البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 49  50  51  52  53 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
قرطبي آخر6    كن أول من يقيّم

ووجدت على الأصل أيضا:بلغت المقابلة بالمبيضة و الحمد لله وحده وذلك على يد الفقير إلى مولاه،الغني به، أحمد بن عمر في العشر الأُوَل لمحرم سنة 617." انتهى كلام الناسخ.
أول شيء خطر ببالي بعدما و قفت على هذا النص أن أحمد بن عمر ربما كان هو المؤلف اعتباراً لعدة أمور. أولها أن المؤلف يرد على كتاب " تثليث الوحدانية" الذي بعث به إلى قرطبة أحد النصارى من مدينة طليطلة. فكان على المؤلف الإعلام قبل قيامه بإرسال الجواب إلى طليطلة أن يحتفظ لنفسه بنسخة من الإعلام مصححة و مقابلة على المبيضة، و يسجل اسمه(أحمد بن عمر) وتاريخ فراغه من مقابلتها على المبيضة(10محرم سنة 617هـ).
وهذا الفرع هو الذي قرأه أحمد بن يوسف السلاسي على المؤلف سنة 628 هـ
و ينتشر عنه الكتاب.
فهل هناك عالم قرطبي اسمه أحمد بن عمر عاش في القرن السابع و قام الدليل على أنه ألف كتاباً في الرد على النصارى يسمى الإعلام بما في دين النصارى من الفساد و الأوهام؟
ولما شرعت في البحث لفت انتباهي و أنا بمنزل صديقي مصطفى ناجي رحمه الله، كتاب تلخيص صحيح مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي(ت.656هـ). فظهر لي أولا تطابق اسمه و عصره وبلده الأصلي مع ما أبحث عنه, لذلك قمت أول الأمر بمقارنة أسلوب خطبة كتاب تلخيص صحيح مسلم بأسلوب مقدمة كتاب الإعلام، و وجدت بين الأسلوبين تشابهاًغريباً، فرجعت إلى كتب التراجم للبحث فيها عن ذكر لكتاب الإعلام في مصنفات أبي العباس القرطبي صاحب تلخيص كتاب مسلم، فلم أجد فيه على كثرتها شيئأً مما أملته.
بعد هذا قررت البحث عن ذكر لكتاب الإعلام في مصنفات أبي العباس القرطبي ووجدت الأمر كما حدست، إذ أحال على كتابه في الرد على النصارى في عدة مواضع من كتابه المفهم كما يجده القراء مفصلاً في مقال لي بالأسبانية نشر بمجلة القنطرة
 
*13-Oct-2006, 11:50 AM

16 - فبراير - 2008
من هو مؤلف هذا الكتاب !!!؟
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 21    كن أول من يقيّم

وإذا علم تفضيل النسب والحسب في باب النبوءة فهم في غيرها كذلك كالعلم والصلاح والهداية والزهد والورع والملك والنجدة والجود وغير ذلك من كل ما يحتسب به ويصير به من عرف به عيناً من أعيان عشيرته أو قبيلته أو عمارته أو بلده أو جيله ويشرف به من انتسب إليه، ولم يخل الله تعالى قوماً من سيد "كما لم يخل هجمة من فحل، وبسادة الناس" تنتظم أمورهم، فهم خلفاء الله في عباده بالحكم التصريفي، ولذلك إذا فقدوا أو فقدت الأهلية منهم اختل الأمر كما قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم         ولا سِراة إذا جهالـهـم سـادوا
الثالث: الإنسان قد يفتخر بنسبه على ما مرّ، وقد يفتخر بنفسه أي بالخصال التي اتصف بها والدرجات التي نالها من الدين والدنيا، والأول هو الفخر "العظامي لأنه افتخار بالعظام والرفات، والثاني هو الفخر" العصامي. وهو مأخوذ من عصام صاحب النعمان، وكان يقول:
نفس عصام سودت عصاما
وعلمته الكرّ والإقداما
فكل ما جاءه السؤدد من تلقاء نفسه فهو مثل عصام هذا، ففخره عصامي.
والناس لم يزالوا مختلفين في هذا المنحى فقوم يعتنون في افتخارهم أو ثنائهم بذكر الآباء كقوله:
أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي         أبوه منذر ماء السـمـاء
وقول النابغة: وهو قائلها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني، والبيتان فسرهما ابن السكيت فقال: "يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين المقبورين في هذين الموضعين ليمضي أمره وليمسن من حاربه بشر، وليلتمسه حيثما كان".
لئن كان للقبرين قبر بـجـلـق         وقبر بصيداء الذي عنده حارب
وللحارث الجفني سيد قـومـه                ليبتغين بالجيش دار المحـارب
وقول حسان رضي الله عنه:
أولاد جفنة حول قبـر أبـيهـم         قبر ابن مارية الكريم المفضل
وقول العرجي العثماني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا         ليوم كريهة وسِدادِ ثـغـر
كأني لم أكن فيهم وسـيطـاً           ولم تك نسبتي في آل عمرو
وقال الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلـهـم          إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
وقال النابغة لحسان رضي الله عنه حين أنشد:
لنا الجفنات الغُرّ يلمعنَ بالضحى            وأسيافنا يقطرن من نجدّةٍ دمما
ولدنا بني العنقاء وابن محـرق              فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابْنَما
إنك شاعر لولا أنك قلت: الجفنات فقللت العدد، ولو قلت: الجفان كان أبلغ، وقلت: يلمعن بالضحى ولو قلت: يشرقن بالدجى كان أبلغ، وقلت: يقطرن من نجدة ولو قلت: يجرين كان أبلغ، ثم افتخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فهذا مذهب العرب وهو الافتخار بالآباء، ولذا نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكرهه كما مرّ.
وقوم يفتخرون بأنفسهم، وهذا الوجه كثير أيضاً جداً، لأنه طبع الآدمي لا يكاد يسلم منه ولا يحصى ما فيه من كلام الناس نظماً ونثراً ولا حاجة إلى التطويل.
ومن أفصح ما ورد في هذا النحو قول السموأل في لاميته المشهورة منها:
إذا المرء لم يدنَس من اللؤم عرضُه                فكـل رداء يرتـديهِ جـمــيلُ
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها               فليس إلى حسن الثنـاء سـبـيل
تعـيرنـا أنـا قـلـيل عـديدنــا           فقلت لها: إن الـكـرام قـلـيل
وما ضر من كانت بقاياه مثـلـنـا             شباب تسامى للـعـلا وكـهـول
تسيل على حد الظبّات نفـوسـنـا             وليست على غير السيوف تسـيل
وإنا لقوم ما نرى الـقـتـل سُـبّة              إذا ما رأته عـامـر وسَـلـول
إلى أن قال:

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه22    كن أول من يقيّم

وننكر إن شئنا على الناس قولهم           ولا ينكرون القول حين نقـول
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم           وليس سواء عالـم وجـهـول
فإن بيني الديّان قُطْبٌ لقومـهـم              تدور رحاهم حولهم وتـجـول
ومثل هذا النمط من الكلام فيه افتخار بالنفس وبالآباء أيضاً لأن المقصود أنهم على هذا الوصف كابراً عن كابر وقول الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذّمار وإنمـا               يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وغير ذلك. ثم كثير من الناس لا يلتفتون إلى النسب ولا يقيمون للمفتخر به وزناً كما قال الحريري:
لعمرك ما الإنسان إلاّ ابن يومـه             على ما بدا من حاله لا ابن أمسه
 
وما الفخر بالعظم الرّميم وإنما              فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
وقال الآخر:
كن ابن من شئت واتخـذ أدبـاً                يغنيك محمدة عن النـسـب
إن الفتى من يقـول: هـأنـذا          ليس الفتى من يقول: كان أبي
إلى غير ذلك مما لا ينحصر.
والحق أن كرم النسب فضيلة قال تعالى: (وكان أبُوهُما صَالِحاً) وقال صلى الله عليه وسلم في بنت حاتم: "إنَّ أبَاهَا كَانَ يُحِب مَكَارِمَ الأخْلاق". ووصفُ الإنسان وسعيُه هو الشأنُ، والنسبُ زيادة، فإلغاء النسب رأساً جور، والاقتصار عليه عجز، والصواب ما قال عامر بن الطفيل:
وإني وإن كنت ابن سـيد عـامـر             وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عـامـر مـن وراثة              أبى الله أن أسـمـو بـأم ولا أب
ولكنني أحمي حمـاهـا وأتّـقـي               أذاها وأرمي من رماها بمنكبـي
فقوله: "وإن كنت ابن سيد عامر" تعريض بالنسب وإعلام بمكانته منه، وقوله: "أبى الله أن أسمو بأم ولا أب أي فقط دون شيء يكون مني ليوافق ما قبله فمراده أني لا أكتفي بالنسب وأخلو عن استحصال الحمد وابتناء المجد.
ومثله:
لسنا وإن أحسابُنا كرمـت            يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانـت أوائلـنـا              تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقال الآخر:
أنا الفارس الحامي حقـيقة وائل             كما كان يحمي عن حقائقها أبي
وقال زهير:
وما يكُ من خير أتوه فإنـمـا         توارثه آباء آبائهـم قـبـل
وهل يُنبتُ الخطِّيُّ إلاّ وشيجه                وتغرس إلاّ في منابتها النخل
وقال الملك الراضي من ملوك بني العباس:
لا تعذلي كرمي على الإسراف               ربح المحامد متجر الأشراف
أجري كآبائي الخلائف سابقـاً                وأشيد ما قد أسَّسَتْ أسلافـي
إني من القوم الذين أكـفّـهـم         معتادة الإخلاف والإتـلاف
فهذا وأبيك الفخر العلي البنيان، المتأسس الأركان.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه23    كن أول من يقيّم

واعلم أن الناس في هذا الباب ثلاثة: رجل كان أصيلاً ثم قام هو أيضاً يشيد بنيانه ويحوط بستانه، كالذي قبله، فهذا أكرم الناس وأولاهم بكل مفخر، وفيه كان قوله صلى الله عليه وسلم: "الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ" كما مرّ، والذروة العليا في هذا الصنف هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أصيلاً بحسب النبوءة من عهد إبراهيم وإسماعيل، ثم لم تزل أسلافه في شرف وسؤدد، ومجد مخلد، معروفاً ذلك لهم عند الناس، وأنهم أهل الحرم، وجيران الله، وسَدَنَةُ بيته، مع إكرام الضيف، وإعمال السيف، وغير ذلك من المفاخر العظام، والمآثر الجسام، وقد اختصهم الله بين العرب بالاحترام والتوقير، وجعل لهم رحلة الشتاء والصيف آمنين لا يعرض لهم لص ولا مغير، فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف كما أخبر به تعالى في كتابه، وذكر ذلك بعض بني أسد فقال:
زعمتهم أن اخوتكم قـريش          لهم إلف وليس لكـم إلافُ
أولئك آمنوا جوعاً وخـوفـاً           وقد جاعت بنو أسد وخافوا
أي أخطأتم في هذا الزعم، لأنكم لستم مثلهم، وقولهم: إلاف مصدر على فعال، يقال آلفته مؤالفة وإلافاً وتآلفاً، وليس من آلفته الشيء إيلافاً كالذي في القرآن.
ثم لما جاء المصطفى صلى الله عليه وسلم رد بدر شرفهم فجراً، وجدول كرمتهم بحراً، بل جعلهم قرار كل مجد، ومركز كل حمد، وقد أكمل به الله تعالى الدين، فكذلك أكمل به سائر المحامد والمحاسن، قال صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ لأتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلاقِ" وهو صلى الله عليه وسلم لبنة التمام، فشرفت به قريش خصوصاً والملة كلها عموماً صلى الله عليه وسلم، ومجد وعظم، وقد بين صلى الله عليه وسلم هذا كله مع الإشارة إلى التدريج السابق بقوله: "إنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ ولدِ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى مِنْ ولدِ إسْمَاعِيلَ بَني كِنَانَةَ، واصْطَفَى مِنْ بَنِي كنَانَةَ قُرَيْشاً، واصْطَفَى منْ قُرَيْشٍ بَني هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي منْ بَني هَاشِمٍ".
ورجل لا أصل له ينتمي إليه، ولا حسب يُعَرِّجُ عليه، ولكن انتهض في اقتناء المآثر، واقتناص المفاخر، حتى اشتهر بمحاسن الخلال، وصار في عداد أهل الكمال، وأنشد لسان حاله فقال:
وبنفسي شرفت لا جدودي
فهذا أحرى أن يشرف بوصفه وحاله، وأن يشرف به من بعده، وأن يكون هو أساس بيته، وعرق شجرته.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه24    كن أول من يقيّم

وكان بعض الملوك استدعى رجل ليستوزره، فقال له الرجل: أيها الملك إنه ليس لي في هذا سلف، فقال له الملك: إني أريد أن أجعلك سلفاً لغيرك، وأصاب هذا الملك، فإنه لو توقف كل بيت على بيت قبله لكان من التسلسل الباطل، فالله تعالى يخرج الحي من الميت ويحيي الأرض بعد موتها، ذلك تقدير العزيز العليم، فلم يزل الشرف يتجدد ويحدث بالعلم والولاية والجود وسائر الأوصاف.
وقد ارتفع الوضعاء بالشعر كما اتضع الرفعاء به، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ منَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةٌ" وفي رواية: "لَحُكْماً".
فمن الأول: المُحَلَّقُ وهو عبد العزيز بن حنتم الكلابي، وكان رجلاً خاملاً مُقَّلاً من المال، فلما مر به الأعشى ذاهباً إلى سوق عُكاظ قالت له أمه: إن أبا بصير رجل مجدود في شعره، وأنت رجل خامل مقل، ولك بنات، فلو سبقت إليه وأكرمته رجونا أن يكون لك منه خير، فبادر إليه وأنزله ونحر له وسقاه الخمر، فلما أخذت منه الخمر اشتكى له حاله وحال بناته، فقال له ستكفي أمرهن، فلما أصبح قصد إلى السوق فأنشد قصيدته التي أولها:
أرقت وما هذا السهاد المـؤرق              وما بي من سقم وما بي معشق
إلى أن انتهى فيها إلى قوله في المُحلَّق:
نفى الذمَّ عن آل المُحلَّـق جـفـنةٌ             كجابية السيح العراقي تـفـهـق
ترى القوم فيها شارعين وبـينـهـم          مع القوم ولدان مع النـاس دردق
لعمري لقد لاحت عـيون كـثـيرة             إلى ضوء نار في يفاع تـحـرق
تشب لمقرورين يصـطـلـيانـهـا               وبات على النار الندى والمحـلَّـق
وضيعَيْ لبان ثـدي أم تـحـالـفـا              بأسحم داج عَوْضُ لا نـتـفـرق
ترى الجود يجري سائراً فوق جمره                كما زان متن الهندوانـي رونـق
فما أتم القصيدة إلاّ والناس يسعون إلى المحَلَّق يهنونه، والأشراف يتسابقون إلى بناته، فما باتت واحدة منهن إلاّ في عصمة رجل أفضل من أبيها بكثير.
ومن ذلك بنو أنف الناقة، كانوا يتأذون بهذا الاسم ويكرهون ذكره، حتى تعرض بعضهم للحطيئة فأكرمه فمدحهم، وقلب الاسم مدحاً، وفي ذلك يقول:
سيري أمامُ فإن الأكثرين حصـاً              والأكرمين إذا ما ينسبـونَ أبـا
قوم إذا عقدوا عقداً لـجـارهـم                شاءوا العناج وشدوا فوقه الكَرَبا
أولئك الأنف والأذناب غـيرهـم               ومن يسوي بأنف الناقة الذنـبـا
فصاروا يفتخرون به ويتبجحون بذكره، فهذا كله شرف متجدد بسبب من الأسباب، وقد يزداد الشريف شرفاً بذلك كما وقع لهرم بن سنان المري فإنه كان من سادات قومه، ولكن أخوه خارجة بن سنان أسود منه وأشهر، فلما وقع لزهير من المدائح ما وقع في هرم ازداد شرفاً وشهرة حتى فاق أخاه في ذلك، بل لا يكاد اليوم أخوه يذكر، إلى غير هذا مما يكثر.
ومن الثاني بنو نمير، كانوا من جمرات العرب المستغنين بقوتهم وعددهم عن طلب حلف، وكانوا يفتخرون بهذا الاسم ويمدون به أصواتهم إذا سئلوا، إلى أن هجا جرير عبيد بن حصين الراعي منهم بقصيدته التي يقول فيها مخاطباً له:
فغضَّ الطرف إنك من نمير          فلا كعباً بلغت ولا كلابـا
ولو وضعت شيوخ بني نمير                على الميزان ما عدلت ذبابا
فسقطوا ولم يرفعوا بعد ذلك رأساً، حتى كانوا لا يتسمون بهذا الاسم، فإذا قيل للواحد منهم من أنت؟ قال: عامريّ.
ومن أظرف ما وقع في ذلك أن امرأة مرت بقوم منهم فجعلوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فالتفتت إليهم وقالت: قبحكم الله بني نمير، ما امتثلتم أمر الله إذ يقول: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا منْ أبْصَارِهِمْ) ولا قول جرير إذ يقول:
فغضَّ الطرف إنك من نمير *....

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه25    كن أول من يقيّم

ومن ذلك بنو العجلان، كانوا يتفاخرون بهذا الاسم لأن جدهم إنما قيل له العجلان لتعجيله القرى للضيفان حتى هجاهم النجاشي فقلب الاسم ذماً، وفي ذلك يقول:
قُبَـيِّلَة لا يخـفــرون بـــذمة           ولا يظلمون الناس حَـبّة خـردل
ولا يردون الـمـاء إلاّ عـشــية                إذا صدر الوُرَّاد عن كلِّ منـهـل
تعاف الكلاب الضاريات لحومـهـم           وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
وما سمي العجلانَ إلاّ لـقـولـهـم             خذ القَعْبَ واحلب أيها العبد واعجل
 
فتنكروا من هذا الاسم، وجعل الواحد منهم إذا سئل يقول: كعبي مخافة أن يسخر منه ولهم معه في ذلك قصة مشهورة بين يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثم قد يفيض شرف الإنسان حتى يستطيل على من قبله من سلفه فتَحْيا رسومهم بعدما كانت دائرة، وتعمر ربوعهم بعدما كانت غامرة، والذروة العليا أيضاً فيمن عاد شرفه على من قبله هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما مرّ شرحه.
وقد أشار إليه ابن الرومي بقوله:
قالوا: أبو الصقر من شيبان قلت لهم               كلاّ لعمري ولكن منـه شـيبـان
تسمـو الـرجـال بـآبـاءٍ وآونَةٍ                تسمو الرجال بأبـنـاءٍ وتَـزْدان
وكم أبٍ قد علا بابن ذُرى حسـب            كما علت برسول اللـه عـدنـان
وادعى هذا الوصف أبو الطيب فقال:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي              وبنفسي افتخرت لا بحدودي
أما شرفه هو في بابه فلا ينكر، وأما شرف قومه به فالشعر أعذبه أكذبه، وإلاّ فالحكم على الشيء فرع تصوره، نعم، كان من عادة العرب أنه إذا نبغ شاعر في قوم اعتزوا به، واحتموا عن الشعراء، فلو تحقق لأبي الطيب قوم لكانوا كذلك.
ورجل له أصل وقديم شرفٍ ثم لم يبنه ولم يجدده، وهو إما أن تخفى عوامله فلم يبن ولم يهدم، مع أنه بالحقيقة من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمراد أن يرجع إلى غمار الناس فلا يحدد المآثر، ولا يخرج إلى المعايب، فهذا لا فضيلة له إلاّ مجرد النسب والفخر العظاميّ كما مر، وإما أن يهدمه بملابسة ضد ما كان أولاً، فهذا بمنزلة من هدم الدار ثم حفر البقعة أيضاً فأفسدها، فهذا مذموم بما جنى على نفسه وبما جنى على حسبه ونسبه والذروة العليا في هذا الصنف اليهود والنصارى ونحوهم، فقد هدموا أنسابهم وأحسابهم بشر الخصال، وهو الكفر، نسأل الله العافية.
ومن هذا النمط من يخلف آباءه الصالحين بالفسق وكثرة الرغبة في الدنيا والكبر والدعوى وغير ذلك من القبائح كما هو شأن كثير من أولاد الصالحين في زماننا نسأل الله العافية، وفي هذا الصنف قيل:
لئن فخرت بآباء لهـم شـرف         لقد فخرت ولكن بئس ما ولدوا
وقال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافـهـم               وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب
وقال الآخر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهـم               والمنكرون لكل أمر منكـر
وبقيت في خَلْفٍ يزيِّن بعضُهم               بعضاً ليست مُعْوِرٌ عن مُعْوِرِ

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 26    كن أول من يقيّم

الرابع- قد يقال فيما ذكرناه من النسب: إنه من النسب الطويل وهو عيب ويذم بضده وهو النسب القصير قال الشاعر:
أنتم بنو القصير، وطولـكـم          باد على الكبراء والأشراف
والنسب القصير هو أن يقول: أنا فلان ابن فلان، فيعرف لكون أبيه أو جده الأدنى من الأعيان، والطويل هو ألاّ يعرف إلى رأس القبيلة.
والجواب أولاً أننا لم نذكر النسب افتخاراً حتى يعرض على هذا المقياس، وإنما ذكرناه لاحتياج إليه في المصالح الدينية والدنيوية عند أهله وثانياً أن كون الإنسان من الأعيان أمر إضافي كما مرّ أنه قد يكون من أعيان عشيرته أو قومه وهو الأغلب، وقد يكون من أعيان عمارته أو إقليمه أو جيله، وهو عزيز الوجود، ولا شك أن شرف الإنسان واشتهاره باعتبار عشيرته أو قومه إنما يعرف فيهم ولا يضيره ألاّ يعرفه غيرهم، لأن سادات العرب لا يعرفهم العجم، ولا العكس، وكذا فيما بين العرب غالباً، وقال الشاعر:
طويل النجاد رفيع العما              د ساد عشيرته أمردا
وقال الآخر:
ليس العبيّ بسيد في قومه           لكنّ سيد قومه المتغابي
ولم يخرج عن هذه الإضافة الملوك كما قال النابغة:
وللحارث الجفنيّ سيد قومـه         ليبتغين بالجيش دار المحارب
وقالت هند بنت عتبة رضي الله عنها لمن قال لها في ابنها معاوية رضي الله عنه: أرجو أن يسود قومه: ثكلته إن كان لا يسود إلاّ قومه، وذلك أنها سمعت قبل ذلك من الكهان أنها تلد ملكاً اسمه معاوية في قصة مشهورة.
إذا تقرر هذا فالمنتسب معروف النسب قصيره، بحمد الله في قومه، وهو من صميمهم، وإنما رفعه ليعرف على ما تشعب عنه من الفصائل والبطون، وليعرف انقطاعه عند دخول القرى وغير ذلك من الفوائد التي مرت.
وأما ذكري لما مرّ من الكنى فلجريانها على ألسنة فضلاء مع التفاؤل ورجاء تحقق ما له معنى منها.
 
 
أما أبو علي، وهو كنية الحسن المشهورة، فكناني بها شيخ الإسلام الإمام الهمام أستاذنا وقدوتنا أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي رضي الله عنه وعنا به.
وكنت وردت عليه في أعوام الستين والألف بقصد أخذ العلم، فامتدحته بقصيدة قدمتها بين يدي نجواني، فانبسط إليّ بحمد الله، وافتتحنا بكتاب التسهيل فلما قرأنا الخطبة دخل مسروراً فكتب إليّ:
أبا علي جزيت الخير والنعـمـا               ونلت كل المنى من ربنا قسمـا
يا مرحباً بك كل الرحب لا برحت            قرائح الفكر منك تجني حكمـا
ولم أزل بحمد الله أتعرف بركة دعائه وإقبال قلبه إلى الآن، نسأل الله تعالى أن لا يزايلنا فضله ورحمته حتى نلقاه آمين.
وقال ابن عمنا الفاضل البارع أبو سعيد عثمان بن علي اليوسي رحمه الله من أبيات:
نمسي عشية قيل مرّ أبو علي               مثل الرياح إذا تمرّ بأَثْـأَبِ
ولم يزل الشيخ رضي الله عنه يأمرني بذلك إلى أن توفاه الله في رسائله ومخاطبته وعند ذكري.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه27    كن أول من يقيّم

وأما البواقي فكناني بها فضلاء من الإخوان في رسائلهم: ونحوت في ذلك منحى السيد خير النساج وكان اسمه محمد بن إسماعيل، فلما وقعت عليه المحنة وألقي عليه شُبه خير مملوك لرجل نساج فقبض عليه وأدخله ينسج ويخاطبه بهذا الاسم، فلما كشفت عنه المحنة وخرج ترك هذا لاسم على نفسه، فقيل له: ألا ترجع إلى اسمك؟ فقال: ما كنت لأغير أو لأترك اسماً سماني به رجل مسلم.
واعلم أن لهذا السيد في التزام هذا الاسم المذكور أوجهاً منها: أنه تسليم لأنه شاهد فعل الله تعالى، فلما ألقى الله تعالى عليه الاسم لم يبق له اختيار في التعرض له.
ومنها: أنه يستشعر من مولاه تعالى أنه أدبه بجعله عبداً مملوكاً وتسميته باسمه، وضربة المحبوب تستلذ. ومنها: أنه يتذكر العبودية وذلتها، وهذه الطائفة قد صارت الذلة شرابهم ونعيمهم.
ومنها: أنه يذكر به العقوبة فيذكر الهفوة ليتحرر منها.
ومنها: أنه يبقى عليه الاسم ليبقى عليه ذكر الهفوة والعقوبة هضماً لنفسه وإرغاماً لها.
ومنها: التفاؤل بهذا اللفظ فإنه على أصله، وهو ضد الشر، وعلى أنه مخفف من التشديد فهو ذو الخير، وكيف أترك أنا كنية كناني به رجل من أفاضل المسلمين ولا سيما إن تضمنت معنى حسناً.
لله الأمر من قبل ومن بعد
رؤيا والد المؤلف ودعوة أستاذه
ولما كان القصد في هذا الموضوع إلى ذكر المحاضرات بنوادر الفوائد مما اتفق لي خصوصاً أو لغيري عموماً وجب أن ينخرط في سلك ذلك ما وقع في شأني حال الولادة لأنه أول الرحلة إلى هذه الدار مع ما انضاف إليه مما يكون له مصداقاً أو يرجى خيره ويذكر على وجه التبرك والتفاؤل أو التحدث بالنعم، وفيه مسرة المحب ومساءة البغيض فأقول: إني أرجو أن أكون إن شاء الله تعالى رؤيا والدي ودعوة أستاذي؛ أما رؤيا الوالد فاعلم أن أبي مع كونه رجلاً أمياً كان رجلاً متديناً مخالطاً لأهل الخير محباً للصالحين زَوّاراً لهم، وكان أُعْطِيَ الرؤيا الصادقة وأعطي عبارتَها، فيرى الرؤيا ويعبرها لنفسه، فتجيء كَفَلَقِ الصبح، وكان مما رأى وتواتر الحديث به عنه في العشيرة رحمه الله أن قال: رأيت عينيْ ماء إحداهما لي، والآخر لعلي بن عثمان، وهو والد ابن عمنا الأديب البارع أبي سعيد عثمان بن علي رحمه الله، غير أن عين علي كنا نسقي بها في بلدنا وعيني خرجت إلى ناحية أخرى.
وزعموا أنه قال: وكانت العين التي هي لي أقوى ماء وأكثر فيضاً ثم فسر ذلك بمولودين ينتفع بهما.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه28    كن أول من يقيّم

 فولد أبو سعيد المذكور فانتفع ونفع حتى مات رحمه الله، وظهر أنه العين المذكورة لأبيه، وولدت أنا أيضاً، وقد كان لي أخوان أسن مني فماتا أميين رحمهما الله، فأرجو أن أكون تلك العين، وقد اتفق خروجي عن البلد كما قال رحمه الله، وكنت بعد ذلك حين ارتحلت في طلب العلم إلى ناحية السوس الأقصى غيبت عن الوالد رحمه الله أعواماً لا يدري أين أنا؟ فلما قفلت حدثني رحمه الله فقال: لما ضقنا من غيبتك رأيت كأن الناس يتجارون خلف فرس أشقر ليقبضوه، فجئت إليه أنا فأمسكته بلجامه، فلما استيقظت قلت للناس: إن الحسن ابني سيأتي وأجتمع به فكان ذلك، والفرس الأشهب عند المعبرين اشتهار بشرف وذكر، وقد حصل لي ذلك بحمد الله، نسأل الله سبحانه أن يكمل ذلك لنا وله ولسائر الأحباب بالفوز يوم الحشر والرضوان الأكبر، بجاه نبيّه المصطفى المبعوث إلى الأسود والأحمر، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه المجلين في كل مفخر.
وأما دعوة أستاذي، وهو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر، رحمه الله تعالى ورضي عنه، فهي تلك بعينها، وكان من حديثي معه في ذلك أنه لما تهيأ للتشريق في حجته الثانية أرسل إلي في حاجة أقضيها له مما يتعلق بسفره ذلك، وأنا إذ ذاك بالزاوية البكرية، فقضيت ذلك بحمد الله وسافرت به إليه حتى بلغته، فلقيني بترحيب، ورأيت منه بحمد الله إقبالاً خارجاً عن المعتاد حتى إنه متى ذكرت ذلك إلى اليوم يغشاني خجل وإشفاق على نفسي، وأقمت معه حتى شيعته لوجهته إلى أن جاوزنا سجلماسة بمرحلة، فرجعت إلى داري، ولما كنت ببعض الطريق ألهمت الدعاء له فاتخذت الدعاء له بعد أوراد الصبح وردا، فلما قفل من الحج ذهبنا إليه لنسلم عليه، فخلوت به يوماً وجعلت أطلب منه وأطلب، فقال لي رحمه الله: أما الدعاء فإني في سفرتي هذه ما دخلت مقاماً ولا مزارة، ولا توجهت إلى الدعاء لأحد إلاّ جاء بك الله تعالى في لساني أولاً، ثم لا أدعو لك إلاّ بهذا الدعاء: اللهم اجعله عيناً يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، قال: حتى كنت أتعجب في نفسي وأقول: سبحان الله! بماذا استحق هذا الرجل هذا؟ ولمل صنفت القصيدة الدالية في مدحه وتهنئته بالحج أدخلها إليه ولده الفقيه الناسك الفاضل أبو محمد عبد الله بن محمد فخرج إلي وقال: يقول لك الشيخ: جعلك الله عيناً يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، وشمساً يستضيء بها أهل المشرق وأهل المغرب، وهذا اللفظ يحتمل الدعاء والخير، نسأل الله تعالى أن يحقق لنا نحن وللمسلمين ذلك آمين.
ومن هذا ما كلمه جماعة من فقراء العرب وأنا حاضر معهم فقال لهم يشير إليّ هذا شمسكم، هذا ضوءكم، وهذا كله أصرح مما حكى تاج الدين بن عطاء الله عن شيخه القطب العارف أبي العباس المرسي رضي الله عنهما قال: جاء الشيخ مرة من سفر، فلقيناه فدعا لي وقال: فعل الله لك وفعل، وبهاك بين خلقه قال: ففهمت يعني من قوله وبهاك بين خلقه أني مراد بالظهور إلى الخلق.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه29    كن أول من يقيّم

وأعلم أن مواطأة دعوة الشيخ رضي الله عنه لرؤيا الوالد، مع كونه لم يحضر لذلك ولم ينقل إليه، من عجيب الاتفاق. قد ذكرت هنا ما وقع في الحديث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له: يا رسول الله عليه أخبرنا عنك فقال لهم: "أنا دعوة أبي إبراهيم عليه السلام، ورؤيا أمي".
تنبه أيها الناظر، فإياك أن يختلج بفهمك، أو يخطر بوهمك، أني أنزع بهذه الحكاية قصداً إلى المحاكاة، معاذ الله، فإن درجات الأنبياء لا تنبغي لغيرهم، ولا يصل أحد إلى مزاحمتها، فكيف بسيد الأنبياء؟ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وعلى آله وعلى آل كل ثم إياك أيضاً أن تتوهم أن لا نسبة ولا نسب ولا شبهة ولا شبه فتقع في الغلو من الطرف الآخر، وقد قال صلى الله عليه وسلم "خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا" ولا بد لهذا من تقرير فنقول: 
إن الله جل اسمه، وهو الذي لا مثل له ولا نظير، ولا شبه ولا وزير، قد شرع لعباده التعلق بأسمائه الحسنى، ثم شرع لهم أيضاً التخلق بها في الجملة حتى إذا علمنا مثلاً أن الله تعالى حليم انتهض العبد في التحلي بالحلم فيكون حليماً، كذا إذا علمنا أنه تعالى عليم أو وهاب أو صبور أو شكور انتهض العبد في الاتصاف بالعلم وبالجود وهكذا حتى يكون عليماً وهاباً ومعلوم أن حلم العبد ليس كحلم الله وهكذا، ولكن له به نسبة هي توجب قرب العبد من الله تعالى في المعنى ومن هذا حديث "خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلىّ صُورَتِهِ" أي خلقه حيّاً عالماً قديراً، وليس كالجمادات والحيوانات العجماوات، وبهذا تأهل لأن يكون عبد الحضرة دونها.
ثم إن العباد المختارين يرضون لرضى الله، ويغضبون لغضبه، ويشتدون لأجله، ويلينون لأجله، وهكذا في سائر الأحوال و الأفعال، قال تعالى في أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم: (أشدّاءُ عّلى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وقال أيضاً: (أذِلّةٍ عَلى المُؤمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلىَ الكَافِرِينَ) وهو مسايرة ومشايعة في الأفعال والأحوال، وذلك شأن عبيد الملك، وإذا كان هذا في حق الله تعالى ففي حق الأنبياء أقرب وأيسر، فلا إشكال في صحة تعاطي أوصافهم وأخلاقهم وأفعالهم وسائر أحوالهم وإن لم تكن في ذلك مشابهة ولا مزاحمة للنبوءة، بل اتباع واقتباس وشبه توجب لصاحبها أيضاً القرب منهم، ولهذا قيل في الوارث: إنه من كان على قدم النبي صلى الله عليه وسلم أي متحققاً في الاقتداء به قولاً وفعلاً وحالاً، وقال صلى الله عليه وسلم: "الرُّؤْيّا الصالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَةٍ وترجمة ابن الجوزي أرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوءةِ" فقد علم من لفظ الحديث أن الرؤيا الواقعة من غير النبي لعموم لفظ الصالح قد أخذت بنسبة من النبوءة، فهي منها غير أنه لقلة النسبة لا تقع بها مزاحمة، وقال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: مثل ما أعطي الأنبياء مثل زق مملوء ماء أو عسلاً، ومثال ما أعطي الأولياء كلهم مثال قطرات تقطر من ذلك الزق، فانظر في هذا المثال فإن القطرات هي من ماهية ما في الزق قطعاً، ولكنها لقلتها جدّاً لا تقع بها مزاحمة، ولم يزل أهل الدين من العلماء العاملين والمجاهدين السالكين والواصلين العارفين يأخذون أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم من أحوال الأنبياء عموماً وحال نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصاً، وهذا هو الشأن كله.
وقد يقع لهم مما هو في معنى الاقتباس والإشارة والتمثيل ما يزيد على هذا كما قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه لأبي عمران موسى ابن يدراسن الحلاّج حين توجه إليه: "فإن أمن العرب" فأنت موسى وأنا شعيب، وإن موسى لما بلغ شعيباً أمن.
ومن هذا ما وقع له رضي الله عنه في القرآن وقد دخل عليه رجل من أهل الإنكار والمصحف بين يديه فقال للرجل: ارفع المصحف وافتحه وانظر إلى أول ورقة منه فإذا فيها: (الّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ).
ومن هذا النمط كان رضي الله عنه يقول: لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
 49  50  51  52  53