البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات صبري أبوحسين أبوعبدالرحمن

 51  52  53  54  55 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
المبحث الأول: نظريات...6    كن أول من يقيّم

د ـ  التحديد المشدد بواسطة المجاز
ه ـ التحديد المشدد بواسطة الدال( النائم في الوادي = الميت في الوادي)
وـ . التحديد المشدد بواسطة التناص (أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها الميادي  في تناص مع حمامة أبي فراس الحمداني:
أيضحك مأسور وتبكي طليقة    ويسكت محزون ويندب سال  )
زـ التحديد المشدد للمجاز  بواسطة الحرف lettre ( ظاهرة الجناس نموذج )
 
2 ـ نظرية الأسلوبية:
هي فرع من فروع اللسانيات التي تطبق على الأدب. تشبه إلى حد كبير نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني ( ـ 471)،من حيث البحث في العلاقات التي تربط بين مكونات الجملة وسر جمالها[1] ومن المؤكد أن أولى الدراسات الأسلوبية أي دراسة شارل بالي CH. BAILLY  ( 1905) ، لا تعالج  الأدب مباشرة لأنها عبارة عن  وصف  لوسائل التعبير التي يقدمها اللسان LANGUE  وليست دراسة استخدام المؤلف لهذه الوسائل. لأن اللسان ، بحسب بايي ، يتضمن قيما أسلوبية[2]. وقد عرفت الأسلوبية بأنها : " بحث عما يتميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب أولا، وعن سائر أصناف الفنون الإنسانية ثانيا"[3]
 
وقد قامت الأسلوبية التقليدية، منذ زمن طويل، على الحسابات الإحصائية التي تبرز ابتعاد الكاتب عن معيار معين أو عن اللغة اليومية والعلمية  على اعتبار أن كل اختلاف من شأنه أن يصبح " أسلوبا " لكن مثل هذا المنهج ينطوي على عيوب، لذا ينبغي استكماله بمنهج آخر[4] مما أدى إلى تنوع الأسلوبيات
 
تنوع الأسلوبيات :    تنوعت الأسلوبية تبعا لوجهات نظر النقاد كما الحال دائما في النظريات النقدية إلى أسلوبية تعبيرية وأسلوبية سياقية وأسلوبية الانزياح والأسلوبية الإحصائية ، ولذا يرى  الناقد " تادييه" أنه "كي يتسنى لنا تقديم عرض مجمل للأسلوبية لابد وأن نفهم بأنها متنوعة وانه يوجد عدة أسلوبيات . وكما بين هنريش بليت H.PLETT  في ( نظرية الأدب ، الذي قدم له كيبدي قارغا K.VARGA ) فإن الأسلوبيات تنقسم تبعا للشكل الذي تنظر فيه إلى الأسلوب، فإذا كان الأسلوب تعبيرا عن شخصية المؤلف فإننا ندعوها بالأسلوبية التعبيرية، أما تلك التي تهتم بالتلقي reception وتبرز أهمية العناصر بالنسبة لسياقها فتسمى بالأسلوبية السياقية  CONTEXTUEELLE ( ريفاتير) ، أما إذا نظر إلى الأسلوب على أنه مكونة COMBINATOIRE نوعيه للسان ، فنسميها بأسلوبية الإنزياح ECART أو الأسلوبية الإحصائية أو السياقية، وتفرض أسلوبية الانزياح اختلاف النص الأدبي عن المعيار النحوي والمعجمي وهنا نتحدث عما يدعى بالإجازات ( الجوازات ؟) الشعرية LICENCES POETIQUES وعن مفردات شعرية ووجوه (بلاغية)FIGURES، وحينما تكثر الصور  فإننا نعتبرها إنزياحا . والأسلوبية الإحصائية التي نجدها في أعمال بيير غيرو GUIRAUD وكونراد بيروC.BUREAU وايتيين برونييه E.BRUNET حول معجم الكتاب وطول جملهم أو حول تكرار موضوعاتهم ، هذه الأسلوبية ينتظرها مستقبل كبير بفضل تطور المعلوماتية"[5]
على أن هذا التعدد قد شتت عملية البحث في جماليات النص الأدبي مما جعل بعض النقاد يرون أن الدراسة المثلى قد تكون مبنية من تكامل  هذه الأسلوبيات، يقول تادييه: "ولكي يتسنى لنا وصف الأسلوب بشكل واف، تبعا للقضايا التي يطرحها، ربما ينبغي التوليف بين هذه الأسلوبيات المختلفة : السياقية والكمية والانزياحية والتعبيرية ومعطيات الحاسوب ، ...وانطباع القارئ[6].


[1] ـ عدنان حسين قاسم : الاتجاه الأسلوبي البنيوي  في نقد الشعر العربي : ص 90/ مؤسسة علوم القرآن عجمان / ط 1 / 1992
[2] ـ النقد الأدبي في القرن العشرين : 248
[3] ـ عبد السلام المسدي : الأسلوب والأسلوبية : 33/ وانظر  الإتجاه الأسلوبي : ص99 / م س
[4] ـ النقد الأدبي في  القرن العشرين : 248
[5] ـ النقد الأدبي في القرن العشرين: 288
[6] ـ النقد الأدبي في القرن العشرين:289

19 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المبحث الأول: نظريات...7    كن أول من يقيّم

ومهما كانت أسباب هذا التنوع فإن الأسلوبية تريد دائما أن تجيب عن أسئلة جمالية  مثل :
كيف عبر النص عن دلالته الجزئية والكلية؟
ما الأسباب والعوامل الأساسية المسؤولة عن اختلاف الأساليب[1]؟
      
نقد المنهج الشكلي : مهما كانت أهمية المنهج الشكلي على اختلاف نظرياته فقد وجه له نقد لاذع، يقول نورمان فورستر: " إنني أشعر بحرية أكثر في الهجوم على الهرطقة التي يميل إليها نقادنا الجماليون، تلك الهرطقة الجمالية التي أسهم فيها على سبيل المثال إدجار آلان بو والهرطقة الجمالية كالهرطقة التعليمية كلتاهما شيء رديء فكل منهما تجاهد في جعل الحقيقة الجزئية تقوم مقام الحقيقة الكلية، وكل منهما تميل إلى جذبنا بعيدا عن الأدب؛ أولاهما إلى مشكلات الأخلاق وأخراهما إلى مشكلات الجمال" ثم يضيف : " إن الناحية الجمالية أو الفلسفية للأدب ليست مشروعة فحسب ? وإنما تعتبر الهدف الذي لا مفر منه بالنسبة للناقد الأدبي، وأعتقد أن أرسطو كان على حق في التفكير في الأدب الخيالي لا كفن يسبب السرور أو المتعة فحسب وإنما كمحاكاة معقولة للحياة أي الفعل الإنساني والطبيعة الإنسانية"[2]


[1] ـ الاتجاه الأسلوبي :101 م س
[2] ـ نورمان فورستر : الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي في النقد :    ضمن كتاب : مقالات في النقد لإبراهيم حمادة 141ـ 155

19 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
أستاذ الجامعة المبني للمجهول    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

أستاذ الجامعة المبني للمجهول!!!
هذا العنوان ليس اصطلاحي فقط، بل سبقني إليه كثيرون، رثوْا حالهم، وبكوا أنفسهم مما يجدونه في عالمهم العربي من جحود ونكران وكبت وإقصاء وإرهاب...
إن العالم الأول، المتحضر المتحرر، ينظر إلى أستاذ الجامعة على أنه المثقَّف،  والمثقِّف الأول، إنه القادر على العطاء والعمارة والبناء، بيده التنوير والتغيير والتطوير والتحضير والتخضير، ومن ثم كان فاعلاً، مبنيًّا للمعلوم، حاضرًا في كل قطاعات الحياة...
لكن- وما أمرَّها، وما أكثرَها في التعبير الأدبي المعاصر!!!-  عندنا يعيش أستاذ الجامعة مبنيًا للمجهول، يأتي في درجة رابعة أو خامسة أو سادسة ... في السُّلَّم الاجتماعي... يأتي بعد العسكري، والسياسي، والأمني، والقضائي، والصحفي، والإعلامي، ورجل الدين، و..و..,...!!!!
وصل الأمر به إلى أن صار نكرة غير مقصودة، ولا مميزة، بل نُظر إليه على أنه عبء، تفكر الدول -الثانية أو الثالثة بل الأخيرة- في التخلص منه، وتقليل مخرجاته، وتشويه منجزاته، ومحاربة الأجيال التي تربت على يديه!!!!
تحول إلى سلعة تباع وتشترى، اختُرق اختراقًًا من قبل أصفار عملاء يمارسون تشويه الصورة المُثلى لرجال الجامعة...
جعلته دولنا يعيش في سجن كبير، علم مظلم حيث: الراتب/الرتب الجامعية/المكافآت/الوظيفة/ الأسرة/ التقارير الأمنية الرقابية.... سلسة طويلة من الإرهابات لا يمكن أن تفرز إلا الخوف والجبن والكذب والنفاق وممالأة السلطة والصبر الطويل الذي لا ينتهي ولا يسفر عن شيء
والصمت الكبير الذي لا ينتج إلا هروبًا وبقاء الفساد والجمود والتخلف!!!
صار أستاذ الجامعة نَسْرًا وسط الفراخ، تدجج وتدجن وتفرخ، ونسي أن له جناحين ومخالب!!!
قالوا:هجرت العلم قلت ضرورة     باب الدواعي والدوافع مغلق
خلت البلاد فلا حكيمٌ يُرتجـى       منه الحوار ولا صدوق يصدقُ 
***
   شكوتُ إلى حكيمٍ سوءَ حالي        فأرشدني إلى ترك الثقافةْ
  وأخـبـرنـي بـأن العـلـم داء           يـورِّثُـنا بلاءً أو سخـافـة!  
  

19 - مايو - 2008
أسئلة في الثقافة
الحياة الفكرية في العصر العثماني    كن أول من يقيّم

                      الحياة الفكرية في العصر العثماني
 
عاش العرب في ظلال الخلافة العثمانية منذ (922)هـ، أثر زوال حكم سلاطين المماليك، وظلوا تحت حكمهم حتى خلافة السلطان سليم الثالث، السلطان الثامن والعشرين من السلاطين العثمانيين، التي شهدت استيلاء الفرنسيين على بلاد الشام ومصر (1213)هـ.
وقد وقف المؤرخون في الحكم على فكر هذا العصر وأدبه، موقفين: موقف غير موضوعي، يحكم على العصر بالجمود التام في كل مجالات الحياة! والسبب في حكمهم هذا ما زعموه من أعجمية الحكام العثمانيين، وفرضهم سياسة التتريك على البلاد العربية.
وموقف موضوعي، يرفض تعميم الحكم بالجمود على العصر كله، الذي استمر ثلاثة قرون تقريبًا، فهذا الاتهام عند بحثه بحثًا موضوعيًّا في المصادر الفكرية والأدبية في هذا العصر نجده غير مقبول على إطلاقه ويحتاج إلى الكثير من التفصيل.
 
فالبلاد العربية في هذا العصر شهدت منذ مطلعه حتى النصف الأول من القرن(12) هـ ثباتًا ومحافظة على الحالة الفكرية التي وجدت في العصر المملوكي، حيث الاتجاه نحو تأليف الموسعات القيمة والإكثار من الشروح والحواشي، والتزام العربية الفصيحة النقية من كل ما هو أعجمي، أو عامي تقريبًا، والاتجاه نحو الموضوعات الذاتية والاجتماعية والإنسانية والاهتمام بالطبيعة في الإبداع الأدبي....
 
إن العثمـانيين لا يختلفون في تاريخنا العربي عن العناصر الحاكمة السابقة. وقد شهدت البلاد العربية في عهودهم تطورًا واستقرارًا في الفكر العربي والحضارة الإسلامية.
وها هي ذي دلائل على تلك الحقيقة عن حال الفكر والأدب في خلال حكم العثمانيين:
 
1. أن الدولة العـربية استطاعت أن تجد شيئًا من الهدوء والاستقرار في عهد سلاطين القرن الحادي عشر الهجري؛ مما مكن العلماء والأدباء من الرحلة بين أقطارها، والتلقي عن شيوخها والإفادة منهم؛ مما أتاح للعلم والعلماء ازدهارًا عظيمًا ونهضة شاملة. لعل أكبر دليل عليها تصفح تراث أعلام هذا القرن، لاسيما الشهاب الخفاجي، والمحبي، وابن معصوم المكي. وفي هذه الكتب يظهر النتاج الفكري والأدبي المتميز، الذي لا يقل روعةً عن نتاج السابقين واللاحقين.
 
2. أن كثيرًا من الخلفاء العثمانيين كانوا يجيدون العربية وتعلموا ودرسوا بها، واتخذوها وسيلة لتعلم الدراسات الإسلامية، وكانوا يستخدمون اللغة العربية في رسائلهم، من ذلك رسالة السلطان العثماني سليمان القانوني(926-974هـ) إلى فرنسيس الأول : " أنا سلطان السلاطين وبرهان الخواقين، متوج الملوك، ظل الله في الأرضين...".
كان بعض السلاطين يعرفون اللغة العربية، وكانت هي اللغة السائدة للدولة، بل كان بعضهم مائلا إلى الأدب والمحاضرات، وله شعر بالتركية، وشعر بالعربية، منهم السلطان أحمد بن محمد(ت 1026هـ)، وعبد الحميد خان بن السلطان أحمد خان الذي نظم قصيدة نبوية صوفية النزعة، نقشت على الحجرة النبوية الشريفة (1191هـ)، منها قوله:
يا سَيِّدي يا رســولَ الله خُذْ بيدي  &&&  ما لي سواك ولا ألـوي على أحدِ
يا من تفجَّــرت الأنهـارُ نابعــةً  &&&  من إصبعيـه فروَّى الجيشَ  بالمددِ
كُنْ لي شفيعاً إلى الرحمنِ من زللـي  &&&  وامنُنَ علـيَّ بما لا كان في خـلَدي
 
3. وجـود طبقة من العلماء الأعاجم الذين أتقنوا العربية وألفوا بها، منهم القاضي طاشكبري زاده. صاحب موسعة ((الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية))، وصديق خان القنوجي صاحبموسعة((أبجد العلوم))، والحاج خليفة صاحب ((كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون))، وإسماعيل باشا البغدادي صاحب موسعة(( هداية العارفين عن أسامي الكتب والمؤلفين))، وموسعة((إيضاح المكنون عن أسامي الكتب والفنون)). والأمير المنجكي الشركي صاحب الشعر العربي الرائق....
 
4. وجود نصوص فيها اعتـزاز بالعروبة والعربية، يقول البوريني(963-1024هـ):
تعلمتُ لفـظ الأعجـميِّ وإنــني &&&  مـن العـرَب العُـرَباءِ لا أتكتَّـمُ
وإن كنت بين المُعجِميـن فمعـربُ &&&  وإن كنـتُ بين المُعرِبين فمعجـم
فهو يعلن صراحة أنه عربي محض، ولا يستر ذلك. ولم يقتصر الاعتزاز بالعروبة على ذلك العالم الشاعر العربي، بل آمن بقدسيتها غير العرب مثل عبد الرحمن التركماني، جامع ديوان الشاعر الخال الطالوي (ت1117 هـ)، والذي يقول في مقدمته: (( ....وفضل العرب على العجم، إذ أنزل القرآن الكريم بلغتهم العظيمة، فيا لها من منقبة من الغفور الودود، وجعل أهل الفضل والأدب أمناء على لسان العرب)).
5. أثـرت اللغة العـربية في اللغة العثمانية، إذ أخذت منها كلمات كثيرة، كما حذا الشعراء العثمانيون حذو الشعراء العرب، وقلدوهم في منظوماتهم الشعرية في مختلف أنواعها. كما كتبت اللغة العثمانية بالحروف العربية، وجعلت قواعدها وعروضها طبقًا للقواعد العربية والعروض العربي، مع تغيير فرعي يسير، حتى صارت هذه اللغة مزيجًا من العربية والفارسية والتركية.
 
6. كما بـرز خطاطون مشهورون من الأتراك العثمانيين أمثال سامي أفندي، وكتبوا المصاحف بخط رائع، كما زخرفوا العمائر التركية بكتابات عربية رائعة معظمها من آيات القرآن الكريم.
7. هذا إضـافة إلى أن نصف عدد المخطوطات المحفوظة في المكتبات التركية، ومجموعها مائتان وخمسون ألف مخطوطة هي باللغة العربية
لقد أزاحـت اللغة العربية أمامها في أول انتشارها اللغات المحلية، التي كان يتحدث بها شعب مقدونيا وقوصوي، بحيث لم تمض فترة وجيزة على الفتوح، حتى صارت اللغة العربية اللغة العامة في البلاد التي تم فتحها. وذلك بسبب قدسية العربية وسيطرة النزعة الدينية على المسلمين حينئذ. فنرى عددًا كبيرًا من الألفاظ ذات أصول عربية النِّجار، في لغات هذه البلاد التركية والأوروبية.....
 
وهكذا يتضح تهاوي الزعم القائل بأن الحكام العثمانيين كانوا أعاجم لا يعرفون العربية، ولا يقدرونها، ولا يقدرون أهلها، لقد كانت حيةً موجودة في دنيا التأليف والإبداع والمشافهة، وأكبر دليل على ذلك كثرة الأدباء وتنوع اتجاهاتهم، وكثرة التآليف والمؤلفين في هذا العصر باللغة العربية، خصوصًا في مجال الموسعات والشروح والحواشي.
د/صبري أبوحسين
 

19 - مايو - 2008
معالم الأدب العربي في العصر المملوكي
دلائل حياة الأدب العربي في العصر العثماني    كن أول من يقيّم

دلائل حياة الأدب العربي في العصر العثماني
   في الفترة من بداية الخلافة العثمانية حتى النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري تقربياً
 
حقا ً: لم يمت الأدب العربي في هذا العصر موتًا تامًّا، كما خُيِّل لكثير من النقاد الذين قوموا هذا العصر تقويمًا عشوائيًّا، ونقدوه بمعايير نقدية حديثة أو مستحدثة، وهذا ـ بالطبع ـ لا يلائم طبيعة الأدب في أي عصر، وفي أي مكان،  فلكل عصر معايير نقده.
فالذين حكموا على أدب هذا العصر بالانحطاط والجمود والانحدار...، وما إلى ذلك من إطلاقات عامة، اعتمدوا في حكمهم على رؤية سريعة جزئية لأحوال العرب المظهر السياسي في بلاد الأناضول، وخُيِّل إليهم أن السلطان العثماني كان مرآة الأدب، والحقيقة غير ذلك لمن يكلف نفسه عناء البحث في مصادر هذا الأدب المطبوعة والمخطوطة، من مجاميع أدبية، ودواوين شعرية، ومصادر تاريخ وتراجم، تشمل المدة الزمانية والمساحة المكانية لهذه الفترة التاريخية من مسيرة حضارتنا العربية.
   لم يكن الخلفاء العثمانيون السبب في الموت والضعف الذي لحق الأدب العربي في أخريات العصر العثماني؛ ذلك لأنهم لم يتعصبوا ضد العرب والعروبة ،ولم يفرضوا التتريك كما زعم البعض.
ولعل تصفح بعض هذه المصادر يعطينا الدلائل الآتية على حياة الأدب العربي حينئذ غالباً. وهي:
 
كانت الحركة الأدبية هادئة، بعيدة ـ غالباً ـ عن بلاط السلاطين العثمانيين، مما أدى إلى تضاؤل ساحة النثر الديواني الرسمي المُسجع، و بسبب انتهاء دور ديوان الإنشاء ابتعد الكتاب عن النثر الديواني القائم على السجع والمحسنات واتجهوا نحو النثر الذاتي. وقد تطور النثر الفني الخالص بفنونه المتعددة من رسائل إخوانية، ومقامات، ورحلات، وفصول حِكْمية، والاتجاه نحو الأدب من تراجم شخصية، وأوصاف ذاتية، وتراجم غيرية ورحلات وتآليف وتاريخ، وزيادة الاهتمام بدوائر المعارف الكبرى ، في كثير من العلوم والفنون تقريبًا، لدرجة أن  بعض الدارسين بالغ قائلًا: كانت دولة الكتابة العربية هي الحاكمة الآمرة في كل صغيرة وكبيرة في حياة العربية حينئذ.
 
1-          سجلت مصادر التاريخ وكتب التراجم الأدبية في هذا العصر وجود مجالس أدبية كثيرة، تغص برواية الشعر وإنشاده ودراسته، والتباري فيه إبداعًا  ونقدًا .
2-          وكذلك سجلت كثرة بيئات الأدب وتنوعها، فلم تقتصر العناية بالأدب العربي في هذا العصر على الشام ومصر فقط، فقد حدثنا المؤرخون عن محاسن أدباء أهل الحجاز، والعراق والبحرين، واليمن، وعن مجالس نبغاء المغرب والهند وغيرهم. دون تفريق بين بلد وآخر.
 
3-          كما سجلت هذه المصادر ظهور الأسر الأدبية التي توارثت الأدب كابرًا عن كابر، خصوصًا في كتاب نفحة الريحانة للمحبي، ففيه حديث مفصل عن مشاهير العلم والأدب من الأسر ببلاد الشام مثل أسرة بيت حمزة، وبيت العماد، وبيت النابلسي، وبيت القاري، وبين المحبي.... الـــخ
فاستمر ينبوع الأدب في أصول هذه البيوت وفروعها من الجد إلى الأب إلى الحفيد، وكأننا أمام زهير بن أبي سلمى، ذلكم الشاعر الجاهلي الذي تأصل الشعر في أولاده وأحفاده، وغيره ممن ذكرهم ابن رشيق في عمدته.
 
5-  ظهور النزعة العربية وهيمنتها على النفوس عصرئذ، مما ساعد على دوام مسيرة الأدب العربي، إذ نجد الشمول في التأليف الأدبي عن حالة الأدب في كل البقاع العربية تقريبًا موجودًا في كتاب ريحانة الألبا للخفاجى(ت1069هـ)، ونفحة الريحانة للمحبي(1111هـ)، وهو شمول لا يكاد يوجد في الكتب التي تؤرخ للأدب العربي الحديث بشمولية.
وهذه النزعة الشمولية العربية، موجودة من قبل عند الثعالبي في يتيمة الدهر، والباخرزي في دمية القصر، والعماد الأصفهاني في خريدة القصر.
 
v  ظهور مجاميع أدبية مميزة في منهجها التأليفي، منها:
1- التراجم الأدبية: مثل ريحانة الخفاجى، ونفحة المحبي، وسلافة العصر لابن المعصوم.
2- الكتب النقدية: مثل الصبح المُنبي عن حيثية المتنبي، وأوج التحري عن حيثية أبي العلاء المعري، وهبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام ليوسف البديعي.
3- التراجم التاريخية: تراجم بعض أعيان دمشق لابن شاشو (ت 1118هـ)، ولطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر لنجم الدين الغزي ( ت 1061هـ)، وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبي( ت1111 هـ)، وسلك الدررفي أعيان القرن الثاني عشر للمرادي ( ت1206هـ)....الـخ.
4- الدواوين الشعرية:
منها المخطوط مثل ديوان المحبي، وديوان الخال الطالوي (ت 1117هـ)، ومنها المطبوع مثل ديوان الكيواني (ت 1173هـ)، وديوان ابن معتوق الموسوي (ت 1087هـ)، وديوان الأمير منجك ( ت 1076)، وديوان ابن النحاس (ت 1052)، وديوان ابن النقيب (ت 1081هـ).......الـخ.
 
ويحمد في هذا المقام جهد الدكتور عمر موسى باشا في كتابه الفريد:  تاريخ الأدب العربي في العصر العثماني، إذ يكاد يكون المرجع الحديث الوحيد الذي اتسم بشمول الرؤية في تحليل أدب هذا العصر، ذلك العصر الذي مازال محتاجًا إلى تكاتف جهود أبناء العروبة الباحثين لتقييم مطبوعاته ونشر مخطوطاته، حتى تكون أحكام الباحثين عليه سديدة.

19 - مايو - 2008
معالم الأدب العربي في العصر المملوكي
أعلام الأدب في العصر العثماني    كن أول من يقيّم

أعلام الأدب في العصر:
v  كثرة عدد الأدباء في هذا العصر كثرة يتعسر على البحث الفردي تتبع نتاجهم تتبعًا تحليليًّا عميقًا، وقد تنوعوا من حيث مذاهبهم في الإبداع، ففي الشعر نجد ابن النحاس الحلبي ( ت1052 هـ)،مؤمنًا بالطبع والأصالة الذاتية عند الشاعر، وحرصه على الشعر الجزل وتحاشي الإغراب والتنافر و التكلف، يقول:
 إنَّ خيرَ الكــلامِ ما كان جـزلاً     وأفـاد النفـوسَ ما يَعنيـها
   ولَقـدْرُ الفتى مع النـاس موقو        فٌ على قـدر قولةٍ يبديـها
   إنمـا المرء لفظـة من فم الدهـ      ــر إلى كلِ مِسْمَعٍ يلقيـها
وكذلك شأن الأمير منجك (ت 1032هـ)، الذي تميز مذهبه بمعانيه المبتكرة، والمفرغة في قالب الإجادة، حتى قال عنه المحبي ((..... فمن لفظ إذا سمعتَه قلتَ: كأن العرب استخلفتْه على لسانها، ومعنىً إذا تخيلتَه قلت: هذا للبراعة إنسانُ عينِها وعينُ إنسانها ))
وهذا ابن النقيب الحسني (ت 1081هـ) الذي كان صورة أصيلة عن الشاعر العربي في العصر العثماني، وفق القالب الرقيق المنسجم، وتميز في الحوار الشعري والمطارحات المسرحية والخيالية، والصورة البديعية.
وهذا ابن معتوق (ت 1087هـ) المعروف برومانسيته وبالتزام البعد عن الصور البيانية المعقدة، وعن تكلف الزخارف البديعية المختلفة.
وهذا الخال الطالوي ( ت 1117هـ) شاعر الطبع، والأسلوب الحواري والقصصي.
 وهذا عبد الغني النابلسي ( ت 1143هـ) الشاعر الزاهد المتصوف، الذي كان بشعره يغني، وكان صورة مشرقة للتصوف سلوكًا وإبداعًا.
وهذا الكيواني ( ت 1173هـ) الذي اتسم باتجاهه الذاتي وتوفيقه في التعبير عن مشاعر الاغتراب ومنحاه الإنساني...الـــــخ
 
 النُّثَّار:
1- بدر الدين الغزي (ت 984هـ) الذي يمثل نموذج  الكاتب العربي المسلح بكل أدوات الكتابة أحسن تمثيل علمًا وأدبًا ومنهجًا وسلوكًا.
2- المحبي ( ت 1111هـ) فهو الأديب والمؤرخ واللغوي الأدبي المتأنق، البارع في الكتابة بنوعيها، فله الأسلوب المسجع في كتابه نفحة الريحانة، والأسلوب المرسل العلمي في باقي تآليفه.....
وهذا يوسف البديعي ( ت 1073هـ) والذي يعد نموذجًا للناثر الناقد؛ فقد أحدث في هذا العصر حركة أدبية كبرى، لحرصه على بعث ذكرى الشعراء العباسيين الأعلام، وقد التزم الأسلوب الحر المطلق في مذهبه الفني وأشاعه عن طريق كتبه التي ألفها.
 
وهذا التهانوي ذو الأصل الهندي (ت بعد 1158هـ) صاحب موسعة ((كشاف اصطلاحات الفنون))، ذات القيمة العالية في الدراسة الحديثة للمصطلحات.
وهذا عبد القادر البغدادي ( ت 1093هـ) الذي برع في العلم والأدب صاحب موسعة ((خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب))، جمع فيها علوم الأدب واللغة ومنغلقاتها بأسرها إلا القليل، وهو صاحب الأسلوب المطبوع المثقف، والمزدحم بالذخائر العلمية.......الــــــخ.

19 - مايو - 2008
معالم الأدب العربي في العصر المملوكي
النُّثَّار:    كن أول من يقيّم

 النُّثَّار:
1- بدر الدين الغزي (ت 984هـ) الذي يمثل نموذج  الكاتب العربي المسلح بكل أدوات الكتابة أحسن تمثيل علمًا وأدبًا ومنهجًا وسلوكًا.
2- المحبي ( ت 1111هـ) فهو الأديب والمؤرخ واللغوي الأدبي المتأنق، البارع في الكتابة بنوعيها، فله الأسلوب المسجع في كتابه نفحة الريحانة، والأسلوب المرسل العلمي في باقي تآليفه.....
وهذا يوسف البديعي ( ت 1073هـ) والذي يعد نموذجًا للناثر الناقد؛ فقد أحدث في هذا العصر حركة أدبية كبرى، لحرصه على بعث ذكرى الشعراء العباسيين الأعلام، وقد التزم الأسلوب الحر المطلق في مذهبه الفني وأشاعه عن طريق كتبه التي ألفها.
 
وهذا التهانوي ذو الأصل الهندي (ت بعد 1158هـ) صاحب موسعة ((كشاف اصطلاحات الفنون))، ذات القيمة العالية في الدراسة الحديثة للمصطلحات.
وهذا عبد القادر البغدادي ( ت 1093هـ) الذي برع في العلم والأدب صاحب موسعة ((خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب))، جمع فيها علوم الأدب واللغة ومنغلقاتها بأسرها إلا القليل، وهو صاحب الأسلوب المطبوع المثقف، والمزدحم بالذخائر العلمية.......الــــــخ.
 
v  كان الانحسار السياسي عن الأدب في هذا العصر، سببًا في تطور فنون شعرية موروثة عن العصور السابقة ذات اتجاهات ذاتية واجتماعية وإنسانية، إضافة إلى المدائح النبوية والبديعيات والقصائد الصوفية، حتى بلغ التطور إلى وجود دواوين صوفية متخصصة، إضافة إلى هيامهم بالطبيعة، وإجادتهم وصفها.
 
ويكفي في الدلالة على ذلك قول ابن معتوق الموسوي:
            عَتْبي على هذا الزمـانُ مُطَـوَّل          يفضي إلى الإطناب شرحُ بيـانهِ
هيهـاتَ أن ألقاه وهْو مُسالـمى         إن الأديـب الحُـرَّ حـرب زمــانـهِ
فتلك صرخة ثائرة، تقرر وظيفة الأديب بهذه العبارة البليغة (( حرب زمانه)).
 
وقول ابن النحاس:
     إن رُمتَ تنظرُ فعلَ البينِ في جسدٍ             فـانظـر إليَّ  فإني ذلكَ الجســدُ
أنا الغريب الذي إن ماتَ في بلـدٍ               لم يرثـه غير جاري دمـعِـهِ أحدُ
   إذا بكى كتبتْ في الأرضِ أدمعُـه:            العشقُ لا ينقضي أو ينقضى الأبدُ
     يَنَُدَى الثرى من عظامي كلَّما بَلَيتْ          و لا يــزال علـيـه  يَنْـبُتُ  الكمـَـدُ
     عِلاقة ليَ بالشهـباء ما ذُكِرَتْ              إلا استفاضـت دمًا من مقلتي الكبـدُ
وقوله:   
آه ! ومن للغــريب في بلـــد   إن سغــب مســه وإن لغـبُ
أضحـك في أسـرتي وتشرفنـي     إذا خلـوا، عبرتي  وأنتحــبُ
فهذه صورة اجتماعية كافية معبرة ـ بحق ـ عن هذا النموذج البشري.
وهذا ابن النقيب يقدم رؤية نقدية للأنموذج المثالي للشعر عنده قائلاً:
الشعرُ ضربٌ من التصويرِ قد كَشَفت    منه القرائحُ عن شتى من الصورِ
فاعمَد إلى قالب لفظٍ  تدمِّــثـه وافـرِغْ بـه أيَّ مـعنىً شئتَ مبتكـرِ
فتلك رؤية عميقة، يكاد يكون وقف على أبرز عناصر النسيج الشعري في النقد الأدبي الثابت والوسطي، من صورة، وقالب، ومعنى مبتكر..
 
وهذا ابن النحاس يصور لنا صورة قبيحة من مجتمعه قائلاً:
من يدخـل الأفـيونَ بيـت لَهـاتِه       فليُلـق بين يديه نقدَ حـياته
لو يا بثيـن رأيت صـبَّكِ قبل مـا الـ    أفيـونُ أنحلـه وحلَّ بذاتـه            في مثل عمر البدر يرتع في رياض       الزَّهـر مثل الظبي في لفتاتـه
لرأيت شخـصَ الحسنِ في مرآتـه     ورفعتِ بدرَ التِّـمَّ عن عتباتـه
إنها صورة مأساوية قاتمة، إذ يتحول المتعاطي لهذه الخبائث من مرحلة الفتوة إلى مرحلة الشيخوخة، ومن الجمال والحركة إلى القبح والموات!!!
حتى لا تنخدع النفوس الضعيفة بها، فتهرب من منغصات الحياة إليها، فتخرج من ألم إلى آلام، ومن مر إلى أمرار.

19 - مايو - 2008
معالم الأدب العربي في العصر المملوكي
شكوى شاعر    كن أول من يقيّم

شكوى شاعر
 قال ابن معتوق الموسوي(شاعر عثماني):
عتبي على هذا الزمان مطول    يفضي إلى الإطناب شرح بيانه
هيهات أن ألقاه وهو مسالمي      إن الأديب الحُرَّ حربُ زمانه
وقال آخر:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه        وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة       وصير العالم النحرير زنديقا

19 - مايو - 2008
أسئلة في الثقافة
المبحث الثاني: نظريات دراسة الأدب ...    كن أول من يقيّم

المبحث الثاني: نظريات دراسة الأدب من الداخل عمقا( المضمون)
 
 (ويشمل النقد الوظيفي بما في ذلك نظرية النقد الأخلاقي  ومدرسة الإنسانية الجديدة، والنقد الإسلامي الجديد والنقد الموضوعاتي ...)
 
توطئة
 
لقد قلنا إن النظريات النقدية تنقسم إلى قسمين كبيرين ، ومذهبين واسعين، نظريات تنطلق من مبدأ طبيعة الأدب ونظريات تنطلق من مبدأ الوظيفة الأدبية ، ولاشك أن النظريات التي تنطلق من طبيعة الأدب ستنصب على ما به يكتسب الأدب أدبيته ، كما أن التي تنطلق من الوظيفة الأدبية، ستركز على الأثر الذي يحدثه الأديب في قرائه، دون أن تنسى أن القدرة على التأثير ترجع أساسا إلى صفات في طبيعة الأدب مما يجعل العلاقة بين دور الطبيعة والوظيفة متكاملين، بحيث "من يتقصى عما وضع له الأدب يسعى إلى إتمام استقصائه بالتحرك صوب الداخل باتجاه المركز ? ليسأل : ما هو الأدب ? ومن يتقصى عن ما هو الأدب يسعى إلى إتمام استقصائه بالتحرك صوب الخارج باتجاه شمول التجربة الإنسانية _ ليسأل: لأي شيء وضع الأدب ?  وتلك هي علاقة دياليكتيكية ولا بد أن تكون النتيجة تركيبا نقديا يمكن بواسطته أن نناقش في المحاورة نفسها وبعبارات متطابقة كلا من جوهر الأدب ووظيفته"[1] ومثل هذا النص نجد نصا آخر لفورستر يؤكد التلاحم بين النقد الاخلاقي والنقد الجمالي : "وإذا كانت هناك حاسة مطلقة في تاريخ النقد ابتداء من اليونان القديمة وحتى القرن الحالي فإنها تتمثل في نوعين من القيمة هما القيمة الجمالية والقيمة الأخلاقية وهما ممتزجتان امتزاجا لا يمكن الفصل بينهما"[2]
 
 
لاشك أن النقد الأخلاقي أكثر ارتباطا بالزمان والمكان ، فهو فعلا ابن بيئته، ولهذا بالضبط سنجد النقد الأخلاقي يختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر تبعا لعقيدة سائدة أو فلسفة مهيمنة أو سياسة متبعة التزاما أو مفروضة إلزاما، وعليه فإننا نجد في ذلك كامل المبررات للحديث عن نقد إسلامي في العالم الإسلامي وكما لا نستبعد أن يكون النقد الماركسي نقدا مشروعا في مجتمع هيمنت عليه في زمن معين فلسفة محدودة الأفق، فإننا لا نجد أي مانع من الحديث عن النقد الإسلامي الذي تمتد نظرياته في عمق النقد العربي القديم، والنقد العربي القديم كله كان نقدا إسلاميا في جوهره، من أول مؤلف فيه عند ابن سلام الجمحي الذي لم يخف اهتمامه بوظيفة الشعر فقال : "لو كان الشعر مثل ما وضع...ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل علم"[3] وقال : "وفي الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لاخير فيه ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج"[4] فقوله لا أدب يستفاد  معناه لا قيمة خلقية تتحقق منه، إلى غاية منهاج البلغاء وسراج الأدباء لحازم القرطاجني، ونحن سنشرع مبدئيا في الحديث عن النقد الأخلاقي عامة ثم نعرج على مدارسه وعلى رأسها طبعا وبكل اعتزاز نظرية النقد الإسلامي، هذا النقد الذي يكرس نظرية في الأدب والنقد تنطلق من نص ثابت عن الله سبحانه وتعالى، وهو أعلم يقينا بما به يصلح حال الحياة بما في ذلك فنها المعبر عن مشاعر الإنسان إزاء كل ما يحيط به.


[1] ـ غراهام هو: مقالة في النقد: ص 20 ـ 21
[2] ـ نورمان فورستر : الحكم الجمالي  والحكم الأخلاقي في النقد: 142/ ضمن مقالات في النقد الأأدبي: لإبراهيم حمادة
[3] ـ ابن سلام الجمحي : طبقات فحول الشعراء:4
[4] ـ نفسه :1

20 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المبحث الثاني: نظريات دراسة الأدب ...1    كن أول من يقيّم

1ـ نظرية منهج النقد  الأخلاقي عامة:
   لقد تميز الأدب خلال تطوره الطويل بالنفوذ المتزايد إلى عالم الناس الداخلي وإلى علاقاتهم بالعالم المحيط بهم، والعلاقات فيما بينهم، هذا هو الأدب اليوناني القديم كما يتجلى في إلياذة هوميروس، وقصيدة العرب في الجاهلية، وغير ذلك من الآداب، وهذا ما يسمح لأي ناقد بالقول: إن الموضوع الأساسي في تاريخ أي أدب هو الإنسان. فلقد كان الإنسان هو الموضوع الذي يشغل المساحة الكبرى في كل الإنتاج الأدبي، لأن كل ما يصوره الأدب من طبيعة وحيوانات وأشياء لا يكتسب معنى فكريا وفنيا إلا إذا نسب إلى حياة الناس وطبائعهم ومشاعرهم وإحساساتهم، ولكن الإنسان من حيث هو صانع تاريخ وحضارة فإن الأخلاق ستظل الأساس  في كل سلوكه. 
ونظرا إلى أن الأدب يتخذ من الإنسان موضوعه الرئيسي فإن النقد كان منذ نشأته يهتم بغاية الأدب و الأخلاق التي يدعو إليها . يقول والبرسكوت "من بين أنماط النقد التي تمارس اليوم ،يعد النقد الأخلاقي ـ بلا شك ـأطولها تاريخا ، فقد كان (أفلاطون) في جمهوريته المثالية مهتما بالتأثير الخلقي الذي يمكن أن يحدثه الشاعر ، كما أولى (هوراس) نفعية الشعر وجماله شأنا كبيرا، وكذلك أبدى نقاد عصر النهضة ـ القرن السادس عشر ـ اهتماما مشابها بعمل (فيليب سدني) وفي القرن الثامن عشر لم يتردد الدكتور (جونسون) الزعيم الكبير لمبدأ: الإدراك المشترك المدعم بالقدرة العقلية ـ في الحكم على المضمون الأخلاقي للمؤلفين الذين ناقشهم في كتابه " سير الشعواء " كما ناقش (ماثيو أرنولد) أهمية الجدية البعيدة المدى في الفن، كل هؤلاء يمثلون الألسنة الرسمية الهامة التي تؤمن إيمانا راسخا بأهمية الأدب لا بالطريقة التي يقال بها فحسب، ولكن بمضمون ما الذي يقوله أيضا"[1].
 ومنه ينتج أن النقد الأخلاقي هو الاتجاه النقدي الذي يعنى بالأثر الذي يتركه الأدب في المجتمع ، وفي نفسيات الأفراد وسلوكاتهم ووعيهم بصفة عامة، وأن " النظريات الخلقية هي تلك التي ترى أن الأدب جزء مساهم في فعالية فئة اجتماعية ثم تقيمه وتشرحه بالرجوع إلى تلك الفئة غير أن الفئة الاجتماعية جزء من كلية اجتماعية وعلى النظرية الخلقية إن وسعت تحليلها توسيعا كافيا أن تقيم الأدب وتشرحه بالرجوع إلى تلك الكلية الاجتماعية"[2] وعليه فالنقد الأخلاقي : هو مجموعة القواعد الأخلاقية الخاصة التي إذا استخدمها الناقد في دراسة النص الأدبي مكنته من الوقوف على الأثر الذي يحدثه النص في المتلقي باعتباره قدوة ونموذجا.
 وعلى هذا الأساس فإن النظرية الخلقية كانت " تنص على أن قانون الكمال الأدبي هو ذاته قانون الكمال للحياة ، فالأدب يرتب خير ترتيب بموجب المبادىء ذاتها التي تتحكم في بقية التجربة الإنسانية، غير أن كل فعالية إنسانية حالة خاصة، والأدب ليس أقل من غيره في هذا المقام، فكتابة عمل أدبي فعالية من نوع خاص، وقراءة عمل أدبي تجربة من نوع خاص، ولذلك فالمطلوب من النظرية الخلقية أن تبين كيف تنسجم الحالة الخاصة مع الهيكل العام، وكيف يتصل الأدب بمجمل الخبرة البشرية؟ ؟، وأبسط الأجوبة عن هذا التساؤل ـ هي أن الأدب قدوة فهو يزودنا بأمثلة من الفضائل يجب أن نضارعها، وأمثلة من الرذائل يجب أن نجانبها"[3]،ونستنتج من هذا الكلام المهم جدا أن الأدب رؤية للحياة معبر عنها فنيا فهي بذلك رؤية تقوم على اختيار عناصر من الحياة أكثر لفتا للانتباه لتكون نموذجا للمتلقي ولكن هذا النموذج إما أن يكون سلبيا وإما أن يكون إيجابيا لذلك تحتم طرح سؤال آخر مفاده: كيف تنسجم الرؤية الروائية أو الشعرية مع مبادئ الحياة؟  وعلى سبيل المثال كيف يمكن أن تنسجم رؤية نجيب الكيلاني التي يقدمها من خلال رواية ( ملكة العنب) مع الحياة في أعلى مستوياتها التي تمثل الفضيلة فيها  بمنتهى ما يطمح إليه البشر؟ هل استطاع أن ينجح في تكوين عالم فني يحاكي فيه عالم الواقع بفضيلته ورذيلته بحيث يخرج القارئ بانطباع طيب على ما تطرحه الرواية من نماذج بشرية لأساليب الحياة؟ ويمكن كذلك أن يفهم الأمر بالنسبة لمسرحية (أهل الكهف) لتوفيق الحكيم، ومثال ذلك شخصية يوسف عليه السلام في قصة يوسف في القرآن الكريم، أو في التوراة، وشخصية زليخة امرأة العزيز، وشخصيات إخوة يوسف.


[1] ـ ولبرسكوت : تعريفات بمداخل النقد الأدبي الخمسة ، ضمن كتاب مقالات في النقد لإبراهيم حمادة ص : 53
[2] ـغراهام هو: مقالة في النقد الأدبي : 41
[3] ـ مقالة في النقد الأدبي :34

20 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
 51  52  53  54  55