البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ياسين الشيخ سليمان أبو أحمد

 32  33  34  35  36 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
ترحيب وتهنئة    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

أرحب بشيخنا وأستاذنا الحسن بنلفقيه ، حفظه الله ورعاه ومد في عمره ، وبعودته الميمونة المباركة ؛ معلنا ما كنت أخفيه من زمان ، وهو أنني من الذين أفادوا منه كثيرا ، ومن الذين ترتاح نفوسهم لمرأى صورته الكريمة ومطالعة مواضيعه الجليلة ، وممن يدعون له بكل خير بظهر الغيب . والله سبحانه يعلم ما نخفي وما نعلن . وما أعلنت ما أعلنت إلا تفاعلا مع كلماته الطيبات ؛ يوجهها إلى سراة الوراق ورواده ؛ فصار من الواجب التعبير عن المشاعر المنفعلة المتجاوبة ؛ ففي التعبير عنها زيادة الألفة ، وتنمية أواصر الأخوة والمحبة .
ولقد كنت في تهنئتي أستاذنا زهير قد غفلت عن تهنئة سيدتنا الجليلة ضياء خانم التي حمل ديوان أستاذنا اسمها الكريم ، وتهنئة أستاذنا وراعي وراقنا ، وصديق شاعرنا المقرب ، الأديب والشاعر محمد أحمد السويدي . وما غفلتي إلا لداء النسيان يصيبني بين الحين والحين الآخر ، ولذا أهنئ أستاذنا السويدي ، وأستاذنا زهير ، وأستاذتنا ضياء ، وجميع أساتذتنا السراة والرواد ؛ راجيا لهم كل خير وتقدم ، ومعترفا لهم بالفضل في إثراء وتعزيز هذا الموقع المبارك .
 
 

23 - مارس - 2009
ديوان زهير
الرافعي وابن المقفع    كن أول من يقيّم

ذكر مصطفى صادق الرافعي في " إعجاز القرءان والبلاغة النبوية " ما يلي :
   وابن المقفع الكاتب البليغ المشهور زعموا أنّه اشتغل بمعارضة القرآن مدة ثمّ مزّق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره(1) . وهذا عندنا إنمّا هو تصحيح من بعض العلماء لما تزعمه الملحدة من أنّ كتاب الدرة اليتيمة (2) لابن المقفع هو في معارضة القرآن فكأنّ الكذب لا يدفع إلاّ بالكذب . وإذا قال هؤلاء إنّ الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوّته وفصاحته ، وإنّه في ذلك من القرآن وطبقته وابن المقفع هو من هو في هذا الأمر، قال أولئك : بل عارض ومزّق واستحيا لنفسه....
   أما نحن فنقول إنّ الروايتين مكذوبتان جميعاً وإنّ ابن المقفع من أبصر الناس باستحالة المعارضة لا لشيء من الأشياء إلاّ لأنّه من أبلغ الناس . وإذا قيل لك إن فلاناً يزعم إمكان المعارضة ويحتجّ لذلك وينازع فيه فاعلم أنّ فلاناً هذا في الصناعة أحد رجلين اثنين : إما جاهل يصدق في نفسه وإما عالم يكذب على الناس ولن يكون فلان ثالث ثلاثة .
   وإنمّا نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس لأنّ فتنة الفرق الملحدة إنمّا كانت بعده وكان البلغاء كافّة لا يمترون في إعجاز القرآن وإن اختلفوا في وجه إعجازه ، ثمّ كان ابن المقفع متّهماً عند الناس في دينه فدفع بعضُ ذلك إلى بعض ، وتهيأت النسبة من الجملة .
   ولو كانت الزندقة فاشية أيام عبد الحميد الكاتب وكان متّهماً بها لما أخلته إحدى الروايات من زعم المعارضة لا لأنّه زنديق ، ولكن لأنّه بليغ يصلح دليلاً للزنادقة (3)...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الهوامش من نص الرافعي :
(1)  يتناقل المصنفون  في كتب البلاغة من المتأخرين بعد القرن الخامس عبارة غفل عنها من قبلهم.. وهي أن ابن المقفع لما عارض القرآن ووصل على قوله تعالى " وقيل يا ارض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقُضي المر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين " قال هذا ما لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله وترك المعارضة ومزق ما كان اختلقه . وهذه الآية في سورة نوح فكأن ابن المقفع عارض السور الطوال حتى انتهى إليها وهو شيء لم يزعمه الملحدة أنفسهم إذ قالوا إن المعارضة كانت بالدرة اليتيمة وهي أوراق قليلة . ولهذا رأينا أهل التدقيق إذا ساقوا الخبر في كتبهم قالوا إن ابن المقفع سمع صبيا يقرأ الآية فترك المعارضة. وذهب عن هؤلاء المدققين أن مثل ذلك البليغ لا يأخذ في معارضة القرآن إلا وقد قرأه وتأمله ومر بهذه الآية فيه ووقف عندها متحيرا فليس يحتاج على صبي يسمعها منه ليترك ما اخذ فيه إن كان إبطال المعارضة موقوفا على سماع هذه الآية .
(2)  طبع هذا الكتاب مرارا وهو من الرسائل الممتعة يعد طبقة من طبقات البلاغة العربية ولكنه في المعارضة ليس هناك لا قصدا ولا مقاربة ونحن لا نرى فيه شيئا لا يمكن ان يؤتى بأحسن منه وما كل ممتع ممتنع . وقال الباقلاني إنه منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة .
(3)  من أعجب ما رأيناه أن بعضهم اتهم ابن سينا بمعارضة القرآن لأنه زنديق وان ابن سينا وضع رسالة في دفع هذا الافتراء . وأين ابن سينا من طور سيناء؟! هذا رجل وهذا جبل...

24 - مارس - 2009
هل كان ابن المقفع زنديقاً ؟
شكر الله لشيخي يحيى    ( من قبل 6 أعضاء )    قيّم

حياك الله وبياك شيخنا ومعلمنا ، د.يحيى ،
ولك الشكر الجزيل على ما بينت وأوضحت ‘ فالترادف لست من المقتنعين به ، مثلي مثل حضرتك ؛ ولكني أرغب بالجدال فيه بعلم وبصيرة  مع من هم في مثل علمك وبيانك . ولن أقلل من علم  ودراية من قالوا بالترادف ؛ ولكني أرغب في أن أناقش الأسباب التي دعتهم إلى قول ما قالوه . وكنت أتمنى أن تكون يا شيخي ممن يقرون بالترادف حتى أفهم منك الحجة التي يرتكز عليها المقرون به .
وكون العديد من القدماء والمحدثين قالوا بالترادف وأقروا به ، فإن ذلك يجعلني أشك في أن ما قصد إليه هؤلاء من معنى الترادف غير ما قصد إليه من نفوه ولم يقروا به . ويبدو أن الذين قالوا بوجود الترادف في كلمات اللغة إنما عنوا التقارب في المعنى قربا يجعل غير الفاحص المدقق يظن أن الترادف بين الكلمات يمكن أن يكون كاملا . ولو كان الترادف ظاهرة لغوية حقيقية ومؤكدة ؛ لنشأ الجدال بين الناس في جواز استبدال ألفاظ القرءان الكريم بما يرادفها أو عدم جوازه ؛ ولكن ذلك لم يحدث على حد معرفتي . ولا أظن السبب في عدم حدوثه هو احترام ألفاظ القرءان الكريم كما أنزلت فحسب ؛ وإنما الخشية من أن لا يكون الترادف الكامل واقعا . أي أن الذين قالوا بالترادف غير متأكدين من صحة ما قالوه ، أو أنهم يعنون بالترادف القرابة القريبة في المعنى بين بعض ألفاظ اللغة ، ولا يعنون التماثل التام في المعاني بينها . وحتى النحاة الأقدمون ، الذين لم يطمئنوا إلى اتخاذ الأحاديث النبوية التي رويت بالمعنى ، شواهد على اللغة ونحوها ، فامتنعوا من اتخاذها أدلة لغوية ؛ خشية ان يكون معناها قد اختلف عما اراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبينه ، لا يبعد ان يكونوا غير مؤمنين بالترادف اللغوي .
ولما اطلعت على كتاب " في اللهجات العربية " للدكتور إبراهيم أنيس ، ألفيت المؤلف يشير إلى أن غالب المحدثين من أهل اللغة يقرون بالترادف بشروط.. ولما طالعت تلك الشروط تبين لي منها أن الإقرار بالترادف ليس من السهولة بمكان ، مما جعلني أفهم معنى قول مؤلف الكتاب : " إذا طبقت هذه الشروط على اللغة العربية ، اتضح لنا أن الترادف لا يكاد يوجد في اللهجات العربية القديمة " ؛ ولكنه يضيف : "  وإنما يمكن أن يلتمس في اللغة النموذجية  الأدبية ؛ ففي القرءان الكريم الذي نزل بهذه اللغة ، والذي نطق به الرسول للمرة الأولى ، نرى الترادف في بعض ألفاظه...." ، ثم يسوق أمثلة من القرءان الكريم بعضها ورد في الموضوع أعلاه ..
ولقد عجبت من المؤلف كيف اعتبر أن القسم والحلف بنفس المعنى على الرغم من أن الفرق البين بينهما معروف ومشهور، وكذلك آثر ، و فضل ، وغيرهما من الكلمات القرءانية وغير القرءانية ، والتي بينت حضرتك الفروق بينها في مشاركاتك الثمينة .
ورغبة مني في معرفة الأسباب التي دعت الذين ذهبوا إلى القول  بالترادف إلى الإيمان بصواب ما ذهبوا إليه ؛ حاولت أن  أهتدي إلى سبب مقنع تماما ، فلم أجد لما أرغب به سبيلا.. فالقول بأن الرحمة ، مثلا ، هي نفسها الرأفة على اعتبار أن الرحمة اشتقت من معنى الرحم ، ثم استعمل المعنى الحقيقي للرحم استعمالا مجازيا للدلالة على المحبة والعطف لما بين أبناء الرحم الواحد من تآلف وحنو وعطف ، فصارت الرحمة والرأفة بنفس المعنى وإن اختلفت اللفظتان ، لهو قول يحتاج إيضاحا .. وكيف لنا أن نعرف أن كلمة الرأفة سبقت كلمة  الرحمة إلى الوجود حتى يترادف معها المعنى المجازي للرحم ؟! وفي القرءان الكريم نجد أن من أسماء الله الحسنى الرحمن والرؤوف ، وهما اسمان أو صفتان لا تسد إحداهما مكان الأخرى . أما كلمة الرأفة ، فلست أدري إلى أي مسمى حقيقي يعود أصلها حتى نطبق عليها ما طبقناه على كلمة الرحمة التي اشتقت من الرحم ، ثم نحاول أن نجد رابطا بين الأصلين يجعلنا نوقن أن الأصلين لهما نفس المعنى ، أو لا نوقن .
يبقى للترادف إمكانية الوجود في لهجتين مختلفتين ، وهو ترادف غير مقصود ، كقولنا عن العهن إنه هو الصوف نفسه ، وإن كل قبيلة سمته اسما مختلفا عن الاسم الآخر . ومع ذلك نجد من يتساءل : لم وردت كلمة العهن في القرءان ولم ترد كلمة الصوف؟ هل كلمة العهن أوضح بيانا للمعنى المراد تبيينه من كلمة الصوف ولماذا؟ وهل يجوز لنا أن نتلو : " كالصوف المنفوش " بدلا من " كالعهن المنفوش " ويبقى المعنى على ما هو عليه؟ إذا كان الأمر كذلك ، فإن الاسم " العهن" مرادف للاسم " الصوف ". ويمكن أن يكون لدلالات أصوات الحروف المنطوقة مواقع للسمع أنسب من مواقع أخرى عند المستمعين ، وهذا ما يدخلنا فيما للصوتيات من آثار في وضع المعاني في أمكنتها المناسبة اعتمادا على أجراس ألفاظها المتباينة وإن تشابهت معانيها أو ترادفت .
ونحن إن أنعمنا النظر في الأبكم كيف يخاطب الناس بالحركات والإشارات والإيماءات ، وان كل حركة أو إيماءة يقوم بها تختلف ، ولو قليلا ، عما يشبهها ، لتبينا أن كل إشارة وكل حركة تعني عند الأبكم معنى خاصا يود التعبير عنه ، فكيف بالشخص الناطق الفصيح ، الذي يمتلك أساليب التعبير البليغة إضافة إلى حركات يديه و رأسه ، مع تعابير وجهه وانفعالاته ، أنراه يؤمن بالترادف اللغوي!
 واختم مشاركتي بما تفضلت به في ختام تعقيبك ؛ مصدقا به ومؤمنا بمعناه :
***         يستحيل أن يكون ثمة ترادفٌ في كتاب الله !!!!!

26 - مارس - 2009
الترادف اللغوي بين النفي والإثبات
جهد مشكور     ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

جهدك مشكور بارك الله فيك ونفع بك يا شيخنا ،
أرفقت مشاركتي دون ان اتبين مشاركات شيخنا د. يحيى كلها ، فقد بدات بكتابة تعقيبي قبيل ان يدرج باقي مشاركاته ؛ فمعذرة .

26 - مارس - 2009
الترادف اللغوي بين النفي والإثبات
شكرا على الهدية بل الهدايا    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

الفرق في المعنى بين القسم والحلف في القرءان الكريم
القسم في القرءان يختص بالصادق في أيمانه أو الذي يريد أن يوهم الناس بأنه صادق ، أما الحلف ، فيختص به الكاذب فيها :
قال تعالى :
" والفجر وليال عشر، والشفع والوتر ، والليل إذا يسر ، هل في ذلك قسم لذي حجر...." الفجر. والمقسم هو الله تبارك وتعالى . والآيات المماثلة كثيرة .
وقال :
" ...إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين . ولا يستثنون..." القلم . فقد كانوا صادقين في قسمهم ؛ فنيتهم فعل ما أقسموا على فعله .
وقال :
" وأقسموا بالله جهد أيمانهم لن يبعث الله من يموت " النحل . فهم إما غير مؤمنين بالبعث على وجه الحقيقة ، أو إنهم يوهمون السامع او المخاطب أنهم غير مصدقين بالبعث ؛ تكذيبا متعمدا لما جاء به الرسول من لدن ربه تعالى ، فأقسموا ولم يحلفوا . وعدم إيمانهم بالبعث على وجه الحقيقة يؤيده قول الله تعالى : " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " الجاثية . وقوله تعالى في سورة ق : " أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد " .
وقال :
" ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة " الروم . فهم صادقون في إحساسهم ومشاعرهم ؛ لأن إحساسهم بقصر الزمن ووقوع العذاب جعلهم يقسمون .
وقال :
" وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا . فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا " النساء . والمنافقون كاذبون بطبيعة الحال .
وقال :
" يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير . يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا.... " التوبة . ولما افتضح أمر المنافقين لم تعد لديهم الإمكانية بأن يوهموا الناس بصدقهم ، ولذا رأيناهم يحلفون ولا يقسمون .
وقال :
" ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون " المجادلة .
وقال :
" ولا تطع كل حلاف مهين " القلم .
وقال :
" ...فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم... " المائدة . فالذي يحتمل أن يحنث بيمينه لا يكون يمينه قسما ؛ وإنما هو الحلف لا القسم .
وقال :
" ... تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذن لمن الآثمين ." المائدة . فالمفترض في المقسمَين ان يكونا ذوي عدل وصدق ، لا أن يكونا حالفين يحتمل الكذب لديهما .
في المحاكم يطلب القاضي من الشاهد أو من المتهم أن يقسم على قول الحق لا أن يحلف ، فالمحاكم بهذا تكون تتبع معنى القسم في القرءان الكريم ، إلا أن يكون القاضي من أنصار الترادف اللغوي .

26 - مارس - 2009
الترادف اللغوي بين النفي والإثبات
معرفة السبب لا تكفي دائما    كن أول من يقيّم

"ليس من المعقول أن يتفق المترجمون على زندقة ابن المقفع ‏من غير سبب معقول. ولكن ذلك السبب خَفي علىّ فلم أتبيَّنه".
والاتهام بالزندقة ربما يصيب فيه المتهـِم وربما يخطيء . والمهم هو توفر الدليل . فابن الراوندي مثلا ، وكما تدل عليه كتبه إن صحت نسبتها إليه ، أشبه ما يكون بالملاحدة المعاصرين الذي يرجعون بالأسباب الفاعلة إلى الطبيعة نفسها ، بل إنهم يكذبون بالنبوات والرسالات وبالكتب المنزلة . وهناك من اتهم بالزندقة بغير وجه حق ، كمن اتهموا لمجرد مخالفتهم غيرهم في فهم النصوص المقدسة ، او كانت فلسفتهم توحي لغيرهم بانهم ملاحدة أو أنهم في شك مما انزل الله تعالى أو في اعتراض عليه جل وعلا . أما ان يتناقل المترجمون قضية اتهام ابن المقفع بالزندقة ، فلا يقدم ذلك ولا يؤخر في إلصاق التهمة به والتاكيد على صحتها شيئا . أن نتهم واحدا من الناس امر سهل ، أما ان نثبت ذلك الاتهام ، فليس الأمر عندها سهلا ابدا ، بل إننا نحاسب على ذلك عند ربنا تعالى إن قلنا بما لم نعلم . بقي السبب الذي خفي على مردم بك ، فلو عرف ، لن يكون كافيا على الدوام ؛ فالأسباب الظاهرة يظل ما وراءها خافيا . لقد كان ظاهر المنافقين يدل على إسلامهم ، وهم بينهم وبين الإسلام لله كما بين المشرقين من بعد . وبالمقابل نجد من الناس ما يشي ظاهره بالبعد عن الدين وقلبه يعمره الإيمان وتستريح فيه التوبة .
ولقد تذكرت الآن ما قيل عن بشار بن برد من انه قال :
إبليس أفضل من آبيكم آدم فـتبينوا  يا معشر iiالفجار
فأقول : من الذي يستطيع أن يؤكد لنا ان بشار بن برد قال بيت الشعر هذا فعلا؟! الا يجوز أنّ مبغضا له ألصق ذلك البيت به ظلما وعدوانا؟! إن الحديث الذي لا افتراء فيه هو كتاب الله تعالى ، وما صح من حديث نبيه لا غير .. وحتى حديث النبي الأكرم تناوله بعض من تناوله بالتحريف والتزوير أمام اسماع الناس وأبصارهم . وإن رمي واحد من الناس بتهمة او اكثر يظل بحاجة إلى  إثبات بدليل قاطع غير خاضع للظن أو التأويل .
وتاريخنا وتاريخ غيرنا حافل بالتهم والشكوك ، وحافل بالفرق ذات الفكر المتغاير ، والفهم المتعارض ، والأحقاد والضغائن المتبادلة ، والمصالح الدنيوية المتقاطعة .. وما كان أسهل على أصحاب فرقة ان يتهموا أصحاب فرقة أخرى بالزندقة والإلحاد لمجرد مخالفتهم إياهم في الفهم وطريقة التفكير .
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت .

26 - مارس - 2009
هل كان ابن المقفع زنديقاً ؟
سر صمت عبد الوهاب    كن أول من يقيّم

تحياتي لسيدتي صاحبة الملف ، ولجميع المشاركين الكرام ، ولأخينا وأستاذنا الموهوب والواسع الاطلاع عبد الرؤوف النويهي ،
وأشكره على اهتمامه بما طرحته من أسئلة ، وان تفضله بنية الرد عليها فضل لن أنساه ، فبارك الله فيه . أما ما يخص " اللطش " والاقتباس  ، وأن الاقتباس له حدوده ، فأمر لا أدعي منازعته فيه ؛ ولكنه يبقى  محلا للأخذ والرد ، والاقناع والاقتناع  ؛ لذا وجدنا من يدفع عن عبد الوهاب تهمة السرقة مثل " سليم سحاب " وغيره ، ووجدنا من يلصقها به ، مثل أستاذنا عبد الرؤوف  النويهي ، ومنظمة اليونسكو بفرعها العربي وغيرهما . على أية حال ، فسوف أظل في شوق لمطالعة ما سوف يكتبه الأستاذ حول هذه المسألة . ولكني لن أفوّت له قوله :" لست من الذين يطلقون الكلام على عواهنه " دون أن اعلق عليه بالقول : من يعرف شيئا ولو قليلا من سعة اطلاع الأستاذ وسعة أفقه وغزارة موهبته وسرعة بديهته ، لا يمكنه أن يظن بالأستاذ أنه لا يبالي إن أصاب أم أخطأ .
وكون الأستاذ ذكر أن عبد الوهاب نفسه كان قد سكن إلى الصمت حين اتهم بالسرقات الموسيقية ، فهذا ذكر يمكن أن يكون محل نظر ، ومدعاة للتعليق عليه بما يلي :
تذكرت أني اطلعت من زمان على خبر يتعلق بأن عبد الوهاب كان يضيق بالنقد إن كان لغير صالحه منذ أن كان شابا فتيا . ولأنه اعتاد سماع الإطراء والإعجاب  بفنه من غالب المحيطين به ، ولأنه اشتهر وذاع صيته ذيوعا ملحوظا منذ بداياته الفنية الأولى ؛ فكان النقد يؤذي مشاعره على اعتبار أنه يرى نفسه أكثر خبرة من ناقديه، وأن أمير الشعراء شوقي نصحه مرة بأن يضع الصحف التي تتضمن ما يزعجه من نقد على الأرض ويدوس عليها ولا يلقي لما فيها بالا ، فاتبع النصيحة على ما يبدو حتى نهاية حياته . وكل ذلك لا يعني عندي بطبيعة الحال أن عبد الوهاب ( وأنا من المعجبين بفنه كثيرا ) ومن هم أكبر من عبد الوهاب يجب أن يُحاطوا بالقداسة والعصمة ، وأنهم لا يمكن أبدا أن يكونوا ( حرامية ) بدرجة أو بأخرى ؛ ولكن مسألة الاقتباس ومسألة السرقة مسألتان يمكن أن تلتبس الواحدة منهما بالأخرى ، وأن الحدود التي تميز السرقة من الاقتباس هي أيضا حدود تتعرض للضيق كما تتعرض للاتساع وفقا لنية المقتبس أو السارق وما يهدفان إليه ، ووفقا لنظرة النقاد التي يمكن أن تكون متباينة متغايرة .
وبهذه المناسبة الطيبة ،  مناسبة الحديث في الموسيقى الرفيعة ، كما قال الأستاذ عبد الرؤوف ، أستميحكم عذرا في أن أخلط الشرق بالغرب ، فأقدم لحضراتكم تسجيلا لإحدى مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية البحتة في منتصف الثلاثينيات ، وهي معزوفة بعنوان : "عتاب " ، تتحدث عن عتاب بين محبّين ، وهي لا ريب معزوفة معروفة لمن له عناية بموسيقات عبد الوهاب . والتحميل من الرابط :
 
وهذا تحليل موسيقي يتناول المعزوفة المذكورة تجدونه على هذا الرابط :
 
 
 وما دام الأمر وصل إلى العتاب و المتعاتبين ، فأظن أن لا مانع من أن نستمع إلى "عتاب " بالموسيقى والغناء معا ، وبصوت هو كأنه الموسيقى عينها . والتحميل من الرابط :
 
 
 
 

28 - مارس - 2009
الفلسفة والموسيقى
كدت أقتنع برأي الأستاذ النويهي    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

علي أن اعترف أولا أن أستاذنا النويهي قد أثر على فكري حتى كدت أن أعدل عن فهمي موضوع السرقة والاقتباس وأميل إلى معنى ما تفضل به عن عبد الوهاب ، ثم لما طالعت مشاركات أستاذنا محمد هشام ، رأيتها وكأنها تنطق بلساني ، مع وضوح في العبارة ، وسعة في الاطلاع ،  وجودة في الفكر أكثر مني ، ثم خرجت من مشاركات الأستاذين : النويهي ، وهشام ، وبما تمليه علي أفكاري ،  بما يلي :
1 ـ  السرقة ممكنة الحدوث ، ويمكن إلباسها ثوب الاقتباس المشروع من أجل التغطية عليها . والشهرة ، بغض النظر عن أسبابها ، ربما تجعلنا نميل إلى نفي ما يمكن أن يعيب المشاهير ، خاصة إذا كانت لهم أعمال فنية ممتازة وغير مسروقة أو مقتبسة .
2 ـ هناك حد فاصل بين السرقة والاقتباس ؛ ولكنني ، وحتى هذه اللحظة ، لم أصل إلى القطع بالحكم على العمل الفني إلى أي جهة ينتمي ، وربما يعود ذلك لقلة اطلاعي على الموسيقى عموما وعلى الغربية منها خصوصا . فالمطلع أكثر ، يكون حكمه إلى الصواب أقرب . يُضاف إلى ذلك إمكانية تدخل عاطفتي في عقلي سواء لصالح عبد الوهاب أو لغير صالحه ؛ متخذا من سيرته الشخصية ، وبعض ما جاء فيها لا يعجبني وبعضه يعجبني، محلا للتعلل بما هو عاطفي لا عقلاني . كما أن مقال المايسترو سليم سحاب أثر في كثيرا ، والذي ذكر ان كبار الموسيقيين الأجانب قاموا من قبل بمثل ما قام به عبد الوهاب ؛ ولذا ، فإنني ما زلت أميل إلى أن الاقتباس الذي يسمى بالسرقة أحيانا ليس بالضرورة كله سرقة . وان بعض تضمين عبد الوهاب ألحانه شيئا من الموسيقى التي ليست من صنعه هو أشبه بالشاعر الذي يتمثل بيتا شهيرا من قصيدة لشاعر شهير ، ثم يضمنه إحدى قصائده ، والكل يعلم  ، ممن لهم بالشعرعناية ، أن البيت المضمن ليس من نظم الشاعر المُضمِّن ؛ ولكن يبقى الحكم على جودة التضمين ، وهل هي في محلها أو في غير محلها ، حكما محل اتفاق أو اختلاف بين المعنيين .
3 ـ فرصة توارد الخواطر والأفكار بين الفنانين والأدباء ممكنة الحدوث إلا أنها لا يعتمد عليها كثيرا في نفي التهم أو إثباتها ؛ فهي تتعلق بالنوايا  وصدقها أو كذبها  رغم تعلقها بإمكانية الحدوث عقلا عند بني آدم . ولو قلت لكم إن فكرة قصيدة ويليام وردزويرث المعروفة بعنوان " نحن سبعة " كانت قد خطرت لي طفلا لمّا كنت لا أعرف شيئا من الشعر الرومانسي ولا غيره من الشعر، ولا أعرف كلمة إنجليزية واحدة ؛  لكنتم في حل من التصديق بما أقول  ، إذ لو طالبتموني بتقديم الدليل ، لعجزت عن تقديمه . وكانت الفكرة قد خطرت لي ، بل وتمثلتها فعلا ، لما حدثتني أمي يرحمها الله ، ولأول مرة ، أن أخا وأختين لي توفاهما الله صغارا من قبل أن أخلق . وكنت أردد كثيرا في نفسي : نحن عشرة ، بنين وبنات ، ولسنا سبعة . بل إن ويردزورث نفسه ربما عرف الفكرة من البنت الصغيرة التي حدثنا عنها .
4 ـ شجعتني مشاركات الأستاذين الكريمين حول السرقة والاقتباس على البحث في الشبكة ، لأجد نسخة من مقابلة صحفية حوارية مع عبد الوهاب ينفي أن يكون ما فعله سرقة ، وهذا جزء من المقابلة الحوارية أنقله كما هو ، وأنا أتخيل أستاذنا النويهي وهو يطالعها يتمتم قائلا : " قالوا للحرامي احلف ، قال : قرّب الفرج " :
 
(( - ردي علي هؤلاء يتلخص في الاتي: في فترة الكفاح من اجل الاستقلال.كان الاغتراف من الوجدان الموسيقي الشرقي، جزء من مقاومة الوجدان الشعبي لكل ماهو أجنبي. فلما أصبح لمصر شخصيتها المعنوية، وكيانها الدولي المستقل بعد معاهدة 1936، تخففت الموسيقي من العقد والرواسب، وبدأ يحدث التفاعل بين الوجدان الموسيقي الشرقي،والانفتاح علي الغرب، الذي أعتبره البعض سرقة وأقتباسا
* برغم وجاهة وجهة نظرك.التي أردت أن تقنعنا بها، وبما عرف عنك انك مفكر ممتاز، تتمتع بحس ثقافي شامل، وبصيرة تحليلة نافذة، فقد أردت أن توهمنا بأنك ترصع ألحانك بقطع ثمينة من الموسيقي الكلاسيكية الخالدة.
- علي كل ان أخذي جملة وبنائي عليها يعتبر عملاً كبيراً، قد أعتقد أن هذا يعتبر أضافة تحسب لي، كما أن السرقة في عرفي، تكون عندما أخذ أهم جملة موسيقية في العمل المقتبس منه، وأضمنها عملي وهذا ما لم أعمله.
* علي كل لقد أتهمك البعض، بالسرقة من الموسيقي العربية، وبالذات من سيد درويش.
- لقد كون سيد درويش عبقرييه بملاحقة الناس في الشوراع وسماعه لهم، وأخذ الألحان التي كانوا يرددونها ،وكان يصوغ ألحانا من عنده عليها. إن هذا اعتبره الناس عبقرية وليس سرقة، ألا يحق لي بعد أن أكملت البناء بالأفكار الموسيقية لسيد درويش، وبما قدمت من أعمال خاصة بي من القوالب العصرية أن يكف أنصار سيد درويش علي أتهامي بسرقة ألحانة؟ ))
5 ـ السرقة ربما تتنوع ، وأخطر نوع منها  ، وفقا لظني ، نوع خفي ، وهو سرقة الأفكار* وإعادة صياغتها بطريقة توهم المطالع أو السامع أنها فكرة جديدة جاء بها السارق . وهذه السرقة لا يكتشفها إلا من كان ضليعا في علوم الموسيقى وما يتعلق بها من فنون ، وبالعلوم الإنسانية عامة . ولكننا نجد من يرد علينا بأن الأفكار والخواطر ليست ملكا لواحد بعينه . وهذا يتعلق بما ذكرته آنفا في الفقرة الثالثة . لقد صور بتهوفن في موسيقاه الصراع مع الأقدار كما فهمت ، ثم جاء عبد الوهاب ، مثلا ، فصارع الأقدار بطريقة تختلف في لحنها عما فعل بيتهوفن .. وهنا لنا ان نتساءل : هل الفكرة في ما فعله بيتهوفن تظل حكرا عليه لا يجوز لغيره الاقتراب منها ، ام إنها يجوز استخدامها بطريقة اخرى مع بقاء الفكرة معترفا بأنها تخص بيتهوفن في الأصل ، وأن هذا لا يعد من قبيل السرقة؟ ولنا ان نتساءل ايضا : هل من ضمانة تضمن ان بيتهوفن هو صاحب الفكرة قبل غيره من بني آدم ، أم ان الأفكار مشاع لكل ذي عقل وعاطفة وغرائز دون ان نعين السابق او اللاحق؟ كل الشعراء والأدباء والفلاسفة والموسيقيين عبروا عن ما تختزنه عواطفهم وعقولهم واخيلتهم كمرايا ينعكس عنها ما يحيط بهم من علاقات مع ما حولهم ، ثم نظرنا إلى أيهم طريقته في التعبير كانت ابلغ وافصح وأصدق وأشد اثرا علينا وكفى ؟ ألا ينطبق تساؤلنا على كل فن وكل علم؟ وإننا لما نتذكر المعري ، مثلا ، ورسالة الغفران ، يغلب علينا أن نفطن لدانتي والكوميديا الإلهية كما يسمونها ، ثم نأخذ بالتساؤل : هل اقتبس دانتي الفكرة من المعري أم ان كلا منهما خطر له ما خطر للآخر؟ وكم وجد من يفكر بنفس الخواطر على مر الدهر؟ كلها تساؤلات لم اجد لها جوابا قاطعا . ولقد تذكرت الآن معنى قول نسبوه لنيوتن : لم اصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد ان وقفت على أكتاف غيري ممن سبقوني .
6 ـ أوجه القول إلى أستاذي الأجل ، عبد الرؤوف ؛ ردا على قوله : " أنت صديقى.. والحق صديقى ،فإذا أختلفنا فالحق أولى بالصداقة. " ، لأبين لحضرته موافقتي الأكيدة على أن الحق يعلو على كل شيء بطبيعة الحال ؛ ولكن ما يراه حقا يمكن أن أراه ، أنا أوغيري ، قابلا للتأويل أو للخلاف في فهم منطوقه . ولو توصلتُ إلى الحق في موضوعنا هذا ، لما كذبت وادعيت أنني لم أتوصل ( لست مجبرا على ادعاء كهذا ) ، ولانتهى الموضوع إلى الاتفاق على مضمونه من وجهة نظره الكريمة . وكنت أود أن يوضح لي رأيه في ما قاله المايسترو سحاب من أن بيتهوفن وغيره من عمالقة الموسيقى قاموا بما قاموا به ؛ لأعرف منه الحد الفاصل في الموسيقى بين السرقة والاقتباس ، فذلك يعينني على أن اقتنع أكثر بما تفضل به ، وأصبح مؤمنا به لا تساورني فيه الشكوك . أما ما ارتكز عليه القائمون على اليونسكو العربية حين اتهموا عبد الوهاب بالسرقة ، فليس لدي علم حوله أستعين به أيضا .
وأخيرا أشكر لأستاذنا محمد هشام اهتمامه بالمشاركة ، ولأستاذنا النويهي غيرته على الأمة ، وسعيه لطلب الحق بصدق ، فبارك الله فيه . وأنا ، إن شاء الله ، مثله ومثل الأستاذ هشام بالضبط ، لا أزيد عنهما ولا أنقص في هذه الغيرة ، أو في هذا السعي إلى الحق من أجل الحق .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إذا كان المرحوم عبد الوهاب من الماهرين بسرقة الأفكار دائما ، وهو يعلم أنها ملك خاص لغيره وليست ملكا إنسانيا مشاعا كالتراث الغنائي الشعبي مثلا ، وتحويلها إلى (حسابه) ، ( فجزاته ) على الله ، وما علينا عندها إلا أن نقول آسفين : ( أكلنا مقلبا كبيرا جدا) .
 
 

29 - مارس - 2009
الفلسفة والموسيقى
الترادف مرة أخرى    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

تحياتي لإخواني الأحبة الأساتذة ، أحمد عزو ، وأبي هشام ؛ شاكرا لهما ومعترفا بفوائد ما تفضلا به من تعقيبات ثرية بالأفكارالقيمة، وأكرر شكري لشيخنا ، د. يحيى ، على إثرائه هذا الموضوع وما بذل فيه من جهد . وإلى حضراتكم ما طلعت به من مشاركاتكم المفيدة :
يسر الله سبحانه وتعالى القرءان الكريم بلسان النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو نفس لسان قومه العرب . ولما نزل القرءان كانت ألفاظ من مثل جاء وأتى ، وتبع واتـّبع ، وحزن واغتم ، وقال وتكلم وتحدث ، وأنشأ وخلق ، وغيرها من الألفاظ معروفة ومستعملة بين العرب ؛ ولكن الله سبحانه وضع كل لفظ في محله المناسب له مما يعني أحد أمرين : إما أن الترادف لا وجود له في اللغة أصلا ؛ فلم يأت به القرءان ، سواء كانت اللغة توقيفية أو كانت اصطلاحية ، أو إنه كان موجودا ، فعلـّمنا الله سبحانه أن ننبذه ونضع كل لفظ في محله قدر استطاعتنا ، ووفقا لما حباه الله تعالى كل ذي بلاغة من مقدرة عليها . والمتأمل في لسان النبي الأكرم ، صلى الله عليه وسلم ، أفصح العرب وغير العرب قاطبة ، لن يجد فيه كلمة واحدة تسد مسد الأخرى ، ولا عبارة تغني عنها عبارة غيرها في معناها الدقيق ، بل إن كلام البلغاء من العرب نجدهم وقد التزموا فيه الدقة في المعنى وفي استعمال العبارت المناسبة لمقتضى الحال قدر تمكنهم منها ، ولو كانوا من أنصار الإقرار بالترادف .
وإنني أؤيدكم بما يتعلق بالقرءان الكريم بما يخص الترادف ، فلنا فيه أحسن أسوة لمن ينفي وقوع الترادف فيه . ونحن لا نجد فيه لفظا يسد مسد الآخر ، بل ولا نجد حرفا يسد مسد حرف . وهو في هذا حجة بالغة على من قالوا بوجود الترادف في القرءان ، وهم ، على حد علمي ، قلة قليلة .
اللغة بين الاصطلاح والتوقيف
ربما لن يكون هناك فرق حقيقي بين أن تكون اللغة اصطلاحية أو تكون توقيفية إذا اعتبرنا معنى التوقيف أن الله تعالى أودع في بني آدم المقدرة على اختراع ألفاظ اللغة وتراكيبها وعباراتها ، وتطويرها وفقا لحاجاتهم من التفاهم فيما بينهم ، وزودهم بالألسنة والشفاه ، وبالقدرة على التعبير بالحركات والإيماءات ؛ متساوقة مع عقولهم المفكرة ، ومع ما تنبض به قلوبهم من عواطف وانفعالات ، وغرائز تتطلب الإشباع مع التهذيب . فالتوقيف بهذا المعنى يمس اللغة العربية وغيرها من اللغات . فالله سبحانه هو من أوقف الناس على المقدرة اللغوية حين علم أباهم الأسماء كلها . وإن اختلاف ألسنة الناس على مر الدهر لآية من آيات بارئهم جل وعلا ، ولا يمكننا نسبة اللغة أو غيرها من الأفعال المخترعة في منتهى الأمر إلى مقدرة الإنسان نفسه ، بل إلى الله تعالى خالق الخلق أجمعين . والمنكر للترادف اللغوي ليس بحاجة إلى أن تكون اللغة توقيفية بالمعنى الذي فهمه بعض من سبقنا ، أي بمعنى أن اللغة العربية كانت لغة أبينا آدم عليه السلام بحذافيرها ، فالواقع اللغوي عبر التاريخ ينكر ذلك .
وإن ما قاله الكرماني ، والذي ذكره الأستاذ أحمد حول " تبع " ، و " اتبع " ، لا يمكننا التسليم بصحته إذا قمنا بتطبيقه على باقي الآيات الكريمات التي احتوت أحد الفعلين المذكورين ، بل إننا نجد لكل فعل معنى يتغاير مع الفعل الآخر . وكذلك ما ذكره حول الفعلين أتى وجاء ، وأنهما مترادفان ، وأن كثرة دوران أحدهما في سورة يتطلب تكراره في السورة نفسها . فلو سلمنا بأن تكرار اللفظ الواحد يحقق الجرس الموسيقي المناسب ، فهل ينافي ذلك أن الفعل جاء في محله الصحيح من جهة معناه ، وأن الفعل المشابه الآخر لا يجزيء بدلا منه من جهة المعنى! وإذا كان الأمر كما قال الكرماني ، فلماذا الفعل " أتى " اختصت به سورة طه ، بينما الفعل " جاء " اختصت به سورة النمل؟!
وفوق ذلك ، نجد في سور القرءان الكريم الكلمتين المختلفتين لفظا وكتابة ، واللتين يظن بهما الترادف ظنا في آيتين متجاورتين :
" وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون " ، " فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى...." القصص . مما يدل دلالة واضحة أن لكل لفظ معناه ومحل استعماله ، وأن لا ترادف في ألفاظ القرءان وعباراته قط . صحيح أن اللغويين رسوا على شاطيء السلامة اللغوية حين قالوا أن لا ترادف في لسان القرءان الكريم ؛ ولكنا وجدنا منهم ، قديما وحديثا ، من قالوا بوجود الترادف في القرءان ، وهذا ما يدعو إلى العجب . ولو اقتصروا على القول بالترادف في اللغة ، لكان اقتصارهم مستساغا نوعا ما .
أما تعليلات الإمام السيوطي التي ذكرها الأستاذ أبو هشام في إثبات الترادف ، فهي تعليلات تصلح لبيان الفائدة من الترادف في حال الإقرار به ، وليست لإثبات الترادف نفسه . وأما ما ذكره السيوطي عن " الكيا " ، وهو الكِـيَا الهرّاسي ( محدث وفقيه شافعي توفي أول القرن السادس) فيكفينا أن السيوطي نفسه قد استغربه . وأما واصل بن عطاء ، فقصته قصة طريفة..فهو ، عند من ينفي الترادف ، لن يأتي بالمعنى الدقيق للكلمة التي خجل من نطق حرف الراء فيها . فلو قال : الجواد ، أو السابح ، أو الصافن بدلا من قوله كلمة " الفرس" ، لما فهم نفاة الترادف اللغوي أنه يعني الفرس أي فرس ؛ وإنما صفة من صفات بعض الأفراس . ولو قال شيئا عن السيف يعني به الصارم ، لما فهم السامع ممن ينفون الترادف إلا أنه يعني بقوله السيف أي سيف .*
ويبقى الترادف في اللغة جائزا في الحالة التي يتفق فيها لفظان مختلفان ، كل لقبيلة ، على معنى أو مسمى شيء واحد دون علم مسبق لقبيلة بلفظ الأخرى . ومع هذا ، ففي أمر من مثل هذا نظر . فلو شاع أحد اللفظين وهجر اللفظ الآخر بعد زمن ما ، يختفي الترادف . ولو نظرنا إلى الأصل الذي اشتقت منه كل قبيلة لفظها ، لاحتمل ان يكون الأصل الذي جرى الاشتقاق منه متباينا . وهذا التباين يمكن أن يؤدي إلى خلاف في جوهر المعنى دون ظاهره ، ويؤدي بالتالي إلى تباين في مكان استعماله . فمن أطلق على الطويل القامة من الرجال صفة الاصلهباب ربما استعار هذه الصفة من شيء طويل له اسم مشابه ، ولكننا لا يمكننا استخدام هذه الصفة في وصف الليل الطويل مثلا ، لنقول : ليل مصلهبّ ، بينما صفة الطول يوصف بها الشخص ، ويوصف بها الليل ، وتوصف بها الأشجار ، وتوصف بها الآماد والحقب وموصوفات كثيرة غيرها . وعليه ، فإن شيوع صفة الطول بلفظ " طويل " ربما سببه إمكانية استعمالها في عبارات عديدة ، بينما صفة الاصلهباب ، فإننا بالكاد نجدها في قواميس اللغة القديمة . فالترادف ، في حال وجوده في اللغة في مرحلة من المراحل لدى قبيلتين  ، يؤول ، في نهاية الأمر ، إلى لفظ واحد إن اندمجت القبيلتان . ولقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرسل الكتب إلى قبائل عربية يمنية ؛ مخاطبا إياهم باللغة التي اعتادوها . وهذا يشبه التخاطب بلغة مختلفة ولو أنها عربية الأصول . ولما وحد القرءان الكريم لغة العرب ، ولله الحمد ، صار أمر الترادف إلى نقص كبير حتى كاد أن يمّحي . وبهذا ، أخالف اخي الاستاذ أبي هشام إلى عكس ما قال عن ثراء اللغة وأن سببه الترادف ، لأقول إن ثراء اللغة في كثرة الكلمات غير المترادفات ، ففيها تبدو البلاغة والفصاحة والتعبير الدقيق عن المعنى المراد أكثر بكثير من الإعادة والتكرار ، ولن تكون الإشارة إلى المعنى الواحد بألفاظ مختلفة الجرس والحروف مؤدية إلى بيان ما في المعاني من معان . وهذا ما ذهب إليه ابو هلال العسكري .
الترادف في اللغة إذن ممكن الحدوث ؛ ولكن ليس بصورة مبالغ فيها ، بل إن نفي الترادف في اللغة أقرب إلى الحق .
ولحضراتكم جميعا مني كل الود ، والشكر الجزيل على ما أتحفتموني به من معرفة. ولقد فطنت الآن إلى أن الشكر يكون بالعمل لا باللسان ؛ لذا فأنا عاجز عن الشكر ، والجأ إلى القادر عليه تعالى ؛ راجيا أن يشكر لكم صنيعكم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* "...واصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة في معناها وليس فيها راء، وهو كثيرفي كلام العرب، فإذا أراد العدول عن لفظ: فرس قال: جواد أو سابح أو صافن، أو العدول عن لفظ: رمح قال: قناة أو صعدة أو يزني أو غير ذلك، أو العدول عن لفظ: صارم، قال: حسام أو لهذم أو غير ذلك، ..." ( أعيان العصر وأعوان النصر ) للصفدي/ مكتبة الموسوعة الشعرية في إصدارها الثالث .
وقد ذكر الجاحظ في ( البيان والتبيين ) ما يؤكد مكابدة واصل ابن عطاء عند محاولته إقصاء حرف الراء من كلامه حين كان يناظر خصومه ، وانه نجح بعد لأي في أن يعتاد ذلك ؛ ولكن الجاحظ لم يتطرق إلى مسألة الترادف وحالها مع واصل بن عطاء ، مع أن الجاحظ ممن كانوا ينفون الترادف اللغوي . ويمكن أن يستشف من ذلك أن واصل بن عطاء كان يستحضر موضوع الجدال سلفا بحيث لا تضطره صيغة الموضوع إلى لفظ الكلمات التي تتضمن حرف الراء .
 

31 - مارس - 2009
الترادف اللغوي بين النفي والإثبات
جنة الملفات وفردوسها    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

أتابع مطالعة هذا الملف الجميل كل يوم بسرور عظيم ؛ فقد جمع أستاذنا زهير كل أحبته حوله بديوانه العامر بكل خير . الغائب عاد ولله الحمد ، والمشغول تفرغ ، والأحبة تبادلوا ويتبادلون رسائل الود والصدق والإعجاب ، وأشقاء استاذنا ( رحم الله والدهم الكريم ) طالعنا كلماتهم الأخوية وهم يسلمون على سراة الوراق وأهله ، وطالعنا القصيدة الروعة (معتز يا ذاك الرفيف الباقي ) وسررنا لعودة من طالعنا مقالاتهم القديمة في الوراق وتمنينا عودتهم وتحققت الأمنيات والحمد لله.. ملف أحرى وأخلق بان نطلق عليه جنة الملفات وفردوسها . بارك الله في الوراق وأهله والمسؤولين عنه وسراته ورواده جميعا . وأشكر أستاذنا زهير جزيل الشكر على إدراجه قصيدته " تذكار ياسين " بين قصائد ديوانه الفخمة الرائعة . 
وأسلم على أستاذنا بنلفقيه ، وأشكره على اهتمامه بعلوم القرءان الكريم . أما الأشعار التي ذكرها وأنها مما وجده مكتوبا بخط المرحوم والده الفاضل ، فقد حاولت أن أعلم قائلها أو قائليها ، فلم أحصل على النتيجة المرجوة على الرغم من احتفاظي ببعض الكتب التي تتضمن أشعارا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، وأشعارا في الأدعية قريبة في نسجها من الأشعار التي ذكرها . ولقد رأيت الأشعار المذكورة وكأنها تنتمي إلى شعراء المديح النبوي في أواخر العهد العثماني . وسوف أحاول العثور على القائل مرة أخرى إن شاء الله .
للجميع مني كل الود والاحترام

31 - مارس - 2009
ديوان زهير
 32  33  34  35  36