كدت أقتنع برأي الأستاذ النويهي     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
علي أن اعترف أولا أن أستاذنا النويهي قد أثر على فكري حتى كدت أن أعدل عن فهمي موضوع السرقة والاقتباس وأميل إلى معنى ما تفضل به عن عبد الوهاب ، ثم لما طالعت مشاركات أستاذنا محمد هشام ، رأيتها وكأنها تنطق بلساني ، مع وضوح في العبارة ، وسعة في الاطلاع ، وجودة في الفكر أكثر مني ، ثم خرجت من مشاركات الأستاذين : النويهي ، وهشام ، وبما تمليه علي أفكاري ، بما يلي : 1 ـ السرقة ممكنة الحدوث ، ويمكن إلباسها ثوب الاقتباس المشروع من أجل التغطية عليها . والشهرة ، بغض النظر عن أسبابها ، ربما تجعلنا نميل إلى نفي ما يمكن أن يعيب المشاهير ، خاصة إذا كانت لهم أعمال فنية ممتازة وغير مسروقة أو مقتبسة . 2 ـ هناك حد فاصل بين السرقة والاقتباس ؛ ولكنني ، وحتى هذه اللحظة ، لم أصل إلى القطع بالحكم على العمل الفني إلى أي جهة ينتمي ، وربما يعود ذلك لقلة اطلاعي على الموسيقى عموما وعلى الغربية منها خصوصا . فالمطلع أكثر ، يكون حكمه إلى الصواب أقرب . يُضاف إلى ذلك إمكانية تدخل عاطفتي في عقلي سواء لصالح عبد الوهاب أو لغير صالحه ؛ متخذا من سيرته الشخصية ، وبعض ما جاء فيها لا يعجبني وبعضه يعجبني، محلا للتعلل بما هو عاطفي لا عقلاني . كما أن مقال المايسترو سليم سحاب أثر في كثيرا ، والذي ذكر ان كبار الموسيقيين الأجانب قاموا من قبل بمثل ما قام به عبد الوهاب ؛ ولذا ، فإنني ما زلت أميل إلى أن الاقتباس الذي يسمى بالسرقة أحيانا ليس بالضرورة كله سرقة . وان بعض تضمين عبد الوهاب ألحانه شيئا من الموسيقى التي ليست من صنعه هو أشبه بالشاعر الذي يتمثل بيتا شهيرا من قصيدة لشاعر شهير ، ثم يضمنه إحدى قصائده ، والكل يعلم ، ممن لهم بالشعرعناية ، أن البيت المضمن ليس من نظم الشاعر المُضمِّن ؛ ولكن يبقى الحكم على جودة التضمين ، وهل هي في محلها أو في غير محلها ، حكما محل اتفاق أو اختلاف بين المعنيين . 3 ـ فرصة توارد الخواطر والأفكار بين الفنانين والأدباء ممكنة الحدوث إلا أنها لا يعتمد عليها كثيرا في نفي التهم أو إثباتها ؛ فهي تتعلق بالنوايا وصدقها أو كذبها رغم تعلقها بإمكانية الحدوث عقلا عند بني آدم . ولو قلت لكم إن فكرة قصيدة ويليام وردزويرث المعروفة بعنوان " نحن سبعة " كانت قد خطرت لي طفلا لمّا كنت لا أعرف شيئا من الشعر الرومانسي ولا غيره من الشعر، ولا أعرف كلمة إنجليزية واحدة ؛ لكنتم في حل من التصديق بما أقول ، إذ لو طالبتموني بتقديم الدليل ، لعجزت عن تقديمه . وكانت الفكرة قد خطرت لي ، بل وتمثلتها فعلا ، لما حدثتني أمي يرحمها الله ، ولأول مرة ، أن أخا وأختين لي توفاهما الله صغارا من قبل أن أخلق . وكنت أردد كثيرا في نفسي : نحن عشرة ، بنين وبنات ، ولسنا سبعة . بل إن ويردزورث نفسه ربما عرف الفكرة من البنت الصغيرة التي حدثنا عنها . 4 ـ شجعتني مشاركات الأستاذين الكريمين حول السرقة والاقتباس على البحث في الشبكة ، لأجد نسخة من مقابلة صحفية حوارية مع عبد الوهاب ينفي أن يكون ما فعله سرقة ، وهذا جزء من المقابلة الحوارية أنقله كما هو ، وأنا أتخيل أستاذنا النويهي وهو يطالعها يتمتم قائلا : " قالوا للحرامي احلف ، قال : قرّب الفرج " : (( - ردي علي هؤلاء يتلخص في الاتي: في فترة الكفاح من اجل الاستقلال.كان الاغتراف من الوجدان الموسيقي الشرقي، جزء من مقاومة الوجدان الشعبي لكل ماهو أجنبي. فلما أصبح لمصر شخصيتها المعنوية، وكيانها الدولي المستقل بعد معاهدة 1936، تخففت الموسيقي من العقد والرواسب، وبدأ يحدث التفاعل بين الوجدان الموسيقي الشرقي،والانفتاح علي الغرب، الذي أعتبره البعض سرقة وأقتباسا * برغم وجاهة وجهة نظرك.التي أردت أن تقنعنا بها، وبما عرف عنك انك مفكر ممتاز، تتمتع بحس ثقافي شامل، وبصيرة تحليلة نافذة، فقد أردت أن توهمنا بأنك ترصع ألحانك بقطع ثمينة من الموسيقي الكلاسيكية الخالدة. - علي كل ان أخذي جملة وبنائي عليها يعتبر عملاً كبيراً، قد أعتقد أن هذا يعتبر أضافة تحسب لي، كما أن السرقة في عرفي، تكون عندما أخذ أهم جملة موسيقية في العمل المقتبس منه، وأضمنها عملي وهذا ما لم أعمله. * علي كل لقد أتهمك البعض، بالسرقة من الموسيقي العربية، وبالذات من سيد درويش. - لقد كون سيد درويش عبقرييه بملاحقة الناس في الشوراع وسماعه لهم، وأخذ الألحان التي كانوا يرددونها ،وكان يصوغ ألحانا من عنده عليها. إن هذا اعتبره الناس عبقرية وليس سرقة، ألا يحق لي بعد أن أكملت البناء بالأفكار الموسيقية لسيد درويش، وبما قدمت من أعمال خاصة بي من القوالب العصرية أن يكف أنصار سيد درويش علي أتهامي بسرقة ألحانة؟ )) 5 ـ السرقة ربما تتنوع ، وأخطر نوع منها ، وفقا لظني ، نوع خفي ، وهو سرقة الأفكار* وإعادة صياغتها بطريقة توهم المطالع أو السامع أنها فكرة جديدة جاء بها السارق . وهذه السرقة لا يكتشفها إلا من كان ضليعا في علوم الموسيقى وما يتعلق بها من فنون ، وبالعلوم الإنسانية عامة . ولكننا نجد من يرد علينا بأن الأفكار والخواطر ليست ملكا لواحد بعينه . وهذا يتعلق بما ذكرته آنفا في الفقرة الثالثة . لقد صور بتهوفن في موسيقاه الصراع مع الأقدار كما فهمت ، ثم جاء عبد الوهاب ، مثلا ، فصارع الأقدار بطريقة تختلف في لحنها عما فعل بيتهوفن .. وهنا لنا ان نتساءل : هل الفكرة في ما فعله بيتهوفن تظل حكرا عليه لا يجوز لغيره الاقتراب منها ، ام إنها يجوز استخدامها بطريقة اخرى مع بقاء الفكرة معترفا بأنها تخص بيتهوفن في الأصل ، وأن هذا لا يعد من قبيل السرقة؟ ولنا ان نتساءل ايضا : هل من ضمانة تضمن ان بيتهوفن هو صاحب الفكرة قبل غيره من بني آدم ، أم ان الأفكار مشاع لكل ذي عقل وعاطفة وغرائز دون ان نعين السابق او اللاحق؟ كل الشعراء والأدباء والفلاسفة والموسيقيين عبروا عن ما تختزنه عواطفهم وعقولهم واخيلتهم كمرايا ينعكس عنها ما يحيط بهم من علاقات مع ما حولهم ، ثم نظرنا إلى أيهم طريقته في التعبير كانت ابلغ وافصح وأصدق وأشد اثرا علينا وكفى ؟ ألا ينطبق تساؤلنا على كل فن وكل علم؟ وإننا لما نتذكر المعري ، مثلا ، ورسالة الغفران ، يغلب علينا أن نفطن لدانتي والكوميديا الإلهية كما يسمونها ، ثم نأخذ بالتساؤل : هل اقتبس دانتي الفكرة من المعري أم ان كلا منهما خطر له ما خطر للآخر؟ وكم وجد من يفكر بنفس الخواطر على مر الدهر؟ كلها تساؤلات لم اجد لها جوابا قاطعا . ولقد تذكرت الآن معنى قول نسبوه لنيوتن : لم اصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد ان وقفت على أكتاف غيري ممن سبقوني . 6 ـ أوجه القول إلى أستاذي الأجل ، عبد الرؤوف ؛ ردا على قوله : " أنت صديقى.. والحق صديقى ،فإذا أختلفنا فالحق أولى بالصداقة. " ، لأبين لحضرته موافقتي الأكيدة على أن الحق يعلو على كل شيء بطبيعة الحال ؛ ولكن ما يراه حقا يمكن أن أراه ، أنا أوغيري ، قابلا للتأويل أو للخلاف في فهم منطوقه . ولو توصلتُ إلى الحق في موضوعنا هذا ، لما كذبت وادعيت أنني لم أتوصل ( لست مجبرا على ادعاء كهذا ) ، ولانتهى الموضوع إلى الاتفاق على مضمونه من وجهة نظره الكريمة . وكنت أود أن يوضح لي رأيه في ما قاله المايسترو سحاب من أن بيتهوفن وغيره من عمالقة الموسيقى قاموا بما قاموا به ؛ لأعرف منه الحد الفاصل في الموسيقى بين السرقة والاقتباس ، فذلك يعينني على أن اقتنع أكثر بما تفضل به ، وأصبح مؤمنا به لا تساورني فيه الشكوك . أما ما ارتكز عليه القائمون على اليونسكو العربية حين اتهموا عبد الوهاب بالسرقة ، فليس لدي علم حوله أستعين به أيضا . وأخيرا أشكر لأستاذنا محمد هشام اهتمامه بالمشاركة ، ولأستاذنا النويهي غيرته على الأمة ، وسعيه لطلب الحق بصدق ، فبارك الله فيه . وأنا ، إن شاء الله ، مثله ومثل الأستاذ هشام بالضبط ، لا أزيد عنهما ولا أنقص في هذه الغيرة ، أو في هذا السعي إلى الحق من أجل الحق . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * إذا كان المرحوم عبد الوهاب من الماهرين بسرقة الأفكار دائما ، وهو يعلم أنها ملك خاص لغيره وليست ملكا إنسانيا مشاعا كالتراث الغنائي الشعبي مثلا ، وتحويلها إلى (حسابه) ، ( فجزاته ) على الله ، وما علينا عندها إلا أن نقول آسفين : ( أكلنا مقلبا كبيرا جدا) . |