البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات زهير ظاظا

 363  364  365  366  367 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
خطبة النصر وصلاة الشكر    كن أول من يقيّم

ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، واشتد قتالهم، وانتحى سفيان على مركزه لم يرم والجرشي على مركزه لم يرم، وكانت ميلتهم على الميسرة، فنحوا عبدالرحمن العكي.
فلما رآه الحجاج قد انكسرت ناحيته، وزال عنها، بعث إليه بن عمه الحكم بن أيوب في خيل. فقال: انطلق إلى عدو الله فاضرب وجهه بالسيف حتى ترده إلى مقامه، ففعل، وبعث إلى سفيان بن الأبرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم، فحمل عليهم سفيان وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها، وكان بإذن الله الفتح والغلبة من ناحية سفيان، وقد بعث إليه الجرشي يستأذنه للقتال، فمنعه الحجاج وقال له: لا، إلا أن ترى أمراً مقبلاً، وتمكنا من فرصة، فاجتمع الأمر، وثاب العكي، وانهزم بن الأشعث، واستحقت هزيمته، فدعا الحجاج بدابته فركبها، وركب من كان مترجلاً معه، بعد سجود ودعاء، وشكر كان منه، على ما صنع الله به ومن كان معه، وحمدوا الله تعالى كثيراً، وكبروا تكبيراً عالياً، ثم انتهى إلى ربوة فأومأ إليها، ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم، وحسر بيضته عن رأسه، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده، وهو يتمثل بهذه الأبيات، وهي من قول عبيد بن الأبرص، أو من قول اليشكري (1):
كيف يرجون سقاطي بعد iiما جـلل الرأسَ بياضٌ iiوصلعْ
سـاء ما ظنوا وقد iiأوريتهم عند غايات الوغى كيف أقعْ
رب من انضجت غيظاً قلبه قـد  تمنى لي موتاً لم iiيطعْ
ويـراني كالشجى في iiحلقه عـسـراً مخرجه ما iiينتزعْ
مـربـد  يهدر ما لم iiيرني فـإذا أسمعته صوتي iiانقمعْ
ويـحـيـيـني  إذا iiلاقيته وإذا  يـخلو له الحمى (2) iiرتعْ
ورث  الـبغضاء عن iiوالده حافظاً منه الذي كان iiاستمعْ
ولـسـاني صيرفي iiصارم كذباب  السيف ما مسّ iiقطع
________
(1) المراد باليشكري هنا سويد بن أبي كاهل، وهذه القصيدة هي أشهر شعره على الإطلاق، وصلنا منها (108) أبيات، ولم يصلنا من شعره غيرها سوى نتف ومقطعات، وديوانه منشور في الموسوعة وعدد أبياته 172 بيتا. وهو من مخضرمي الجاهلية والإسلام، عده ابن سلام في طبقة عنترة
(2) كذا هي في نشرة الوراق لكتاب (الإمامة والسياسة) والبيت على هذه الصورة مختل، وهو في ديوانه (وإذا يخلو له لحمي رتع)

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
هروب ابن الأشعث وإعدام الأسرى    كن أول من يقيّم

قال: فلما فرغ الحجاج من هذه الأبيات كبر، ثم حمد الله بما هو أهله، للذي كان من صنعه به وبجماعته.
فبينا هو كذلك، إذ أتاه من يخبره أن بن الأشعث قد انخزل من أصحابه في نفر يسير، متوجهاً إلى ناحية خراسان، فدعا الحجاج ابن عم له، كان يعرفه بالنصيحة والهوى، فقطع معه ليلاً، وأرسله في طلب ابن الأشعث إلى مواضع شتى، وعهد إليهم أن لا يدركوا أحداً إلا أتوا به أو برأسه أو يموت؛ فوقف الحجاج طويلاً في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر بن الأشعث، وأصحابه ينتهبونه، ثم رجع إلى معسكره فنزل، ودخل فسطاطه فجلس، وأذن لأصحابه فدخلوا عليه، فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح، وجعل ابن جبلة يأتيه بالأسرى، فكلما أتي بأسير أمر به فضربت عنقه، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل. (... يتبع)

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
القبض على ابن الأشعث    كن أول من يقيّم

فلما أصبح وتراجع إليه أكثر خيله، أمر مناديه ينادي بالقفل، فقفل وقفلت معه أجناده، وجميع أصحابه إلى مدينة واسط، فكان فيها وهو الذي كان بناها، قال: وضرب بن الأشعث ظهراً لبطن، ليلاً ونهاراً حتى لحق بخراسان، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج، والحذر لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع، حتى استغاث بقصر منيف، فحصره ابن عم الحجاج فيه، وأحاطت به الخيل من كل جانب، حتى ضيق عليه، ودعا بالنار ليحرقه في القصر. فلما رأى بن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ، وخاف النار، رمى بنفسه من بعض علالي القصر، وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار النار، فيخفى أمره، ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه، وانخذل ظهره ووقع مغشياً عليه.
قال: فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه، وقد أفاق بعض الإفاقة، ولا يقدر على النهوض فأتوا به إلى بن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته، وانطلق برأسه إلى الحجاج، فلما قدم عليه أحدث لله شكراً وحمداً فيما كان من تمام الصنع، وما هيأ له من التأييد والظفر. (يتبع)
 

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
كثرة أتباع ابن الأشعث    كن أول من يقيّم

وأقام كذلك لا يمرّ عليه يوم إلا وهو يؤتى فيه بأسرى، فلما رأى كثرتهم ازداد حنقاً وغيظاً لمسارعتهم في اتباع بن الأشعث، ومخالفتهم عن الحجاج، فيأمر بقتلهم حرداً على الخوارج، ورجاء أن يستأصلهم، فلا يخرج عليه خارجيّ بعدها، فلما رأى كثرة من يؤتى به من الأسرى تحرى، فجعل إذا أتي بأسير يقول له: أمؤمن أنت أم كافر؟ ليعرف بذلك الخوارج من غيرهم، فمن بدأ على نفسه بالكفر والنفاق عفا عنه ومن قال أنا مؤمن ضرب عنقه.

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
العفو عن الإمام الشعبي    كن أول من يقيّم

وأسر عامر بن سعيد الشعبي فيمن أسر، وكان مع بن الأشعث في جميع حروبه، وكان خاص المنزلة منه، ليس لأحد منه مثلها للذي كان عليه من حاله، إلا سعيد بن جبير، وأفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة، وأتى الشعبيّ إلى الحجاج في سورة غضبه، وهو يقتل الأسرى الأوّل فالأوّل، إلا من باء على نفسه بالكفر والنفاق؛ فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له يزيد بن أبي مسلم وكان مولاه وحاجبه، فقال: يا شعبي، لهفي بالعلم الذي بين دفتيك، وليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على الأمير، فبؤ له بالكفر والنفاق عسى أن تنجو؛ فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعاً رأسه لم يشعر، فلما رفع رأسه رآه قال له: وأنت أيضاً يا شعبي فيمن أعان علينا وألب!
قال: أصلح الله الأمير إني أمرت بأشياء أقولها لك، أرضيك بها وأسخط الرب، ولست أفعل، ولكني أقول: أصلح الله الأمير وأصدقك القول، فإن كان شيء ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء الله: أحزن بنا المنزل، وأجدب الجناب، واكتحلنا السهر، واستحلسنا الخوف، وضاق بنا المجد العريض، فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.
فقال له الحجاج: كذلك.
قال: نعم، أصلح الله الأمير، وأمتع به.
قال: فنظر الحجاج إلى أهل الشام فقال: صدق والله يا أهل الشام ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا، ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا، ثم قال: انطلق يا شعبيّ فقد عفونا عنك، فأنت أحقّ بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول: كان وكان
قال: وكان قد أحضر بالباب رجلان، وأحدهما من بكر بن وائل، والآخر من تميم، وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب أن يقوله، فلما أدخلا. قال الحجاج للبكري: أمنافق أنت؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، لكن أخو بني تميم لا يبوء على نفسه بالنفاق. قال التميمي: أنا على دمي أخدع؟، بل أنا - أصلح الله الأمير - منافق مشرك فتبسم الحجاج وأمر بتخلية سبيلهما.

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
من ذكريات الشعبي مع الحجاج    كن أول من يقيّم

قال الشعبي: فوالله ما أتى لذلك الأمر إلا نحو من شهرين، حتى رفعت إليه فريضة أشكلت عليه، وهي أم، وجد، وأخت. فقال: مَنْ هاهنا نسأله عنها. قال: فدلّ عليّ، فأرسل إلي، وقال يا شعبي ما عندك في هذه الفريضة: (أم، وأخت وجد؟ )
فقلت: أصلح الله الأمير. قال فيها خمسة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: من قال فيها؟
قلت: قال فيها علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت.
قال: هات ما قال فيها علي. فأخبرته.
قال: فما قال فيها بن مسعود؟ فأخبرته،
قال: فما قال فيها بن عباس؟ فوالله لقد كان متفقهاً فأخبرته.
قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ فأخبرته.
قال: فما قال زيد بن ثابت؟
قلت: أخذها من تسعة أسهم، فأعطى الأم ثلاثة أسهم، وأعطى الجد أربعة أسهم،
وأعطى الأخت سهمين. فلما سمع ما كان من قول كل واحد منهم، وعرف رأيهم فيها.
قال يا غلام: قل للقاضي يمضيها على ما قال أمير المؤمنين عثمان.
 
قال الشعبي: ودخلت عليه الترك، قد شدوا أوساطهم بعمائمهم، وانتزعت السيوف من أعناقهم وأخذوا الطوامير بأيمانهم، فدخل عليه رجل من قبل أمير المؤمنين عبد الملك. فقال له الحجاج: كيف تركت أمير المؤمنين وأهله وولده وحشمه؟ فأنباه عنه وعنهم بصلاح. فقال: ما كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، أصابتني سحابة في موضع كذا، فواد سائل، وواد تارع، فأرض مدبرة، وأرض مقبلة، حتى صدعت عن الكمأة أماكنها، فما أتيتك إلا في مثل مجرى الضب. فقال للحاجب: ائذن للناس فدخل عليه رجل أتاه من قبل نجد. فقال له: ما كان وراءك من غيث؟ فقال: كثير الإعصار، واغبرّ البلاد، وأكل ما أشرف من الحشيشة، فاستيقنا أنه عام سنة. فقال: بئس المخبرأنت.
قال: أخبرتك بالذي كان. فقال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل أتاه من
قبل اليمامة. فقال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم. وسمعت الرّوّاد يدعون إلى
ريادها، وسمعت رائداً يقول: هلموا أطعمكم محلة تطفو فيها النيران، وتشتكي فيها
النساء، وتنافس فيها المعز. فقال له: ويحك، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم. فقال: أصلح الله الأمير، أما تطفوا النيران، فيستكثر فيها الزبد واللبن والتمر، فلا توقد نار - يختبز بها -، وأما أن يشتكي النساء: فإنه من جذبها على إبريق لبنها فتظل تمخض لبنها فتبيت ولها أنين من عضديها، وأما تنافس المعز: فإنها ترأم من نوار النبات وألوان الثمر ما يشبع بطونها، ولا يشبع عيونها، فتبيت، وقد امتلأت أكراشها، لها من الكظّة شرّة تنزل به الدرّة. ثم قال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل من الموالي، كان أشجع الناس في زمانه، يقال له عمرو بن الصلت. فقال له الحجاج: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم. أصلح الله الأمير، أصابتني سحابة بموضع كذا وكذا، فلم أزل أطأ في أثرها، حتى دخلت على الأمير. فقال له الحجاج: أما والله لئن كنت في المطر أقصرهم خطبة، إنك بالسيف لأطولهم باعاً وخطوة. (... يتبع)

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
بقايا جيوش ابن الأشعث    كن أول من يقيّم

ولما انهزم بن الأشعث، قام بعده عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة، فقاتل الحجاج ثلاثة أيام، ثم انهزم، فوقع بأرض فارس، ثم صار إلى السند، فمات هناك. وتحصن ناس من أصحاب بن الأشعث في قلعة بأرض فارس، منهم عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل، والفضل بن عياش، وعمرو بن موسى التميمي، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وعبيد الله، ومحمد، وإسحاق، وعون، بنو عبد الله بن الحارث في ناس من قريش، ولحق سعيد بن جبير بمكة، فأشعر به الحجاج، فغفل عنه ولم يهيجه، فبعث الحجاج يزيد بن المهلب، فحاصرهم بفارس. (يتبع)

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
محاكمة عمرو بن موسى التمميمي (عاتق قريش)    كن أول من يقيّم

قال أبو معشر: حدثني عون قال: كتب إلينا يزيد بن المهلب، أن أخبروني بآية بيني وبينكم حتى أخرجكم. قال: فكتب إليه عبد الله بن الحارث: كنت يوم كذا وكذا في دارنا.قال: فأخرجه وبنيه، فسكنا عمان. وأسر من بقي، وأسروا اثني عشر رجلاً من وجوه الناس عامتهم من قريش، منهم عمرو بن موسى التميمي ومحمد بن سعد بن أبي وقاص.
فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده، وكتب إلى عبد الملك يخبره بأمرهم، وجعل يذكر في كتابه أن سعيداً قد أنكر الخروج مع هؤلاء القوم، فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم ويقول في كتابه: لم أبعثك مُشفّعاً وإنما بعثتك منفذاً مناجزاً لأهل الخلاف والمعصية. فأبرزهم الحجاج، فقال لعمرو بن موسى: يا عاتق قريش = وكان شاباً جميلاً = مالك أنت وللخروج، إنما أنت عاتق صاحب ثياب ولعب ؟
فقال له عمرو: أيها الرجل، امض لما تريد، فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه، فإن شئت فأرسل يدي، وبرئت مني الذمة. فقال له الحجاج: كلا، حتى أقدّمك إلى النار، فضربت رقبته.

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
محاكمة محمد بن سعد بن ابي وقاص (ظل الشيطان)    كن أول من يقيّم

ثم جيء بمحمد بن سعد، فقال له:
يا ظل الشيطان، وكان رجلاً طويلاً، ألست بصاحب كل موطن؟ أنت صاحب الحرة، وصاحب يوم الزاوية، وصاحب الجماجم. فقال له: إنما نزلت بعهد الله وميثاقه، أرسل يدي وبرئت مني الذمة، قال: لا، حتى أقدمك إلى النار، ثم قال لرجل من أهل الشام. اضرب لي مفرق رأسه، فضرب، فمال نصفه هاهنا، ونصفه هاهنا، ثم قتل الباقين.

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
القبض على سعيد بن جبير وإعدامه    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

ذكر قتل سعيد بن جبير
قال: وذكروا أن مسلمة بن عبد الملك، كان والياً على أهل مكة، فبينما هو يخطب على المنبر، إذ أقبل خالد بن عبد الله القسري من الشام والياً عليها، فدخل المسجد؛ فلما قضى مسلمة خطبته، صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة الثالثة، تحت مسلمة، أخرج طوماراً مختوماً، ففضه، ثم قرأه على الناس، فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة، أما بعد: فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلاً، فإنما هو القتل لا غير، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير، والسلام.
ثم التفت إليهم خالد وقال: والذي نحلف به، ونحج إليه، لا أجده في دار أحد إلا قتلته، وهدمت داره، ودار كل من جاوره، واستبحت حرمته. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام، ثم نزل، ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام، فأتى رجل إلى خالد فقال له: إن سعيد بن جبير بواد من أودية مكة، مختفياً بمكان كذا، فأرسل خالد في طلبه، فأتاه الرسول، فلما نظر إليه الرسول قال: إنما أمرت بأخذك، وأتيت لأذهب بك إليه، وأعوذ بالله من ذلك، فالحق بأي بلد شئت، وأنا معك. قال له سعيد بن جبير: ألك هاهنا أهل وولد؟ قال: نعم. قال: إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني. قال الرسول: فإني أكلهم إلى الله. فقال سعيد: لا يكون هذا. فأتى به إلى خالد فشدّه وثاقاً، وبعث به إلى الحجاج. فقال له رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك، فما عرض له، فلو جعلته فيما بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله. فقال خالد، وقد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها: والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا بنقض هذا البيت حجراً حجراً لنقضته في مرضاته.
فلما قدم سعيد على الحجاج، قال له:
ما اسمك؟
قال: سعيد.
قال: ابن من؟
قال: بن جبير.
قال: بل أنت شقي بن كسير؟
قال سعيد: أمي أعلم باسمي واسم أبي.
قال الحجاج: شقيتَ وشقيَتْ أمك.
قال سعيد: الغيب يعلمه غيرك.
قال الحجاج: لأوردنك حياض الموت
قال سعيد: أصابت إذاً أمي اسمي.
فقال الحجاج: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى.
قال سعيد: لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.
قال الحجاج: فما قولك في محمد؟
قال سعيد: نبي الرحمة، ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة.
فقال الحجاج: فما قولك في. الخلفاء
قال سعيد: لست عليهم بوكيل، كل امرئ بما كسب رهين.
قال الحجاج: أشتمهم أم أمدحهم؟
قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، إنما استحفظت أمر نفسي.
وقال الحجاج: أيهم أعجب إليك؟
قال: حالاتهم يفضل بعضهم على بعض.
قال الحجاج: صف لي قولك في علي. أفي الجنة هو، أم في النار؟
قال سعيد: لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت، ولو رأيت من في النار علمت، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب؟
قال الحجاج: فأي رجل أنا يوم القيامة؟
فقال سعيد: أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب.
قال الحجاج: أبيت أن تصدقني؟
قال سعيد: بل لم أرد أن أكذبك.
فقال الحجاج فدع عنك هذا كله، أخبرني ما لك لم تضحك قط؟
قال: لم أر شيئاً يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من طين، والطين تأكله النار، ومنقلبه إلى الجزاء، واليوم يصبح ويمسي في الابتلاء.
قال الحجاج: فأنا أضحك.
فقال سعيد: كذلك خلقنا الله أطواراً.
قال الحجاج: هل رأيت شيئاً من اللهو؟
قال: لا أعلمه.
فدعا الحجاج بالعود والناي. قال: فلما ضرب العود، ونفخ في الناي بكى سعيد.
قال الحجاج: ما يبكيك؟
قال: يا حجاج ذكرتني أمراً عظيماً، والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت، ولا زلت حزيناً لما رأيت.
قال الحجاج: وما كنت رأيت هذا اللهو؟
فقال سعيد: بل هذا والله الحزن يا حجاج، أما هذه النفخة، فذكرتني يوم النفخ في الصور، وأما هذا المصران فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب، وأما هذا العود فنبت بحق، وقطع لغير حقّ.
فقال الحجاج: أنا قاتلك.
قال سعيد: قد فرغ من تسبب في موتي.
قال الحجاج: أنا أحب إلى الله منك.
قال سعيد: لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه، والله بالغيب أعلم.
قال الحجاج: كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا، وأنا مع إمام الجماعة، وأنت مع إمام الفرقة والفتنة؟
قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة، ولا أنا براض عن الفتنة، ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له.
قال الحجاج: كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين؟
قال سعيد: لم أر،
فدعا الحجاج بالذهب والفضة، والكسوة والجوهر، فوضع بين يديه.
قال سعيد: هذا حسن إن قمت بشرطه
قال الحجاج: وما شرطه؟
قال: أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت، ويضع كل ذي حمل حمله، ولا ينفعه إلا ما طاب منه. قال الحجاج: فترى طيباً؟
قال: برأيك جمعته، وأنت أعلم بطيبه.
قال الحجاج: أتحب أن لك شيئاً منه؟
قال: لا أحب ما لا يحب الله.
قال الحجاج: ويلك.
قال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار.
قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه.
قال: إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك.
فلما أدبر ضحك.
قال الحجاج: ما يضحكك يا سعيد؟
قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك
قال الحجاج: إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها،
اضربوا عنقه.
قال سعيد: حتى أصلي ركعتين، فاستقبل القبلة وهو يقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.
قال الحجاج: اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى، الذين تفرقوا واختلفوا بغياً بينهم، فإنه من حزبهم،
فصرف عن القبلة. فقال سعيد: "فأينما تولوا فثم وجه الله" الكافي بالسرائر..
قال الحجاج: لم نوكل بالسرائر، وإنما وكلنا بالظواهر.
قال سعيد: اللهم لا تترك له ظلمي، واطلبه بدمي، واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد.
فضربت عنقه، ثم قال الحجاج: هاتوا من بقي من الخوارج، فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم، وقال: ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين، فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين، وقائد سبيل المتوسمين.
وقال قائل: إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله، وجعل يصيح قيودنا، يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير، ويقول: متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها؟ وهذا يمكن القول فيه لأهل الأهواء في الفتح والإغلاق.  (تم النقل من كتاب الإمامة والسياسة)

4 - مارس - 2009
دير الجماجم (شعر الفرزدق)
 363  364  365  366  367