ابن جانبولاذ كن أول من يقيّم
قال المحبي في ترجمة ابن جانبولاد: الأمير علي بن أحمد بن جانبولاذ بن قاسم الكردي القصيري: قد أكثر أهل التاريخ والمجاميع ممن لحقوا واقعته من ذكره وذكر ما فعله بدمشق وما جرى لحكام الشام وأهلها معه من الوقائع وقد اخترت من ذلك ما أودعته في هذه الأوراق من مبدأ أمره إلى منتهاه وأما ذكر أصله ومنزعه فجده جانبولاذ هذا كان يعرف بابن عربو وكان أمير لواء الأكراد بحلب ولي حكومة المعرة وكلس وعزاز وكان له صيت شائع وهمة علية ومبدأ الأمير علي هذا أنه كان في طليعة عمره ولي حكومة العزيزي وقد تقدم في ترجمة عمه حسين باشا أنه لما قتله الوزير ابن جغال لتراخيه في أمر السفر الذي كان عين له خرج الأمير علي عن طاعة السلطنة وجمع جمعاً عظيماً من السكبانية حتى صار عنده منهم ما يزيد على عشرة آلاف ومنع المال المرتب عليه وقتل ونهب في تلك الأطراف ودبر علي قتل نائب حلب حسين باشا وكان ولاه السلطان نيابتها ووصل إلى أذنة وكان بأذنة حاكم يعرف بجمشيد فكتب إليه ابن جانبولاذ أن يصنع له ضيافة ويقتله ففعل ونما خبره إلى الأقطار واستمر في حلب يظهر الشقاق إلى أن أرسل الأمير يوسف بن سيفا صاحب عكار إلى باب السلطنة رسالة يطلب فيها أن يكون أميراً على عساكر الشام والتزم بإزالة الأمير علي عن حلب فجاءه الأمر على ما التزم وأرسل إلى عسكر دمشق وأمراء ضواحيها يطلبهم إلى مجتمع العساكر وهو مدينة حماه فتجمعوا هناك من كل ناحية وجاء ابن جانبولاذ إلى حماه وتلاقيا وتصادما فما هو إلا إن كان اجتماعهم بمقدار نحر جزور فانكسر ابن سيفا وأتباعه ورجع بأربعة أنفار واستولى ابن جانبولاذ على مخيمه ومخيم عسكر الشام. ثم أنه راسل الأمير فخر الدين بن معن أمير الشرف وبلاد صيدا وأظهر له أنه قريبه مع بعد النسبة فحضر إليه واجتمعا عند منبع العاصي وتشاورا على أن يقصد طرابلس الشام لأجل الانتقام من ابن سيفا فسار ابن سيفا في البحر وأخلى لهم طرابلس وعكار وأرسل أولاده وعياله إلى دمشق وأجلس مملوكه يوسف في قلعة طرابلس فتحصن بها وبعث ابن جانبولاذ الأمير درويش بن حبيب بن جانبولاذ إلى طرابلس فضبطها واستولى على غالب أموال من وجد هناك واستخرج دفائن كثيرة لأهلها ولم يستطع أن يملك قلعتها وسار الأمير علي ومعه ابن معن إلى ناحية البقاع العزيزي من نواحي دمشق ومرا على بعلبك وخربا ما أمكن تخريبه منها واستقرا في البقاع وأظهرا أنهما يريدان مقاتلة عسكر الشام ولم تزل العساكر الشامية ترد إلى دمشق حتى استقر في وادي دمشق الغربي ما يزيد على عشرة آلاف وتزاحف العسكران حتى استقر ابن جانبولاذ وابن معن في نواحي العراد وزحف. العسكر الدمشقي إلى مقابلتهما وكان ابن سيفا وصل إلى دمشق وأظهر التمارض ولم يرحل مع العسكر الشامي واستمرت الرسل مترددة بين الفريقين ليصطلحا فلم يقدر لهم الاصطلاح وتزاحف الجيشان فتوهم ابن جانبولاذ من صدمة العسكر الشامي فشرع في تفخيذ أكابر العسكر عن الاتفاق وأوقع بينهم ثم أنه أرسل إلى طائفة من أكابرهم فوردوا عليه في مخيمه ليلاً وألبسهم الخلع وتوافقوا معه على أنهم ينكسرون عند المقابلة وكان في جانب ابن جانبولاذ ابن معن وابن الشهاب أمير وادي التيم ويونس بن الحرفوش فطابت نفسهم لملاقاة الشاميين وتقابل الفريقان في يوم السبت من أواسط جمادى الآخرة سنة خمس عشرة بعد الألف ولم يقع قتال فاصل بين الفريقين ثم في صبيحة نهار الأحد وقف العسكر الشامي في المقابلة واقتتلا فما مر مقدار جلسة خطيب إلا وقد انفل العسكر الشامي حتى قال ابن جانبولاذ . ؟.. حتى نزل بقرية المزة وكان نزوله في الخيام وأما ابن معن فإنه كان ضعيف الجسد في هاتيك اليام وكان نزوله في جامع المزة وأصبحت أبواب البلدة يوم الاثنين مقفلة وقد خرج منها ابن سيفا وجماعته ليلاً بعد أن اجتمع به قاضي القضاة بالشام المولى إبراهيم بن علي الأزنيقي وحسن باشا الدفتري المقدم ذكرهما ولم يمكناه من الخروج حتى دفع إليهما مائة ألف قرش ليفتدوا بها الشام من ابن جانبولاذ خروجه غضب وقال أهل دمشق لو أرادوا السلامة مني ما مكنوا ابن سيفا من الخروج وهم يعرفون أنني ما وردت بلادهم إلا لأجله ونادى عند ذلك بالسكبانية أن يذهبوا مع الدروز جماعة ابن معن لنهب دمشق فوردت السكبانية والدروز أفواجاً إلى خارج دمشق وشرعوا في نهب المحلات الخارجة فلما اشتد الكرب والحرب على المحلات وتلاحم القتال خاف العقلاء في دمشق فخرج جماعة إلى ابن جانبولاذ وقالوا له أن ابن سيفا قد وضع لك عند قاضي الشام مائة ألف قرش وتداركوا له خمسة وعشرين ألف قرش أخرى كما وقع عليه معه الاتفاق من مال بعض الأيتام التي كانت على طريق الأمانة في قلعة دمشق وبعد ذلك أداها أيضاً ابن سيفا كالمائة ألف فلما تكلم الناس في الصلح طلب ابن جانبولاذ المال الذي وقع عليه الصلح على يد الدفتري وقال أن جاءني المال في هذا الوقت رحلت فحملوا له مائة ألف قرش وخمسة وعشرين ونادى بالرحيل عن المزة في اليوم الرابع من نزوله واستمر النهب في أطراف دمشق ثلاثة أيام متوالية وكانوا يأخذون الأموال والأولاد الذكور ولم يتعرضوا للنساء ولما رحل ابن جانبولاذ ارتفع النهب عن المدينة وفتحت أبواب المدينة في اليوم الرابع فازدحم الناس على الخروج أفواجاً أفواجاً ودخل إليها من نهبت أسبابه من المحلات الخارجة فكانوا لا يعرفون لتغير أسبابهم ووجوههم وابتدأت العساكر الهاربة تتراجع إلى دمشق ولم ينالوا بما صدر منهم من الفضيحة ولما فارق ابن جانبولاذ دمشق سار على طريق البقاع وفارق ابن معن هناك ورحل إلى أن وصل إلى مقابلة حصن الكراد وأقام هناك وأرسل ابن سيفا يطلب منع الصلح والمصاهرة فأجابه وأعطاه ما يقرب من ثلاث كرات من القروش وزوجه ابنته وتزوج منه أخته لابنه الأمير حسين ورحل ابن جانبولاذ من هناك إلى جانب حلب وجاءته الرسل من جانب السلطنة تقج عليه ما فعل بالشام فكان تارة ينكر فعلته وتارة يحيل الأمر على عسكر الشام وشرع يسد الطرقات ويقتل من يعرف أنه سائر إلى طرف السلطنة لإبلاغ ما صدر منه حتى أخاف الخلق ونفذ حكمه من أدنة إلى نواحي غزة وكان ابن سيفا ممتثلاً لأمره غير تارك مداراة السلطنة واتفق معه على أن تكون حمص تحت حكم ابن سيفا وكانت حماة وما وراءها من الجانب الشمالي إلى أدنه في تعلق ابن جانبولاذ وانقطعت الطرقات إلى أن ولي الوزارة العظمى مراد باشا وكان سافر في ابتداء وزارته إلى الروم وأصلح ما بين السلطان وما بين سلاطين المجر فلما قدم عنه السلطان لدفع ابن جانبولاذ وبقية الخوارج مثل العبد سعيد ومحمد الطويل الخارج في نواحي سيواس فقدم الوزير المذكور ومعه من العساكر الرومية ما يزيد على ثلثمائة ألف ما بين فارس وراجل وكان كلما مر يقوم من السكبانية الخارجين يقتلهم حتى أزال السكبانية الخارجين ولم يبق سوى العبد سعيد والطويل محمد فإنهما حادا عن طريقه ولم يستطع لحاقهما ووصل إلى أدنة فخلصها من يد جمشيد الخارجي ولما انفصل عن جسر المصيصة إلى هذا الجانب تيقن ابن جانبولاذ أنه قاصده فجمع جموعه المتفرقة في البلاد حتى اجتمع عنده أربعون ألفاً وخرج من حلب والوزير في بلاد مرعش وجزم بمقابلته وكان الوزير في أثناء ذلك يراسله بالكلمات الطيبة طمعاً في إصلاح أمره فلم يزدد إلا عتواً ولما تلاقى الفريقان برز عسكر ابن جانبولاذ إلى المقاتلة يومين ولم يظهر لأحد الفئتين غلبة على الأخرى ففي اليوم الثالث التحم القتال حتى كاد أن يكون عسكر البغاة غالباً وكان من أعاجيب الأمر أن وزيراً يقال له حسن باشا الترياقي وكان من جملة العسكر السلطاني رتب عسكر السلطان وقال قاتلوا البغاة إلى وقت الظهر فإذا حكم وقت الظهر فافترقوا فرقتين فرقة منكم تذهب لجانب اليمين وأخرى تذهب لجهة الشمال واجعلوا عرصة القتال خالية للأعداء وحدهم وقد أخفى المدافع الكبيرة في مقابلة العدو وملأها بالبارود فلما افترق عسكر السلطان ظن حزب ابن جانبولاذ أنهم كسروا فبالغوا في اتباع عسكر السلطان إلى أن كادوا يخالطونهم فلما قربوا وخلت لهم عرصة القتال أطلقوا عليهم المدافع ولحقوهم بالسيوف إلى أن أزاحوهم عن خيامهم وكسروهم كسرة شنيعة وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وهرب ابن جانبولاذ إلى حلب ولم يقر بها إلا ليلة واحدة فوضع أهله وعياله وذخائره في قلعتها وخرج منها إلى أن ألجأه الهرب إلى ملطيه وبقي الوزير يتبع أعوان ابن جانبولاذ فأبادهم قتلاً بالسيف وجاء إلى حلب بالجنود فرأى قلعتها في أيدي بعض أعوان البغاة فرام محاصرتها فتحقق من فيها أن كل محصور مأخوذ فطلبوا الأمان من الوزير فأنزلهم بأمانه وكانوا نحو ألف رجل وكان معهم نساء وكان أكابر الجماعة أربعة من رؤس السكبانية فلما نزلوا بادروا إلى تقبيل ذيل الوزير فأشار إلى النساء بالسكن في مكان العلوم وفرق الرجال على أرباب المناصب وطلع إلى القلعة ورأى ما بها من أموال ابن جانبولاذ وتحفه العزيزة فضبط ذلك كله لبيت المال ثم شرع يتجسر في حلب على الأشقياء وأتباعهم فقتل جملة من الأتباع وهجم الشتاء ففرق العساكر في الأطراف وشتى هو في حلب وأما ابن جانبولاذ فإنه خرج من ملطيه وسار إلى الطويل العاصي في بلاد أناطولي وأراد أن يتحد معه فأرسل إليه الطويل يقول له: أنت بالغت في العصيان وأنا وإن كنت مسمى باسم عاص لكني ما وصلت في العصيان إلى رتبتك فرحل عنه بعد ثلاثة أيام وسار إلى العاصي المعروف بقرا سعيد ومعه ابن قلندر ولما وصل إلى جمعية هؤلاء العصاة تلقوه وعظموه وحسنوا فعلته مع العساكر السلطانية وأرادوا أن يجعلوه عليهم رئيساً فشرط عليهم شروطاً فما قبلوها فاطمأن تلك الليلة إلى أن هجم الليل وأخذ عمه حيدر وابن عمه مصطفى وابن عمه محمداً وخرج ولم يزل سائراً حتى دخل بروسة مع الليل وتوجه إلى حاكمها وأخبره بنفسه فتحير منه ولما تحقق ذلك قال له ما سبب وقوعك فقال ضجرت من العصيان وها أنا ذاهب إلى الملك فأرسلني إليه في البحر فأرسله من طريق البحر فلما دخل دار السلطنة أعلم به السلطان فقال أحضروه فلما حضر إليه قال له: ما سبب عصيانك فقال له ما أنا عاص وإنما اجتمعت علي فرق الأشقياء وما خلصت منهم إلا بأن ألقيتهم في فم جنودك وفررت إليك فرار المذنبين فإن عفوت فأنت لذلك أهل وإن أخذت فحكمك الأقوى فعفا عنه وأعطاه حكومة طمشوار في داخل بلاد الروم ونجا بذلك ولم يزل على حكومتها إلى أن عرض له أمر أوجب قتاله لرعايا تلك الديار ولزم أنه انحصر في بعض القلاع في بلاد الروم فعرض أمره إلى باب السلطنة الأحمدية فبرز الأمر بقتله وعدم إخراجه من تلك القلعة فقتل وأرسل رأسه إلى باب السلطنة وكان ذلك في حدود العشرين وألف والله أعلم.
|