محطة فلسفية كن أول من يقيّم
سيدهشني أبداً الأستاذ عبد الحفيظ بقدرته العجيبة على التواصل وهذه الدماثة والمثابرة في تتبع الخيط حتى النهاية !
أسمع للمرة الأولى بالأستاذ بومسهولي لتقاعسي بدون شك عن تتبع ما يجري ، ولا أعلم إذا كنا نستطيع الحديث عن فلسفة مغربية . أما العروي والجابري فهما مفكران هامان لهما بصماتهما الواضحة على الفكر العربي المعاصر ، ومعرفتي بهما تقول بأن منهجهما الدراسي يتلخص في تطبيق آليات البحث المعاصرة على التراث العربي والإسلامي انطلاقاً من مسلمات " عقلانية " ( التحليل المادي للفكر والتاريخ والمجتمع ) وهو المنطق المتبع في أوروبا منذ عصر الأنوار ، وهو المنطق الذي جعل من الإنسان مركز الدائرة ومنح لعقله قدرات لا متناهية ، وجعله غاية الوجود ، أو جعل سعادته غاية النشاط الفكري والمادي للبشرية .
ولو رجعت إلى الكلام الوارد في مداخلتك :
إعادة تعريف الفلسفة باعتبارها تلك الإمكانية التي تجعل وجود الإنسان علة تأسيسية من حيث قابليتها لأن تتشكل كقوة قادرة على إحداث الهوة ما بين الطبيعة والثقافة من جهة ، وما بين الثقافة والتفكير من جهة ثانية ..
لفهمت منه بأن الفلسفة قادرة على إحداث الهوة بين : الطبيعة والثقافة ? هل المراد بذلك بين الغريزة والمجتمع ? ثم بين المجتمع والفكر ?
ثم قولك : هذه القدرة على إحداث هذه الهوة تتمثل في تخليص الإنسان من الثقافة التي أنتجتها التجربة الإنسانية ، فغدت بفعل هذه العادة والتراكم يتاقيزيقا مهيمنة ما تفتأ تمارس الوصاية على الإنسان لتحوله إلى وجود مفصول عن قدرته في التفكير و المساءلة والانفلات...ربما من الدائرة التي تحدث عنها الأستاذ محمد هشام..
لا أعرف صراحة مدى قدرة الإنسان على خلق تلك الهوة ، ولا أدري عن أية ثقافة نتحدث فهي ثقافات ، وإذا كان الإنسان لم ينجح بتحرير فكره من هيمنة " الثقافة " والإنفلات منها حتى اليوم فما الذي سيجعلنا نثق بقدرته على أن يفعل هذا يوماً ?
قناعتي الضمنية هي بأن الإنسان لا يخلق شيئاً ولا يؤسس لأي شيء . الأفكار المؤوسسة للمجتمع الإنساني موجودة منذ الأزل وهي ذاتها لم تتغير منذ " عصر ما قبل التاريخ " لكننا نتناقلها ونعيد تركيبها في كل مرة بإطار جديد وبكيفية مختلفة . الأفكار الموجودة في العالم تشبه لعبة "lego " وهي الأحجار التي يهدمها الأولاد ويعيدون تركيبها في كل مرة بشكل مختلف : إنها سلسلة متصلة ومنذ الأزل تتوالد من بعضها بالنسخ والإعادة وليس نقيض الفكرة في كل مرة إلا الفكرة عينها بشكلها السالب .
نحن لم نخترع شيئاً ، نحن نتأقلم ، نتكيف في كل مرة مع ظروف جديدة فنعيد ترتيب هذه الأفكار ، أو هذه المعطيات بطريقة أخرى تساعدنا على الإستمرار ومواجهة مصيرنا . عملية الترتيب أو التركيب هذه هي مانسميه " الثقافة " والتي تتلخص في كل مرة بإعادة إجراء نوع من التوازن بين الغريزة والعقل . لذلك هي دائرة ، بل هي دوائر تجري بنا كما الدولاب فنكون مرة في أسفله ومرة في أعلاه . ليست الفلسفة سوى النظرة الشمولية المتعلقة بثقافة معينة والتي تحدد وتعبر عن مستوى الوعي المتعلق بهذه الثقافة . لم تكن فلسفة اليونان سوى الإنعكاس لمفاهيم الثقافة اليونانية التي كانت سائدة قبل الفلسفة ، وعبرت عنها الأساطير والديانات السابقة لليونان ، ولكن أيضاً لحضارات الشرق الأوسط القديم والهند وفارس وحضارة مصر القديمة ، ثم أعادت الفلسفة صياغتها بطريقة العقل الواعي المنظم . وليست الفلسفات الحديثة سوى انعكاس لمفهوم الإنسان الغربي ووعيه بالآخر وبالطبيعة والكون ودون أن يكون هناك انقطاعاً جذرياً في هذه المفاهيم . هدف هذا الملف يتلخص في تحليل عمل الذكراة بصفتها عاملاً من عوامل إنتاج الثقافة ، ومن عوامل إنتاج الشخصية الفردية ، والغاية هي نقل أكبر قدر ممكن المفاهيم من الذاكرة الميتة والمهمشة ، إلى الذاكرة الحية الواعية بذاتها وذلك بغية رفع مستوى الوعي بالواقع وبآليات عمل العقل الإنساني .
|