البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 35  36  37  38  39 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
"فاستغلظ" 1    كن أول من يقيّم

قال تعالى :
تفسير الوجيز/ الواحدي (ت 468 هـ)
" محمد رسول الله والذين معه " من المؤمنين " أشداء " غلاظٌ "على الكفار رحماء بينهم " متوادُّون متعاطفون " تراهم ركعاً سجداً " في صلواتهم " يبتغون فضلاً من الله "؛ أي يدخلهم الجنَّة " ورضواناً " أن يرضى عنهم " سيماهم " علامتهم " في وجوههم من أثر السجود " يعني: نوراً وبياضاً في وجوههم يوم القيامة، يُعرفون بذلك النُّور أنَّهم سجدوا في دار الدُّنيا لله تعالى. " ذلك مثلهم " صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه " في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه " فراخه ونباته " فآزره " قوَّاه وأعانه؛ أيْ: قوَّى الشَّطأ الزَّرع، كما قوَّى أمر محمَّد وأصحابه، والمعنى: أنَّهم يكونون قليلاً ثمَّ يكثرون، وهذا مثل ضربه الله تعالى لنبيِّه عليه السَّلام إذ خرج وحده، فأيَّده بأصحابه كما قوَّى الطَّاقة من الزرع بما ينبت حوله " فاستغلظ " فَغَلُظَ وقوِيَ. " فاستوى " ثمَّ تلاحق نباته وقام على " سوقه "جمع ساق " يعجب الزراع " بحسن نباته واستوائه " ليغيظ بهم الكفار " فعل الله تعالى ذلك بمحمد وأصحابه ليغيظ بهم أهل الكفر. " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم "؛ أَيْ: من أصحاب عليه السَّلام" مغفرة وأجراً عظيماً"
تفسير أضواء البيان في تفسير القرآن/ الشنقيطي (ت 1393 هـ)
قوله تعالى: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ".
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى:

فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ "(المائدة/ 54).
قوله تعالى: " مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاع ". وهذه الآية الكريمة قد بين الله فيها أنه ضرب المثل في الإنجيل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم كالزرع يظهر في أول نباته رقيقاً ضعيفاً متفرقاً، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد وتعجب جودته أصحاب الزراعة، العارفين بها، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في أول الإسلام في قلة وضعف ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة حتى بلغوا ما بلغوا. وقوله تعالى: " كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَه "؛ أي فراخه فنبت في جوانبه. وقوله " فَآزَرَه " على قراءة الجمهور من المؤازرة، بمعنى المعاونة والتقوية، وقال بعض العلماء: "فَآزَرَه"؛ أي ساواه في الطول، وبكل واحد من المعنيين فسر قول امرئ القيس:
بمحنية قد آزر الصال نبتها  **  مجر جيوش غانمين وخيب
وأما على قراءة ابن ذكوان { فَآزَرَه } بلا ألف، فالمعنى شد أزره أي قواه. ومنه قوله تعالى عن موسى:وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي "(طه/ 29-31). وقوله: "فَٱسْتَغْلَظَ "؛ أي صار ذلك الزرع غليظاً بعد أن كان رقيقاً، وقوله: " فَٱسْتَوَى "؛ أي استتم وتكامل على سوقه؛ أي على قصبه.
وما تضمنته الآية الكريمة من المثل المذكور في الإنجيل المضروب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم يكونون في مبدأ أمرهم في قلة وضعف، ثم بعد ذلك يكثرون ويقوون. جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله:

وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ "(الأنفال/ 26). وقوله تعالىوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (آل عمران/ 123)، وقوله تعالىٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ "(المائدة/ 3). إلى غير ذلك من الآيات.
 
تفسير تفسير كتاب الله العزيز/ الهواري (ت القرن 3 هـ)
قوله عز وجل: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ " يعني: متوادّين. " تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا " يعني :يقيمون الصلوات الخمس " يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا "؛ أي: بالصلاة والصوم والدين كله " سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ " قال بعضهم: يعرف الخشوع في وجوههم من أثر الصلاة. وقال بعضهم: " سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم ": في الآخرة يقومون غُرّاً محجّلين من أثر الوضوء.
ذكروا عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك؟ قال: " يقومون غُرّاً محجّلين من أثر الوضوء ". قال: " ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ "؛ أي: نعتهم في التوراة ." وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ "؛ أي: ونعتهم في الإنجيل؛ النعت الأول في التوراة، والنعت الآخَر في الإنجيل: " كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ "؛ أي: فراخه " فَآزَرَهُ "؛ أي فشدَّهُ " فَاسْتَغْلَظَ "؛ أي: فاشتد، " فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ " أي: على قصبه، وقال بعضهم: على أصوله " يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ " أي: كثرته وكمامه ونباته. " لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ "؛ أي يخرجون فيكونون قليلاً كالزرع حين يخرج ضعيفاً فيكثرون ويقوون، فشبههم بالزرع؛ قال: يعجب الزراع بهم؛ يعجبون رسول الله كما يعجب ذلك الزرع الزراع ليغيظ بهم الكفار؛ أي ليغيظ بهم ربهم مَن كفر به؛ إنما يفعل ذلك بهم ليغيظ بهم الكفار. " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً "؛ أي مغفرة الذنوب " وَأَجْرًا عَظِيمًا " يعني: الجنة.
 
تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ)
..ووجه ضَرْبِ هذا المثل بالزرع الذي أخرج شطأه هو أن النبي، صلى الله عليه وآله، حين ناداهم إلى دينه كان ضعيفاً فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ ساقه وفراخه، وكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان، وقال البلخي: هو كقوله" كمثل غيث أعجب الكفار نباته " يريد بالكفار - هٰهنا - الزراع واحدهم كافر؛ لأنه يغطي البذر، وكل شيء غطيته فقد كفرته. ومنه قولهم: تكفر بالسلاح. وقيل: ليل كافر؛ لأنه يستر بظل.
 
  تفسير تفسير القرآن/ علي بن إبراهيم القُمي (ت القرن 4 هـ)
قال: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " يعني: يقتلون الكفار وهم أشداء عليهم وفيما بينهم رحماء.
 
تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ)
وقوله: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِين مَعَهُ أشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ " يقول تعالى ذكره: محمد رسول الله وأتباعه من أصحابه الذين هم معه على دينه، أشدّاء على الكفار، غليظةٌ عليهم قلوبُهم، قليلةٌ بهم رحمتُهم " رُحَماءُ بَيْنَهُمْ " يقول: رقيقة قلوب بعضهم لبعض، لينة أنفسهم لهم، هينة عليهم لهم. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ألقى الله في قلوبهم الرحمة، بعضهم لبعض " تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً " يقول: تراهم ركعاً أحياناً لله في صلاتهم سجداً أحياناً " يبتغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ " يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدّتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضاً، فضلاً من الله، وذلك رحمته إياهم، بأن يتفضل عليهم، فيُدخلهم جنته " وَرِضْوَاناً " يقول: وأن يرضى عنهم ربهم. وقوله: " سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنَ أثَرِ السُّجُودِ " يقول: علامتهم في وجوههم من أثر السجود في صلاتهم. ثم اختلف أهل التأويل في السيما الذي عناه الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: ذلك علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنين يوم القيامة، يعرفون بها لما كان من سجودهم له في الدينا. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس  "سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ " قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: مثلهم في التوراة، غير مَثَلهم في الإنجيل، وإن الخبر عن مَثلهم في التوراة متناهٍ عند قوله: " ذلكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ " وذلك أن القول لو كان كما قال مجاهد من أن مثلهم في التوراة والإنجيل واحد، لكان التنزيل: ومثلهم في الإنجيل، وكزرع أخرج شطأه، فكان تمثيلهم بالزرع معطوفاً على قوله: " سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ " حتى يكون ذلك خبراً عن أن ذلك مَثلهم في التوراة والإنجيل، وفي مجيء الكلام بغير واو في قوله: { كَزَرْعٍ } دليل بَيِّن على صحة ما قُلنا، وأن قولهم " وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ " خبر مبتدأ عن صفتهم التي هي في الإنجيل دون ما في التوراة منها.
 

10 - يناير - 2008
تفاسير القرآن وإعراب أشباه الجمل.
"فاستغلظ" 2    كن أول من يقيّم

تفسير تفسير القرآن/ الفيروز آبادي (ت817 هـ)
"هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ " محمد عليه الصلاة والسلام " بِٱلْهُدَىٰ " بالتوحيد ويقال بالقرآن  وَدِينِ ٱلْحَقِّ  شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله " لِيُظْهِرَهُ " ليعليه " عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ " على الأديان كلها فلا تقوم الساعة حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم "وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً " بأن لا إله إلا الله " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ " من غير شهادة سهيل بن عمرو " وَٱلَّذِينَ مَعَهُ " يعني أبا بكر أول من آمن به وقام معه يدعو الكفار إلى دين الله " أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ " بالغلظة وهو عمر كان شديداً على أعداء الله قوياً في دين الله ناصراً لرسول الله " رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ " متوادّون فيما بينهم بارّون، وهو عثمان بن عفان كان بارّاً على المسلمين بالنفقة عليهم رحيماً بهم " تَرَاهُمْ رُكَّعاً " في الصلاة " سُجَّداً "فيها وهو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان كثير الركوع والسجود  "يَبْتَغُونَ " يطلبون " فَضْلاً " ثواباً " مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً " مرضاة ربهم بالجهاد وهم طلحة والزبير كانا غليظين على أعداء الله شديدين عليهم " سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ " علامة السهر في وجوههم " مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ " من كثرة السجود بالليل وهم سلمان وبلال وصهيب وأصحابهم " ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ"  هكذا صفتهم " فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ " صفتهم " فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ " وهو النبي صلى الله عليه وسلم " أَخْرَجَ " أي الله " شَطْأَهُ " فراخه وهو أبو بكر أول من آمن به وخرج معه على أعداء الله " فَآزَرَهُ " فأعانه وهو عمر أعان النبي صلى الله عليه وسلم بسيفه على أعداء الله  "فَٱسْتَغْلَظَ " فتقوى بمال عثمان على الغزو والجهاد في سبيل الله " فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ " فقام على إظهار أمره في قريش بعلي بن أبي طالب " يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ " أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بطلحة والزبير " لِيَغِيظَ بِهِمُ " بطلحة والزبير " ٱلْكُفَّارَ " ويقال نزلت من قوله: " وَٱلَّذِينَ مَعَه"ُ} إلى ها هنا في مدحة أهل بيعة الرضوان وجملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المخلصين المطيعين لله " وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ " بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن " وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ "الطاعات فيما بينهم وبين ربهم " مِنْهُم مَّغْفِرَةً "؛ أي لهم مغفرة لذنوبهم في الدنيا والآخرة " وَأَجْراً عَظِيماً " ثواباً وافراً في الجنة.
 
تفسير النكت والعيون/ الماوردي (ت 450 هـ)
قوله عز وجل: { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } فيه ستة تأويلات:
أحدها: أنه ثرى الأرض وندى الطهور، قاله سعيد بن جبير.
الثاني: أنها صلاتهم تبدوا في وجوههم، قاله ابن عباس.
الثالث: أنه السمت، قاله الحسن.
الرابع: الخشوع، قاله مجاهد.
الخامس: هو أن يسهر الليل فيصبح مصفراً، قاله الضحاك.
السادس: هو نور يظهر على وجوههم يوم القيامة، قاله عطية العوفي.
" ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَأَهُ " فيه قولان:
أحدهما: أن مثلهم في التوراة بأن سيماهم في وجوههم. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه.
الثاني: أن كلا الأمرين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل.
وقوله: " كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ " فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الشطأ شوك السنبل، والعرب أيضاً تسميه السفا والبهمي، قاله قطرب.
الثاني: أنه السنبل، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، قاله الكلبي والفراء.
الثالث: أنه فراخه التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطىء النهر جانبه، قاله الأخفش.
" فَآزَرَهُ " فيه قولان: حدهما: فساواه فصار مثل الأم، قاله السدي.الثاني: فعاونه فشد فراخ الزرع أصول النبت وقواها." فَاسْتَغْلَظَ " يعني اجتماع الفراخ مع الأصول." فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ " أي على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له." يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ " يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، لأن ما أعجب المؤمنين من قوتهم كإعجاب الزراع بقوة رزعهم هو الذي غاظ الكفار منهم. ووجه ضرب المثل بهذا الزرع الذي أخرج شطأه، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه كان ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالا بعد حال يغلظ ساقه وأفراخه فكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان، والله أعلم.
تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ)
قال عكرمة وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على الجباه. قال أبو العالية: إنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس." ذَلِكَ " ، الذي ذكرت، " مَثَلُهُمْ " ، صفتهم " فِي ٱلتَّوْرَاةِ " ، هاهنا تم الكلام، ثم ذكر نعتهم في الإِنجيل، فقال: " وَمَثَلُهُمْ " ، صفتهم، " فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ". قرأ ابن كثير، وابن عامر: " شَطَأه " بفتح الطاء، وقرأ الآخرون بسكونها، وهما لغتان كالنَّهَرِ والنَّهْر، وأراد أفراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ، إذا أفرخ، قال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج بعده فهو شطؤه. وقال السدي: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى.
قوله: " فَآزَرَهُ " ، قرأ ابن عامر: " فأزره " بالقصر والباقون بالمد، أي: قواه وأعانه وشدّ أزره، " فَٱسْتَغْلَظَ " ، غلظ ذلك الزرع، " فَٱسْتَوَىٰ " ، أي تمّ وتلاحق نباته وقام، " عَلَىٰ سُوقِهِ " ، أصوله " يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ " ، أعجب ذلك زراعه
.
هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل أنهم يكونون قليلاً، ثم يزدادون ويكثرون. قال قتادة: مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر. وقيل: " الزرع " محمد صلى الله عليه وسلم " والشطء ": أصحابه والمؤمنون. وروي عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ ": أبو بكر الصديق رضي الله عنه،  "أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ " عمر بن الخطاب رضي الله عنه، " رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ " عثمان بن عفان رضي الله عنه، " تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً " علي بن أبي طالب رضي الله عنه، " يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللهِ " بقية العشرة المبشَّرين بالجنة. وقيل: " كمثل زرع " محمد " أَخْرَجَ شطأه " ، أبو بكر " فآزره " عمر " فاستغلَظ " عثمان، للإسلام " فاستوى على سوقه " علي بن أبي طالب ،استقام الإِسلام بسيفه، " يعجب الزراع " قال: هم المؤمنون." لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارِ " ، قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم: لا تعبدوا اللهَ سراً بعد اليوم: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الشجاعي السرخسي إملاءً، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن أحمد القفال، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد الفضل السمرقندي، حدثنا شيخي أبو عبد الله محمد ابن الفضل البلخي، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
" أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ".

10 - يناير - 2008
تفاسير القرآن وإعراب أشباه الجمل.
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .    كن أول من يقيّم

                                       اختصاصات الرّسول صلى الله عليه وسلم

الحكم التّكليفيّ في بحث اختصاصات الرّسول :

اختلف الفقهاء في جواز البحث في خصائص الرّسول صلى الله عليه وسلم ، فأجازه الجمهور ورجّحه النووي ، وقال : الصّواب الجزم بجواز ذلك ، بل باستحبابه ، بل لو قيل بوجوبه لم يكن بعيداً ؛ لأنّ في البحث في الخصائص زيادة العلم ؛ ولأنّه ربّما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتةً في الحديث الصّحيح ، فعمل به أخذاً بأصل التّأسّي بالرّسول عليه الصلاة والسلام ، فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها. وأمّا ما يقع في ضمن الخصائص ممّا لا فائدة فيه اليوم فقليل ، لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتّدرّب ، ومعرفة الأدلّة وتحقيق الشّيء على ما هو عليه. ومنعه بعضهم كإمام الحرمين الجوينيّ. وحجّة هؤلاء أنّه لا يتعلّق بهذه الخصائص حكم ناجز تمسّ الحاجة إليه .

أنواع اختصاصات الرّسول صلى الله عليه وسلم :

 أ - الأحكام التّكليفيّة الّتي لا تتعدّاه إلى أمّته ككونه لا يورث ، وغير ذلك .
ب - المزايا الأخرويّة ، كإعطائه الشّفاعة ، وكونه أوّل من يدخل الجنّة وغير ذلك .
ج - الفضائل الدّنيويّة ، ككونه أصدق النّاس حديثاً .
د - المعجزات كانشقاق القمر ، وغيره .
هـ - الأمور الخلقيّة ، ككونه يرى من خلفه ونحو ذلك. وسيقتصر البحث على النّوع الأوّل من هذه الاختصاصات - اختصاصه صلى الله عليه وسلم ببعض الأحكام التّكليفيّة. أمّا موطن الاطّلاع على الخصائص الأخرى فهو كتب العقائد ، وكتب السّيرة النّبويّة ، والكتب المؤلّفة في خصائصه صلى الله عليه وسلم وفضائله. ما اختصّ به صلى الله عليه وسلم من الأحكام التّكليفيّة :
 هذه الاختصاصات لا تخرج عن كونها واجبةً أو محرّمةً أو مباحةً.

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .( 2).    كن أول من يقيّم

الاختصاصات الواجبة :
فرض اللّه على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما هو مباح أو مندوب على أمّته ، إعلاءً لمقامه عنده وإجزالاً لثوابه ؛ لأنّ ثواب الفرض أكبر من ثواب النّفل ، وفي الحديث : " ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افتر ضته عليه" ومن ذلك :
أ - قيام اللّيل :
 اختلف العلماء في قيام اللّيل ، هل كان فرضاً عليه صلوات اللّه وسلامه عليه أو لم يكن فرضاً ، مع اتّفاقهم على عدم فرضيّته على الأمّة، فذهب عبد اللّه بن عبّاس إلى أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد اختصّ بافتراض قيام اللّيل عليه ، وتابع ابن عبّاس على ذلك كثير من أهل العلم ، منهم الشّافعيّ في أحد قوليه ، وكثير من المالكيّة ، ورجّحه الطّبريّ في تفسيره، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى في سورة الإسراء : " ومن اللّيل فتهجّد به نافلةً لك " أي نفلاً لك ، أي فضلاً : ( زيادةً ) عن فرائضك الّتي فرضتها عليك ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى : " قم اللّيل إلاّ قليلاً ، نصفه أو انقص منه قليلاً ، أو زد عليه "  قال الطّبريّ : " خيّره اللّه تعالى حين فرض عليه قيام اللّيل بين هذه المنازل " . ويعضّد هذا ويؤيّده ما رواه الطّبرانيّ في معجمه الأوسط والبيهقيّ في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم سنّة ، الوتر والسّواك وقيام اللّيل " . وذهب مجاهد بن جبر إلى أنّ قيام اللّيل ليس بفرض على ، رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بل هو نافلة ، وإنّما قال اللّه تعالى : " نافلةً لك " من أجل أنّه صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو نافلة ؛ لأنّه لا يعمل ذلك في كفّارة الذّنوب ، فهي نافلة وزيادة ، والنّاس يعملون ما سوى المكتوبة لتكفير ذنوبهم فليس للنّاس - في الحقيقة - نوافل. وتبع مجاهداً جماعة من العلماء ، منهم الشّافعيّ في قوله الآخر ، فقد نصّ على أنّ وجوب قيام اللّيل قد نسخ في حقّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما نسخ في حقّ غيره. واستدلّوا على ذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : " خمس صلوات فرضهنّ اللّه على العباد " ، خاصّةً أنّ الآية محتملة ، والحديث الّذي استدلّ به من قال بفرضيّة قيام اللّيل على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديث ضعيف .

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .( 3).    كن أول من يقيّم

ب - صلاة الوتر :
 اختلف الفقهاء في اختصاص رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بافتراض صلاة الوتر عليه ، مع اتّفاقهم على أنّ الوتر ليس بفرض على أمّته. فذهب الشّافعيّة إلى أنّ الوتر كان واجباً على رسول اللّه وقال الحليميّ والعزّ بن عبد السّلام والغزاليّ من الشّافعيّة وكذلك المالكيّة : إنّ هذا الوجوب خاصّ بالحضر دون السّفر ، لما روى البخاريّ ومسلم عن ابن عمر " أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يصلّي الوتر على راحلته ولا يصلّي عليها المكتوبة " . وقال النّوويّ : المذهب أنّ صلاة الوتر واجبة على رسول اللّه ، ولكن جواز صلاتها على الرّاحلة خاصّ به عليه الصلاة والسلام. ويرى العينيّ الحنفيّ في عمدة القاريّ والحنفيّة يقولون بوجوب الوتر - إنّ صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الوتر على الرّاحلة كان قبل أن يفترض عليه الوتر .
جـ - صلاة الضّحى :
 اختلف العلماء في وجوب صلاة الضّحى على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، مع اتّفاقهم على عدم وجوبها على المسلمين. فذهب جماعة ، منهم الشّافعيّة وبعض المالكيّة إلى أنّ صلاة الضّحى مفروضة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. واستدلّوا على ذلك بحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : " ثلاث هنّ عليّ فرائض ، ولكم تطوّع : النّحر والوتر وركعتا الضّحى " . وأقلّ الواجب منها عليه ركعتان لحديث : " أمرت بركعتي الضّحى ولم تؤمروا بها " . وذهب الجمهور إلى أنّ صلاة الضّحى ليست مفروضةً على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم عليّ "
د- سنّة الفجر :
 اختلف العلماء في فرضيّة سنّة الفجر على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع اتّفاقهم على عدم وجوبها على غيره. فنصّ الحنابلة وبعض السّلف على فرضيّتها عليه صلى الله عليه وسلم واستدلّوا على ذلك بحديث ابن عبّاس : " ثلاث كتبت عليّ وهنّ لكم تطوّع : الوتر والنّحر وركعتا الفجر "
هـ - السّواك :
 الجمهور على أنّ السّواك لكلّ صلاة مفترض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لحديث عبد اللّه بن حنظلة " أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكلّ صلاة ، طاهراً وغير طاهر ، فلمّا شقّ عليه ذلك أمر بالسّواك لكلّ صلاة " وفي لفظ : " وضع عنه الوضوء إلاّ من حدث .

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .( 4).    كن أول من يقيّم

و - الأضحيّة :
الأضحيّة فرض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته لحديث ابن عبّاس المتقدّم : " ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع : النّحر والوتر وركعتا الضّحى "
ز - المشاورة :
 اختلف العلماء في فرضيّة المشاورة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، مع اتّفاقهم على سنّيّتها على غيره. فقال بعضهم بفرضيّتها عليه ، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " .
وقال هؤلاء : إنّما وجب ذلك على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تطييباً للقلوب ، وتعليماً للنّاس ليستنّوا به عليه الصلاة والسلام. وقال بعضهم : إنّ المشاورة لم تكن فرضاً عليه صلوات اللّه وسلامه عليه لفقدان دليل يصلح لإثبات الفرضيّة. وحملوا الأمر في الآية السّابقة على النّدب أو الإرشاد. ثمّ اختلفوا فيما يشاور فيه : بعد اتّفاقهم على أنّه لا يشاور فيما نزل عليه فيه وحي. فقال فريق من العلماء : يشاور في أمور الدّنيا ، كالحروب ومكايدة العدوّ ؛ لأنّ استقراء ما شاور فيه الرّسول صلى الله عليه وسلم أصحابه يدلّ على ذلك. وقال فريق آخر: يشاور في أمور الدّين والدّنيا. أمّا في أمور الدّنيا فظاهر ، وأمّا في أمور الدّين فإنّ استشارته لهم تكون تنبيهاً لهم على علل الأحكام وطريق الاجتهاد .
ح - مصابرة العدوّ الزّائد على الضّعف :
 ممّا فرض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته مصابرة العدوّ وإن كثر وزاد على الضّعف ، لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ اللّه تعالى. قال تعالى : " واللّه يعصمك من النّاس " .
ط - تغيير المنكر :
 ممّا فرض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تغيير المنكر ، ولا يسقط عنه هذا للخوف ، بخلاف أمّته الّتي يسقط عنها بالخوف. وذلك لأنّ اللّه تعالى قد تكفّل بحفظ رسوله كما تقدّم ، كما لا يسقط عنه إذا كان المرتكب يزيده الإنكار إغراءً ، لئلاّ يتوهّم إباحته بخلاف أمّته. وإذا كان إنكار المنكر فرض كفاية على أمّته فإنّه فرض عين عليه صلى الله عليه وسلم. وقد استدلّ البيهقيّ على ذلك بعدّة أحاديث في سننه الكبرى .

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .( 5).    كن أول من يقيّم

ي - قضاء دين من مات معسراً من المسلمين :
 اختلف العلماء في قضاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دين الميّت المعسر.
فقال بعضهم : كان فرضاً عليه صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون : لم يكن ذلك فرضاً عليه ، بل كان منه عليه الصلاة والسلام تطوّعاً. ثمّ اختلفوا أيضاً هل القضاء من بيت مال المسلمين أم من مال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فإن كان من مال نفسه فهي خصوصيّة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمّا إن كان من بيت مال المسلمين فليست بخصوصيّة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بل يشاركه فيها جميع ولاة المسلمين.
والأصل في هذا ما رواه البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " كان يؤتى بالرّجل يتوفّى وعليه دين ، فيسأل : هل ترك لدينه فضلاً ، فإن حدّث أنّه ترك له وفاءً صلّى عليه ، وإلاّ قال للمسلمين : صلّوا على صاحبكم ، فلمّا فتح اللّه عليه الفتوح قال عليه الصلاة والسلام : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفّي من المسلمين فترك ديناً فعليّ قضاؤه ، ومن ترك مالاً فلورثته " .
ك - وجوب تخييره نساءه وإمساك من اختارته :
 طالبه أزواجه صلى الله عليه وسلم بالتّوسّع في النّفقة - كما في بعض الرّوايات - حتّى تأذّى من ذلك فأمر اللّه تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام أن يخيّرهنّ فقال جلّ شأنه : " يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك إن كنتنّ تردن الحياة الدّنيا وزينتها فتعالين أمتّعكنّ وأسرّحكنّ سراحاً جميلاً وإن كنتنّ تردن اللّه ورسوله والدّار الآخرة فإنّ اللّه أعدّ للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً. "  فخيّرهنّ ، فاخترنه كلّهنّ إلاّ العامريّة اختارت قومها ، فأمر صلى الله عليه وسلم بإمساك من اختارته منهنّ بقوله تعالى : " لا يحلّ لك النّساء من بعد ولا أن تبدّل بهنّ من أزواج ولو أعجبك حسنهنّ " ، وذلك مكافأة لهنّ على إيثارهنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .( 6 )    كن أول من يقيّم

الاختصاصات المحرّمة

 قد حرّم اللّه تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما أحلّه لأمّته ، تنزيهاً له عليه الصلاة والسلام عن سفاسف الأمور ، وإعلاءً لشأنه ، ولأنّ أجر ترك المحرم أكبر من أجر ترك المكروه ، وبذلك يزداد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علوّاً عند اللّه يوم القيامة. ومن ذلك :
1- - الصّدقات :
 اتّفق العلماء على أنّ اللّه تعالى قد حرّم على رسوله صلى الله عليه وسلم أخذ شيء من صدقات النّاس ، سواء أكانت مفروضةً أو تطوّعاً ، كالزّكاة ، والكفّارة ، والنّذر والتّطوّع ، صيانةً لمنصبه الشّريف ، ولأنّها تنبئ عن ذلّ الآخذ وعزّ المأخوذ منه ، وقد أبدل اللّه تعالى رسوله بها الفيء الّذي يؤخذ على سبيل الغلبة والقهر ، المنبئ عن عزّ الآخذ وذلّ المأخوذ منه. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : " إنّ هذه الصّدقات إنّما هي أوساخ النّاس ، وإنّها لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد " . هذا ، وإنّ تحريم الصّدقات على آل البيت إنّما هو لقرابتهم منه صلى الله عليه وسلم .
 2- - الإهداء لينال أكثر ممّا أهدى :
 حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يهدي ليعطى أكثر ممّا أهدى لقوله تعالى : " ولا تمنن تستكثر " ؛ لأنّه صلوات الله وسلامه عليه مأمور بأشرف الآداب وأجلّ الأخلاق ، نقل ذلك عن عبد اللّه بن عبّاس وتبعه على ذلك عطاء ومجاهد وإبراهيم النّخعيّ وقتادة والسّدّيّ والضّحّاك وغيرهم .

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .( 7 )    كن أول من يقيّم

3- أكل ما له رائحة كريهة :
 اختلف العلماء في تحريم نحو الثّوم والبصل وما له رائحة كريهة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال جماعة منهم المالكيّة : إنّ ذلك كان محرّماً عليه. واستدلّوا على ذلك بما رواه البخاريّ ومسلم.
" أنّ رسول اللّه أتي بقدر فيه خضرات من بقول ، فوجد لها ريحاً ، فسأل فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : قرّبوها؛ أي إلى بعض أصحابه فلمّا رآه كره أكلها قال : كل فإنّي أناجي من لا تناجي "  وقال جماعة منهم الشّافعيّة : لم يكن ذلك محرّماً عليه ، ولكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يكره أكله لتعرّضه لنزول الوحي عليه في كلّ ساعة ، وإنّ الملائكة لتتأذّى بالرّيح الخبيثة. وقد استدلّ هؤلاء ما رواه مسلم " أنّ أبا أيّوب الأنصاريّ صنع للنّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً فيه ثوم ، وفي رواية : أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل وكرّاث ، فردّه عليه الصلاة والسلام ولم يأكل منه شيئاً فقال : أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكنّي أكرهه " .
4- نظم الشّعر :
 هو ممّا حرّم عليه صلى الله عليه وسلم بالاتّفاق ، لكن فرّق البيهقيّ وغيره بين الرّجز وغيره من البحور ، فقال : الرّجز جائز عليه ؛ لأنّه ليس بشعر ، وغيره لا يجوز. واستشهد على ذلك بما أنشده عليه الصلاة والسلام من الرّجز وهو يشارك في حفر الخندق ، ومن قال إنّ الرّجز من الشّعر قال : إنّ هذا خاصّة ليس بشعر ؛ لأنّ الشّعر لا يكون شعراً إلاّ إن صدر عن قائله بقصد الإشعار ، وما كان ذلك في ذكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهذا الرّجز الّذي قاله

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .( 8 )    كن أول من يقيّم

5- - نزع لامته إذا لبسها للقتال حتّى يقاتل :
 ممّا حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته أنّه إذا لبس لأمة الحرب يحرم عليه أن ينزعها حتّى يلقى العدوّ ؛ لقوله صلوات الله وسلامه عليه : " لا ينبغي لنبيّ إذا أخذ لأمة الحرب وأذّن في النّاس بالخروج إلى العدوّ أن يرجع حتّى يقاتل " . وواضح أنّه يشترك معه في هذه الخصوصيّة الأنبياء عليهم صلوات اللّه وسلامه .
6- وخائنة الأعين :
 المراد بها الإيماء بما يظهر خلافه ، وهو ممّا حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته إلاّ في محظور ، والأصل في هذا التّحريم عليه هو تنزّه مقام النّبوّة عنه ، فقد أخرج أبو داود والنّسائيّ والحاكم وصحّحه والبيهقيّ عن سعد بن أبي وقّاص " أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أمّن النّاس إلاّ أربعة نفر منهم عبد اللّه بن أبي سرح ، فاختبأ عند عثمان ، فلمّا دعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ، جاء به فقال : يا رسول اللّه بايع عبد اللّه ، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً ، كلّ ذلك يأبى ، فبايعه بعد ثلاث ، ثمّ أقبل على أصحابه فقال : أما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يديّ عن بيعته ليقتله ؟ قالوا : ما يدرينا يا رسول اللّه ما في نفسك ، هلاّ أومأت بعينك. قال : إنّه لا ينبغي أن تكون لنبيّ خائنة الأعين " . وهذا يدلّ على أنّه ممّا اختصّ به هو والأنبياء دون .

10 - يناير - 2008
كناشة الفوائد و النكت
 35  36  37  38  39