محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 21 كن أول من يقيّم
وإذا علم تفضيل النسب والحسب في باب النبوءة فهم في غيرها كذلك كالعلم والصلاح والهداية والزهد والورع والملك والنجدة والجود وغير ذلك من كل ما يحتسب به ويصير به من عرف به عيناً من أعيان عشيرته أو قبيلته أو عمارته أو بلده أو جيله ويشرف به من انتسب إليه، ولم يخل الله تعالى قوماً من سيد "كما لم يخل هجمة من فحل، وبسادة الناس" تنتظم أمورهم، فهم خلفاء الله في عباده بالحكم التصريفي، ولذلك إذا فقدوا أو فقدت الأهلية منهم اختل الأمر كما قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سِراة إذا جهالـهـم سـادوا الثالث: الإنسان قد يفتخر بنسبه على ما مرّ، وقد يفتخر بنفسه أي بالخصال التي اتصف بها والدرجات التي نالها من الدين والدنيا، والأول هو الفخر "العظامي لأنه افتخار بالعظام والرفات، والثاني هو الفخر" العصامي. وهو مأخوذ من عصام صاحب النعمان، وكان يقول: نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكرّ والإقداما فكل ما جاءه السؤدد من تلقاء نفسه فهو مثل عصام هذا، ففخره عصامي. والناس لم يزالوا مختلفين في هذا المنحى فقوم يعتنون في افتخارهم أو ثنائهم بذكر الآباء كقوله: أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي أبوه منذر ماء السـمـاء وقول النابغة: وهو قائلها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني، والبيتان فسرهما ابن السكيت فقال: "يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين المقبورين في هذين الموضعين ليمضي أمره وليمسن من حاربه بشر، وليلتمسه حيثما كان". لئن كان للقبرين قبر بـجـلـق وقبر بصيداء الذي عنده حارب وللحارث الجفني سيد قـومـه ليبتغين بالجيش دار المحـارب وقول حسان رضي الله عنه: أولاد جفنة حول قبـر أبـيهـم قبر ابن مارية الكريم المفضل وقول العرجي العثماني: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسِدادِ ثـغـر كأني لم أكن فيهم وسـيطـاً ولم تك نسبتي في آل عمرو وقال الفرزدق: أولئك آبائي فجئني بمثلـهـم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ وقال النابغة لحسان رضي الله عنه حين أنشد: لنا الجفنات الغُرّ يلمعنَ بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدّةٍ دمما ولدنا بني العنقاء وابن محـرق فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابْنَما إنك شاعر لولا أنك قلت: الجفنات فقللت العدد، ولو قلت: الجفان كان أبلغ، وقلت: يلمعن بالضحى ولو قلت: يشرقن بالدجى كان أبلغ، وقلت: يقطرن من نجدة ولو قلت: يجرين كان أبلغ، ثم افتخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فهذا مذهب العرب وهو الافتخار بالآباء، ولذا نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكرهه كما مرّ. وقوم يفتخرون بأنفسهم، وهذا الوجه كثير أيضاً جداً، لأنه طبع الآدمي لا يكاد يسلم منه ولا يحصى ما فيه من كلام الناس نظماً ونثراً ولا حاجة إلى التطويل. ومن أفصح ما ورد في هذا النحو قول السموأل في لاميته المشهورة منها: إذا المرء لم يدنَس من اللؤم عرضُه فكـل رداء يرتـديهِ جـمــيلُ وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثنـاء سـبـيل تعـيرنـا أنـا قـلـيل عـديدنــا فقلت لها: إن الـكـرام قـلـيل وما ضر من كانت بقاياه مثـلـنـا شباب تسامى للـعـلا وكـهـول تسيل على حد الظبّات نفـوسـنـا وليست على غير السيوف تسـيل وإنا لقوم ما نرى الـقـتـل سُـبّة إذا ما رأته عـامـر وسَـلـول إلى أن قال: |