المبحث الثالث2 كن أول من يقيّم
ولهذا فنحن مضطرون للحديث عن الألوان الأدبية، وهي الشعر والقصة والرواية والمسرحية والسيرة الذاتية والمقال الأدبي،لنقف عند خصائص كل فن على حده، ولنتساءل مع رنيه ويلك واوستن" هل تفترق أنواعه بحسب مادة موضوعها، أو بنائها، أو شكلها الشعري أو جرمها، أو نغمتها العاطفية أو نظرتها الكلية أو جمهورها؟ " وسنتجاوز الحديث عن المسائل التي لا نراها نافعة كالحديث عن أيهما أقدم الشعر أم النثر، والحديث عن مسألة الإلهام أو النظريات التي تشرح الأنواع باعتبار اجتماعي فتخصص الملحمة والمأساة لمعالجة قضايا الملوك والنبلاء والملهاة للطبقة المتوسطة" وما إلى ذلك إلى الخصائص المميزة داخل الفن الواحد وداخل الأنواع المختلفة.ذلك لأن"نظرية الأنواع الأدبية مبدأ تنظيمي ، فهي لاتصف الأدب وتاريخه بحسب الزمان والمكان، وإنما بحسب أنماط أدبية نوعية للبنية والتنظيم" على اعتبار أن كل نوع أدبي هو حالة خاصة بطريقة ما، ولو لم يكن كذلك لما استطعنا أن نميزه" أولا ـ الشعر : مجال الشعر هو الشعور سواء أثار الشاعر هذا لشعور في تجربة ذاتية محضة كشف فيها عن جانب من جوانب النفس، أو نفذ من خلال تجربته الذاتية إلى مسائل الكون أو مشكلة من مشكلات المجتمع، تتراءى من ثنايا شعوره وإحساسه ونظرا لتعقد العناصر المكونة للشعر وأهمية كل منها تعددت تعريفات الشعر: فعرفه بعضهم باعتبار الموسيقى وآخرون باعتبار الخيال وآخرون باعتبار العاطفة والشعور. 1ـ باعتبار العاطفة والشعور: من العرب من عرفه بقوله:" الشعر من شعر يشعر فهو يشعر بما لايشعر به غيره ومن لم يكن كذلك فليس بشعر ولو كان موزونا مقفى" ومن الغرب من عرفه معتمدا على عنصر الفكرة والعاطفة فقال وردز وورثwordsworth: " الشعر هو الحقيقة التي تصل إلى القلب رائعة بواسطة العاطفة". 2ـ باعتبار الأسلوب والخيال: فمن العرب من عرفه اعتمادا على الأسلوب والتصوير كالجاحظ حين قال:" الشعر صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير" ومن الغرب من عرفه معتمدا على عنصري العاطفة والخيال، يقول رسكن Ruskin : "الشعر عرض البواعث النبيلة للعواطف النبيلة بوساطة الخيال" 3ـ باعتبار اللغة والموسيقى والمعنى كقدامة بن جعفر إذ قال: " الشعر قول موزون مقفى يدل على معنى"، ومن الغرب ستدمان stadman إذعرفه بقوله: "الشعر هو اللغة الخيالية الموزونة التي تعبر عن المعنى الجديد والذوق والفكرة والعاطفة وعن سر الروح البشرية" تلك هي معظم التعريفات وهي كما ترى تختلف باعتبار التركيز على عنصر من العناصر الأدبية المشتركة أحيانا وتبحث عن الشمول أخرى، والحق أن الذي يؤدي إلى ذلك هو الغلو أحيانا، وإلا فإن كل عنصر من العناصر السابقة مهم في موضعه، إذ نلاحظ أن الموسيقى ـوتتكون من الإيقاع الذي يحدثه الوزن والقافيةـ وإن تميز بها الشعر فإنها في الحقيقة تتخلل الأعمال النثرية بصورة أقل بروزا كما في ظاهرة السجع والجناس والفواصل وغير ذلك مما يمد التعبير بالجماليات الصوتية، وقل مثل ذلك في العاطفة والخيال والأسلوب واللغة، إذ كل منها يوظف في فن بصورة أقوى منها في فن آخر. أقسام الشعر: في الواقع تلك العناصر تؤثر في الشعر فيتنوع تنوعا كبيرا إما باعتبار الوزن والقافية فنفرق بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة ، وإما باعتار العلاقة بينه وبين الفنون النثرية ، ولاسيما القصة والمسرحية فنجد الشعر الغنائي والقصصي والتمثيلي ولهذا السبب ذهبت" نظرية الأنواع الأنواع الحديثة إلى افتراض أنه بالمستطاع مزج الأنواع التقليدية وإنتاج نوع جديد" ومنها: أـ الشعر القصصي: ويسمى كذلك الشعر الملحمي، وهو شعر موضوعي موزون مخيل ولكن يصاغ ليعبر عن قصة تاريخية صحيحة أو خرافة شعبية لذلك كان ينتشر في البداوة اليونانية القديمة، ويعرف هذا النوع علي جواد الطاهر بقوله: الشعر الملحمي قصيدة تقوم على السرد القصصي تبلغ في الطول آلاف الأبيات وتتضمن حادثة بطولية خارقة وقعت فعلا في تاريخ سابق على النظم فدخلت في تقاليد الشعب أو أمجاده وأناشيد شعرائه" متل إلياذة هوميروس، وإلياذة الجزائر لمفدي زكريا . ب ـ الشعر الغنائي: وهو الشعر الذي يعبر فيه الشاعر عن ميوله الذاتية فهو شعر ذاتي في الحقيقة كالشعر الغزلي والهجاء والمدح وغير ذلك مما يعبر عن ذات الشاعر، وهذا القسم أشهر أنواع الشعر على الإطلاق لما فيه من صور التعبير المباشر عن العواطف الشخصية من آمال وآلام وأحزان كما نجد في المعلقات التي تتضمن كل ذلك فيحب ويتغزل، ويبكي على الآثار ويحزن عند الرحلة. ج ـ الشعر التمثيلي: وهو شعر موضوعي ذاتي في الوقت نفسه ،لكن وضع للتمثيل والتغني على ألسنة الممثلين كما في مجنون ليلى لشوقي فهي تمثل حوادث تاريخية يغلب عليها الخيال والوهم ولكن نرى الممثل يقرأ شعرا غنائيا جميلا على منصة المسرح، ولذلك تكثر فيه آليات الفن المسرحي ولا سيما الحوار وتعدد الشخصيات والعقدة. د ـ الشعر العمودي: وهو النموذج الذي تمثله القصيدة العربية القديمة الموزونة المقفاة كالمعلقات هـ ـ شعر التفعيلة وقد يطلق عليه خطأ الشعر الحر،لخلوه من القافية الموحدة والبحر الشعري الموحد، وفي الواقع ليس هناك شعر حر وآخر مقيد، إنما هناك قدرات وتقاليد فنية يتعود المبدع صياغة عواطفه ومشاعره على أساسها فلا تستجيب لـه العواطف بكثافة ونضج إلا وفقها، والدليل على ذلك أن القدماء كانوا قد تأنقوا في أشعارهم حتى بلغوا القمة ولا نجد لديهم مع ذلك أي شعور بالانقباض الناجم عن القيود المزعومة. |