البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات صبري أبوحسين أبوعبدالرحمن

 47  48  49  50  51 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
مدخل الكتاب2    كن أول من يقيّم

ولاشك أن هذه النظريات تبقى أفكارا صاغها أصحابها اعتمادا على التأمل العميق في مسألة الشعر ولكن نقد النقد هو من يتولى دراستها على المستوى التطبيقي ليعرف مدى صدقها على الظاهرة من حيث هي كل متكامل، لذلك قال رنيه ويلك: " من المستحيل وضع نظرية للأدب إلا على أساس دراسة أعمال أدبية معينة"[1].ثم يضيف : " العملية ديالكتيكية : هناك إسهام بين النظرية والممارسة "[2]
وعلى أي حال فإننا عندما ننظر في تعريف نظرية الأدب عند رنيه ويليك وأوستن وارين نجدها تنص : " نظرية الأدب دراسة مبادئ الأدب مقولاته معاييره وما أشبه ذلك ، نفرقها عن دراسات أعمال فنية معينة بتسمية هذه باسم ( النقد الأدبي)... وقد يشمل اصطلاح" نظرية الأدب كلا من (نظرية النقد الأدبي) الضرورية و(نظرية التاريخ الأدبي) "[3]
وهذا الكلام هو الذي يسمح لنا في الواقع بأن نتناول النظريات النقدية في إطار نظرية الأدب، وربما سمح لنا الوقت بأن نتناول بإيجاز نظرية تاريخ الأدب باعتبارها وجها من أوجه النقد.
وستتمحور هذه الدراسة ـ بإذن الله ـ حول أربعة محاور أساسية تتناول:
1ـ نظريات طبيعة الأدب ووظيفته
 2ـ نظريات دراسة الأدب من الخارج ( الوظيفة) وتشمل: ( التاريخي والاجتماعي، والتحليل النفسي والنقد التكويني)
3ـ  نظريات دراسة الأدب من الداخل سطحا وتشمل: (الاتجاه الشكلي أو النقد الجمالي بما في ذلك نظرية الشعرية، ونظرية الأسلوبية...)
4ـ  نظريات دراسة الأدب من الداخل عمقا (الاتجاه الداخلي أو النقد الوظيفي بما في ذلك الموضوعاتي ونظرية النقد الأخلاقي والنقد الإسلامي الجديد  ...)
وسنتبع ذلك بدراسات تطبيقية تهدف إلى وضع النظريات المختلفة موضع التطبيق، نتناول فيها نصوصا شعرية من القديم والحديث نستجلي من خلالها العلاقة بين النظريات النقدية والنصوص الأدبية، إذ أن النقد التطبيقي هو المحك الذي نعرف من خلاله مدى صدق النظرية على الحقيقة الأدبية.
 


[1] ـ رنيه ويلك وأو ستن : نظرية الأدب : 41
[2] ـ  نفسه
[3] ـ نظرية الأدب م س : 40

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المدخل3    كن أول من يقيّم

الباب الأول : القسم القسم النظري

الفصل الأول: نظريات طبيعة الأدب ووظيفته وأنواعه   4

المبحث الأول: طبيعة الأدب                                          5
 المبحث الثاني:وظيفة الأدب                                          9
المبحث الثالث:أنواع الأدب                                           
 
الفصل الثاني : نظريات نقدية لدراسة الأدب من الداخل     18
المبحث الأول:نظريات دراسة الأدب من الداخل سطحا( الشكل
المبحث الثاني:نظريات دراسة الأدب من الداخل عمقا( المضمون)
ـ نظريات النقد الأخلاقي                                         32
2ـ نظرية مدرسة الإنسانية الجديدة                                    46                                  
ـ نظريات النقد الإسلامي                                         47
ـ نظريات النقد الموضوعاتي                                    60           
 
الفصل الثالث : نظريات نقدية لدراسة الأدب من الخارج  67           
نظريات النقد النفسي                                                68
نظريات النقد التاريخي                                              77                                            
نظريات النقد التكويني 

الفصل الأول: نظريات طبيعة الأدب ووظيفته    4

المبحث الأول: طبيعة الأدب                                          5
 المبحث الثاني:وظيفة الأدب                                          9


[1] ـ رنيه ويلك  وأوستن : نظرية الأدب : 19
[2] ـ المعجم الوسيط : مادة : أدب
[3] ـ نفسه :
[4] ـ رنيه ويلك  ..: السابق : 19
[5] ـ عيار الشعر ص: 17 تحقيق طه الحاجري وزغلول سلام/ المكتبة التجارية/ القاهرة/ 1956
[6] ـ نفسه : 20
[7] ـ نظرية الأدب :  20
[8] ـ نظرية الأدب : 21

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المدخل 4    كن أول من يقيّم

المبحث الأول ـ طبيعة الأدب

ما هو الأدب ? تعددت النظريات التي تجيب عن هذا السؤال تعددا واضحا لا يقل عن تعدد الإجابة النقدية العربية عن سؤال ما هو الشعر؟ ويمكن أن نسوق بهذا الصدد ثلاث نظريات ثم نعقبها بالنقد الموجه إليها.
1ـ النظرية الأولى: الأدب هو كل شيء قيد الطبع، وكل ما يمت إلى الحضارة بصلة لا يخرج عن مجال الأدب[1] ، ولا شك أن هذا التعريف يشمل التراث البشري كله وهذا شبيه بمعنى الأدب الذي يطلق على الكليات في العصر الحديث في بعض الجامعات التي تطلق عبارة كلية الآداب لتشمل التاريخ والجغرافيا وعلوم اللسان والفلسفة، والأدب بالمعنى الخاص[2]، وهذا المعنى في الحقيقة ليس جديدا، ففي التراث العربي كان الأدب يطلق بمعنى رياضة النفس بالتعليم والتهذيب على ما ينبغي ومنه كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة فهو يعني كل ما ينبغي أن يتأدب به صاحب الكتابة من كل ما أنتجه العقل الإنساني من ضروب المعرفة[3]
نقد النظرية: لاشك أن هذه النظرية تبالغ في تعميم المفهوم حتى كاد أن يميع لذا قيل : " لم تعد الدراسة الأدبية مقصورة على ما يمت بصلة إلى تاريخ الحضارة وإنما تتطابق معه فعلا، وليست مثل هذه الدراسة أدبية إلا من حيث أنها تنشغل بالمادة المكتوبة أو المخطوطة  ...إن دراسة كل ما يتعلق بتاريخ الحضارة يتجاوز نطاقه في واقع الأمر تجاوزا بعيدا عن نطاق الدراسة الأدبية إذ تسقط كل الفوارق وتحشر في الأدب معايير أجنبية عنه"[4]، ذلك لأن الأدب بالمعنى الذي تطرحه هذه النظرية سيشمل كل التراث من تاريخ وفقه وتفسير وفلسفة وما إلى ذلك، وهذا يبدو بعيدا عن الأدب من حيث هو فن أداته الكلمة والخصائص الأدبية.ويؤكد ذلك قول ابن طباطبا: "الشعر هو ما إن عري من معنى بديع لم يعر من حسن الديباجة، وما خالف هذا فليس بشعر"[5]
2ـ النظرية الثانية: الأدب هو الكتب العظيمة، الكتب التي تشتهر لشكلها الأدبي أو تعبيرها مهما كان موضوعها، والمعيار هنا إما أن يكون جدارة جمالية فقط أو جدارة جمالية مرتبطة بميزة فكرية عامة، ففي الشعر الغنائي والدراما والرواية، تختار أعظم الأعمال على أسس جمالية، أما الكتب الأخرى فتنتقى لشهرتها أو لسموها الفكري معا بالإضافة إلى قيمة جمالية من نوع أضيق: فالأسلوب والتأليف والقوة العامة للعرض هي الخصائص التي يشار إليها عادة"[6]
الأدب بهذا المعنى سيكون أضيق من السابق وأقرب إلى خصائص الأدب، ولكن ما معنى العظمة التي تنسب للكتاب هنا؟ أليس كتاب الموافقات للشاطبي من الكتب الأصولية التي تجمع بين عظمة الفكرة وعظمة الأسلوب ? وما ذا نقول بخصوص كتب عظيمة مثل مقدمة ابن خلدون والأم للشافعي بل وبعض التفاسير كالكشاف للزمخشري وفي ظلال القرآن لسيد قطب؟.
نقد النظرية:يرى مؤلفا نظرية الأدب أن "هذه الكتب العظيمة مستحبة جدا لأغراض تربوية، وعلينا أن نوافق جميعا على الفكرة التي توجب على الطلاب والمبتدئين منهم خاصة أن يقرءوا الكتب العظيمة أوالجيدة" إلا أنهم يعلقون بعد ذلك بما يبين أن الأدب الابتداعي يتطلب تقاليد أدبية قد لا نجدها في هذه الكتب العظيمة وكذلك لا يفهم عندئذ أمر تطور الأنواع الأدبية ومن ثم طبيعة العملية الأدبية ذاتها[7]
النظرية الثالثة : الأدب هو الأدب التخييلي الابتداعي[8] مثل القصص والشعر والمسرح، والأدب بهذا المعنى الضيق هو الذي يتعامل معه النقد الأدبي في الغالب، ويقيمه من جهة الخصائص التي تكسبه الأدبية، ولكن هذا التعريف وإن نص على الأدب من حيث خاصية الخيال، كما نص على ذلك الجاحظ في تعريف الشعر بأنه "جنس من التصوير" فإنه لم يستطع أن يهيمن على الظاهرة الأدبية فعلا.
نقد النظرية :يرى  رنيه ويليك وأوستن  أن أبسط حل للمشكلة يكمن في تمييز الاستعمال الخاص للغة في الأدب بمعنى التفرقة بين اللغة الأدبية وغير الأدبية، من جهة والتفرقة بين أساليب استخدام الأدباء للغة تبعا للأنواع الأدبية، على أنه يستدرك أن اللغة في حد ذاتها مشحونة بالتراث الثقافي لكل مجموعة لغوية، وقد يشاركهم الرأي من يذهب إلى أن " هوية النص تتحقق من خلال السمات الأسلوبية التي تتبدى في كل خلية من خلاياه وتطبعه بطابعها فتهيمن عليه هيمنة تامة"[9].


[1] ـ رنيه ويلك  وأوستن : نظرية الأدب : 19
[2] ـ المعجم الوسيط : مادة : أدب
[3] ـ نفسه :
[4] ـ رنيه ويلك  ..: السابق : 19
[5] ـ عيار الشعر ص: 17 تحقيق طه الحاجري وزغلول سلام/ المكتبة التجارية/ القاهرة/ 1956
[6] ـ نفسه : 20
[7] ـ نظرية الأدب :  20
[8] ـ نظرية الأدب : 21
[9] ـ عدنان حسين قاسم :  الاتجاه الأسلوبي البنيوي:205 مؤسسة علوم القرآن الشارقة

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المدخل5    كن أول من يقيّم

اللغة العلمية واللغة الأدبية:
ينبغي أجراء تمييز أساسي في استعمالات اللغة بالنسبة لكل من مجالات الأدب والعلم والحياة اليومية، ... وبخاصة في تعريف الحد الفاصل بين اللغة الأدبية واللغة اليومية.. واللغة العلمية ، إذ أن  مجرد التضارب بين الفكر والانفعال أو الشعور ليس كافيا، لأن الأدب يحتوي على فكر أو معنى كما قال قدامة بن جعفر،  واللغة الانفعالية لا تقتصر إطلاقا على الأدب كما جاء في نظرية الأدب[1]، فاللغة العلمية إشارية بينما اللغة الأدبية ملأى بالجناس والتضممينات وليست دلالية فقط بل هي تعبيرية كذلك لأنها تنقل الموقف  ولا تقتصر على تقرير الفكرة في ذهن السامع بل تتجاوزه إلى التأثير في القلب، وتشدد على القيمة الصوتية في الوزن والقافية والسجع والتكرار[2]
وعلى العموم  فاللغة الأدبية أشد إيغالا في البنية التاريخية للغة فهي تشدد على وعي الإشارة ذاتها ولها جانبها التعبيري والذرائعي الذي تسعى اللغة العلمية إلى تقليله[3].
 
تمايز اللغة في الأنواع الأدبية:لا يشك الباحثون في الفروق القائمة بين لغة الأعمال العلمية والأعمال الأدبية، لاسيما الأدب الإنشائي، ولكن من الواضح أيضا أن هناك فروقا دقيقة بين الأنواع الأدبية، من قصة وشعر ومسرح ومقال أدبي..وقد ذهب القدماء إلى التفرقة بين الشعر والنثر فقال  ابن طباطبا: " الشعر كلام منظوم بائن عن المنثور"[4] لذا وجدنا من يذهب إلى أن " الشعر يتجاوز اعتباطيا العلامة إلى توازن بين الصوت والمعنى ويمنع استنفاذ العلامة من أي معنى كان إذ ينبغي على جسمها الكلامي أن يكون صلبا وغامضا بشكل يكون للتنغيم معنى وأن يكون لمعنى الكلمات صوتا"[5]
وقد توقف عند الفروق اللغوية بين الأنواع الأدبية  رنيه ويلك وأوستن وارين في كتابهما نظرية الأدب[6]، ليشيرا إلى أن :
1ـ  الجانب الصوتي في الشعر مختلف عنه في الرواية اختلافا بينا
2ـ العنصر التعبيري الانفعالي في الشعر الذاتي أكثر منه وأوضح في القصة والرواية
3ـ العنصر الذرائعي  الذي يهدف إلى التأثير بواسطة استثارة التوسل العاطفي لحظة أزمة انفعالية أقوى في الشعر  بينما العنصر البرهاني الذي يهدف إلى الإقناع أقوى في الرواية منه في الشعر، وحتى في الشعر تجد فرقا بين الشعر التعليمي التربوي والشعر الغنائي الذاتي.
4ـ اللغة في الرواية والقصة والمسرح أكثر ذهنية منها في الشعر
5ـ اللغة الشعرية أكثر انتهاكا لنظام اللغة من أجل وضع المستمع والقارئ في حالة من الوعي والانتباه
6ـ اللغة الشعرية تعنى كثيرا جدا بالحبك المحكم لدرجة التعقيد أحيانا بحيث يصبح من المستحيل أحيانا تغيير كلمة أو إضافتها دون إفساد تأثيرها في المجموع.ولا شك أن صفة الحبك هذه قد أكدت نظرية ابن طباطبا في تمييز الشعر من النثر بناء على حسن النظم حين قال: " الشعر كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستخدمه الناس في مخاطباتهم بما خص به من النظم الذي إن عدل عن جهته مجته الأسماع وفسد على الذوق"[7]
بعض الآليات الأسلوبية الفنية المميزة للأدب: على الرغم من وجود فوارق واضحة بين الفنون الأدبية  فإن هناك  عاملا مشتركا بينهما ألا وهو البلاغة لذلك يقول ابن وهب : "وفي الشعر والنثر جميعا تقع البلاغة"[8]
وكأن البلاغة هي العنصر المميز للأدب عامة عن الكلام اليومي والكلام الذي لم يقصد منه الأدب، و يلخص رنيه ويلك وأوستن تلك الفروق  في التقريرية والشخصيات  والزمان والمكان والحوار والخيال لكنهما يجعلان المرتكز هو الحكاية والمخيلة" بقولهما: "إن مركز الفن الأدبي يقع في الأنواع الأدبية التقليدية من شعر غنائي وملاحم ودراما والمرجع فيها كلها عالم الحكاية والمخيلة، والنصوص التقريرية في رواية أو قصيدة أو مسرحية ليست صحيحة بحرفيتها... إن شخصية ما في رواية تختلف عن شخصية تاريخية أو شخصية موجودة في الحياة الواقعية، فالشخصية في الرواية إنما تتألف فقط من الجمل التي تصفها أو التي وضعها المؤلف على لسانها، وليس لتلك الشخصية ماض أو مستقبل وليس لها أحيانا حياة مستمرة.
والزمان والمكان ليسا في الرواية كما في الحياة الواقعية ...وكذاطريقة رسم الشخصيات والحوادث المنتقاة أو الموضوعة وطرائق تسيير الحوار، ثم التخييل، ... فاللغة الشعرية مشحونة بالتصوير بدءا من أبسط أنواع المجاز وصعدا إلى المنظومات الأسطورية... إلا أن المجاز  ليس ضروريا للنصوص القصصية ومن ثم لجانب كبير من الأدب، فثمة قصائد جيدة وعارية تماما من الصور"[9] على أنه يعود فيقول: " الصفة المركزية هي التخييل"[10]


[1] ـ  نظرية الأدب :م س  : 23
[2] ـ نظرية الأدب : 22
[3] ـ نفسه: 23
[4] ـ عيار الشعر : ص 9 تحقيق طه الحاجري  وزغلول سلام : ص : 1
[5] ـ جان إيف تادييه: النقد الأدبي في القرن العشرين: 273/ ترجمة قام المقداد
[6] ـ نظرية الأدب : 24 ـ 25
[7] ـ عيار الشعر : م س : ص : 1
[8] ـ ابن وهب:  البرهان في وجوه البيان : 161
[9] ـ نظرية الأدب : 25ـ 26
[10] ـ نظرية الأدب م س : 25

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المدخل6    كن أول من يقيّم

لعل كل ذلك الاهتمام بالتمييز بين اللغة الأدبية وغير الأدبية، ثم التمييز بين اللغة في الأنواع الأدبية نفسها، يجعلنا نقبل بسهولة تعريفا آخر للأدب هو قول بعض النقاد " الأدب يشمل كافة الآثار اللغوية التي تثير فينا بفضل خصائص صياغتها انفعالات عاطفية أو إحساسات جمالية" وبذلك  يتبين لنا أن أصحاب هذه النظرية "لايميزون الأدب بصيغته فحسب بل يميزونه بأثره النفسي الذي ينبعث عن خصائص صياغته، وهذا الأثر هو الانفعالات العاطفية"[1]، وبهذه النظرية التي تجمع في الواقع بين نظرية الشعر عند  كل من  ابن وهب( الشعر شعور)  والجاحظ ( الشعر صياغة وضرب من التصوير) نستطيع أن نقول إن ماهية الأدب قد تحددت بعض الشيء، وعليه فلا حاجة لأن نقف عند من يقول : الأدب صياغة فنية لتجربة بشرية، لتعدد التجارب من شخصية وتاريخية وأسطورية واجتماعية، لأنها تدخل كلها في المادة الفكرية ملتبسة بالموقف العاطفي للأديب من موضوع ما، وكذلك لا فائدة من الوقوف عند من يقول: إن " الأدب نقد للحياة" بمعنى أن الأدب تمييز للحياة لأنه لا يحمل أي خصوصية أدبية، تلك الخصوصية التي حصرت في كيفية استخدام اللغة، مما فرض التعرض للأنواع الأدبية وعلاقتها باستخدام اللغة كما رأينا.



[1] ـ محمد مندور : الأدب ومذاهبه : 8

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
مقدمة الكتاب    كن أول من يقيّم

بسم الله الرحمن الرحيم

النقد الأدبي صورة من صور ما قصده أبو حيان التوحيديى بقوله:  "إن الكلام عن الكلام صعب" وتتأتى صعوبته من أنه معقد جدا لدرجة تجعل نظرياته لا تكاد تحصى، وأنواعه في تطور مستمر، وسواء أكان  النقد تعليقا لغويا على النص من حيث هو  بنية من الإشارات اللفظية، أم  كان فن شرح وتفسير للنصوص الأدبية، أم كان فن تحقيق للأعمال الأدبية أم هو علم يفسر النصوص الأدبية من حيث هي فن من القول،  فإن الدارسين يقسمونه إلى نقد نظري يعنى بالبحث في ماهية الأدب ووظائفه وأدواته، ونقد تطبيقي يعنى بمباشرة وتقييم النصوص الأدبية شعرا ونثرا، بما في ذلك دراسة النص التقدي نفسه نظريا كان أو تطبيقيا، لإصلاح حال من أحواله أو تغيير نظرية من نظرياته.
     وعلى هذا يمكن القول بأن الحقل النقدي عامة يشمل: النقد النظري والنقد التطبيقي ونقد النقد، وتحت كل منها نظريات نقدية يعد الاهتمام بها مساهمة فعالة  
في المكونات الحيوية للمنهج العلمي.
إن هذا الكتاب  الذي سميته " نظريات نقدية وتطبيقاتها" وعرضت فيه عدة نظريات نقدية تعقبها تطبيقات تحاول أن تعطي للنظريات بعدا عمليا، قد ركزت تطبيقاته على الشعر قديمه وحديثه باعتبار الشعر أرقى الفنون الأدبية القادرة على استيعاب تلك النظريات النقدية المتعددة.
وإن هذا الكتاب  بحكم سبق النقد الغربي لكل ما يطرحه فإنه يرمي إلى وضع  لبنة تشارك في تقريب النظريات النقدية الحديثة من خلال بعض الطروحات العربية القديمة، فهو إن لم يكن له مثيل في مجال النقد الأدبي ونظرياته، لاسيما في مجال الثقافة العربية والإسلامية، لاحتوائه على معظم النظريات الغربية والإسلامية، وهو الأمر الذي لا يتحقق في كتاب يغترف من النقد الغربي وحده، أو من النقد الإسلامي وحده، فإنه لا يدعي تقديم الجديد، على أن  الباحث قد توخى فيه قدر الإمكان الإلمام بالنظريات الأساسية التي تتضافر وتتنافس في الوقت نفسه لتجد حلا للمعضلات الأدبية التي يطرحها النقد الأدبي كلما حاول أن يواجه النصوص الأدبية من زاوية من الزوايا المتعلقة بالشكل أو بالمضمون، بالباطن أو بالظاهر، بالسطح أو بالعمق، لكون النص هو البنية الأدبية التي تتفاعل معها جميع النظريات.
ولما كان أول مشكل يعترض التساؤلات النقدية هو البحث في طبيعة الأدب وفي وظيفته، فإن هذا الكتاب جعل الفصل الأول من القسم الأول يبحث في نظريات طبيعة الأدب ونظريات وظيفته، وليس من شك في أن البحث في طبيعة الأدب وفي وظيفته قد قام على نظريات متعددة ينطلق بعضها من الشكل وينطلق بعضها من المضمون.
 ولما كانت النظريات متعددة ومتداخلة فإن هذا الكتاب يحاول أن يعرض هذه النظريات بتسلسل منطقي مبسط وموجز ييسر للدارس أمر الخلاف القائم بين هذه النظريات ويفسر أسباب ذلك، ويحاول في الأخير أن يقدم النظرية التوفيقية التي يبدو أنها أكثر ملاءمة للحقيقة الأدبية، وعليه فقد قدمنا نظريتين توفيقيتين إحداهما تتعلق بطبيعة الأدب وثانيهما تتعلق بوظيفته.
ومن الطبيعي والحال هذه أن يخصص مبحث من الفصل الأول لنظريات الأنواع الأدبية، ذلك لأن النوع إنما يتشكل منبثقا من الأصل، وعليه فإن الطبيعة والوظيفة تطرحان نفسيهما بقوة في الأنواع الأدبية من شعر وقصة ومسرحية.
ولما كان الطرح النقدي من الوجهة التطبيقية تعترضه مشكلات يتعلق بعضها  بالسطح ويتغلغل بعضها في العمق، فإن البحث لم يدخر جهدا في أن يعرض نظريات دراسة الأدب من الداخل سطحا ونظريات دراسة الأدب من الداخل عمقا ومضمونا، ومن هنا كان الحديث عن نظرية النقد اللغوي ونظرية المدرسة العضوية ونظرية النص أو الشعرية ونظرية الأسلوبية، كما كان ضروريا أن يتعرض لنظريات النقد الأخلاقي ونظريات مدرسة الإنسانية الجديدة ونظريات النقد الإسلامي ونظريات النقد الموضوعاتي.
على أن نظريات النقد لم تنقسم فقط على مستوى طبيعة الأدب ووظيفته أو على مستوى دراسة الأدب من جهة المضمون ودراسته من جهة الشكل، وإنما قد تنوعت وتعددت أيضا على مستوى دراسته من الخارج حيث يتم الاعتماد على العلوم والمعارف غير الأدبية كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ، وعلى هذا الأساس كان حتميا أن يتعرض الكتاب لنظريات النقد النفسي ونظريات النقد التاريخي، بل ونظريات النقد التكويني التي كانت نشأتها عند العرب مبكرة جدا متمثلة خاصة في تأملات شيقة لابن طباطبا.تلك التأملات التي كانت تستقي أفكارها من لمحات الجاحظ في البيان  كقوله (خذ من نفسك ساعة نشاطك) وقوله" من أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما ...فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف" ولمحات ابن قتيبة في أدب الكاتب والشعر والشعراء كقوله:" الأدب غض والزمان زمان وأهله يتحلون بالفصاحة ويتنافسون في العلم" وقوله "ونحن نستحب ممن قبل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه".

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
مقدمة الكتاب2    كن أول من يقيّم

هذا بالنسبة للقسم الأول، أما القسم الثاني من الكتاب فقد خصص للنقد التطبيقي وتحليل النصوص الأدبية بعيدا عن النصوص غير الأدبية ذلك لأن النص كما يقول أندريه جاك ديشين ثلاثة أنواع  أساسية هي:  النص الإيضاحي الذي يهدف إلى زيادة المعرفة البشرية في حقل معين  والنص السردي ( ويشمل المقالة السردية والقصة والحكاية والمسرحية)  والنص الشعري الذي يعد أكثرها تعقدا لما يتطلبه من قيمة صوتية وبلاغية  لا تعدلها في أي نص آخر.
والنص  لما كان أوسع بكثير من الكلمات والجمل والفقرات التي يتكون منها فإن ذلك يستوجب إلى جانب علوم اللغة والبلاغة والعروض التي تعين على استيعاب الشكل  الاهتمام بالعلوم الأخرى التي تعين على استيعاب المضمون كعلم النفس وعلوم الاجتماع والتاريخ،  لهذا لابد من التمييز بين بنية النص اللغوية وبنية النص المعنوية أو بعبارة أخرى " بنية السطح" و "بنية العمق"
لذلك  احتوى الباب الثاني من الكتاب تمهيدا وفصلين ، تناول في التمهيد مفهوم النص وطرق تحليله، باعتبار أن النص هو المحك الذي تختبر فيه صحة النظرية وقوتها إن في دراسة طبيعة الأدب أو في دراسة وظيفته، وتناول في الفصلين المواليين ـ تحليلا وتفسيرا ـ  مقدمة قصيدة للأخطل بعنوان (خبل وسقم) وقصيدة لصلاح عبد الصبور بعنوان ( شنق زهران) حاول أن يقدم من خلالهما طريقة تستثمر نظريات النقد الشكلي ونظريات نقد المضمون، ذلك هو محتوى الكتاب،  وعلى الله قصد السبيل.
 أحمد عثمان رحماني/ دبي في 25/9/2003.      

 

 ملاحظة
تجدون هنا  المصادر التي سقطت في النسخة التي بين أيديكم
 45ـ طه إبراهيم : تاريخ النقد الأدبي عند العرب دار الكتب العالمية بيروت /ط2
46 ـ طه حسين : خصام ونقد .
57 ـ عز الدين إسماعيل : الأدب وفنونه
58ـ علي جواد الطاهر : مقدمة في النقد الأدبي
74 ـ نجيب الكيلاني : مدخل إلى الأدب الإسلامي  كتاب الأمة 1407 هجري

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المبحث الثاني ـ وظيفة الأدب    كن أول من يقيّم

المبحث الثاني ـ وظيفة الأدب

 
رأينا في طبيعة الأدب كيف اختلفت النظريات وتشعبت في تفسير طبيعة الأدب فذهب بعضها إلى أن الأدب هو التراث الحضاري المكتوب وبعضها إلى أنه هو الكتب العظيمة وثالثها إلى أن الأدب هو الأدب التخييلي الابتداعي، ورابعها أن الأدب نقد للحياة وخامسها أن  الأدب صياغة فنية لتجربة بشرية، وعند النظر نجد أن تلك الاختلافات في تفسير طبيعة الأدب مردها إلى اختلاف آخر في تفسير غاية الأدب ووظيفته.فما هي غاية الأدب؟ وما وظيفته في الحياة؟ وهل له وظيفة؟
والحق أن الاختلاف حول وظيفة الأدب كان منذ زمن بعيد، ففي النقد الكلاسيكي كان التركيز على أن الأدب وظيفته الأخلاق، وكان استقصاء أرسطو في كتابه فن الشعر يدور حول ما هو الأدب وكيف يعمل عمله[1]  وأنه ينبغي أن يقوم بتطهير النفس، وفي الشعر العربي كان أحسن بيت  ما كان صادقا ? بمعنى حاملا للقيم النبيلة وموافقا للخلق السليم، يقول حسان ابن ثابت[2]:
وإن أشعر بيت أنـت قائـله      لـبيت يقال إذا أنشدته صـدقا
وإنما الشعر لب المرء يعرضه   على المجالس إن كيسا وإن حمقا
والمدرسة الرومانسية ترى أن الشعر تعبير عن ذات النفس، والواقعية ترى أن الأدب  نقد للواقع والحياة.
ولكن أمام كل هذه التعريفات يمكن أن نخرج بوجهتي نظر متمايزتي الموقف من المسألة هما : المدرسة الفنية التي ترى أن غاية الأدب محصورة فيه لاتتعداه، فالفن للفن لا غير، والمدارس الأخلاقية التي ترى أن الأدب يجب أن يكون خادما لحاجات الإنسانية، وأنه سيتحول ـ إذا تخلى عن وظيفته ـ إلى زخرفة لا ثمن لها.وقد يطلق على الأول الاتجاه المثالي الجمالى ويطلق على الثاني الاتجاه الواقعي يقول غنيمي هلال :" الاتجاه الجمالي والواقعي في صراع دائب ولكنهما غالبا ما يتكاملان لدى كبار النقاد إذا نظرنا إلى ملابسات عصرهم"[3]
ومع أن أساس هذا الاختلاف يرتبط بالإجابة عن ما هية الأدب فإن بعض النقاد يرون أن السؤال عن الوظيفة أهم من التساؤل عن الطبيعة فنحن نجد مثلا  (غراهام هو) يقول :"من المنطقي أن نبدأ بالسؤال عما هو الأدب  وإن كنا نعرف  جيدا ما هو، إنه الإلياذة وهاملت والحرب والسلم وغير ذلك  وهذا الوصف الظاهري صالح بما يكفي لنبدأ به، أما السؤال الذي ينظر إليه بشكل عام على أنه أكثر إلحاحا فهو: لأي شيء وضع الأدب؟ وما مكانته في مجمل التجربة الإنسانية؟ يقول ذلك ثم يجيب:  "فأول ما يهمنا هو ما إذا كان الأدب يهمنا على الإطلاق، وبأية الطرق؟[4]
 
قيمة الوظيفة: لاشك أن الأشياء كلها تكتسب قيمتها من الوظيفة التي تقوم بها، وأن للنتاج المصنوع البنية الملائمة لتنفيذ وظيفته[5]، وأن بعضها يؤدي وظيفته من خلال  جماله  يقول سيد قطب:" إن عنصر الجمال يبدو مقصوداً قصداً في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن كمال هذا الجمال أن وظائف الأشياء تؤدى عن طريق جمالها. هذه الألوان العجيبة في الأزهار تجذب النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التي تفوح . ووظيفة النحل والفراش بالقياس إلى الزهرة هي القيام بنقل اللقاح ? لتنشأ الثمار. وهكذا تؤدي الزهرة وظيفتها عن طريق جمالها ! . . والجمال في الجنس هو الوسيلة لجذب الجنس الآخر إليه ? لأداء الوظيفة التي يقوم بها الجنسان . وهكذا تتم الوظيفة عن طريق الجمال .
الجمال عنصر مقصود قصداً في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن ثم هذه اللفتات في كتاب الله المنزل إلى الجمال في كتاب الله المعروض"[6]، كما أن"كل موضوع يستعمل كأحسن ما يكون الاستعمال وأعقله حين يستعمل لما وضع له أساسا ويكتسب استعمالا ثانويا حين تضمر وظيفته الرئيسية فقط"[7]
 ونظرا لأهمية الوظيفة فإن مارسيل ريمون  جعل مقدمة كتابه تحدد وظيفة الشعر، وعمد إلى عرض المفهوم والمذهب الفلسفي لكل فنان بل وفكر في أن العامل المشترك بين مجموعة من الفنانين مثل بودلير وفيرلين ورامبو  هو التفكير في المصير ومحاولة إيجاد " حل لقضية المصير"[8]، بل قد نجد من النقاد الجماليين من يعد الوظيفة ملتبسة بالجمال ذاته وعندئذ يصبح " الشعر الذي يجعل الأسئلة دون طائل أو على نحو أدق الشعر الذي يرد عن طريق جماله الغامض على كافة الأسئلة التي قد نتصورها"[9]، وهكذا نجد أن النظريات التي تحدد وظائف الأدب متعددة، فما هي تلك النظريات؟


[1] ـ غراهام هو :  مقالة في النقد : 13
[2] ـ ابن قتيبة : الشعر والشعراء : 22ـ 25
[3] ـ غنيمي هلال : النقد الأدبي الحديث : 291
[4] ـ غراهام هو ـ مقالة في النقد :13
[5] ـ     نظرية   الأدب : 29
[6] ـ في ظلال القرآن : 3585
[7] ـ نظرية الأدب م س  م 29
[8] ـ جان إيف تادييه : لنقد  الأدبي في القرن العشرين : 103
[9] ـ النقد الأدبي في القرن العشرين : 107

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المبحث الثاني2    كن أول من يقيّم

تعدد النظريات التي تفسر وظيفة الأدب:
يمكننا أمام كل ذلك أن نعمد إلى النظريات التي تناولت موضوع الوظيفة الأدبية لنستعرض بعضها كي نقف على آراء المتخصصين في ذلك، خاصة وأن رنيه ويلك يثير تساؤلا  مفاده : هل للأدب وظيفة أم وظائف؟ نستطيع إزاء ذلك أن نستعرض ثلاث نظريات اثنتان متناقضتان والثالثة توفيقية:
أولا ـ النظرية الأولى: ترى أن الأدب ممتع وأن الفن للفن لا لشيء آخر فهو : "تأمل خالص منزه عن المصلحة، وأن القيمة الشعرية منفصلة تماما عن أية قيمة من قيم أدواته"[1] ،وأن الجميل هو الذي يحتوي،  في نفسه وفي خارج نطاق الذات ، على ما يثير في إدراك  المرء فكرة العلاقات، "فالتشبيهات والصور في الأدب لا تختار على أساس جمالها في ذاتها ولكن لما يتطلبه موقعها في جملة العمل الأدبي"[2] يقول ديدرو أحد أقطابها :" فنحن نعجب بالأشياء لجمالها دون أن يدخل في مبدأ الإعجاب فائدتها[3] ويقول كانت  أحد الفلاسفة الذين كونت أفكارهم خلفية لمدرسة الفن للفن وللرمزيين : " أمام الجمال نحس بمتعة تكفينا السؤال عن الغاية" ويقول تيل جوتييه : "يسألون أية غاية يخدم هذا الكتاب؟ إن غايته التي يخدمها أن يكون جميلا"[4]، ولا شك أن المفكرين الذين ذهبوا هذا المذهب كثير  منهم بندتو كروتشيه وإدجار آلان بو،  وبودلير، وتوماس إليوت وإزرباوند  وسبينجارن الأمريكي الذي يقول : " كل عمل أدبي نتاج فكري تسيطر عليه قوانينه الخاصة به ولاشيء سوى الشكل"[5] وآلان تيت  الذي يقول في تعليقه على أشعار ازرباوند " هذه الأشعار ليس لها من معنى ولكنها أشعار ممتازة"[6] والشكلانيون الروس الذين يرون أن " النسق الأدبي مقابل النسق التاريخي يتميز باستقلالية معينة لأنها إرث الأشكال والمعايير الثقافية المتنوعة التي بدأت من البناء السردي إلى مختلف طرق النظر في مسألة العروض وتسمح هذه بالاستقلالية بالتفكير في مسألة الأدبية  la litterarite"[7]، وهذه النظرية ترى أن مهمة النقد هي أن يتأمل العمل الأدبي ويحلله ويحكم عليه كعمل من الفن وكشيء من الجمال في صفته الجمالية، إن الأدب فن، شكل من المهارة مصنوع... والناقد كالفنان يهتم بالتقنية وعملية التصنيع ولكنه يهتم بالبناء والخاصيات الجمالية... كالوحدة والتوازن والتأكيد والإيقاع..."[8] وربما كانت نظرية النص خاتمة النظريات الجمالية التي عرفت الشعر بأنه : "ضرب من ضروب اللغة"[9]،وبأن "الأسلوب هو النص ذاته"[10]،  وعليه فلنطابق بين الأسلوب والنص لنبين العلاقة بين الأسلوب والإنسان، وبمعنى آخر ليس الأسلوب هو الرجل بل الأسلوب هو النص.
  


[1] ـ  غراهام هو : مقالة في النقد : 18      
[2] ـ غنيمي هلال : النقد الأدبي الحديث : 296
[3] ـ غنيمي هلال  : نفسه : 298
[4] ـ غنيمي هلال : القد الأدبي الحديث  300،  304
[5] ـ غنيمي هلال  : م س :318
[6] ـ غنيمي  هلال: م س : 318
[7] ـ مجموعة من النقاد : مدخل إلى مناهج النقد الأدبي : 214 ترجمة رضوان ظاظا  سلسلة عالم المعرفة 1997
[8] ـ نورمان فورستر : الحكم الجمالي  ... : 142  ضمن كتاب : مقالات في النقد : ترجمة وجمع إبراهيم حمادة  دار المعارف / مصر
[9] ـ مدخل إلى مناهج النقد م س : 221
[10] ـ نفسه
[11] ـ نورمان فورستر : الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي في النقد : 142 م س
[12] ـ غنيمي هلال : م س : 319
[13] ـ مقالة في النقد : 18
[14] ـ غنيمي : م س : 321

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
المبحث الثاني3    كن أول من يقيّم

نقد النظرية: هذه النظرية تهتم بالشكل الأدبي، ويبدو أنها لا ترى أن للأدب أي وظيفة غير المتعة  الناجمة من جمال الشكل الأدبي، أو ما سمي بالأدبية(litterarite) ? وإذا نظرنا إلى كلمة"lettre " من زاوية تعني (الحرف) فهمنا أن طبيعة النظرية طبيعة شكلية في الأساس، بل هي ترى أن وظيفة الأدب هي المتعة ذاتها.
وفي الحقيقة لا يمكن إنكار دور الأدب في الحياة ونحن نعرف مثلا أن " رواية ( كوخ العم توم) كانت أحد مسببات الحرب بين الولايات الأمريكية، كما أن رواية (عناقيد الغضب ) فيما بعد أحدثت ردود فعل اجتماعية عنيفة، ولعل الفعالية القوية لتأثيرات الأعمال الأدبية كانت من الأمور الحيوية التي انشغل بها أفلاطون الذي نفى من جمهوريته كل الشعراء ما عدا الذين يهزجون بالترانيم للآلهة وبالمدائح للرجال المشهورين"[1] ولذلك وجهت لهذه النظرية  انتقادات كبيرة يقول بابيت : " الجمال كما نعرفه في هذا العالم ? ليس كما يزعم السيد سبينجارن ? مظهرا في الفراغ ولكن له أصوله الاجتماعية والسياسية ? بل والخلقية"[2]
وفي الحقيقة  يبدو أن هذه النظرية  الشكلية لا تهمل الفائدة الخلقية والمنفعة الأدبية بصفة عامة، إنها ترى أنه "من الممكن تماما أن نعتنق  نظرية شكلية، وأن نؤمن أيضا بأن الأدب ينبغي أن يخضع لسيطرة خارجية من الدين والقانون أو الحس الخلقي للجماعة، فالشيء الضروري لنظرية شكلية هو أن تتمسك بأن هذه السيطرة الخلقية سيطرة خارجية ولا تؤثر في القيمة الأدبية"[3].
ومعنى ذلك أن هذه النظرية لا تستبعد المنفعة لكنها لا تراها تمثل شيئا أساسيا في طبيعة الأدب. والحق أننا لو سلمنا بذلك فإن الجميل ليس هو ما يعجب ولكن هو ما يسر.
هذا فضلا عن كون  بعضهم قد صرح أخيرا بما يفهم أنه قد تراجع عن فكرة الفن للفن فهذا  إليوت زعيم الموضوعية واستقلال العمل الأدبي عن صاحبه يقرر : " مهما قيل في استقلال الفن وما اجتهد أهله في الاكتفاء به غاية في ذاته فإنه لابد أن يمس مسائل الخلق والدين والسياسة"[4].
 
ثانياـ النظرية الثانية: ترى أن الأدب نافع ومفيد " والشعر أداة للتهذيب"[5]،بل ترى : "أن الجمال في جوهره ليس إلا التعبير عن الخير الخلقي أو العملي"[6] ومن ثم تركز على العلاقة بين السرور والجمال، فنحن نجد مثلا جورج سانتيانا يقول : "هذه هي الحال في الجمال وفي غيره من لذات الحس، فليس هناك حد فاصل بينهما بل الذي يحدد قولي: ( إن الشيء يسرني) أو ( إن الشيء جميل) هو درجة تحويل إحساسي إلى موضوع، وإذا كنت واعيا بذاتي متوخيا الدقة وروح النقد فإنني قد استعمل إحدى هاتين العبارتين دون الأخرى أما إذا كنت تلقائيا شديد الحساسية فربما يحدث العكس، وكلما كانت اللذة نائية معقدة وثيقة الارتباط بغيرها بدت لنا أكثر موضوعية، وقد يكون الاتحاد بين لذتين مختلفتين مصدرا للجمال الواحد، ففي المقطوعة الغنائية لشكسبير( رقم54) نجد هذه الآلفاظ:
كم يبدو الجمال أكثر جمالا حينما يضفي عليه الصدق زينته ابديعة
إن الوردة تبدو جميلة، إلا أننا نعدها أكثر رونقا لذلك العطر الشذى الذي يحيا فيها
والأزهار السقيمة لها نفس اللون الأصيل الذي للوردة المعطرة
وهي عالقة على الأغصان تحيطها الأشواك مثل الورود
 ومثل الورود تراها تهتز بروح حينما يهب نسيم الصيف فيكشف عن براعمها المقنعة
 ومع ذلك فليس جمالها إلا مظهرا وهي تعيش دون أن يخطب ودها أحد، وتذبل دون أن يجلها أحد، وتموت وحيدة موحشة
أما الوردة العذبة فليست هكذا وإنما تصنع العطور العذبة من موتها العذب"[7]


[1] ـ نورمان فورستر : الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي في النقد : 142 م س
[2] ـ غنيمي هلال : م س : 319
[3] ـ مقالة في النقد : 18
[4] ـ غنيمي : م س : 321
[5] ـ نظرية الأدب : 29
[6] ـ جورج سانتيانا:  الإحساس بالجمال: 292
[7] ـ جورج سانتيانا: الإحساس بالجمال: 94ـ 95
[8] ـ ابن رشيق : العمدة : ج 1 ص 76 ، وانظر:  غنيمي  : م س  221
[9] ـ نظرية الأدب  م س : 32
[10] ـ أرسطو طاليس: فن الشعر 18 ترجمة عبد الرحمن بدوي دار الثقافة بيروت وانظر غنيمي : م س  :65
[11]   أرسطو طاليس في فن الشعر ص 16 قال: الملهاة هي محاكاة الأراذل من الناس لا في كل نقيصة ولكن في الجانب الهزلي الذي هو قسم من  القبيح  وانظر غنيمي م س 89
[12] ـ نظرية الأدب : 37
[13] ـ نظرية الأدب : م س : 37
[14] ـ نظرية الأدب  م س : 33
[15] ـ  النقد الأدبي في القرن العشرين م س : 192
[16] ـ غنيي هلال : النقد الأدبي  الحديث :   م س : 331
[17] ـ سيد قطب : النقد الأدبي  أصوله ومناهجه: 106
[18] ـ مقالة في الأدب : 19

18 - مايو - 2008
كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني
 47  48  49  50  51