محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه6 كن أول من يقيّم
واعلم أن التلذذ المذكور في هذا القسم خلاف المذكور فيما مرّ، فإنّ ذلك تلذذ بالاسم بسبب حضور معناه الأصلي كسعد وسعيد ووردة وياسمين، وهذا تلذذ بالاسم لحضور من كان تسمى به من غير التفات إلى مدلول اللفظ الأصلي، فكل من سمع اسماً كان وقع على مسمى آخر فقد يستشعر ذلك المسمى الآخر في الاسم فيوجب له ذلك الاستشعار أموراً، إما تعظيماً ومنه بدل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه اسم ولد كان اسمه محمد فسمع رجلاً يوماً يشتمه ويقول: فعل الله بك يا محمد وفعل، فقال: لا أرى اسم النبي صلى الله عليه وسلم يُسَبّ بكَ، وكان بعض الرؤساء كلم خديماً له اسمه محمد في أمر وخاطبه باسم آخر وهم أنه غضبان عليه، فدخل على الخديم من ذلك جزع عظيم حتى يبين له بعد ذلك أنه إنما كان على جنابة فلم يستطع أن ينطق بهذا الاسم الشريف وهو جنب، رحمه الله تعالى وجزاه خيراً، وإما تلذذاً أو استئناساً أو اشتياقاً أو نحو ذلك لكونه أليفاً أو محبوباً. وكان المجنون لما اشتد به حاله قام أهله فقالوا: نذهب به إلى الحجّ وزيارة البيت ففعلوا، فلما أقبلوا على مكة قالوا له: يا قيس، هذا بلد الله وهذا بيته فادع الله تعالى أن يعافيك من حب ليلى فأنشأ يقول: ذكرتك والحجيج له ضجيج بمكة والقلوب لها وجيبُ فقلت ونحن في بلد حـرام به لله أخلصت القلـوب: أتوب إليك يا رحمان ممـا جنيت فقد تكاثرت الذنوب فأما من هوى ليلى وحبّـي زيارتها فإنـي لا أتـوب فكيف وعندها قلبي رهينـاً أتوب إليك منها أو أُنـيب فأيسوا منه ثم سكن شيئاً ما فلما بلغوا ناحية منىً سمع إنساناً يقول: يا ليلى، ينادي امرأة، فطار المجنون واستقبل البَرّيّة وهو يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منـىً فهيج أحزان الفـؤادِ ومـا يدري دعا باسم ليلى غيرها فـكـأنـمـا أطار بليلى طائراً كان في صدري وقال الآخر: ومَن كبدي يهفو إذا ذكر اسمـه كهفو جناح ينفض الطل طائره وبلغ بأولياء الله تعالى نحو هذا المعنى، وهم أحق به، يحكى عن بعضهم أنه لقي واحداً منهم في البرية فقال له: من أين أتيت؟ فقال: هو، فقال: أين تريد؟ فقال: هو، فقال: ما تعني بقولك هو؟ فقال: هو، فقال الله تعني؟ فصاح وسقط ميتاً. وإما نفرة وكراهية لكونه بغيضاً مقيتاً، وإما غير ذلك. |