى اللغة العربية، ليتخذه العرب أصلاً في حساب حركات الكواكب وظل العرب يعملون به إلى أيام المأمون؛ إذ نُقل إليهم كتاب بطليموس في الحساب والجداول الفلكية المسمى المجسطي فعملوا به. وأمر المنصور بنقل كتب أرسطو إلى العربية ونقل كتاب الأصول لإقليدس وهو في الأشكال الهندسية أمهاتها ومركباتها. ومنذ هذا التاريخ أكبَّ العرب على ترجمة الثقافة اليونانية وجميع ما تحمله من علوم وفلسفة.وأسس المأمون دار الحكمة ووظف بها طائفة كبيرة من المترجمين وخاصة لكتب الثقافة اليونانية وجُلبت كتب كثيرة من بلاد الروم وعمورية وأنقرة.
وتبلغ هذه الموجة الحادة للترجمة أقصى غاياتها في عهد المأمون وعرف أن في جزيرة قبرص مكتبة تحتفظ بنفائس الكتب الفلسفية والعلمية اليونانية. فالتمس من حاكم قبرص أن يرسلها إليه، فأرسلها، وعهد المأمون إلى طائفة كبيرة من المترجمين فنقلوها إليه .. واستأذن ملك بيزنطة في أن يرسل إليه وفدًا من كبار المترجمين ليحملوا إلى بغداد روائع الكتب اليونانية، وأجابه إلى ذلك. وأقام المأمون مرصدًا كبيرًا لعلم الفلك وزيجاته، فازدهر هذا العلم الهندي لعهده، وكان من القائمين عليه محمد بن موسى الخوارزمي واضع علم الجبر الذي يفتتح به في بغداد عصرًا جديدًا في الرياضيات، وعُني علماء العرب حينئذٍ بعلم الكيمياء واستعانوا فيه بالترجمة عن اليونانية، وظلوا يزدادون فيه علمًا حتى نبغ فيه جابر ابن حيان ، فخلف فيه كثيرًا من النظريات في الإكسير وخواصه، وهو المؤسس الأول لعلم الكيمياء عند العرب. وكان يوحنا بن ماسويه يعكف على تشريح القردة. ويعد المؤسس للأبحاث الطبية عند العرب، وكانوا قد أكبوا على ترجمة ما لأبقراط وجالينوس من بحوث طبية ونقلوها إلى العربية.
ونمضي بعد المأمون فنجد الخلفاء يغدقون على المترجمين من اليونانية إغداقًا كبيرًا ويكفي أن نذكر ما أغدقه المتوكل على حنين بن إسحق كبير المترجمين من اليونانية حتى سنة 264 للهجرة، وقد أهداه ثلاث دور وحمل إليها كل ما تحتاجه من الأثاث والفرش وأقطعه بعض الإقطاعات، وجعل له راتبًا شهريًّا خمسة عشر ألف درهم.
ووراء الخلفاء أثرياء كانوا يعدون أنفسهم حماة للترجمة والمترجمين وينفقون عليهم أموالاً طائلة مثل ثلاثة أخوة من بني شاكر، وكان اثنان منهم يشغفان بالهندسة وكتبها ويشغف الثالث بعلم الحيل (الميكانيكا).
وكوَّن حنين بن إسحق مدرسة كبيرة للترجمة كان من تلاميذها ابنه اسحق وابن أخته حبيش وغيرهما.
ويذكر لحنين أنه ترجم من اليونانية نحو مئة كتاب ورسالة، وكان يعنى أشد العناية بالكتب الطبية اليونانية لجالينوس وغيره ، وكان مثله ابنه، بينما كان ابن أخته حبيش يعنى بترجمة الكتب الفلسفية لأرسطو وغيره. وجعل المتوكل لحنين طائفة من شباب المترجمين يكتبون بين يديه، ويمرنهم على إتقان الترجمة الدقيقة، ومنهم أصطفن بن باسيل اليوناني الأصل مترجم كتاب ديسقوريدس في النبات والصيدلة لزمن المتوكل.
وتكاثر المترجمون في القرن الثالث الهجري = التاسع الميلادي عن اليونانية كثرة مفرطة، وأكبوا على المأثورات الإغريقية العلمية والفلسفية ينقلونها إلى العربية وكادوا لا يبقون كتابًا لليونان بدون ترجمة أو بدون شرح أو تلخيص حتى ليظن أن جميع كتب اليونان المهمة ترجمت إلى العربية في القرنين الثاني والثالث للهجرة.
ومن يرجع إلى كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة تهوله الكثرة الغامرة مما ترجم من عشرات الكتب والرسائل اليونانية.
ولما أوشكوا على الانتهاء من نقل التراث اليوناني العلمي والفلسفي أخذوا يراجعون نقل أسلافهم له ، وما وجدوه يستحق المراجعة وإعادة النقل أعادوه ، وهذا هو السر في أننا نجد بعض الكتب يذكر لها أكثر من مترجم ، حتى عند بعض المترجمين الكبار لدى الأسلاف مثل ثابت بن قرة المتوفى سنة 288 للهجرة، فقد نقح ترجمة كتاب أرسطو في النبات من عمل إسحاق بن حنين ، ونقَّح نقله لكتاب أصول إقليدس في الأشكال الهندسية، ويقول ألدومييلى صاحب كتاب العلم عند العرب : "إن هذا التنقيح يصلح الأصل اليوناني في غير موضع". ونلتقي بعده مباشرة بخاتمة هذا العصر من المترجمين: متَّى بن يونس، وكان من أصل يوناني ونقَّح جميع الكتب المنسوبة إلى أرسطو في المنطق وغيره.
وبذلك ينتهي عصر نقل التراث اليوناني العلمي والفلسفي المزدهر إلى الثقافة العربية،بحيث أصبح جزءًا لا يتجزأ منها، وبحيث يتم العرب ما كان لـه مـن ازدهار في ديارها إذ كان قد أخذ منذ القرن الثالث الميلادي في الانهيار والتدهور ولم يعد شيء منه معروفاً إلا في ركن منعزل في أوربا ببيزنطة وفي مصر بالإسكندرية، وكان يعاني فيهما مما أصابه من التدهور الشديد،أما في أوربا فقد كانت الثقافة اليونانية مجهولة جهلاً تامًّا،فلم يكن يعرفها الإيطاليون والفرنسيون والإنجليز والألمان ولا أحد من أوربا الغربية والشرقية مما وراء بيزنطة يعرفها، إنما يعرفون فقط ما يستمعون إليه من التعاليم الدينية المسيحية على لسان الرهبان والأساقفة، وما قد يقرؤونه عندهم من كتب الإيمان المسيحي وحياة القديسين، وليس لهم أي صلة بالثقافة اليونانية وعلومها وفلسفتها التي بلغت غاية الازدهار عند أرسطو، بينما كان العرب ينقلون إلى ثقافتهم في القرنين الثامن والتاسع للميلاد الثقافة اليونانية، بكل أصولها وفلسفتها وعلومها، وهو أول فضل للعرب على الغرب المسيحي واحتفاظهم له بالثقافة اليونانية وأضافوا إلى هذا الفضل فضلاً ثانيًا بما زودوا الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني به من زاد وَفْرٍ في النمو والتطور مما يعد معجزة للعرب بجانب المعجزة اليونانية، وانتفع الغرب عن طريق المعجزتين، فبنى عليهما ثقافته وحضارته الحديثة.
ونقف أولاً عند الفلسفة ، فقد احتفظ لها أصحابها باسمها اليوناني، وهو الفلسفة، وأضافوا إليه صفة عربية تميزه، هي الإسلامية، لأنها تمزج بين الفلسفة والإسلام.
وأول فلاسفة العرب الكندي يعقوب بن إسحاق وهو عربي أصيل من قبيلة كندة ، وعاش في القرن الثالث حتى أواخر العقد السادس. وله كتب ورسائل تعد بالعشرات، وتبلغ في كتاب الفهرست لابن النديم نحو مئتين وأربعين ، وتتناول الإلهيات والعلوم الرياضية والهندسية والفلكية والجغرافية والطبيعية والمنطق. وهو أول فيلسوف إسلامي وفق بين الفلسفة والإسلام وله في إثبات النبوة كتاب. وكان يرى أن العالم محدث مخالفًا بذلك أرسطو القائل إنه قديم ، وأهم نظرية فلسفية له نظريته في أن العقل مصدر المعارف وتقسيمه إلى عقل فاعل هو الله جل جلاله، وعقــل بالقوة في داخل الإنسان، وعقل بالملكة هو عقل الإنسان بعد حصول المعلومات فيه، وعقل مبين يؤدي للغير معقولاته.
ويقول ألدومييلي إن دى كريمونا الإيطالي كبير المترجمين في إسبانيا بالقرن الثاني عشر ترجم للكندي كثيرًا من كتبه ، وإن لها تأثيرًا عميقًا في الشعوب اللاتينية الأوربية.
ونلتقي بعد الكندي بفيلسوف إسلامي كبير هو الفارابي المولود في فاراب من بلاد الترك وراء خراسان ويقال إنه فارسي، وتلقى في نشأته علوم الأوائل. وشغف بها في بغداد، وأكبَّ على كتبها واستوعبها، وأخذ يحاضر فيها عن فهم دقيق وبصيرة، وعُنى بشرح كتب أرسطو في علم المنطق وغيره وقارن بين الفلسفة والإسلام وذهب إلى أن كل موجود إما واجب الوجود وإما ممكن، والله وحده هو واجب الوجود وما عداه ممكن الوجود ، ولا جنس له ولا تركيب فيه ولا يمكن حدّه إذ لا يتحيز في مكان. ونوَّه بالعقل طويلاً، وقال إن الله فيض عنه منذ الأزل مثاله وهو العقل الأول الذي يفيض عنه الفلك. ولروعة أعماله سماه معاصروه المعلم الثاني بعد أرسطو. ومن كتبه البديعة فصوص الحكم، ولخص في أوراق منه فلسفته واتخذه ماكس هورتن موضوع دراسة ضخمة، وعني بوضع موسوعة للعلوم في عصره سماها "إحصاء العلوم" ترجمها إلى اللاتينية ديتريشي ودي كريمونا الذى ترجم له رسالته في المدينة الفاضلة وفيها يحاول وضع نظام دولة مثالية. وللدكتور إبراهيم مدكور عنه دراسة قيمة، وكانت وفاته سنة 339 للهجرة.
وجاء بعده الفيلسوف الإسلامي العظيم ابن سينا المولود بالقرب من بخارى سنة370 هـ / 980 م والمتوفى بهمذان سنة 428 هـ.
أكبَّ في فواتح حياته على إيساغوجي وإقليدس في الهندسة والمجسطي في الفلك ، واستغلقت عليه الإلهيات حتى قرأ فيها كتابًا للفارابي فاتضحت له. وتمتزج الفلسفة عنده بالروح الإسلامية، ولقب بالشيخ الرئيس. وينحو في فلسفته نحو الفارابي. ويتفق معه في الإلهيات وتفاريع علم المنطق، وكان يرى – مثله – أن المادة لا تصدر عن الله ، لأنه منزه عن كل مادة وجسم. وكان يرى أن الله لا يصدر عنه إلا عقل واحد، وعن هذا العقل يصدر عقل يدير الفلك. وخطا بفلسفته الإسلامية خطوة نحو التصوف.
وأهم كتب ابن سينا الفلسفية كتاب"الشفاء"وهو دائرة معارف كبرى في المنطق والطبيعيات والميتافيزيقا أو الإلهيات، ويذكر ألدومييلي ترجمة له. وترجمت أقسام منه إلى اللاتينية في العصور الوسطى. وبالمثل عنوا بترجمة كتاب "النجاة" ودراسته،وهو تلخيص كامل لكتابه"الشفاء"، وأيضا بكتابه الإشارات والتنبيهات وترجم إلى الفرنسية سنة 1892م. ومما شغل به الغربيون من كتبه كتابه في الرمد باسم "علاج العين". ولم يكن ابن سينا فيلسوفًا إسلاميًّا فقط، بل كان أيضًا طبيبًا عظيمًا، ومعجمه فيه الذي سماه "القانون" شاعت طبعاته في المدن الغربية شيوعًا كبيرًا حتى ليقال إنه طبع بالغرب في القرن الخامس عشر ست عشرة طبعة، وطبع في القرن السادس عشر عشرين طبعة. وأول مترجميه دي كريمونا في القرن الثاني عشر، وتشغل ترجمته ومؤلفاته وترجماتها عند ألدومييلي ثلاث عشرة صفحة.
ونضم إلى الفلاسفة الإسلاميين الثلاثة السابقين فيلسوف الأندلس في إسبانيا "ابن رشد" أهم فلاسفتها ، وقد وضع شروحًا مطولة ومتوسطة وموجزة لكثير من مؤلفات أرسطو. وكل شروحه ترجمت إلى اللاتينية، وترجم إليها أيضًا كتابه "تهافت التهافت" الذي يرد فيه على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة" مدافعًا بحرارة عن الفلسفة وأرسطو، كما ترجم كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، ويريد بالحكمة الفلسفة، ومن قوله فيه:"الحكمة أي الفلسفة صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة، وهما مصطحبتان بالطبع ومتحابتان بالجوهر والغريزة. والفلسفة تخاطب الخاصة والدين يخاطب العامة". وحاول أن يوفق بين أرسطـو وعلمـاء الإسلام بالقول بقدم العالم وحدوثه، فقال إن قدمه بالقوة وحدوثه بالفعل وهو قديم محدث معًا. ومنذ نقل دي كريمونا الإيطالى وميشيل سكوت الإنجليزي ( 1235 م ) وهرمان الألماني ( 1272م ) أعماله أخذت تدرس في الجامعات الأوربية بإسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإنجلترا وانتشرت أفكاره الرشدية على الرغم من مقاومة رهبان الدومينيكان. ولفلسفته وتعاليمه أنصار كثيرون وكان لأفكاره أثر كبير في قيام حركة التحرير والإصلاح الديني في النهضة الأوربية، وهو يعد بحق خاتمة الفلاسفة الإسلاميين العظام.
( تابع )