البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 47  48  49  50  51 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه5    كن أول من يقيّم

وأما اللقب فيقصد به كل من المدح والذم وغير ذلك، والحكم كالذي قبله.
الوجه الثاني النظر إلى مدلولهما الأصلي، وهما في ذلك كما مرّ في الاسم بل ذلك هنا أولى، لأن الأصل فيه أوضح، ولبعضهم في ذلك:
أتيت أبا المحاسن كي أراهُ           بشوق كاد يجذبني إلـيه
فلما أن أتيت رأيت فسرداً            ولم أرَ من بنيهِ ابناً لديه
يريد أن لفظه ينبئ عن كون المحاسن لازمة له لزوم الأولاد لأبيهم، ثم إنها لم يجدها عنده، وكذا يقال في أبي المكارم وأبي الفضل وأبي البخت وجمال الدين وشمس الأئمة، والأصل في جميع هذا أن المستحسن في العقول وإن لم يكن لازماً خلافاً لمن زعم ذلك أن يطابق الاسم أي مدلوله الأصلي حتى يصير الاسم كأنه وصف مشتق لموصوف بمعناه، فإن لم يكن كذلك فإن التسمية خطأ، وكأن الاسم لا مسمى له، ومن هذا جاءت العادة بتخير الاسم عند التسمية وكذا عند الملاقاة كقصة البريد السابقة، أما التخير عند التسمية فلفائدتين: إحداهما التلذذ بسماعه وتجمل المسمى بذلك، الثانية التفاؤل بأن يصدق معناه، وذلك على حساب ما يريده، وللناس أغراض تختلف، وقد قيل لبعض العرب: لم تسمون عبيدكم نافعاً ومرزوقاً وأولادكم حرباً ومرة فقال: إنا نسمي أولادنا لأعدائنا ونسمي عبيدنا لأنفسنا أي فلا فرق بين فائدة النفع وفائدة الدفع وحلاوتهما، بل الدفع أهم.
وكان وادي السباع في بلاد العرب وفيه قال قائلهم:
مررت على وادي السباع ولا أرى          كوادي السباع حين تبصـر واديا
أشـد بـه ركـبـاً أتـوهُ تَـئيّةً            وأخوف إلاّ وما وقى الله سـاريا
قيل: سبب تسميته أن امرأة من العرب كانت نزلته ولها عدة أولاد فوجدها رجل يوماً وحدها فهم بها فقامت تصيح بأولادها وتقول: يل ليث، يا نمر، يا أسد، يا كذا، وهي أسماؤهم، فأقبلوا إليها يشتدون، فانطلق الرجل وهو يقول: هذا وادي السباع.
أما التخير عند الملاقاة والمعاملة فلفائدتين أيضاً: إحداهما التلذذ والتفاؤل، الثانية رجاء أن يكون قد طابق فوجد معناه ويكون حسن الاسم دالاً على حسن المسمى كما تقرر في الفراسة الحكمية من أن حسن الخلق دليل على حسن الخلق، وفي الحديث: "اطْلُبُوا الخَيْرَ عنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ" على وجه، ولم يبعث الله تعالى نبياً إلاّ حسن الوجه حسن الاسم، وفي كلام العامّة: الاسم يدل على المسمى. ومن التفاؤل الصادق والرجاء الواقع ما وقع لعبد المطلب في تسمية نبينا صلى الله عليه وسلم حيث سماه باسمه الشريف، وكان هذا الاسم غير معتاد عندهم، فقيل له: لمَ سميته بهذا وليس من أسماء آبائك، فقال: رجاء أن محمد في السماء والأرض، فكان ذلك، ويحتمل أن يكون كان عنده من ذلك علم ممن لقي من أهل ذلك العلم كسيف بن ذي يزن ونحوه. وقد يكون سبب تخير الاسم مشايعة من تسمى به تبركاً به أو إحياء لذكره أو رجاء الشبه به أو نحو ذلك، وفي الحديث: "وُلدَ ليَ اللَيْلَةَ وَلَدٌ فَسَمّيْتَهُ باسْمِ أبي إبْرَاهيمَ" وقيل: لما نزل قوله تعالى: (يا أُخْتَ هَارُونَ) قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف تكون أخت هارون وبينهما دهر طويل، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنّهُمْ كَانُوا يُسَمّونَ بأسْمَاءِ أنْبيَائهمْ" أي هو هارون آخر سمي باسم هارون بن عمران عليه السلام.
 
 

15 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه6    كن أول من يقيّم

واعلم أن التلذذ المذكور في هذا القسم خلاف المذكور فيما مرّ، فإنّ ذلك تلذذ بالاسم بسبب حضور معناه الأصلي كسعد وسعيد ووردة وياسمين، وهذا تلذذ بالاسم لحضور من كان تسمى به من غير التفات إلى مدلول اللفظ الأصلي، فكل من سمع اسماً كان وقع على مسمى آخر فقد يستشعر ذلك المسمى الآخر في الاسم فيوجب له ذلك الاستشعار أموراً، إما تعظيماً ومنه بدل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه اسم ولد كان اسمه محمد فسمع رجلاً يوماً يشتمه ويقول: فعل الله بك يا محمد وفعل، فقال: لا أرى اسم النبي صلى الله عليه وسلم يُسَبّ بكَ، وكان بعض الرؤساء كلم خديماً له اسمه محمد في أمر وخاطبه باسم آخر وهم أنه غضبان عليه، فدخل على الخديم من ذلك جزع عظيم حتى يبين له بعد ذلك أنه إنما كان على جنابة فلم يستطع أن ينطق بهذا الاسم الشريف وهو جنب، رحمه الله تعالى وجزاه خيراً، وإما تلذذاً أو استئناساً أو اشتياقاً أو نحو ذلك لكونه أليفاً أو محبوباً.
وكان المجنون لما اشتد به حاله قام أهله فقالوا: نذهب به إلى الحجّ وزيارة البيت ففعلوا، فلما أقبلوا على مكة قالوا له: يا قيس، هذا بلد الله وهذا بيته فادع الله تعالى أن يعافيك من حب ليلى فأنشأ يقول:
ذكرتك والحجيج له ضجيج          بمكة والقلوب لها وجيبُ
فقلت ونحن في بلد حـرام            به لله أخلصت القلـوب:
أتوب إليك يا رحمان ممـا            جنيت فقد تكاثرت الذنوب
فأما من هوى ليلى وحبّـي           زيارتها فإنـي لا أتـوب
فكيف وعندها قلبي رهينـاً           أتوب إليك منها أو أُنـيب
فأيسوا منه ثم سكن شيئاً ما فلما بلغوا ناحية منىً سمع إنساناً يقول: يا ليلى، ينادي امرأة، فطار المجنون واستقبل البَرّيّة وهو يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منـىً         فهيج أحزان الفـؤادِ ومـا يدري
دعا باسم ليلى غيرها فـكـأنـمـا              أطار بليلى طائراً كان في صدري
وقال الآخر:
ومَن كبدي يهفو إذا ذكر اسمـه             كهفو جناح ينفض الطل طائره
وبلغ بأولياء الله تعالى نحو هذا المعنى، وهم أحق به، يحكى عن بعضهم أنه لقي واحداً منهم في البرية فقال له: من أين أتيت؟ فقال: هو، فقال: أين تريد؟ فقال: هو، فقال: ما تعني بقولك هو؟ فقال: هو، فقال الله تعني؟ فصاح وسقط ميتاً. وإما نفرة وكراهية لكونه بغيضاً مقيتاً، وإما غير ذلك.
 
 

15 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه8    كن أول من يقيّم

تتمة
 واعلم أن الاسم الذي يوضع على الإنسان علماً عند الولادة أو عند تبديل اسمه باسم آخر إما أن يكون بصورة الكنية كأبي بكر وأبي القاسم لمن سمي به فيكون اسمه كنيته، وإما أن يكون بغيرها كزيد وعمرو وهو الأغلب، وحينئذ إما أن تقرن به الكنية من أول وهلة فيقال مثلاً: سميت ابني محمداً وكنيته أبا عبد الله ولقبته جمال الدين، وهذا كله لا إشكال في عَلَميّته، وقد لا يكنى ولا يلقب أولاً، فإذا كني بعد ذلك أو لقب كان ذلك عارضاً لا كالاسم اللازم أبداً من وجهين: أحدهما أنه لم يكن شيء منهما ثم كان، الثاني انهما يكونان ثم لا يكونان فإنه قد يكنى ثم لا يكنى، وقد يكنيه هذا ولا يكنيه الآخر، وكذا اللقب، فصار كل منهما بمنزلة الوصف يعرض الاتصاف به فقد يقال: كيف يحسبان مع هذا في الأعلام؟ والجواب انهما متى أطلقا على المسمى عيناه عند من عرفهما من غير معنى زائد على الذات، وهذا حاصل العلمية، أما طروعهما فلا يضير، فغن الاسم أيضاً كثيراً ما يطرأ، والمعتبر ما بعد الطروء كما هو الأمر في التسمية الأولى، وأما كونهما يتركان أحياناً فللاستغناء عنها بالاسم كما يكون في الشيء يسمى بأسماء مترادفة، فإذا عبر عنه بواحد منها كفى، وفيه يحث، وهو أن الأسماء المترادفة فوضى على مدلولها، ولا كذلك ما نحن فيه، فغن كلاً من الكنية واللقب إنما يجلب لغرض من تعظيم أو تحقير أو غير ذلك مما مرّ، فيكون الوصف محط التسمية، وحينئذ هو كلي، فيكون الاسم اسم جنس أو علم جنس وذلك خلاف ما يقال من أنه علم شخص، وهذا بحث قويّ لم نبسطه لأنا لسنا بصدده، ويجاب بمنع ذلك وأن محط التسمية الذات مع ملاحظة الغرض وكونه يؤتى به عند وجود الملاحظة ويترك عند عدمها، وأن ذلك غير معهود في الاسم لا امتناع فيه فافهم. فأقول:
اسم المؤلف ونسبه
أنا الحسن بن المسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف، وهو أبو القبيلة ابن داوود بن يدراسن بن يننتو، فهذا ما يعد من النسب إلى أن دخل بلد فركلة في قرية منه تسمى حارة أقلال وهي معروفة الآن.
والكنية أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد.
أما ذكري للاسم فلما مر من فوائد التسمي، وأحمد الله تعالى وأشكره إذ جعله حسناً، وأسأله سبحانه أن يجعل كذلك فعلي وخلقي وحظي في الدارين منه حسناً، كما أحمده تعالى إذ حسن اسم والدي أيضاً- فجعله مسعوداً، واسأله تعالى أن يجعلني كذلك في الدارين ويجعله مسعوداً.
ومما اتفق لي في اسمي هذا واسم والدي أني كنت ذات مرة سافرت إلى زيارة الأستاذ الإمام ابن ناصر رحمه الله، فمررت ببلادنا، وكان أخونا في الله البارع الفاضل الخير أبو سالم عبد الله بن محمد العياشي يشتهي أن أمر به في زاويته فلم يتفق لي ذلك فكتبت إليه اعتذاراً:
أبا سالمٍ ما أنـت إلاّ كـسـالـمٍ         لدينا ولم يقضِ اللقاء فسـالـم
وزود غريباً طالما قـذفـت بـه                ضروب النوى من كل أفيح قاتم
مراماً لشرب الكأس وهي منوطة           بكف الثريا أو بكف النـعـائم
بود وإن الود من أطيب القـرى              ودعوة صدق عند عقد العـزائم
وسلم على من ثم من جملة الملا            تحية ذي ود إلـى الـكـل دائم

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه9    كن أول من يقيّم

وقولي: "كسالم" تلميح إلى قول الشاعر:
يديرونني عن سالم وأديرهـم                وجلدة بين العين والأنف سالم
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: "أنت عندي كسالم" فلم يفهم مراده حتى أنشد البيت المذكور، ومراد الشاعر أن سالماً المذكور الذي يدافع الناس عنه ويحامي عنه في محبته له وعزته عليه بمنزلة الجلدة التي بين الأنف والعين لأن تلك الجلدة هي سالم فهو تشبيه.
ثم لما قفلنا من زيارتنا كتب إلي كتاباً يهنيني بالزيارة ويهني من معي بصحبتي، وفي آخره:
من فاته الحسن البصري يصحبه            فليصحب الحسن اليوسي يكفيه
 ومن غريب الاتفاق مع ذلك أن كنت في تلك المدة، قبل هذا الكتاب أو بعده بقريب حدثني بعض الإخوان أنه رأى فيما يرى النائم جماعة من الصالحين والكاتب معهم، وفيهم الشيخ محمد بن مبارك التستاوي وغيره من أمثاله فتكلم بعضهم وأظنه قال: ابن المبارك المذكور إلى أن قال: إن كان الحسن البصري في زمانه فهذا الحسن البصري في زمان يشير إلى الكاتب، وإنما ذكرت هذا رجاء وطماعية في اللحاق بالصالحين أو بمحبيهم أو بمحبي محبيهم وتبركاً بذكرهم، وإلاّ فليس بعشك فادرجي:
لما انتسبت إلى علاك تشرفت               ذاتي فصرت أنا وإلاّ من أنا
وكتب إلي العلامة أبو عبد الله محمد بن سعيد السوسي بأبيات يذكر فيها أنه على عقد المحبة وفي آخرها:
لقد تحببت لي فضلاً خصصت به            بين الورى حبذا حب ابن مسعود
فعلمت أنه يروي عن ابن مسعود الحبر الصحابي، رضي الله عنه وألحقنا وآباءنا بزمرته إنه ذو الجود والإحسان، فقلت: إن هذا كله من نعم الله التي يسر بها الإنسان، وهو موافقة اسمه أو اسم أبيه لأسماء الخيار.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه10    كن أول من يقيّم

ومن غريب الاتفاق أني كنت أكتب ما تقدم من النسب فجاء أعرابي بقصيدة من الملحون يمدحني بها، وفي أثنائها يقول ما معناه: إن اسمه، أي الممدوح، على اسم الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقلت في نفسي: سبحان الله في هذا كان عملي
تتمة أخرى في أحكام التسمية
أعلم أنه وإن كان المطلوب تخير الاسم كما مرّ لا بد من التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فكما أنه لا ينبغي له أن يتسفل إلى الأسامي الدنية كذلك ليس له أن يتعلى إلى الأسامي العلية التي لا تنبغي له كأسماء الله تعالى، وللفقهاء كلام في أسماء الملائكة، فعن إمامنا مالك رضي الله عنه أنه يكره أن يتسمّى الرجل بجبريل وعلل ذلك بأنه سبب لأن يقول قائل: جاءني البارحة جبريل، وكلمني جبريل وهو بشيع موهم، وروي عنه أيضاً: لا ينبغي بياسين، وتقدم إلى الحارث بن مسكين القاضي خصمان، فنادى أحدهما صاحبه باسمه إسرافيل، فقال القاضي لمَ تسميت بهذا الاسم؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تُسَمُّوا بأسْمَاءِ المَلائكَة" فقال له الرجل: "ولمَ تسمى مالك بن أنس بمالك؟ وقد قال تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِي عَلَيْنَا رَبُّكَ) ثم قال: لقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب عليهم، يعني القاضي فإن اسمه الحارث، وهو اسم الشيطان إبليس، قال ابن عرفة: ويرحم الله الحارث في سكوته والصواب معه، لأنه مَحمل النهي في الاسم الخاص بالوضع أو الغلبة كإسرافيل وجبريل وإبليس والشيطان، وأما مالك والحارث فليسا منه لصحة كونهما من نقل النكرات للأشخاص المعينة أعلاماً من اسم فاعل مالك وحارث كقاسم انتهى، وأما أسماء الأنبياء عليهم السلام فيجوز التسمي بها وفي الحديث: "تَسَمَّوا بِاسْمي وَلا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي" وقيل: إن هذا النهي منسوخ، فيجوز التسمي أيضاً والتكني بكنيته صلى الله عليه وسلم. ودخل القاضي أبو القاسم بن زيتون على أمير بلده المنتصر بالله فقال له: لم تسميت بأبي القاسم؟ وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تَسَمَّوا بِاسْمي وَلا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي" فقال القاضي: إنما تسميت بكنيته صلى الله عليه وسلم ولم أتكنَّ بها، وفي المسألة كلام باعتبار علة النهي وكون ذلك مع وجوده صلى الله عليه وسلم مشهور لا حاجة إلى بسطه، ومن المنهي عنه في الحديث أن يسمي الرجل غلامه رباحاً أو أفلح أو يساراً، إذ قال: أثَمَّ هُوَ؟ فيقال: لا. ولا بأس بتكنية الصبي كما مرّ وأصله: "يَا أبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ".

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه11    كن أول من يقيّم

تنبيه: في الحديث: "إنَّ أخْنَعَ الأسْمَاءِ رَجُلٌ تَسَمّى عِنْدَ اللهِ بِمَالكِ الأمْلاكِ، ووقع فيه عضد الدولة حيث قال:
ما يطيب العيش إلاّ بالسـمـر         وغناء من جوار في سحـر
غانيات سالبـات لـلـنـهـى             ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركـنـهـا           ملك الأملاك غلاب القـدر
فهذا من التغالي المنكر، وإنما ذلك لأن ملك الأملاك هو الله تعالى، وإطلاقه على غيره وإن كان يتأوّل بمن دونه أي ملك أملاك البشر، لكنه في غاية من الإيهام والبشاعة فلا ينبغي. وقد تردد العلماء في أنه هل يلتحق به قاضي القضاة ونحوه.
 ومن البشيع الواقع في زماننا في الوصاف أنْ بَنَى السلطانُ رشيد ابن الشريف جسرَ سبو، فصنع له بعضهم أبياتاً كتبت فيه برسم الإعلام أولها:
صاغ الخليفة ذا المجاز              ملك الحقيقة لا المجاز
فحمله اقتناص هذه السجعة والتغالي في المدح والاهتبال بالاسترضاء على أن جعل ممدوحه ملكاً حقيقياً لا مجازياً، وإنما ذلك هو الله تعالى، وكل ملك دونه مجاز، الممدوح وغيره. ونسبة الألوهية إلى غيره تعالى كفر صراح، وهذا مقتضى اللفظ، وقائله يتأوله بحقيقة دون حقيقة لأنه موحد، ولكنه في غاية الإبهام وغاية البشاعة والقبح، وقد أنكر الإشبيلي وغيره ممن ألف في لحن العامة ما هو أخف من هذا بكثير.
وأما اليوسي فأصله اليوسفي كما مرّ من أن يوسف هو أبو القبيلة ويسقطون الفاء في لغتهم.
وأما ذكري لما مرّ من النسب فلفوائد منها أن يعرفه من يقف عليه ذوي القرابة للتوصل إلى صلة الرحم والموارثة والمعاقلة وغير ذلك من الأحكام وهذا مما لا بد منه، وقد قال سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم، وقد حمل الأمر في كلامه على الوجوب وذلك أصله. الثانية أن يعلم انقطاع النسب عند انتهائه إلى القرى فيظهر معنى قول مولانا عمر أيضاً رضي الله عنه فيما يؤثر عنه أنه قال: تعلموا أنسابكم ولا تكونوا كالقبط ينتسبون إلى القرى، وليس هذا مخصوصاً بالقبط بل المدن كلها تتلف الأنساب كما قال العراقي رحمه الله:
وضاعت الأنساب بالبلدان            فنسب الأكثر للأوطانت

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه12     كن أول من يقيّم

وسبب ذلك أن الإنسان إنما احتاج إلى التمدن للقيام بالمتاجر والحرف وسائر الأسباب التي ينتظم بها أمر المعاش والتعاون على المنافع الدينية والدنيوية، ولا يتأتى ذلك عادة إلاّ بكثرة الناس لتحصل عمارة الأسواق، ويحصل من كل حرفة وصناعة وسبب وعمل عارف أو أكثر يقوم بها، ولا يكون ذلك عادة من عشيرة واحة بل ولا من قبيلة وعمارة بل من أخلاط شتى وأفواج جمة، وذلك لسببين: أحدهما أن هذا هو مظنة الكثرة الكافية فيما ذكر، الثاني أن عادة الله تعالى لم تجرِ باختصاص رهط أو حي واحد من الناس بالتفرد بالمعارف والاستقلال بالمصالح الدينية والدنيوية من دون سائر أصناف الخلق حتى ينتظم بهم الأمر وحدهم وتحصل لهم المزية بذلك والذكر فيه دون "من" سواهم، بل بث الله تعالى بلطيف حكمته الخصائص والمزايا في الناس، فيوجد في هذا الرهط عالم، وفي آخر شاعر، وفي آخر صانع أو تاجر وهكذا ليتم التعاون ويحظى الخلق كلهم من مائدة الله تعالى في باب الخصوصيات بنصيب..
ولما كانت المدينة تجمع أخلاط الناس صار ساكنها في الغالب غريباً عن نسبه، فقد لا يكون بينه وبين جار بيته نسب ولا معرفة، فإذا نشأ نسله انتسبوا غالياً إلى البلد لا إلى قومهم من وجهين: أحدهما أنه كثيراً ما ينقطع ما بينهم وبين قومهم فلا يعرفونهم، الثاني أن الإنسان يعجب ببلده ويتبجح به لثلاثة أوجه أحدها أنه لا يعرف غالباً غيره، الثاني أن الله تعالى حبب إلى الناس منازلهم ليلازموها فتنتظم عمارة الأرض على ما قدر الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: "اللَّهم حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ". الثالث الإلف الطبيعي، فإن كل واحد يألف تربته كإلفه لأمه وأبيه، ولذا لا يزال يحن إلى مسقط رأسه ومحط لهوه وأنسه، وقالوا: الكريم يحن إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عَطَنِهِ.
وقال الأعرابي:
أحب بلاد الله ما بين منـعـج          إليَّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلادٌ بها حل الشباب تمـائمـي                وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال الآخر:
بلدي ألفت به الشبيبة والصبـا              ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمـير رأيتـه         وعليه أثـواب الـشّـبـاب

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 13    كن أول من يقيّم

وقال الآخر:
وحبب أوطان الرجال إليهـم         مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتـهـم         عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
 وهذا المعنى كثير شهير. ومن الأسباب في ذلك أنها أول بقعة ذاق فيها النعمة وأول جهة ألف منها الرفق وآنس الإحسان، وفي الحديث: "جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبّ مَنْ أحْسَنَ إلَيْهَا" ولك في الحديث وجهان: أحدهما لطيف، وهو أن القلوب الطاهرة عن الهوى، الصافية من رعونات النفس، الزاهرة بأنوار المعرفة جبلت على حب الله تعالى لأنه هو المحسن إليها لا غير. والثاني ظاهري وهو أن القلوب من حيث هي جبلت على الميل إلى المحسن من حيث هو، ولا شك أن كل محسن دون الله تعالى لا أثر له، وإنما هو جهة يرد منها إحسان الله تعالى، ومع ذلك يحب، فكذا تربة الإنسان أول جهة ورد منها عليه الإحسان الإلهي، فيحبها قبل غيرها من الترب حباً متمكناً كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى          فصادف قلباً خالياً فتـمـكـنـا
وقال الآخر:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى             وحنينـه أبـداً لأول مـنـزل
ومن أسباب المحبة والحنين حب من كان فيها من ذوي القرابة والأحباب وتذكارهم عند تذكارها، وقد قيل: إن قوله صلى الله عليه وسلم في أحد: "جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ" إن المراد من كان فيه من الأصحاب كحمزة ومن معه رضي الله عنهم، وقال المجنون:
أمرّ على الديار ديار ليلـى            أُقَبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبـي          ولكن حب من سكن الديارا

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 14    كن أول من يقيّم

وقال الآخر يخاطب وطنه:
تقسم فيك الترب أهـلـي وجـيرتـي           ففي الظهر أحيائي وفي البطن أمواتي
وهذا سبب ذكر الديار والمنزل والأوطان ولا ينحصر ما قيل في ذلك، وسنلم بشيء منه إن شاء الله في هذا الكتاب؛ ثم إذا انتسب إلى البلد ذهب قوه، وتنوسيت أسلافه، فصار النسب مجهولاً لا باعث على حفظه ولا حامل على تعرفه وهذا بخلاف أهل البادية فإنهم يحفظون أنسابهم إذ لا ملجأ لهم في الانتساب غير قومهم فيبقى الأب الأول محفوظاً وبحفظه وذكره ما بينه وبينهم من سلسلة النسب، وإنما كان ذلك فيهم لوجهين: أحدهما أنه لا قرار لهم في باديتهم فينتسبوا إليه، بل منازلها عندهم سواء. الثاني أنهم خالصون غالباً من كثير الشوب، فكل واحد غالباً ينازل قومه، إذ لا حاجة بهم إلى التمدن في باديتهم اكتفاء بالحاضرة، فكل حي فيها يعيشون وحدهم، ومتى خالطهم غيرهم لم يزل معروفاً بكونه ملصقاً، وقد يكون من القرى ما يكون كذلك، لانقطاعه عن الاختلاط وعدم التمدن فيمكنهم حفظ أنسابهم أيضاً.
ومن هذا حفظت قلايش أنسابها مع كونها في قرية، وكذا الخزرج في طيبة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكذا نحوها، وقد يكون في المدائن من يحفظ نسبه أيضاً، ولا سيما من له نسب مخصوص كالعلوية، أو من يكون في محلة منعزلة في المصر فيكون كالقرية السابقة.
الثالثة أن يعلم أن حفظ الأنساب ليس خصوصية للعرب وإن كان لهم مزيد اهتمام بها ومزيد ارتفاع الهمة، وكنت أنا قبل أن أخالط قومي أظن ذلك وأقول: إن العجم إنما هم كالمعزى ليس بين الأم وبين ولدها عهد إلاّ أن يرعى فيذهب حيث شاء، وأما الأب فلا سؤال عنه، فلما باحثت قومي في هذا ألفيت الأمر على خلاف ما كنت أظن، ووجدتهم يحفظون أنسابهم كما مر، وإذا فيهم نسابون يحققون الفصائل والشعوب على نحو ما كانت العرب تفعل في أنسابها، والوهن وإن كان يمكن أن يداخل شيئا من ذلك فليس بعجب، فإن غيرهم أيضاً ما كان يسلم من ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كَذَبَ النَّسّابُونَ". قَالَ تعالى: (وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلكَ كَثيراً) وكون هؤلاء أيضاً يكتفون بالقرى ويضيعون أَنسابهم فذلك غير مختص بهم، فقد وقع أيضاً للعرب حين دخلت قرى الشام والعراق ومصر والمغرب وغيرها، فلا تزال تلقى حلبياً أو حمصياً أو كوفياً أو بصرياً أو قرطبياً أو باجياً، وهو تميمي أو قيسيّ أو أزديّ أو غيره، وكثير منهم لا يرفع نسبه، وإنما قال سيدنا عمر رضي الله عنه ما قال قبل أن يقع هذا الواقع أو قاله خوفاً منه ثم وقع كما ظن.

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 15    كن أول من يقيّم

ويتعلق بأمر النسب أبحاث: الأول: اعلم أن نسب الإنسان الأصلي هو الطين، قال تعالى: (وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسَانِ منْ طينٍ) وقال صلى الله عليه وسلم: "أنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وآدَمُ منْ تُرَابٍ". ويقال لآدم عليه السلام: عرق الثرى وأعراق الثرى، قال امرؤ القيس:  
                               
إلى عرق الثرى وشجت عروقي            وهذا الموت يسلبني شبـابـي
وهذا هو الأصل لجملته، ثم لكل فرد منه بعد آدم أصل آخر وهو النطفة، قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ منْ سُلالَةٍ منْ مَاءٍ مَهِينٍ) فإذا استوى الإنسان كله في أنه من طين وأنه في الجملة من ماء مهين لم يمكن أن يكون له فضل في نفسه باعتبار أصله، ولا أن يكون لبعضه فضل على بعض بذلك، لاستواء الجميع، ولهذا نبه صلى الله عليه وسلم على هذا فقال: "إنَّ اللهَ أذْهَبَ عَنْكُمْ غُبِّيَةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، أنْتُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ منْ تُرَابٍ". ونبه الله تعالى الإنسان على أصله في آيات كثيرة ليتنبه فيعرف نفسه ويعرف اقتدار مولاه، وقال مولانا علي كرم الله وجهه: "ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة، وآخره جيفة". وقد يقال: أوله نطفة مذ، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، وعقد الشاعر الكلام الأول فقال:
ما بال من أوله نطفة         وجيفة آخره يفخر
وقال آخر:
عجبت من معجب بصورتـه          وأولـه نـطـفة مــذره
وفي غد بعد حسن صـورتـه         يصير في الترب جيفة قذره
وهو على عجبه ونـخـوتـه           ما بين رجليه تخرج العذرة "
نعم يشرف الإنسان بخصوصية تزاد على جسمه الطيني كالعقل والعلم والدين مثلاً فيثبت له الفضل ويثبت لبعضه على بعض، ولما عمي إبليس اللعين على الخصوصية، ولم يرَ إلاّ الطينية السابقة لم يرضَ بآدم ولا بالسجود له، ولم يسلم الأمر لمولاه، فأبى وصرح بأنه خير منه، وعلل ذلك بالمنشأ المذكور، فأخطأ من جهات: منها أنه إما يكون لا شعور له بالخصوصيات أصلاً، وإنما منظره ذوات الأجرام، وهذا جهل عظيم، وإما أن يشعر بها ولا يعرف أنها بها يقع التفاضل، وهذا أيضاً جهل، وإما أن يعرف ذلك ولكن لا يسلم وجودها في آدم فيكون قد بادر إلى إنكار الشيء قبل تحقق انتفائه، بل قبل التأمل، وهو أيضاً جهل وطيش وغفلة عن الإمكانات العقلية وتصرف الفاعل المختار تعالى، وإما أن يكون ذلك محتملاً عنده، فعمل على الانتفاء لا على الثبوت، وهو أيضاً جهل وزلل في الرأي وتضييع للاحتياط، وإهمال لدلالة القرائن المفيدة للعلم، فإنه لو تأمل أدنى تأمل لاستفاد الحق من ترشيحه للخلافة، فإنه لا يخفى عليه قول الله تعالى: (إنّي جَاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَةً)، ومن سجود الجمهور، ويد الله مع الجماعة، وإما أن يكون قد علم ذلك ولكن غلبه ما يجد من الحسد والكبر، فاشتغل بالمكابرة والمغالطة، وهذا أيضاً جهل، فإن العلم إذا لم ينفع كالعدم، ومن لا يجري على علمه في حكم الجاهل، هذا مع غاية النقصان بعد التزكية، وعدم ملك زمام النفس، نسأل الله تعالى العصمة، قال الله تعالى: (قَدْ أفلَحَ مَنْ زَكّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاها).

16 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1
 47  48  49  50  51