حياك الله كن أول من يقيّم
حياك الله وبياك أستاذنا الكبير ياسين الشيخ سليمان وشكرا لكم على هذه الإيضاحات التي يجدر بها أن تنال قسطا أكبر من اهتمامكم، وأنا حتى اليوم لم ألتق برجل يهتم بكل هذا، وكلما قرأت بحثا يتناول تاريخ المسيحية في صدر الإسلام رأيت كاتبه لم يتحرر من أغلال الطائفية، والمشكلة الكبرى هنا يا أستاذ هي مسألة الزواج من المرأة المسيحية التي تعتقد إحدى العقيدتين المشار إليهما في مشاركتكم، وأنقل هنا ما حكاه ابن قيم الجوزية في كتابه (أحكام أهل الذمة) تحت عنوان (حكم نكاح الكتابية) قال: (ويجوز نكاح الكتابية بنص القرآن. قال تعالى: (وَالمُحصنَاتُ منَ المُؤْمنات وَالمُحْصنَات منَ الذينَ أوتوا الكتابَ منْ قَبْلكمْ ) والمحصنات هنا هُن العَفائف، وأماَ المحصنات المحرمَات في سورة "النسَاء" فهن المزوجات. وقيل: المحصنات اللاتي أُبحن هنّ الحرائر، ولهذا لم تحل إماء أهل الكتاب. والصحيح الأول بوجوه:
أحدها أن الحريِة ليست شرطاً في نكاح المسلمة. الثاني: أنه ذكر الإحصان في جانب الرجل كما ذكره في جانب المرأة فقال: (إذَا آتيَتمُوهُن أجوُرَهُن مُحْصنين ) وهذا إحصان عفة بلا شك، فكذلك الإحصان المذكور في جانب المرأة. الثالث: أنه سبحانه ذكر الطيبات من المطاعم، والطيبات من المناكح فقال تعالى: (الْيومَ أحِل لَكُمْ الطيبَاتُ، وَطَعامُ الذينَ أوتوُا الكتابَ حل لَكُمْ وَطَعَامكُمْ حل لَهُمْ، وَالمُحْصناتُ منَ المُؤْمِناتِ وَالمُحْصَناتُ مِنَ الذيِنَ أوتوا الكِتَابَ مِنْ قبلِكُمْ ". والزانية خبيثة بنص القرآن، والله سبحانه وتعالى حرم على عباده الخبائثَ من المطاعم والمشارب والمناكح، ولم يبحْ لهم إلا الطيبات. وبهذا يتبين بطلان قول من أباح تَزوج الزواني. وقد بينا بطلان هذا القول من أكثر من عشرين وجهاً في غير هذا الكتاب. والمقصود أن الله سبحانه أباح لنا المحصنات من أهل الكتاب، وفعله أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم فتزوج عثمان نصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد اللّه نصرانية، وتزوج حذيفة يهودية.
قال عبد اللّه بن أحمد: سألت أبي عن المسلم يتزوج النصرانية أو اليهودية؟. فقال: ما أحب أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد فعل ذلك بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال صالح بن أحمد: حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة أن حذيفة بن اليمان وطلحة بن عبيد اللَه، والجارود بن المعلى،- وذكر آخرَ- تزوجوا نساء من أهل الكتاب، فقال لهم عمر: طلقوهن، فطلقوا إلا حذيفة.
فقال عمر: طلقها.
فقال: تشهد أنها حرام ؟.
قال: هي جمرة، طلقها.
فقال: تشهد أنها حرام؟
فقال: هي جمرة!
قال حذيفة: قد علمت أنها جمرة، ولكنها لي حلال. فأبى أن يطلقها، فلما كان بعدُ طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ فقال: كرهت أن يظن الناس أني رَكبت أمراً لا ينبغي).
وقد تأولت الشيعة الآية على تأويلها فقالوا: المحصناتُ من المؤمنات من كانت مسلمة في الأصل. والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من كانت كتابية ثم أسلمت. قالوا: وحملنا على هذا التأويل قولُهُ تعالى: (وَلا تَنكحوا المُشْرِكات حتى يُؤْمِنَّ) وأيِ شرك أعظم من قولها كما حكى القرآن الكريِم: (الله ثالث ثلاثة)؟! وقوله تعالى (ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ)... إلخ. |