البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 273  274  275  276  277 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
رحم الله المفكر الإسلامي المصري عبد الوهاب المسيري    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

المسيري: "البرتوكولات" زائفة وتصديقها "هزيمة"
بقلم: علاء أبو العينين
 
 
almaserri_150_01أكد المفكر الإسلامي د. عبد الوهاب المسيري مؤلف موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" أن كتاب "برتوكولات حكماء صهيون" الذي يثبت أن اليهود خططوا للهيمنة على العالم وثيقة مزيفة ليست يهودية، موضحاً أن إصرارنا على نسبتها لليهود يأتي في إطار "فكر المؤامرة" التي تسيطر علينا وتفسر الواقع من خلال حقيقة أن هناك مؤامرة تُحاك ضدنا، وأن اليهود وراء كل ما يحدث لنا من مشاكل.
وقال المسيري في ندوة عقدت بمقر شبكة "إسلام أون لاين.نت" بالعاصمة المصرية القاهرة السبت 11-1-2003 حول كتابه الصادر مؤخراً "البرتوكولات واليهودية والصهيونية": "أي قراءة لنصوص البرتوكولات تبين على الفور أنها ليست يهودية، وأن كاتبها غير يهودي".
وأكد المسيري أن الإيمان بالبرتوكولات شرك بالله؛ لأنها تعطي لليهود صفة الآلهة وأنهم قادرون على فعل كل شيء. وأشار المسيري إلى أن من بين ما جاء في البرتوكولات ويضفي على اليهود صفة الإله المتحكم والمسيطر في كل شيء النص التالي: "نحن أقوياء جداً، فعلى العالم أن يعتمد علينا وينيب إلينا، والحكومات لا يمكنها أن تبرم أية معاهدة ولو صغيرة دون أن نتدخل فيها سراً".
ويقول المسيري: إن الإيمان بما جاء في البرتوكولات عملياً مضرٌّ وغير مفيد لنا، موضحاً أن الإيمان بصحة ما جاء في البرتوكولات يقود مجتمعاتنا وشعوبها إلى الكسل الفكري، ويجعلنا غير قادرين على رؤية الواقع والآخر ورؤية مشاكلنا نحن بصورة صحيحة؛ "فالبرتوكولات توحي لنا أن اليهود وراء كل شيء يحدث لنا".
ويضيف أن ذلك يجعلنا نغفل عن حقيقة أن الولايات المتحدة هي الداعم الأكبر لإسرائيل "فمنذ عام 1973 حتى الآن قدمت واشنطن لإسرائيل مبالغ تصل قيمتها إلى حوالي 1600 مليار دولار أمريكي".
قدرات وهمية
ويرى المسيري أن الإيمان بالبرتوكولات يبث الرعب في قلوبنا؛ فيجعلنا نخسر أي مواجهة حربية مع "اليهود" قبل أن تقوم؛ لأن البرتوكولات تصف اليهود بقدرات خرافية لا أمل لنا في مواجهتها، وأعطى مثالاً على ذلك قائلاً: "تخيلوا أن استشهاديا فلسطينيا يتوجه إلى مستوطنة يهودية لتنفيذ عملية فدائية وتذكّر القدرات الخرافية التي تدّعي البرتوكولات أنها موجودة في اليهود فهل سينفذ العملية؟؟.. سيعود ولن ينفذ العملية بالطبع… الإيمان بالبرتوكولات يصب في مصلحة إسرائيل".
الجهاد ضد الظلم
protocol_267وأشار المسيري إلى أن الإيمان بالبرتوكولات يجعلنا نؤسس عقيدة الجهاد على أساس كره اليهود، ويرى أن الواجب أن نؤسس عقيدة الجهاد على أساس مواجهة الظلم "فمن يظلمنا نجاهده"، موضحاً أن تأسيس الجهاد على أساس الكره "سيجعلنا نكرة اليهود اليوم والمسيحيين غدًا ونكره من لا يتفق معنا بعد غد".
ويرى أن تأسيس جهادنا ضد اليهود على أساس دفع الظلم أفضل لنا من تأسيسه على أساس الكره؛ فـ"نحن بهذا التوجه نستطيع أن نتحد مع الأطراف العلمانية والقومية التي تحارب ظلم اليهود لا أن نجاهدهم وحدنا".
ويشير المسيري إلى أن كره اليهود يصب في إطار مصلحة الصهيونية التي اعتبر أنها حركة معادية لليهود أرادت تخليص أوروبا منهم ودفعهم إلى فلسطين.
وأوضح المسيري أن البرتوكولات كتبت باللغة الروسية، موضحاً أن يهود روسيا كانوا لا يعرفون الروسية، وأنهم كانوا يتحدثون اللغة "الليدشية"، وقال: "أي جماعة سرية تريد أن تكتب أسرارا فليس من المعقول أن تكتبها بلغة يعرفها الكثير من البشر مثل الروسية فلماذا لم تكتبها بلغتها الليدشية؟‍".
ويشير المسيري إلى أن الرأي السائد في الأوساط العلمية الآن أثبت أن البرتوكولات أُخذت من كتيب فرنسي لا علاقة له باليهود كتبه صحفي يدعى "موريس جولي" يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان "حوار في الجحيم بين ميكافيللي ومونتسيكو أو السياسة" في القرن التاسع عشر.
وأكد المسيري أن ما جاء في وثيقة برتوكولات صهيون شيء مضحك، مشيراً إلى أن من بين ما جاء فيها ما يزعم أن اليهود هم الذين قاموا بكل الثورات، ومن ضمنها الثورة الفرنسية، وما يزعم أن اليهود هم مؤسسو الرأسمالية والاشتراكية "فهل هذا يعقل؟".
ويرى المسيري أن نبرة وأسلوب كتابة البرتوكولات يدلان على أن هناك جهة ما كتبتها وأرادت أن تنسبها لليهود، وقال: "من أسلوب كتابتها التأكيد على تعبير (نحن اليهود) فعلنا كذا وكذا".
بين هتلر وبلفور
ويرى المسيري أنه لا فرق بين الزعيم النازي الألماني "أدولف هتلر" الذي أراد أن يتخلص من اليهود بحرقهم في محارق الهولوكوست و"أرثر بلفور" وزير الخارجية البريطاني الذي أصدر وعداً عام 1917 تتعهد فيه بريطانيا بتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، قائلاً: "كلاهما كان يريد تخليص أوربا من اليهود، ولكن هتلر لم يكن لديه مستعمرات خارجية؛ فأحرقهم، على حين بلفور كان لدية مستعمرات فأرسلهم إليها (فلسطين)".
كما يؤكد المسيري أن وجود اليهود في فلسطين لم يأت تحقيقاً لمبادئ البرتوكولات بل طبقاً لسياسة غربية وُضعت في القرن التاسع عشر قائمة على فكرة تحويل العالم أجمع -وخصوصاً العالم العربي- إلى مجرد إطار لتحقيق مصالحهم " فاليهود في فلسطين مرتزقة يحققون مصالح الغرب وخاصة الولايات المتحدة، وهذا يفسر المبالغ الضخمة التي يحصلون عليها من واشنطن".
ويرى المسيري أن كراهية اليهود لنا لا تنبع من نصوصهم الدينية مثل التلمود أو التوراة وإنما من وضعهم الحالي كمستوطنين، وقال: " فكما أن هناك كراهية دائمة وثابتة بين المستوطن الوافد والسكان الأصليين في أي مكان آخر بالعالم.. فهناك كراهية بين المستوطنين (الإسرائيليين) والسكان الأصليين من الفلسطينيين".
يذكر أن التلفزيون المصري كان قد عرض خلال شهر رمضان الماضي مسلسلاً بعنوان "فارس بلا جواد" أثار هجوماً شديداً من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل التي وصفت المسلسل بأنه "معاد للسامية" بسبب ارتكازه على كتاب "برتوكولات حكماء صهيون".
وقد وصلت ثورة الغضب التي فجرها المسلسل لدى المسؤولين الإسرائيليين إلى حد الدعوة لسحب السفير الإسرائيلي من القاهرة، واتهام مصر بانتهاك معاهدة السلام الموقعة بين البلدين، والتهديد باللجوء إلى اللوبي اليهودي القوي في الولايات المتحدة للعمل على وقف المساعدات المالية لمصر؛ حتى يتقرر وقف عرض المسلسل الذي قام ببطولته الفنان الكوميدي "محمد صبحي".
كما أن 6 دول عربية قررت عدم بث مسلسل "فارس بلا جواد" على شاشات قنواتها التلفزيونية؛ استجابةً لطلب رسمي تقدمت به وزارة الخارجية الأمريكية، في حين أصرت وزارة الإعلام المصرية على بث المسلسل، ولكنها أضافت بيانا قصيرا في بداية كل حلقة من حلقات المسلسل يقول بأن المسلسل لا يهدف إلى إثبات صحة البرتوكولات أو عدم صحتها.
يُشار إلى وجود روايات عدة ومتناقضة حول حقيقة كتاب "برتوكولات حكماء صهيون"، والشائع أن المخابرات الروسية كشفت عام 1870 عن كتاب يتناول مؤامرات أحبار اليهود للسيطرة على العالم، والقضاء على الديانة المسيحية.
لكن الأوساط اليهودية تنفي ذلك بشدة، وتتهم أجهزة أمن القيصر "إسكندر الثاني" بكتابته؛ بهدف شحذ العواطف ضدهم، وسط تصاعد موجة اللاسامية في روسيا في ذلك الوقت.

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
فضل الله بعيون سنية : إنه يحرّم سب الخلفاء الراشدين ، وأزواج النبي الكريم ، وانظر فتاواه، رحمه الله.    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

http://www.islammoasser.org/pdf/khas_2.pdf

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
المرأة في المشروع الإسلامي من منظور نقدي    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

                 المرأة في المشروع الإسلامي المعاصر من منظور نقدي
زكي الميلاد

تمهيد

في أغلب المنظومات الثقافية، القديمة والحديثة والمعاصرة، هناك بعض المفاهيم التي يمكن أن نصطلح عليها بالمفاهيم القلقة، وهي التي تتصف بطابع إشكالي، حيث تتعدد حولها الاجتهادات، ووجهات النظر بصورة مختلفة، وأحياناً متناقضة.
وهذه المفاهيم القلقة غالباً ما تفرض حضورها مع مرور الزمن وتَجَدُّد الواقع، معرفياً وموضوعياً، سعياً باتجاه إخراج هذه المفاهيم من حالة القلق إلى حالة الاستقرار، حيث الوضوح والاتفاق ما أمكن..
وقد اتصفت هذه المفاهيم «القلقة» بوضعية خاصة داخل منظوماتها الثقافية، من حيث الاشتغال الفكري والثقافي، وحتى الأدبي في بعض الأحيان، وكان لهذا الانشغال المستدام، أثره على خلق حالة من الدينامية والحركية والإثراء، بوسائط النقد والحوار والنشر.
ومن هذه المفاهيم القلقة ما يكون مرتبطاً بظرف زمني معين، بانتهاء هذا الظرف ينتهي التباين حول هذه المفاهيم، إمّا بمعالجتها، أو بتوقف الاشتغال بها، ومن المفاهيم ما يدوم طويلاً.
والحالة الطبيعية أن يكون القلق في المفاهيم لزمن لا أن يكون مستداماً، فيتحول من ظاهرة قد تكون صحية إلى ظاهرة غير صحية، تتصف بالتعقيد، وتكشف عن حالة العجز في هذه المنظومات الثقافية، نتيجة ضعف القدرة على معالجة ذلك القلق.
ومن المفاهيم القلقة في المنظومة الثقافية الإسلامية، قديماً كانت مسألة «الجبر والاختيار» التي اشتد حولها الاختلاف في منتصف القرن الثاني للهجرة. وحديثاً مسألة «الدين والعلم» التي جاءت نتيجة الاحتكاك بين العالم الغربي والعالم الإسلامي، في القرن التاسع عشر الميلادي.
ومن المفاهيم المعاصرة، تأتي مسألة «التراث والمعاصرة» مع مفاهيم أخرى. وكذا الحال مع منظومات ثقافية أخرى.
ومن المفاهيم التي يشتد حولها القلق في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر، مسألة «المرأة» وجدلية دولها الاجتماعي العام.. وعلى حد تعبير السيد «محمد حسين فضل الله» «إن الحديث عن المرأة ودورها الفاعل في البعد الإنساني المتنوع، والمتحرك المواقع، يثير الحوار حول الكثير من المفاهيم القلقة التي يحملها الناس في النظرة إليها، لا سيما في الإطار الديني الإسلامي، مما قد يؤدي إلى الارتباك في التعامل معها على صعيد الواقع، أو إلى فقدان ثقتها بنفسها من خلال الإيحاءات المختلفة المؤثرة في شعورها وإحساسها بالحياة من حولها، ونظرتها إلى المسؤولية الملقاة على عاتقها»1
ويصور هذا القلق الشيخ «محمد مهدي شمس الدين»، في كتابه حول فقه المرأة الذي عنونه بـ «مسائل حرجة في فقه المرأة»2.
ويعبّر الدكتور «يوسف القرضاوي» عن هذا القلق بقوله: إن «قضية المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية مثل بارز يجسد موقفي الغلو والتقصير، أو الإفراط والتفريط»3.
ويكشف عن هذا القلق ـ أيضاًـ الشيخ «محمد الغزالي» في القسم الذي خصصه عن المرأة في كتابه الذي أثار جدلاً واسعاً في وقته وهو كتاب «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»4.
ومحور هذا القلق في قضية المرأة، هو جدلية دورها الاجتماعي ومشاركتها في الوظائف العامة. فحينما كتب الشيخ «محمد رشيد رضا» مؤلفاً حول «حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام»5 واعتبر أن الإسلام قال بمشاركة النساء للرجال في الشعائر الدينية والأعمال الاجتماعية والسياسية، اعترض عليه الشيخ «محمد ناصر الدين الألباني» في أثناء تحقيقه لهذا الكتاب، وتعليقه عليه، قائلاً: إن هذا الإطلاق باطل لمنافاته لعموم آية «وقرن في بيوتكن»6 وما كان عليه نساء السلف من عدم التدخل في السياسة7. أما الشيخ «رشيد رضا» فيرى في آية {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}8 أن الله قد أثبت للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين فيدخل فيها ولاية الأخوة والمودة والتعاون المالي والاجتماعي، وولاية النصرة الحربية والسياسية، إلا أن الشريعة أسقطت عن النساء وجوب القتال9. وقد ميز الشيخ «محمد الغزالي» هذا النوع من الاختلاف على أنه اختلاف في المنهج بين أهل الفقه وأهل الحديث، وفي قراءة المفاهيم الإسلامية وتنزيلها على الواقع، في كتابه الذي ينتصر فيه لأهل الفقه، وهو كتاب «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث».
وبلسان حال المرأة تقول الدكتورة «منى يكن»10 «لا تزال المرأة المسلمة مبعدة عن دورها الاجتماعي والحياتي إلى حد كبير، ولا يزال هاجس إبقائها على الهامش ينغص عيشتها، ويقلق راحتها، ويقصيها عن الحركة، وتبقى مسألة الاعتراف للمرأة بفاعليها، ودورها، وعدم فرض الوصايا العمياء عليها من أهم القضايا التي تشغل بالها»11.
وتضيف السيدة «صافي ناز كاظم»12، أن «حظ المرأة المتعلمة من الالتفات ـ إسلامياً ـ لمحنة ظلمها الاجتماعي الذي أعادها إلى عذابات موروثات من العقلية الجاهلية قبل الإسلام، تفسير مبتور للآية الكريمة {وقرن في بيوتكن} وذلك بدل إعادتها إلى وضعها الذي قرره لها الإسلام»13.
من هذا التمهيد نصل إلى تشخيص مورد البحث، أو تحرير محل النزاع كما في لغة الفقهاء. وهو إن هناك مشكلات حقيقية ومتجذرة حول قضايا المرأة في الخطاب الإسلامي، والمشروع الإسلامي محور هذه المشكلات هو جدلية دورها الاجتماعي العام.

نقد الأدبيات الإسلامية حول المرأة

المساحة التي أخذتها قضية المرأة في الأدبيات الإسلامية، من حيث الكم تعد غير قليلة، لكن الراصد والمتأمل في هذه الأدبيات والكتابات بالمنظور النقدي، تتكشف له بعض الحقائق والملاحظات، منها:
أولاً: يغلب على الكثير من هذه الكتابات الحالة الانفعالية والدفاعية في الرد على الشبهات والإشكاليات التي تثيرها الأقلام والتيارات غير الإسلامية حول المرأة بشكل عام، والمرأة في الخطاب الإسلامي بشكل خاص. وإذا كان من الأهمية الدخول مع هذه الآراء بالحوار والنقد والرد، فإن الأهم من ذلك الانطلاق من الأصول والقواعد الإسلامية في بلورة الرؤية المعرفية والعملية لقضايا المرأة، بعيداً عن حساسيات الطرف الآخر.
وإذا اعتبرنا إن هذه الحالة قد جاءت في ظرف كان التيار الإسلامي يصنف حاله في موقف الدفاع، فإن هذا الظرف تغير، وما زالت العديد من الكتابات الإسلامية لم تتغير.
والمرأة من جهتها لا تنتظر مثل هذه الردود، التي لا تغير من واقعها شيئاً بقدر انتظارها وحاجتها لصياغة الرؤية الإسلامية حول المرأة والتي ترتبط بأوضاعها، وإصلاح هذه الأوضاع. تريد التعرف على الرؤية الإسلامية لأجل أن تكيف سلوكها وفقها، لا أن تطلع على تلك الردود فحسب.
ثانياً: إن أغلب الكتابات الإسلامية عن المرأة جاءت من الرجل وليس المرأة. وهذا ما يتضح بصورة واضحة، لو قمنا بتوثيق ببليوغرافي حول ما نشر عن المرأة في الخطاب الإسلامي، فحين يستعرض الأستاذ «منير شفيق»14 آراء الإسلاميين عن المرأة يذكر واحداً وعشرين رأياً للرجال، واثنتين فقط من النساء15. وهذا بالتأكيد ليس لفصل عالم المرأة عن اهتمامات الرجل، بل لأن المرأة ولأسباب ذاتية وموضوعية، معرفية ومنهجية، هي أقرب إلى تشخيص أحوالها، ومعرفة كينونتها، وبالتالي الأقدر على فهم حاجاتها ومتطلباتها. ومن جانب آخر قد لا يتوجه النقد هنا بالضرورة للرجل الذي عبر عن رأيه باهتمام في موضوع المرأة، بقدر ما يوجه للمرأة ذاتها التي لم تتولّ قضاياها بالكتابة والنشر كما أولاها الرجل.
ثالثاً: يكاد المتابع لكثير من الكتابات الإسلامية عن المرأة، أن يصاب بالملل وقد يصل إلى الإحباط، لما تتصف به هذه الكتابات من الاجترار والتكرار والتقليدية أو السطحية في بعض الأحيان، فلا ترى التجديد والعمق والإبداع إلا قليلاً. وقد صار معروفاً في هذه الكتابات أن يبدأ الكاتب بالحديث عن الظروف السيئة للمرأة عند الأمم والشعوب القديمة، ثم عن احتقار المرأة في عصر الجاهلية، ثم عن انحلال المرأة في الغرب، وبعد ذلك يأتي الحديث عن تكريم الإسلام للمرأة الذي أعلى من شأنها، واعترف لها بحقوقها.
وعن هذه المنهجية تقول السيدة «زينب الغزالي» «إن مثل تلك القضايا التي قتلت بحثاً، وعرف بها القاصي والداني، والبعيد والقريب»16. ويضيف الدكتور «القرضاوي» (قد شكا إليَّ بعض الأخوات مللهن من المحاضرات التي تلقى في المؤتمرات الإسلامية بأمريكا وأوروبا وتدور كلها حول قضايا المرأة وحقوقها وواجباتها، ومكانتها في الإسلام، وهي قضايا تكررت حتى أصبح الحضور لسماعها كأنه عقوبة!)17.
والمرأة قد سمعت كثيراً عن هذه القضايا، فهل تحسنت أوضاعها عندنا!.
رابعاً: لقد ركزت الكتابات الإسلامية عن المرأة كثيراً، وبمساحات كبيرة، على الجانب الأخلاقي الذي يرتبط بالسفور والاختلاط وتقليد المرأة الغربية في سلوكها. وهذا التركيز بالتأكيد له ما يبرره موضوعياً مع تفشي الانحلال الأخلاقي، والميوعة والفساد الاجتماعي الذي ينتشر بصورة خطيرة ومدّمرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
ولكن إلى جانب هذا التركيز، لم نشهد تركيزاً في الكتابات والأبحاث على معالجة قضايا تنمية المرأة، والارتقاء بمستوياتها التربوية والتعليمية، والنهوض بأدوارها الاجتماعية، واستكشاف مواهبها وتفعيل طاقاتها.
خامساً: يلاحظ أن نقصاً واضحاً في هذه الكتابات يرتبط بالجوانب التوصيفية والإحصائية، والتي هي من الشروط الأساسية في الدراسات العلمية، ومع غيابها تفتقد هذه الكتابات إلى عنصر أساسي من عناصر البحث العلمي. فالعناصر الكيفية لا تبتني إلا على عناصر كمية. وهذا النقص لا يمكن أن يعوض بأي شكل من الأشكال، إلا بواسطة عمليات المسح الاجتماعي، والاستطلاعات الميدانية، والاستبيانات، وتخزين المعلومات.
لم نلاحظ لدينا ارقاما حول المرأة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، كالتي تتوافر عن المرأة في الغرب ... في حين ان الارقام والاحصاء هما المستند الحقيقي للتشخيص الموضوعي الذي يترتب عليه كيفية فهمنا لهذه الحالة، ونوعية البرامج المناسبة، وطريقة معالجة المشكلات، وتحسين نوعية الحياة للمرأة.
سادساً: لا زالت هناك فجوة عميقة ترتبط بجدلية النظرية والتطبيق في مسألة المرأة، فالطرح الإسلامي لقضية المرأة لا يجد طريقه إلى التطبيق بالكيفية التي ينظّر له. ومازالت الموروثات والتقاليد التي تهمين على الواقع هي أقوى وأكثر تأثيراً من التنظير الإسلامي. وعن هذه الإشكالية تقول السيدة «بثينة إبراهيم مكي»18 (إن المرأة اليوم هي أحد ضحايا التخلف الطويل الذي عاشته الأمّة، ولا شك أن الأعراف الاجتماعية، وخاصة في النصف الأول من هذا القرن قد ساهمت في تأخير النهوض بالمرأة وتعليمها)19.
ويؤكد هذه الحقيقة بوضوح أكثر الدكتور «جمال البرزنجي» وهو يلخص وقائع ندوة (الحركة الإسلامية: في ظل التحولات الدولية وأزمة الخليج)20 إن (الحركة الإسلامية عجزت بكافة فصائلها عن أن تطرح قضية المرأة طرحاً إسلامياً، مستقلاً، بعيداً عن ضغوط التقاليد والمجتمع، بحيث تقول هذا هو هدي الإسلام، ودور المرأة في المجتمع المسلم)21.

المرأة في الحركة الإسلامية

الحركة الإسلامية بالقياس لحال الواقع هي حالة متطورة ونتقدمة ، لما تحمله من مشروع في الإصلاح وتغيير هذا الواقع، وبهذه القاعدة فإن الحركة الإسلامية كأطروحة في التغيير تمثل عامل إنهاض المرأة في واقعنا العربي الإسلامي.
وقد ساهمت الحركة الإسلامية ولو بنسبة ضئيلة في النهوض بالمرأة، حيث أمولتها الإهتمام، وإن لم يكن بمستوى الطموح.
وعن وضع المرأة في الحركة الإسلامية تقول الدكتورة «منى يكن» (لقد اهتمت الحركة الإسلامية بالمرأة، وكان للأخوات نصيبهن من العمل والنشاط، ولكن يجب أن نعترف بأن القسم النسائي لم يبلغ المستوى الذي ينبغي أن يصل إليه، بالرغم من انتشار الدعوة في صف النساء ولا سيّما الطالبات)22.
وفي نظر الأستاذ «بشير موسى» (يعاني الإسلاميون في معظم أنحاء الوطن الإسلامي من فقر هائل في مشاركة المرأة المسلمة في النشاط العام، وفي تحمل المهام والمسؤوليات الملقاة على أكتاف الحركة الإسلامية المعاصرة) (23).
ويصف الشيخ «محمد الغزالي» واقع المرأة اليوم بقوله: (المرأة عندنا، ليس لها دور ثقافي ولا سياسي، ولا دخل لها في برامج التربية، ولا في نظم المجتمع، ولا مكان لها في صفوف المساجد ولا ميادين الجهاد)24.
أما لماذا هذا الضعف في الحركة الإسلامية في جانب المرأة؟
يعلل الدكتور «القرضاوي» هذا الضعف بغياب القيادات النسائية، فيقول: (إن العمل الإسلامي النسوي إنما ينجح ويثبت وجوده في الساحة يوم يفرز زعامات نسائية إسلامية، في ميادين الدعوة والفكر والعلم والأدب والتربية)25
وعن غياب هذه الزعامات تقول السيدة «مهجة قحف»26 إن (عدم وجود أعداد كافية من النساء المؤهلات، هو أنه يحال بين النساء، وبين اكتسابهن لبعض المهارات اللازمة للعمل السياسي. أعطوا النساء بعض التشجيع، وأفسحوا أمامهن بعض المنافذ كما هو الأمر بالنسبة للرجال عندها سيتخرج نسوة ذوات أهلية)27.
ويتصور البعض (أن المسألة ذات علاقة بالأصول الاجتماعية والثقافية لأبناء الحركة الإسلامية أنفسهم الذين ينحدرون في معظمهم من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، حيث ما يزال دور المرأة محدوداً وثانوياً وتابعاً في معظم الأحوال)28.
وأما الدكتورة «منى يكن» فتعتقد بأن السبب هو هيمنة الرجل فتقول: (لقد هيمن الرجل على الكثير من المواقع والقيادات التي كان من الممكن أن تبدع فيها المرأة)29، وتؤكد كلامها بشهادة من الدكتور «القرضاوي» حيث يرى أن (مشكلة العمل الإسلامي النسوي، أن الرجال هم الذين يقودونه، ويوجهونه، ويحرصون على أن يظل زمامه بأيديهم، فلا يدعون فرصة للزهرات أن تتفتح، ولا للقيادات أن تبرز، لأنهم يفرضون أنفسهم فرضاً، حتى على الاجتماعات النسوية، مستغلين حياء الفتيات المسلمات الملتزمات، فيكتمون أنفاسهن ولا يتيحون لهن قيادة أمورهن بأنفسهن، فتبرز منهن مواهب يفرزها العمل، وتصهرها الحركة، وتنضجها التجربة والكفاح، وتتعلم من مدرسة الحياة والممارسة بما فيها من خطأ وصواب)30.
ومع اعتقاد الدكتورة «منى يكن» بهيمنة الرجل إلاّ أنها لا تبرر مواقف المرأة التي تتحمل جزءاً من المسؤولية حيث تضيف: (إن الأخوات لا يعفين من بعض التبعة، فقد استسلم معظمهن للوضع الحالي، ورضين بحياة الدعة والسكون، وأن يفكر لهن الرجال بدل أن يفكرن لأنفسهن. لا شك أن المرأة تربت ونشأت على تلك الصفات السلبية الناتجة عن وضع المجتمع العام، فحملت معها بذور تلك التربية التي تحدد لها المكان والدور وتعزلها عن الكثير من الأمور المتعلقة بها كإنسانة لها حقوق في أن تشعر وتشارك وتتحمل تكاليف دعوتها ودينها)31.
والحقيقة أن هذا الضعف من الصعب تفكيكه، فهذه الأسباب لا يمكن فصل بعضها عن بعض، فهي متفاعلة ومتداخلة، يضاف إليها أسباب أخرى سوف نأتي على ذكرها لاحقاً..
وما هو جدير بالإشارة أن هذا الضعف في جانب المرأة لا يقتصر على الحركة الإسلامية، بل هو يشمل واقع المرأة في مختلف القطاعات والمؤسسات وعلى مستوى الدول والمجتمعات. وقد جاء في تقرير للأمم المتحدة لعام 1985م حول وضع المرأة في العالم، اعتبر هذا الوضع لا يزال يعاني من ضعف، وإن مستويات التقدم لا زالت متواضعة32.
وما نلخص إليه أن واقع المرأة في الحركة الإسلامية كحالة توصيفية يعاني من ضعف، وإن مستويات النمو والتقدم والمشاركة لا زالت بطيئة ومتواضعة.

نقد المرأة لواقعها في الحركة الإسلامية

إن وجود النقد من المرأة لواقعها، ولحركتها الاجتماعية، ومشاركتها في الوظائف العامة، خطوة ضرورية في سبيل إنهاض وإنماء وتفعيل دورها، ونحن نعلم أن الأصوات التي تتبنى النقد داخل الحركة الإسلامية هي كثيرة، واللاتي يعلن عن هذا النقد هن فئة قليلة من الحركيات.
والتوثيق العلمي لنقد المرأة لواقعها في الحركة الإسلامية، يفرض علينا الرجوع إلى رأي المرأة ذاتها. وهنا تنقصنا الأسماء التي يمكن أن نرجع إليها في هذا الجانب، وسوف نكتفي بأسماء تكررت في هذا الشأن.
من جوانب هذا النقد:

أولاً: غياب المرأة عن مركز القرار.

في أغلب الحركات الإسلامية تعاني المرأة من الغياب عن مركز القرار والمشاركة في صنعه. الغياب الذي لا يمكن تعليله بوجود مسبق موقف مسبق من المرأة في هذه الجماعات، وإنما قد يرجع إلى أسباب ذاتية على علاقة بمؤهلات المرأة وقدراتها السياسية والحركية والاجتماعية.
ونحن انما ننطلق من قاعدة توصيفية نبني عليها تحليلات ونفترض فيها أكثر من سبب، ونعطي فيها أكثر من وجهة نظر.
وغياب المرأة عن مراكز القرار في الحركة الإسلامية هو المشكلة الأهم في نظر الدكتورة «منى يكن» حيث تقول (إن المشكلة الأهم كما أراها هي أن الحركة الإسلامية لم تشرك المرأة في صنع القرار)33
وتشرح ذلك، من واقع تجربة حركة الإخوان المسلمين في مصر، السيدة «مهجة قحف» حيث ترى إنه (عندما تصل إلى مؤسسات صياغة القرار الحقيقية لمجلس الشورى، أو مكتب الإرشاد، أو المكتب التنفيذي، فإن عضويتها تقتصر على الرجال. والرجال هم الذين يضعون السياسات العامة للرجال والنساء معاً. وفي بعض الحالات فإن الرجال يضعون حتى برامج أسر النساء على المستويات الدنيا. ولا شك أن هذا غريب، لأن حركة الأخوات المسلمات في مصر، قد شكلت كجماعة مستقلة من قبل زينب الغزالي وغيرها قبل أن تنضم إلى جماعة حسن البنا فقسم النساء في جماعة الإخوان لا يمثل النصف، بقدر ما هو جزء إضافي صغير يسمح له بمعالجة ما يسمى بقضايا النساء. والنساء حالياً ليس لهن صوت في مراكز صنع القرار. ونفس التركيب التنظيمي يتواجد في الجماعة الإسلامية في باكستان، وفي أغلب الجماعات الإسلامية)34 ولذلك فإن السيدة «مهجة قحف» تطالب بإصلاحات تنظيمية في هذه الجماعات بحيث تشارك المرأة في المراكز القيادية، وفي صنع القرار ، ورسم السياسات العامة..

ثانياً: هيمنة الرجال على النساء.

وهذه الإشكالية هي نتيجة منطقية لغياب المرأة عن مراكز القرار في الجماعات الإسلامية. وسبق ان شرحنا هذه النقطة ولا داعي للتكرار.
والحذر من هذه الإشكالية حين تتحول إلى معوق من معوقات تطور المرأة ذاتياً، وتقدمها حركياً واجتماعياً. فكل أشكال السيطرة والهيمنة تساهم بدرجة معينة في تعطيل الانطلاق والنهوض.
وإذا كان هناك من تحول ننتظره في هذا الجانب، فهو أن ترفع المرأة عن نفسها هيمنة الرجل عليها في مؤسسات الحركة الإسلامية، وميادين العمل الإسلامي، وعلى الرجل مساعدة المرأة في إسقاط هذه الهيمنة، حتى تعتمد على نفسها وتنطلق.
والمرأة إنما ترفع عن نفسها هذه الهيمنة، بتطوير ذاتها، وتنمية مواهبها، ورفع مستوياتها العلمية وقدراتها الإدارية، لا أن تكتفي بمجرد المطالبة تحت عناوين حقوق المرأة.
كما لا يصح على الإطلاق أن يكون وضع المرأة داخل الحركة الإسلامية، كوضعها في داخل المجتمع، فالحركة الإسلامية يفترض فيها أن تمثل حالة متطورة على المجتمع، وتحمل مشروع النهوض به.

ثالثاً: حصر اهتمامات المرأة بقضاياها وبعالمها الخاص.

لا خلاف في أولوية قضايا المرأة في اهتمامات المرأة ذاتها، لكن أن ينحصر كل هذا الاهتمام في هذا الجانب، فهذا هو مورد النقد والنظر.
وعن هذا النقد تقول الدكتورة «منى يكن» (فإني أنكر حصر اهتمامات المرأة المسلمة الحركية والفكرية والدعوية بقضايا المرأة ليس إلاّ. لأنه بذلك تعطل جوانب عديدة من كيانها الإنساني، ونحرمها من حق المشاركة في قضايا الأمّة المصيرية التي يحاول احتكارها الرجال، فهل من حق الرجل أن يقف حائلاً بين المرأة وبين عطائها الإسلامي؟ وهل يجوز له أن يحصر العمل للإسلام على شخصه فقط ويحرمه على المرأة)35.
ومن دلائل هذا الحصر ما تحدث به الأستاذ «خليل أحمد الحامدي» أحد قيادات الجماعة الإسلامية في باكستان عن قسم المرأة داخل الجماعة حيث يقول: (إن نشاط السيدات المسلمات يتلخص في تنظيم اللقاءات الأسبوعية، وإلقاء الدروس والمحاضرات التي تحضرها النساء من مختلف الأعمار، وتعليم القرآن الكريم للبنات والسيدات قراءة وتفسيراً، وتعليم اللغة العربية، وإقامة مراكز الرعاية للفتيات الفقيرات، ودفع نفقات زواجهن، والعناية بالأطفال، وتربيتهم تربية إسلامية. ويصدر قسم السيدات المعلمات مجلتين شهريتين، مجلة بتو ل وهي خاصة بالسيدات، ومجلة نور وهي خاصة بالأطفال)36.
وفي داخل الخطاب الإسلامي هناك جدليات الإطلاق والتقييد، حول مسؤوليات ومهام المرأة، الحركية والاجتماعية والسياسية، فهناك من يوسع الإطلاق، وهناك من يضيق التقييد، وهناك من يأخذ بالدليل الأولي، وهناك من يأخذ بالدليل الثانوي، وهناك من صنفهم الشيخ «محمد الغزالي» بأهل الفقه إلى جانب أهل الحديث.. وهكذا .
وما نلحظه بصورة عامة في تحولات الخطاب الإسلامي المعاصر إنه يقترب من توسعة مسؤوليات المرأة، مع التمسك بحدود معينة من التقييد، لارتفاع بعض المحاذير التي كانت تشكل قاعدة الدليل الثانوي.
وفي نظر الكثيرين الذين راقبوا التجربة الإسلامية في إيران، وجدوا فيها أنها فتحت آفاقاً واسعة لمشاركة المرأة في مختلف الميادين ومرافق الحياة العامة. وفي بيان تشاور عليه نحو مائة وخمسين شخصاً من المثقفين وأهل الفكر في مصر، حمل في وقته عنوان «نحو تيار إسلامي جديد» (إن مشاركة المرأة للرجل أنشطة الحياة المختلفة في المجتمع، أمر لابد منه لأداء مهمتها في الحياة. والإسلام لا يضع الرجال والنساء موضع الحرج ولا يوجب عليهم التأثم من هذه المشاركة، وإنما يسبغ عليها آدابه الشرعية كما أسبغها على سائر ميادين النشاط والحركة الاجتماعية)37.

رابعاً: ضعف الرعاية بتأهيل المرأة.

إن الضعف الحقيقي الذي تعاني منه المرأة في الحركة الإسلامية هو في حقيقته ضعف في التأهيل. وهذا من الأسباب الجوهرية لغياب المرأة عن مراكز القرار، وهيمنة الرجال عليها، وحصر اهتماماتها في حدود قضاياها الخاصة.
وفي نظر المرأة أنها لم تتلق الرعاية المطلوبة من التأهيل داخل الحركة الإسلامية كما هو حال الرجل، وعن ذلك تقول السيدة «مهجة قحف» (هناك سبب لعدم وجود أعداد كافية من النساء المؤهلات، وهو أنه يحال بين النساء وبين اكتسابهن لبعض المهارات اللازمة للعمل السياسي! أعطوا النساء بعض التشجيع وأفسحوا أمامهن بعض المنافذ كما هو الأمر بالنسبة للرجال عندها سيتخرج نسوة ذوات أهلية)38.
والتصور السائد في الحركة الإسلامية والمعمول به واقعياً، من الصعب التصريح به، هو أن الحركة الإسلامية في الدرجة الأولى هي للرجال، وللنساء في الدرجة الثانية، ولضرورات خاصة.
كما أن عزل المرأة عن عالم الرجال في الحركة الإسلامية ساهم في إضعاف تأهيلها. فقد عزلت حتى في الندوات والمؤتمرات الثقافية والفكرية، وكنت شاهداً على واحد منها، ففي ديسمبر 1993م، حضرت مؤتمر (رابطة الشباب المسلم العربي) في أمريكا، الذي عقد في مدينة ديترويت بولاية ميشغان وفي هذا المؤتمر وقف الدكتور «يوسف القرضاوي» معترضاً على فصل المرأة عن برامج الرجال، واعتبر ذلك فصلاً لها عن المجتمع. يضاف إلى ذلك ضعف البرامج المخصصة لتأهيل المرأة، ومحدودية الجهود المبذولة لهذا الغرض.
مع كل هذه الحقائق يبقى أن المرأة هي المسؤولة أولاً عن تأهيل ذاتها، وعن هذا الضعف الذي تشتكي منه داخل الحركة الإسلامية.

نقد المرأة في الحركة الإسلامية

إلى جانب نقد المرأة لواقعها في الحركة الإسلامية، هناك النقد الموجه إليها أيضاً. وهو الأكثر أهمية في سبيل إنهاضها، أو إخراجها من حالة الجمود والركود، إلى الفاعلية والنشاط والمشاركة الجادة.
وهذا النقد كان ينبغي أن يأتي من المرأة ذاتها، لكي يأخذ مصداقيته الموضوعية، ولعل هذا من إشكاليات هذه الدراسة التي جاءت من رجل وليس امرأة. مع ذلك أحاول أن أقترب ما أمكن وبكل موضوعية من مشكلات المرأة في الحركة الإسلامية.
أوجز هذا النقد في النقاط التالية:
1ـ ضعف اهتمام المرأة بتأهيل ذاتها وتنمية مواهبها، وتفعيل طاقاتها. إما لنقص في الحوافز ومحدودية في الطموح، أو لعدم فاعلية البرامج التأهيلية مع غياب التشجيع أحياناً، أو بسبب الانغلاق وعدم الانفتاح، أو لضعف الثقة بالذات، أو لكثرة مشاغلها وزحمة ارتباطاتها الخاصة والعامة، وضعف قدرتها على تنسيق هذه الأعمال والواجبات. وقد تتشابك هذه العوامل وقد تنفصل.
2ـ المرأة التي عرف عنها النشاط والفاعلية، ما أن تدخل مرحلة الحياة الزوجية حتى تصاب بالذبول والجمود، وهذا بالطبع في أغلب الأحيان، لا بصورة كلية ومطلقة وكأن النشاط والحركة هو لفترة ما قبل الزواج، ويتوقف ويتلاشى، أو ينخفض بعده. وبالتأكيد أن الحياة الزوجية تفرض العديد من الالتزامات والواجبات وتأخذ الكثير من الوقت والجهد، لكن لا تصل في كل الحالات إلى درجة أن يتوقف كل نشاط وفاعلية المرأة. وعن هذه الظاهرة يقول الدكتور «القرضاوي» (شكا إلي كثير من الأخوات في مصر وفي الجزائر، وهو أن الأخت الداعية النشيطة المتحركة، قبل الزواج، بعد أن تتزوج أخاً ملتزماً ممن عرفته عن طريق الدعوة، يفرض عليها العزلة، ويمسكها في البيت، ويحرمها من المشاركة في الحركة، ويطفئ تلك الشعلة التي كانت تضيء الطريق لبنات الإسلام. حتى كتبت إلي فتاة جزائرية تعمل في حقل الدعوة، تسألني هل يحرم عليها أن تضرب عن الزواج وترفضه من حيث المبدأ، حتى لا ينتهي بها الأمر، كما انتهى بأخوات لها، إلى حياة الخمول والكسل، والبعد عن ميدان الحركة والعمل)39.
3ـ يلاحظ بصورة عامة ضعف المشاريع النسائية، الحركية والاجتماعية والثقافية والتربوية، إما لعدم قدرتها في الاعتماد على ذاتها، أو لضعف الحالة التعاونية بين النساء بصورة عامة، أو لنقص في الدعم المادي والمالي لهذه المشاريع، أو لضعف القدرات القيادية والإدارية أو لأسباب أخرى.
4ـ لم تتمكن المرأة من خلال تجربتها الطويلة في الحركة الإسلامية، أن تبلور نظرية ناضجة ومتماسكة في العمل الإسلامي، تضع نهاية للجدل الذي لا يتوقف حول دور المرأة الاجتماعي والسياسي. وتجيب على التساؤلات الحرجة والإشكاليات الحادة التي تثار حول قضايا المرأة في العرف والموروثات والواقع السلبي وتداعياته الاجتماعية.. وفي كثير من الأحيان تكون المرأة آخر من ترفع صوتها في الدفاع عن نفسها أمام هذه الانتهاكات المستمرة تجاهها. ومن الضروري ان تنجز المرأة هذه المهمة التي تأخرت في انجازها طويلا وهي تدفع الثمن باهضا نتيجة التاخر في انجاز هذا العمل.
5ـ ضعف الحالة التعاونية بين النساء، وتفشي ظاهرة الخلافات والنزاعات بينهن، وهذا ما نسمعه مراراً.
من جهة أخرى أن (المرأة في داخل الحركة الإسلامية تتأثر بتعددية الحركات، مما أدى إلى وجود العديد من الاتجاهات المختلفة فيما بينها على صعيد العمل النسائي الإسلامي، ومما انعكس ضعفاً على وضع المرأة الحركية بشكل عام، بحيث نراها تتبدد في الخلافات الجانبية والهامشية بين الحركات النسائية)40.
6ـ شعور المرأة بتبعيتها للرجل إلى درجة إحساسها بالعجز في اعتمادها على ذاتها، وتخطي مشاكلها، والانطلاق بقدراتها الذاتية، وأن تستفيد من الرجل لا أن تكون تابعة له. وعن هذه الحالة تقول السيدة «منى يكن» (إن الأخوات لا يعفين من بعض التبعة فقد استسلم معظمهن للوضع الحالي ورضين بحياة الدعة والسكون، وأن يفكر لهن الرجال بدل أن يفكرن لأنفسهن)41.

تحولات الخطاب الإسلامي المعاصر.

يرصد الأستاذ «منير شفيق»، من خلال مراجعته لأدبيات الإسلاميين حول مسألة المرأة، أن ثمة تحولاً في الخطاب الإسلامي في العقد الأخير من القرن العشرين، حيث يرى (أن مشكلة المرأة ومسؤوليتها الدينية، وحقوقها فيما يتعلق بالتعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، أصبحت مواضيع تطرح داخل الصف الإسلامي، في العشر سنوات الأخيرة، على مستوى مختلف عن المستوى الذي عالجه به العلماء والمفكرون الإسلاميون في أثناء الرد على المتغربين وما كان يثار من شبهة على الإسلام حول التعدد والحجاب وحقوق النساء)42، وبعد أن يستعرض لوجهات نظر الكثير من الإسلاميين حول هذه القضية يصل إلى (أن الفكر الإسلامي المعاصر أخذ ينتقل في تناوله لموضوع المرأة من الرد على الشبهة التي ألقاها الغرب والعلمانيون العرب على موقف الإسلامي من الموضوع، إلى محاولة بلورة صيغة ترتكز إلى الأصول الإسلامية، وتجيب، أو تتجاوب مع حاجات الأمّة الإسلامية في هذا العصر. وهذا ما جعل الفكر الإسلامي يعالج هذا الموضع الهام والأساسي والحساس على جبهتين، جبهة الصراع مع التحديات الآتية من الخارج، وجبهة الصراع فيما يثيره من خلافية في الداخل الإسلامي نفسه)43.
واتفق مع «منير شفيق» في التحول الذي يرصده في الفكر الإسلامي المعاصر من قضية المرأة، ولكن هذا التحول لا زال في نطاق النظرية، ولم يصل إلى نطاق التطبيق كما ينبغي..
من جهة أخرى إن هذا التحول يرصده «شفيق» من خلال آراء الرجال وليس النساء، وهن ما زلن لم يقتنعن بهذا التحول لعدم مُعايشتهن له على الأرض.
وعلى كل حال فإن من المتوقع أن نشهد تحولات في العقود القادمة في الخطاب الإسلامي من قضية المرأة، وذلك لمعطيات ذاتية وموضوعية، راهنة ومستقبلية.
من هذه المعطيات:
أـ إن الفكر الإسلامي المعاصر أخذ ينتقل في معالجة مشكلاته من زاوية النظرية إلى زاوية التطبيق. وهذا الانتقال يقرب الفكر الإسلامي معرفياً ومنهجياً إلى الواقعية في مقابل المثالية، وإلى النسبية مقابل الإطلاقية، وإلى التبيين مقابل الإجمال، وإلى التدريج مقابل التعجيل.
ب- إن الصحوة الإسلامية الناهضة في الأمة تثير رياح التغيير والإصلاح والتجديد في أحوال وأوضاع المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصاً تلك التي كان يلفها الركود والجمود، ومنها قضية المرأة.
ج ـ تعالي أصوات المرأة التي تطالب بإصلاح أوضاعها، ونقد المفاهيم والموروثات والتقاليد التي تعرقل مشاركتها الفاعلة في القضايا العامة، كما باتت توجه نقدها إلى الرجل في طريقته الاستبدادية، وتطالب بمكانتها التي تليق بها كما حددها لها الإسلام.
دـ تراجع وانحسار التيار التقليدي نسبياً، على الصعيد الفكري والاجتماعي، وهو المتشدد بالتمسك بالموروثات والتقاليد التي ترتبط بقضايا المرأة.
هـ - الاهتمام العالمي بقضايا المرأة والتحسن النسبي في أحوالها، والسعي الجاد لإنماء وتطوير قدراتها المعنوية والمادية. ففي سنة 1975م أعلنت الأمم المتحدة (السنة العالمية للمرأة). في عام 1985م، عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً في نيروبي لمناقشة الأهداف والإنجازات والعقبات. وقد وصف التقرير (مجمل الإنجازات أنها متواضعة، وحدد العراقيل التي ما زالت تحول دون تقدم المرأة حول العمل وعزاها إلى ما يلي: النقلة العميقة الجذرية، عجز في تفهم مدلولات الطروحات النسائية، فقدان الموارد المالية لإصلاح وضع المرأة.
ولهذه الأسباب تبنى المؤتمر مخططات إضافية وحدد المهلة في عام 2000م) (44) . هذا الاهتمام العالمي بقضايا المرأة كان يبعث حوافز كثيرة عند المرأة المسلمة ابتداء من إحساسها بظروفها ومشاكلها، إلى ضرورة الارتقاء بكفاءاتها.

التجربة الإسلامية النسائية في السودان كنموذج

في نظر العديد من النساء الحركيات، أن التجربة الإسلامية النسائية في السودان من أكثر التجارب تطوراً ونجاحاً على مستوى الحركات الإسلامية النسائية في العالم العربي.
ولأهمية هذه التجربة دعت السيدة «منى يكن» بأن (تدرس تجربة الحركة السودانية فيما يخص المرأة، دراسة متجردة وإبداء الرأي بها وتقويمها من خلال الندوات والمحاضرات)45.
وذات الرؤية تحملها السيدة «مهجة قحف» حيث تذهب (يجب علينا دراسة لماذا استطاع الإسلاميون السودانيون الذين يتمتعون بأفضل تعاون بين قطاعي الرجال والنساء، الذين يحملون وجهة نظر تقدمية في كثير من القضايا، أن يكونوا أول من نجح في العالم العربي)46.
وعن هذه التجربة تقول الدكتورة «سعاد الفاتح» وهي من قيادات الحركة الإسلامية النسائية في السودان، (الإنسان لا يملك أن يؤمر عليه أحد لا يستجيب لاحتياجاته. لذلك، رأت المرأة السودانية أن العمل الاجتماعي عن طريق الجمعيات الخيرية والجمعيات الثقافية، والمراكز الاجتماعية الصحية والمساجد هو أقرب طريق لقلوب الناس. ركزنا على ذلك، فأنشأنا المدارس، ورياض الأطفال، ومراكز التعليم للناس ـ محو الأمية ـ وذهبنا إلى أكثر من ذلك، فقد طفنا البيوت للإرشاد بالطرق الصحيحة للتربية في بداية الحركة النسائية)47.
وعن مسار هذه التجربة وتطورها يقول الدكتور «حسن الترابي» الذي تحدث عن هذه التجربة في أطوارها الفكرية والحركية، ولأهميتها نقتبس هذا النص مع ما فيه من طول بعض الشيء.
(تطورت الحركة الإسلامية بالسودان ثلاثة مواقف متتالية في شأن المرأة. فالموقف الأول كان يصدر عن مسايرة للمعهود التقليدي في رؤية مكانة المرأة في الدين عامة، ودورها في إحيائه خاصة. فعندما بدأت الحركة لم تكن تتجاوز ذلك العرف في نظرتها للنساء. فكانت بوعي أو بلا وعي تعتبر أن الدين خطاب للرجال في المقام الأول، وأن شأن الدعوة والجهاد في سبيله مسؤولية قاصرة عليهم، ولا ينبغي ولن يجدى أن تُقحم النساء في شيء من ذلك. كذلك كانت تقدر أن إصلاح المجتمع بأي وجه إنما هو شأن الذكور، إذا صلح الرجال صلح المجتمع وإذا فسدوا فسد، والمرأة تبع في ذلك ليس لها من مكان أو دور أصيل إلاّ البيت. وكانت الجماعة غالبها من شباب، وكان من أشد الحرج في عرف المجتمع اتصال الشباب من الذكور والإناث الأجانب. فالحركة مثل مجتمعها كانت غافلة عن أي مغزى لتدين النساء، زاهدة في دور إ صلاحي يقمن به، حذرة من أي صلة بهن.
لكن الحركة برغم انفعالها بتلك المعاني التقليدية لم تفقد كل الحرص على بسط بعض دعوتها في أوساط النساء أيضاً، مراعاة لما تعلم بفطرتها ن أصل الشمول في خطاب الدين ومنافسات لحركات أخرى كانت تفتن الإناث بدعوات احترام المرأة وتحريرها. فكان أن استقطبت الحركة مجموعة صغيرة من الطالبات رمزاً لشمولها، لكن ما كن يتخرجن من المعاهد حتى يتلاشين بأسرع مما يتلاشى الخريجون الذكور، فما كان لهن مثل ما لهم من فرص الثبات في مجتمع كان ينكر على الشابة أن تتدين كثيراً، أو أن تدعى موقفاً جديداً في الحياة، أو أن تتميز بسمت أو مسلك يشذّ عن عرف النساء السائد. فأيّما منشط للحركة يعني النساء ولو كان محاضرة في «وضع المرأة في الإسلام» أو مجلة نسائية إنما كان يتولاه الذكور، ولا بأس، فالجماعة قوام عضويتها ذكور ومعاملاتها مع مجتمع ذكور.

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
التكملة    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

أمّا الموقف الثاني للحركة من المرأة، فموقف مراجعة بدأ مع عمق الحرية من أكتوبر 1964م. ولعل دواعي المراجعة كانت في استفزاز التحدي الخارجي بأكثر منها في التذكر والتفقه الذاتي. ذلك أن الحركة النسوية في أوساط الطلاب وقعت في حكر الشيوعية إلاّ قليلاً، وكان يعز على الإسلاميين أن يتركوا البنات كذلك تماماً من الاتصال بهم وبهدفهم أن يقارنوا كسبهم الانتخابي فيجدوا أن الذي يؤخرهم هو صوت النساء، وكان مثل ذلك في الحياة العامة فظهر «الاتحاد النسائي» الشيوعي حاشداً، وبدت اتجاهات تشبه بالغرب بين النساء. فاضطرت الجماعة أن تغضي عن موقفها القديم تحت وطأة التحدي، والتقت مجموعة من الأخوات المسلمات لتعبئة ما سمي (بالجبهة النسوية الوطنية) حذراً من نسبة إلى الإسلام قد تستدعي إنكار التقليديين ونفور المحدثين. ولذلك كانت الجبهة النسوية ردة فعل لصد المنافسة الحضارية الغربية والسياسية الشيوعية، فقد ورد داع آخر من تلقاء المجتمع لتغيير الموقف الأول، وهو ظاهرة خروج المرأة إلى الملأ إذ تأثرت الخريجات العاملات في الدواوين. وأخذت النساء بحياء لكن بتزايد يخرجن إلى الشارع العام ويشاركن في الشؤون العامة. وكانت تلك الإشارات تنبيهاً للحركة بأن المرأة يوشك أن يكون لها مكان في المجتمع غير ما كان، وأن فساد المجتمع أو صلاحه لن يكون بمعزل عنها. وبادرت الحركة من ثم فتبنت الدعوة إلى إباحة المشاركة السياسية للنساء واعتمادها حقاً مؤسساً في القانون.
أمّا الداعي الثالث لمراجعة الموقف فقد كان ذاتياً إذ توفر للحركة في أواخر الستينات الوعي الاجتماعي الأتم، وإذ تيسر لها في بداية السبعينات مع كل الخلوات والقراءات في السجون وهدأة النشاط السياسي إمعان التأمل في تقويم كسبها ومراقبة مصائرها ومطالعة أصولها، فانتشر في أوساطها فكر ناقد للفقه والموقف التقليدي عموماً، وفي شأن المرأة والدين والمجتمع خاصة. كان هذا التفكر الأصولي صدمة تذكر ووعي بصرت الجماعة بعلل واقعها المجتمعي واتجاهات تطوره، كما كشفت لها حقيقة واقعها الحركي الذاتي، فلاحظت الميل الفادح في توازن دعوتها بين خطاب الذكور والإناث، وبالتالي المفارقة البعيدة في نسبة عضويتها بين الرجال والنساء. فعرفت الحركة عندئذ ما فوتت في حق الدعوة الإسلامية التي جاءت خطاباً إنسانياً عادلاً، وتكليفاً متساوياً، وبشارة شاملة للرجال والنساء. وكأن أصحاب الحركة قرأوا القرآن لأول مرة حيث يسوى دعاء المؤمنين والمؤمنات وجزاؤهم لعمل الصالحات وللصبر والهجرة والجهاد يوجب عليهم جميعاً بيعة الالتزام الشرعي، والموالاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كأنهم شاهدوا سنة لرسول الله (ص) وسيرة صحابته حيث تداعى النسا ء والرجال عن مسؤولية في المشاركة في الاستجابة للدين والاستقامة على نهجه، واشتركوا في بناء مجتمعه الرشيد الطاهر غير الظالم ولا العازل لأحد.
فالموقف الثالث، هو الذي استولى فيه الوعي الاجتماعي والفقه الأصولي. فاندفع العمل النسوي الإسلامي الكبير. وما كان لهذا الانتقال إلاّ أن يستصحب شيئاً من أزمة أن يُتقبل التصور الفقهي الجديد، ثم أن يُمارس الموقف الجديد فعلاً وخروجاً على المعهود في سنة الجماعة والمعروف في عرف المجتمع. واقتضى الأمر حواراً داخلياً وتعبئة وتهيئة لترسيخ التأصيل الديني للتغيير وتجاوز الرواسب النفسية والعادات والتنظيمية المتمكنة.
فبدأت الجماعة بترتيب أوضاعها التنظيمية وفق النهج الجديد. وقد كانت تلك الأوضاع مؤسسة على الفصل والموازاة في أطر العضوية خارج الطلاب، فالعضوات تحويهن أطر مخصوصة تابعة للإشراف المباشر لقمة القيادة، بل كن لا يحتسبن في عداد العضوية العامة ولا يصلن بأي صلة تنظيمية بشعب الجماعة الفرعية. فأول ما بدأ الإصلاح بأن دمجت العضوية ووحدت مشاركتها في التنظيم، فيما سوى الحلقات الأساسية الوثيقة أو الأجهزة المتخصصة في تكييف المناهج بما يناسب العضوات، وفي رعاية العمل ذي الوجه النسوي الخالص. فأصبح النساء في الجماعة يتمتعن بحقوق العضوية يحملن تكليفاً على سواء فيما يليهن من أصعدة التنظيم.
ثم كان الإصلاح التالي أن تهيأت الأطر والمناهج لتصويب الدعوة نحو النساء في المجتمع، ولاستيعابهن بيسر في ولاء الجماعة ونظامها وحركتها. ونظراً لحداثة التوجه وبقية حرج، فقد صدرت به التكاليف القطعية واجباً على كل شعبة أن تستدرك من دعوة النساء ما فات. وكان التكليف غليظاً على البعض لكنهم حوسبوا عليه رضوه أو كرهوه بمتابعات صارمة.
وفي بضع سنوات أتى التوجه الجديد ثماره، وانقشعت الشكوك التي كانت تراود البعض في صحة الفقه وحكمته إذ رأوا تأويله خيراً عظيماً. فنهض العمل النسوي في حساب الجماعة، إذ أصبح عداد النساء أو عطاؤهن يوازي شأن الذكور ويضاهيه. فشاركن في الدعوة والمجاهدة ونافسن في عمل الخير، وأخذن يستدركن كثيراً مما سبق به وأنجزه الرجال. هنالك اطمأنت الجماعة أن قد اعتدل خطابها وصفها، وفق معايير الدين لا معايير العرف.
أما في حساب الإصلاح الاجتماعي فقد أصبح خطاب الحركة الإسلامية للمرأة تبشيرياً تحريرياً في مغزاه ـ بمعنى أنه دعا وأدى إلى أن تتوب النساء إلى الدين، وما كن قبلاً ذوات دين، بل أن يدخلن في نمط التدين الغريب الجديد وأن يقمن عاملات للإصلاح الديني. ولعلها تلك أخطر ظاهرة دينية في تاريخ المرأة السودانية القديم والجديد. ثم دعا الخطاب وأدى أيضاً إلى تحرير النساء من أسر العرف التقليدي الظالم. وصحيح أنه صادف نزعاً في تطور المجتمع نحو التحرير، ولكنه كان أفعل وقعاً لأنه تأيد بذات الشرعية الدينية التي كان ينتسب إليها العرف القديم زيفاً، فإذا الدين كما طرحه الخطاب حجة لإباحة المحظورات العرفية غير المشروعة فلا حرج ولا جناح، وحافظ لقيم الفضيلة والإحصان الجنسي المركوزة في فطرة المجتمع. وإذا خطاب التحرير النسوي الذي كانت الحركات الليبرالية واليسارية تتشدق به يبدو بالمقارنة بائراً لأنه لا يتقوى بقوة الدين ويصادم واقع العرف وقيم الطهارة الفطرية. هكذا استطاعت الحركة أن تستعين بدفع التطور الاجتماعي الطبيعي لترقى بدين النساء، وأن تستعين بقوة التدين لتعزيز تحرير المرأة، فأحدثت بالفعل ظاهرة تحريرية موضوعية هي أيضاً من أخطر الظواهر في تاريخ الأحوال الاجتماعية للمرأة السودانية.
ومن وراء التحرير جاء خطاب الحركة ليلهم المرأة روحاً رسالياً في الحياة، ألاّ يكون غاية همها أن تتحدى من تعَدّي الرجال لحدود الله، أو من أسر البيت، أو ظلم الأوضاع الاجتماعية، أو أن تنال حرياتها وحقوقها العادلة كما تنادي بها المذاهب الرجعية المعاصرة; بل أن تجد المرأة مغزى لحياتها ودوراً يرضي ذاتها ويشفي تطلعاتها، من حيث هي إنسان لا يكتمل وجوده إلاّ باحتمال أمانة، وأداء رسالة، والوفاء بواجب بعد استيفاء الحق. وكانت هذه الرسالة هي أن تجاهد المرأة مع أخيها لإحياء الدين وتحويل المجتمع، وأن تهب نفسها لطلب المثل العليا وابتغاء وجه الله.
ولو جمدت الحركة في مرحلة الفقه الاعتذاري وأن الإسلام لم يظلم المرأة وراحت تدرأ الشبهات التافهة والفقهية وتتولى الدفاع وتترك المبادرة لغيرها ليقود حركة التحرير، لما عصمت المرأة من النزعة اللادينية أو لربما تأخر ذلك التحرير. ولو أنها اقتصرت على الفقه الناقد للتقاليد أو عن دعوة التحرر، لما بلغت بحركة المرأة الاجتماعية الدينية ما بلغت، ولما دخلت النساء في الدين أفواجاً وانفعلن واشتغلن بقضاياه بأقدار ثورية تاريخية، ولما مرقن من ذل التباعة للرجال ولو في الضلال، ولما خلصن من قيود الأعراف ولو منكرة، ولما خلصن من الولاء الطائفي الخرافي ليدخلن في بيعة الإسلام.
وقد كان هذا التحول الديني الاجتماعي أبلغ آية لأثر الدين في التحرر والنهضة لمقاصد الدنيا والآخرة. وقد أفحم المراقبين الغربيين الذين لا يصدقون إلاّ أن يكون الدين لزيماً لتخلف المرأة وظلمها. كما شرحت هذه الظاهرة صدوراً من التقليديين الذين كانوا في حرج لما تسامعوا بالتوجه لأول العهد، حتى اطمأنوا لما شهدوا صورته وعاقبته. فبنعمة الله وهداه رتبت الحركة الإسلامية تأسيسها الشعبي الأخير على مشاركة الرجال والنساء في الائتمار والشورى والقيادة ثم في الدعوة والمجاهدة، فما صادفت إنكاراً أو إدباراً يذكر من حملة الثقافة التقليدية أو طبقة العوام. لكن لن تسكن مطلقاً هواجس الخوف من ذرائع الفتنة عند بعض المتحفظين، ولن يسكت صوت الإنكار عند المتنطعين في السودان. وما تزال طائفة في بعض البلاد المثقلة بالرواسب تجادل في حق المنهج الإسلامي بالسودان من بعد ما ثبتت حجته وتبينت قدوته. ولا تنفك تثور لأهل السودان مسائل فردية في ثنايا العمل. وكل ذلك بلاء لا ينقضي للعالم والعامل بالدين)48.

كلمة أخيرة

إن أي تطور اجتماعي لا يمكن أن يحصل بمعزل عن المرأة. وأن تطوير المرأة يضيف للمجتمع عاملا أساسيا وحيويا للغاية في إنهاضه، لما تمثله المرأة من كثافة عددية، وموتقع خاصة كزوجة، وأم، ومربية، ومعلمة، وكاتبة ... الخ.
والحركة الإسلامية كعامل إحياء وإصلاح ليس على صعيد الرجال فحسب، بل بما يشمل المرأة أيضا. وهنا يكمن الضعف الذي بحاجة إلى أن يأخذ أولويته في الإهتمام عبر مشاريع التأهيل المختلفة.
وتبقى القاعدة أن المرأة هي المسؤولة أولاً عن الأوضاع التي وصلت إليها، وعن تغيير هذه الأوضاع، وتحسين أحوالها العامة ونوعية الحياة.
والمنتظر في هذه المرحلة والمراحل القادمة أن تأخذ المرأة مكانتها اللائقة ومشاركتها الفاعلة في مختلف قطاعات الأمة.
الهوامش:
(1) تأملات إسلامية حول المرأة. السيد محمد حسين فضل الله، بيروت: دار الملاك ط2، 1992م، ص3.
(2) مسائل حرجة في فقه المرأة. الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بيروت: المؤسسة الجامعية للنشر، 1994.
(3) تحرير المرأة في عصر الرسالة. عبد الحليم أبو شقة، الكويت: دار القلم، 1990م، ج1، ص9.
(4) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث. الشيخ محمد الغزالي، القاهرة: دار الشروق، ط8، 1990م.
(5) صدر الكتاب في بيروت عن المكتب الإسلامي، تعليق: الشيخ ناصر الدين الألباني، بلا تاريخ.
(6) سورة الأحزاب: آية 33.
(7) حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي. ص11.
(8) سورة التوبة: آية 9.
(9) انظر كتاب: الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات، منير شفيق، بيروت: دار الناشر، ط3، 1991م، ص113.
(10) رئيسة جامعة الجنان في مدينة طرابلس بلبنان.
(11) الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده. ندوة: مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل، الكويت: الأمانة العامة للأوقاف، ط1، 1993م، ص268. 12 كاتبة وصحفية من مصر من التيار الإسلامي.
(13) في مسألة السفور والحجاب. صافي ناز كاظم، القاهرة: مكتبة وهبة، 1982م، ص20.
(14) انظر كتاب: الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات، مصدر سابق، ص113.
(15) المصدر نفسه.
(16) البلاغ (صنعاء) العدد العشرون، 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1991م، من كلمة ألقيت في ندوة «وضع المرأة في العالم الإسلامي» عقدت بالقاهرة في الفترة ما بين 19ـ20 آب/ أغسطس 1991م.
(17) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة. د. يوسف القرضاوي، القاهرة، مكتبة وهبة، 1992م، ص66.
(18) تعمل في الحقل الإسلامي في الكويت. 19 الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده. مصدر سابق، ص304.
(20) عقدت هذه الندوة في واشنطن في الفترة ما بين 19ـ21 تموز/ يوليو 1991م، تحت إشراف المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.
(21) المصدر نفسه، ص493.
(22) الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده. مصدر سابق، ص272.
(23) العالم (لندن) العدد 63، السبت 27 نيسان/ إبريل 1985م، ص46.
(24) الحركة الإسلامية في ظل التحولات الدولية وأزمة الخليج. مصدر سابق، ص88.
(25) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة. مصدر سابق، ص64.
(26) عاملة في الحقل الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية.
(27) الحركة الإسلامية في ظل التحولات الدولية وأزمة الخليج. مصدر سابق، ص96.
(28) العالم (لندن) مصدر سابق.
(29) الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده. مصدر سابق، ص272.
(30) المصدر نفسه. ص273، انظر كتاب: أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، مصدر سابق، ص66.
(31) المصدر نفسه، ص274.
(32) انظر مجلة: المستقبل العربي، (بيروت) السنة السابعة عشرة، العدد 188، تشرين الأول/ أكتوبر 1994م، ص118.
(33) الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده، ص276.
(34) الحركة الإسلامية في ظل التحولات الدولية، ص91.
(35) الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده، ص272.
(36) الجماعة الإسلامية في باكستان، إعداد: خليل أحمد الحامدي، لاهور: دار العروبة للدعوة الإسلامية، 1989م، ص41.
(37) رؤية إسلامية معاصرة: إعلان مبادئ. تقديم: د. أحمد كمال أبو المجد، القاهرة: دار الشروق، ط2، 1992م، ص62.
(38) الحركة الإسلامية في ظل التحولات الدولية، ص96.
(39) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة. مصدر سابق، ص68.
(40) الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده، ص275.
(41) المصدر نفسه. ص274.
(42) الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات. مصدر سابق، ص613.
(43) المصدر نفسه. ص120.
(44) المستقبل العربي (بيروت) مصدر سابق.
(45) الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده. ص278.
(46) الحركة الإسلامية في ظل التحولات الدولية. ص93.
(47) المصدر نفسه. ص95.
(48) الحركة الإسلامية في السودان، التطور والكسب والمنهج. د. حسن الترابي، الخرطوم، بدون ذكر الناشر، 1410هـ، ط1، ص151.

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
إشكالية الأنا والآخَر في الفكر    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

حوار الحضارات وإشكالية الأنا والآخر في الفكر العربي والإسلامي المعاصر
الزهراء عاشور


* مقدمــــة
تعتبر فكرة «حوار الحضارات» من الأفكار والمفاهيم الأساسية التي انتهى بها القرن العشرون الميلادي، حيث أصبحت تحتل مكان الصدارة في قائمة الاهتمامات لدى العلماء والنخب الفكرية والسياسية، ومراكز البحوث المختلفة والمؤسسات الدولية.
كما أصبح هذا الموضوع مطروحاً بقوة على جدول أعمال الكثير من اللقاءات الدولية الثقافية والسياسية وأيضاً الاقتصادية. لاسيما بعدما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2001م، عاماً للحوار بين الحضارات. وكرّس منتدى دافوس الاقتصادي العالمي قبلها جلسة خاصة في جانفي 2000م، لتناول موضوع حوار الحضارات.
وإذا كانت هذه الفكرة، قد اتخذت شكلاً معيّناً بعد الحرب العالمية الثانية تحت رعاية اليونيسكو، وبعض المنظمات الدولية والإقليمية؛ فإنها في نهاية القرن العشرين الميلادي، تغيرت تطبيقاتها بصورة جذرية، لاسيما مع تطور العلاقات الدولية.
تشير نظريات علم اجتماع المعرفة أن ظهور مفهوم معيّن أو سقوطه، لا يتم بمحض الصدفة، بل نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الثقافية والسياسية وحتى الاقتصادية، ومن هنا فإن ظهور مفهوم حوار الحضارات كان محصلة لعوامل كثيرة منها:
- انتهاء الصراع الأيديولوجي مع سقوط المعسكر الشرقي.
- صعود دور الأديان.
- الثورة المعلوماتية، وتطور وسائل الإعلام والاتصال.
ولعل أهمها، ظهور مقولة «صدام الحضارات» التي أطلقها صموئيل هنتنغتون. فتحولت من شعار إلى استراتيجية، وسلّطت الأضواء على مجموعة من الثوابت الجيوسياسية والتطورات العالمية.
جاءت مقولة الصدام بوصفها رؤية فكرية وفلسفية جديدة ذات أبعاد سياسية، حاولت ملء الفراغ الذي استشرى في الدوائر الفكرية الغربية، وصياغة خطاب استراتيجي جديد للغرب. لاسيما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، بما يمكّنها من تكريس هيمنتها على العالم، وتحقيق مصالحها في ظل الأحادية القطبية، لاسيما في العالم العربي والإسلامي الذي جعلته مقولة الصدام في موضع مصدر التهديد للغرب ومصالحه، ثم في موضع المتهم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أمام خطاب النفي المُؤسَّس على الصراع، سعى الفكر العربي والإسلامي في البحث عن المنهجية الشاملة التي تمكّنه من امتلاك آليات الصمود ومنه الإمكان الحضاري. حيث تغيرت نظرة العرب والمسلمين إلى مسألة الحوار الحضاري، كانعكاس حتمي للتغيرات والتحولات الكبيرة التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة. فشهدت الساحة الفكرية العربية والإسلامية، تصاعد وتيرة الاهتمام بالحوار تنظيراً وتأسيساً من خلال جهود فردية أو مؤسسات أخذت على عاتقها دعم مشروع حوار الحضارات. فأصبح بذلك الحوار مطلباً عربيًّا وإسلاميًّا، ولم يبق مجرد مطلب غربي كما كان في العقود الماضية. خاصة أن الحوار لا يتنافى مع مفهوم الإسلام للتعارف بين الناس والتدافع بينهم.
تعتبر الدعوة إلى «حوار الحضارات» في الوقت الراهن إحدى أكبر الإشكاليات  المطروحة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، المثيرة للجدل. والتي أثارت بدورها الكثير من الإشكاليات الجديدة، وجددت طرح أخرى قديمة، لعل أهمها: العلاقة بين الخصوصية والكونية، ومفاهيم الهوية، وقضية النقد الذاتي، والعلاقة مع الآخر (الغرب) بفكره وحضارته وغيرها. فأصبح الحوار في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، يحمل في طياته الكثير من التساؤلات. لاسيما في ظل العولمة التي تسعى إلى إعادة تشكيل الآخر وفق ثقافة منمّطة وموحّدة يفرضها الطرف المهيمن.
فهل اتفق الخطاب العربي والإسلامي في النظر إلى الحوار بين الحضارات؟
وكيف حاول هذا الخطاب تقديم ذاته (الأنا) في الحوار؟
وكيف نظر إلى الآخر (الغرب) بفكره وحضارته؟
* أولاً: إشكالية «الأنا»
لعل أهم تساؤل يطرح في خضم الحوار بين الحضارات والثقافات في الدائرة العربية والإسلامية، من سيعبّر عن الهوية العربية الإسلامية؟
فمع تعدد الخطابات داخل هذه الدائرة بين خطاب ليبرالي وماركسي وإسلامي وغيره، تباينت وجهات النظر حول من يحاور «الآخر»، وحول منطلقات الحوار ومرجعيته. فالتيار الليبرالي، يرى أن التيارين الإسلامي والماركسي غير مستعدين للقيام بحوار مع الحضارة الغربية، فالأول متطرف والثاني جامد. والتيار الوحيد المستعد للحوار مع التيار الغربي هو التيار الليبرالي، كما يؤكد على ذلك أحد أبرز رموز هذا التيار في حوار الحضارات وهو السيد ياسين .
وينفي علي أومليل أحقية التيار الإسلامي في الحوار، «فلا مجال لهذا الفكر الأصولي المتشدد لأي حوار بين الحضارات. فالإسلام عنده ينبغي أن يسود ليس بالدعوة وحسب، وإنما بالجهاد أيضاً، والذي يعني فرض فكره الديني بالعنف والإرهاب. ولذلك فإن صراع الحضارات لا يقول به كتّاب غربيون وحدهم، بل يقول به حملة الفكر الديني المتطرف» .
والتساؤل الذي يطرح:
هل الحوار من منظور الحداثيّين يجب أن يقوم على علمنة الإسلام وتحديثه؟
أما التيار الإسلامي، فيركز على المدلول الرسالي للحوار، فهو يعبّر عن قيمة حضارية، إذ هو أسلوب الأنبياء والرسل في التبليغ والدعوة. وبالتالي أحقية هذا التيار في تقديم الإسلام والحضارة الإسلامية للطرف «الآخر». فعلى الغرب، كما يرى محمد خاتمي، أن يحاول خوض الحوار مع أولئك الذين يمثلون بجدارة الفكر والثقافة الإسلاميين. أما المتغربون الذين هم في حقيقة الأمر تمثيل ناقص ومشوّه للغرب نفسه، فإن حوار الغرب معهم لا يشكّل ديالوغاً و(حواراً ثنائيًّا)، ليس ذلك وحسب. بل إنه لا يشكّل مونولوغاً و(مناجاة أحادية)، أيضاً، كما يؤكد على ذلك خاتمي وهو أحد أبرز رموز هذا التيار في حوار الحضارات .
والتساؤل الذي يطرح:
هل وصل هذا التيار إلى درجة النضج التي تمكّنه من عرض الإسلام والحضارة الإسلامية بأسلوب علمي راقٍ بعيداٍ عن التمجيد والدفاع والتبرير، خاصة مع تعدد روافد هذا التيار وتباين طروحاتها؟
فبين منظومة الحداثة ومنظومة الأصالة والتراث، ومع أسلوب النفي المتبادل. تجري محاولات تأصيل الحوار بين الحضارات في الدائرة العربية والإسلامية، وبلورته. فأما الحداثيّون، فيجعلون الحداثة إطاراً مرجعيًّا للحوار. فمنطق الحداثة هو منطق التغيير، كما يرى ذلك علي أومليل . ويحاول سمير أمين في حديثه عن صراع الحضارات أن يضع برنامجاً تحرريًّا إنسانيًّا قائماً على الحداثة، فالحداثة من وجهة نظره لم تصل بعد إلى نهاية مسيرتها على الرغم من ظهور مفهوم ما بعد الحداثة، ولن تكون نهاية لهذه المسيرة. الحداثة هي انقلاب أيديولوجي وفكري وجوهري، حدث عندما اعتبر المجتمع نفسه مسؤولاً عن مصيره عندما أعلن الإنسان أنه هو صانع تاريخه... من الواضح إذن -كما يرى سمير أمين- أن الحداثة بهذا المعنى لا نهاية لها. وبالتالي، فإن نبذ الحداثة معناه التنازل عن العمل المسؤول في سبيل صنع التاريخ. كما أن الدعوة بالأصالة لا تعني في هذه الظروف عدا محاولة إيقاف سير التاريخ عند مرحلته السابقة على الرأسمالية ونشأة الحداثة، وهو هدف طوباوي يتعذر تحقيقه. فليس هناك معنى للخيار بين الحداثة والأصالة الذي يؤدي بالضرورة إلى خلط المفهومين على أساس قبول الحداثة كما هي، أي حداثة رأسمالية من جانب وتلوينها بألوان الأصالة من الجانب الآخر. وهو بالنتيجة قبول الوضع الراهن أي التبعية في المنظومة الرأسمالية وفي مواجهة هذا الطرح المزوّر العقيم الذي لا بد أن يؤدي إلى مأزق تاريخي، ليس ثمة بديل صحيح عدا العمل في سبيل تطوير الحداثة، لا إنكارها وتلوينها. فالشعوب التي لا تشارك في تطوير الحداثة، تتخلف بالضرورة حتى تهمّش. فمن يختار أن يخرج عن التاريخ لن يصنع الآخرين من التقدم في مسيرته .
أما عبد الملك منصور، فيصوغ تصوراً يعتبره التأصيل الذي ينطلق منه رأيه في الحوار. حيث يميز بين نوعين من الوعي الثقافي، وعي ماضوي تقليدي ووعي مستقبلي استشرافي. الأول وعي نقلي يحاول أن يشد حياتنا إلى الوراء وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالاً غائباً في حياتنا، وليس عنصراً تكوينيًّا من عناصرها الحيوية. وأما الوعي الثاني نقيض الوعي الأول، وعي يفتح أفق التجريب والمغامرة ويقيس على الحاضر في حركته إلى المستقبل، ولا يُشغل بالماضي إلا بوصفه عنصراً من عناصر الحاضر الذي يقبل التحول والتطور والمساءلة. ولذلك فهو وعي حداثي بالضرورة وتجريبيته هي الوجه الآخر من نسبية اجتهاده، فهو وعي لا يعرف الحلول الجاهزة أو الإجابات المسبقة، ولا يؤمن بالمطلقات الإنسانية التي تشل الحركة أو الدوائر المغلقة للفكر. وسؤال المستقبل عنصر تكويني في هذا الوعي وعلامة عليه، سواء في حرصه على الارتقاء بالإنسان من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، أو الانتقال بالمجتمع من وِهَاد التأخر إلى ذرى التقدم .
والفكر الحداثي عند الحداثيّين هو تفكير بالزمان والمكان، على عكس الفكر الأصولي فهو فكر لا زماني ولا تاريخي. لأنه كما يرى علي أومليل، تفكير في نص مقدس تفكيراً خارج الزمان، لا ينال منه الزمان مهما حدث في تاريخ البشر من تغيرات وأحوال. في حين أن النص لا ينفصل عن قراءته، والقراءة زمانية تختلف وتتغير حسب تحول الأحوال واختلاف المصالح وتطور الفكر والتدافع من أجل إثبات النفوذ والذات . والأصولي يجمّد النص، هذا النص لا يمكن لمعناه -عنده- أن يتغير. مادام الأصولي لا يعترف بتعدد القراءة، أي بتعدد المعنى. ومادامت الحداثة من سماتها الارتكاز على حاضر يستقطبه المستقبل، فإن النص عند الأصولي لا يحدث له شيء، فهو مجمّد خارج الزمان وعلى الرغم منه. ومهما حدث على أحوال البشر من حوادث فلا اعتبار لها في ذاتها، ولا يمكن الاستناد إلى منطقها لتجديد قراءة النص، فالمعنى عنده لا يتغير ولا يتعدد، لأن النص ثابت المعنى، فمادام النص واحداً وثابتاً. فالمعنى أيضاً واحد وثابت فلا مجال للحق في الاختلاف ولا للتعددية في المجتمع المدني والسياسي . وهذا الثبوت في قراءة النصوص الدينية، يعتبر في رأي الباحث من عوائق حوار الثقافات.
أما السيد ياسين، فيرى أن الحداثة عالمية، ومنه، فعبور المجتمعات المعاصرة إليها ضرورة حتمية، لا فرق في ذلك بين مجتمعات متقدمة ومجتمعات نامية. وقد يبدو عبء العبور بكل تكاليفه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أيسر بالنسبة للمجتمعات المتقدمة التي خاضت اختبارات الحداثة منذ قرون، إذا ما قورنت بالمجتمعات النامية. ومع ذلك يمكن القول: إن معركتها في سبيل تطوير مؤسساتها وتحديث قيمها لا تقل ضراوة عن المعركة التي قُدِّر للمجتمعات النامية أن تخوضها، ومع هذا لا بد من تأكيد أن معركة المجتمعات النامية مزدوجة. فهي أولاً: سعيٌّ حثيث لاستكمال الحداثة على الطريقة الغربية، وهي ثانية: محاولةٌ للعبور إلى العالمية في عصر العولمة بكل ما تفرضه من شروط سياسية وقيود اقتصادية .
والهدف من ذلك -كما يرى السيد ياسين- هو التوصل في النهاية إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية التي تأخذ في اعتبارها التنوع الإنساني الخلّاق، في الوقت الذي تسعى فيه إلى التركيز على القواسم المشتركة بين حضارات العالم .
وكمحصلة لكل ذلك، خَلْق حضارة عالمية تقوم بدورها في تقليل المسافات بين البشر وتعمل على تعميق التفاعل الإنساني. لاسيما في ظل الثورة الاتصالية الكبرى التي تمثل في الواقع البنية التحتية التي تساعد على إيجادها على أنقاض حضارة عالمية منهارة، كانت لها رموزها وقيمها التي سقطت تحت وطأة ممارسات القرن العشرين الميلادي .
وقريب من هذا الرأي، ما يراه محمود أمين العالم، أن عصرنا الراهن تسوده حضارة عالمية واحدة، تمتد لأول مرة في التاريخ من أدنى الأرض إلى أقصاها، وإن اختلفت وتفاوتت هذه الحضارة الواحدة بين هذا المجتمع أو ذاك. فيرتفع المستوى الحضاري عند من أسهموا ومازالوا يسهمون في إنتاج وإعادة إنتاج وتطوير هذه الحضارة عن مستوى من يسهمون في ذلك إسهاماً هامشيًّا طفيليًّا، أو من يغلب عليهم طابع التبعية لها .
ومنه، تغدو الخصوصية الثقافية عند محمود أمين العالم جنوحاً دينيًّا ماضويًّا، يفتقد الرؤية الموضوعية للصراع ضد الهيمنة الحضارية السائدة .
فالخصوصية عند هذا الاتجاه، ماضوية معادية للتاريخ والسوسيولوجيا. يقول عزيز العظمة: «إن الخصوصية المدعوة «خصوصية ثقافية»، تؤخذ اليوم علماً على تسوير أوروباً وعلى نزع إمكانية العمل التاريخي عنا، وعلى القضاء علينا بالانحصار في خصوصيات ماضوية تقينا من الرقي ومن تهجين الأصول. أي أنها تقينا من إمكانية إدراك الواقع وسبل الترقي، وتستثير فينا الحمية إلى ما انقرض وإرادة إعادة إنتاج المتخلف والنكوص إلى ما انقضى وولى وتقادم» . وذلك بعد أن أكد على ضرورة الاستناد إلى العلمانية التي يرى أنها تستند إلى النظرة العلمية، بدل النظرة الدينية الخرافية إلى شؤون الكون والطبيعة على العموم .
كما يؤيد محمد أركون هذا الرأي، فعلى الرغم من كون التعددية الثقافية للبشر شيء جيد رائع -كما يرى- لكن يشترط أن يتم ذلك ضمن السير نحو الكونية أو نحو وحدة الجنس البشري. فهناك قيم كونية، لكن يعطي أركون الحق لكل ثقافة أن تتبناها بلغتها الخاصة وهذا ما يقرب الشعوب والأمم ويخلق طابعاً إنسانيًّا على الحداثة .
الحوار ممكن وضروري عند هذا التيار للخروج من منطق حماية الهوية الخالصة إلى منطق صياغة هويات متعددة قابلة للاغتناء كل يوم بما يوفره الإنسان من انتصارات يومية باهرة على المسافات والحدود .
على أساس ما سبق، فإن خصائص الطرح الحداثي في الحوار هي على النحو الأتي:
1) الإطار المرجعي الرئيس للحوار هي: الحداثة.
2) تجديد الفهم القرآني وقراءته في ضوء الراهن الحضاري.
3) الاستناد إلى العلمانية باعتبارها من مقومات الحداثة.
4) الانطلاق في مناقشة مختلف القضايا وفق هذا المنظور مثل قضايا: المرأة، وحقوق الإنسان، علاقة الدين بالدولة وغيرها.
5) تجاوز تداعيات التراث وتجاوزاته.
6) اعتبار الحضارة القائمة حضارة عالمية.
7) تجاوز بعض الخصوصيات الثقافية للوصول إلى القيم العالمية المشتركة.
وأما الاتجاه الإسلامي، فيركز على الإسلام بوصفه مرجعية أساسية للحوار. فالحوار أساس من الأسس الإسلامية، وهو أصل من الأصول الثابتة للحضارة العربية الإسلامية ينبع من رسالة الإسلام وهديه ومن طبيعة ثقافته وجوهر حضارته، كما يؤكد على ذلك عبدالعزيز بن عثمان التويجري .
«فالقرآن الكريم هو كتاب الحوار، بما أثار من مفردات شملت عقائد أهل الكتاب. وكذا حوارات النبي (صلى الله عليه وسلم) مع هؤلاء والمشركين، ثم ردود الفعل التي واجهتها رسالة الإسلام. كل هذا يعنى أن مسألة الحوار هي من المسائل التي تعيش في عمق وحركية التفكير الإسلامي» .
وقد انتقد هذا التيار الحداثة، ومقوماتها. بل يذهب محمد خاتمي إلى كون مبدأ حوار الحضارات ذاته، يتقاطع مع أحكام الاتجاه الوصفي الجزمية ومسلمات الحداثة. لكنها في الوقت نفسه، ليست بذات صلة بنزعة الشك المطلق لدى اتجاه ما بعد الحداثة. يقول خاتمي: «لو قدر للحوار أن يتحول إلى مرحلة جديدة في تاريخ الإنسان فلا بد له أن ينتقل من مستوى دعوى الحداثة السلبية تلك، ويتعالى إلى مستوى التعاون والتكافل المشتركين. ولا نكاد نجد مسلماً يفقه القرآن ولا يتداعى ذهنه حين يسمع مفردة التعاون إلى النداء القرآني {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} » .
ومنه، يستقى هذا التيار أسلوب الحوار ومنهجه ومنطلقاته من القرآن الكريم.
أما «أسلوب الحوار فالحكمة والموعظة الحسنة {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}. وأما مرجعيته فالعقلانية {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}. وأما منطلقه فوسطية هذه الأمة التي أهّلتها للشهادة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}» .
كما يتميز النسق الحضاري الإسلامي في إنسانيته، كما يشير إلى ذلك طه جابر العلواني، فهو نسق نقيض النسق الهيليني والروماني، إذ يطرح التوحيد في مقابل الوضعية الملحدة أو المشركة. ويطرح النسق الحضاري الإسلامي القائم على منظومة القيم الإلهية مقابل للنسق القهري الاستعبادي، ويربط العباد بخالقهم ولا يسخّرهم لحاكم أو سلطان .
وبالتالي، فالحوار عند هذا التيار لا ينبغي أن يستخدم مدخلاً لإذابة الفوارق والخصوصيات الذاتية. وتضيف نادية محمود مصطفى، ولا لعولمة ثقافة ما أو تعديل الأنساق القيمية للآخرين مما يتفق ومعايير أنساق هذه الثقافة. فهو ليس إدماج الثقافات، ولكن تعويد الشعوب والمؤسسات على احترام الاختلاف وكيفية التعايش رغم الاختلاف .
فالطرح الإسلامي لموضوع حوار الحضارات، كما يؤكد على ذلك محمد خليفة، مرتبط في الأصل بالموقف الذي حدده الإسلام من الأديان الأخرى ومن الشعوب الأخرى. فالإسلام اعترف بالتعددية الدينية واعترف أيضاً بالتعددية الثقافية، واعتبر أن اختلاف الأمم من الأديان والحضارات هو بمثابة قاعدة للتعارف والتعامل والتثاقف بين الشعوب المختلفة .
وبما أن النسق الحضاري الإسلامي متميز، فإن حوار الحضارات من وجهة نظر طه جابر العلواني، يعنى الاعتراف بأن هناك حضارات متعددة وليست حضارة عالمية واحدة، نسخت الحضارات السابقة عليها. ومن ثم فلابد من إعادة النظر في المناهج والنظريات والعلوم الناتجة عن حضارات عالمنا المعاصر، وليس فقط ما ينتج عن الحضارة العالمية المركزية التي يزعم البعض أنها خلاصة التطور البشري ونهايته ونهاية التاريخ .
ليس الحوار هدفاً في حد ذاته عند هذا التيار، بل وسيلة لتحقيق أهداف شتى. لعل أهمها على مستوى العلاقات الدولية، هو بناء نسق جديد للعلاقات الدولية يتأسس على القناعة بالترابط والمصير الإنساني المشترك . فالحوار كما يرى محمد خاتمي، هو سعي إلى تغيير أسس العلاقة وإطارها في العالم الحالي أو نموذج العلاقة الراهن على حد التعبير الحديث. وإذا تحقق ذلك وتخطّى مستوى الشعار ففي وسعنا -كما يأمل خاتمي- أن نتوقع عالماً جديداً .
على أساس ما سبق، فإن خصائص الطرح الإسلامي للحوار هي على النحو الآتي:
1) الإطار المرجعي الرئيس للحوار هو: الإسلام.
2) الحوار أساس من الأسس الإسلامية، ومنه أصالة الطرح الإسلامي للحوار.
3) نقد الحداثة التي قام عليها الفكر الغربي، أساساً للمدخل الإسلامي للحوار.
4) استنباط منهج الحوار وأهدافه من القرآن الكريم.
أما منهجه، فيقوم على مجموعة من الضوابط أهمها:
- الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
- احترام الآخر واحترام خصوصيته.
- الحكمة ضالة المؤمن والحقيقة لا يملكها طرف واحد.
وأما أهدافه، فهي:
- التعارف على الآخر.
- نشر الدعوة الإسلامية.
- الدفاع عن المرجعية الإسلامية التي أصبحت تتعرض لهجوم داخلي وخارجي.
- تحقيق إمكانية تقديم الثقافة الإسلامية إلى الثقافات الأخرى.
5) الحضارات متعددة وليست حضارة عالمية واحدة.
6) تميز النسق الحضاري الإسلامي، ومنه ضرورة المحافظة على الهوية والخصوصية.
7) الحوار وسيلة لإيجاد قواعد جديدة في التعامل الدولي.
يتميز المجتمع العربي والإسلامي بتعدد هيئات أفراده ومستوياتهم، فبين السياسي والمفكر وعالم الدين والأكاديمي، وبين المثقف والعامي أو الشعبي. فلهذا نجد البعض يصنف أطراف الحوار إلى أصناف عديدة.
فتصنف نادية محمود مصطفى أطراف الحوار في الدائرة العربية والإسلامية إلى عدة أصناف، وهي:
1) أهل السياسة وتسميه بالحوار الرسمي (السياسي والدبلوماسي).
2) أهل الفكر والثقافة.
3) الأكاديميون والباحثون.
4) الشعوب، وتسميه بالحوار الشعبي .

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
الأنا والآخر (2).    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

ونجد البعض يلجأ إلى وضع معايير لتصنيف الأطراف المشاركة في الحوار في عمومه، فيصنف علي فهد الزميع الأطراف المشاركة في الحوار بأكثر من معيار، أهمها:
المعيارالثقافي: أي أهل الثقافة، وهو المعيار الذي يتعامل مع مختلف الحضارات. والتي يجب أن يشارك ممثلون لها جميعاً كأطراف متساوية في الحوار الحضاري.
المعيار المؤسسي: من الضروري لإنجاح الحوار الحضاري العالمي أن تساهم فيه جميع الدوائر والمؤسسات التي تنظم انتماءات البشر على وجه الأرض. ولذلك فإن المؤسسات التي يمكن اعتبارها أطرافاً في هذا الحوار يمكن الإشارة إليها على النحو التالي:
- التنظيمات الدولية، وهي هيئة الأمم المتحدة والتنظيمات التابعة لها، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو التي تتمتع بما يؤهلها لدور مميز في تنظيم الحوار الحضاري والدعوة إليه.
- التجمعات الإقليمية، ومنها منظمة الدول الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة دول جنوب شرق آسيا، ومنظمة الوحدة الأفريقية، والمنظمات الإقليمية والمؤسسات المتخصصة التابعة لها.
- المنظمات والمؤسسات التطوعية القطرية والدولية.
- الجامعات ومراكز البحوث والدراسات.
- الأحزاب والتجمعات السياسية والفكرية.
- المؤسسات الاقتصادية، ودورها يتميز من خلال المساندة والتمويل اللذين يمكن أن توفرهما لفاعليات الحوار الحضاري العالمي.
المعيار التخصصي: الأفراد والشخصيات ذات الإسهام الخاص في عملية الحوار الحضاري العالمي وتتسع دائرة هؤلاء بحسب تخصصهم، تشمل الفئات المؤثرة، مثل: رجال الدين والمفكرين، والسياسيين، ورجال الثقافة والفنون، ورجال الاقتصاد والمال، والعلماء والباحثين، ورجال الإعلام والصحافة، والقيادات والرموز المجتمعية، وقيادات الحركات النسائية .
وإن كان البعض يلقي عبء الحوار في الدائرة العربية والإسلامية على عاتق المثقف العربي والمسلم. علماء وفلاسفة ومفكرين وفنانين دون رجال السياسية، فهؤلاء دون أهل السياسية -كما يرى فهمي هويدي- وحدهم هم المؤهلون لإجراء هذا الحوار. إذ يفتحون قنواته الأكثر صدقية وفائدة على المدى البعيد .
أما من ينتظر أن يقود أهل السياسة حوار الحضارات، فيجب ألَّا يتوقع نتائج كبيرة. إذ في الغالب يتم تنظيم اللقاءات من أجل أهداف قصيرة ومرتبطة بالمصالح. فرجال السياسة كما يرى محمد خاتمي، ليسوا أبطال الحوار بل ذلك الدور يقوم به العلماء والفلاسفة والمفكرون والفنانون . وهذا الرأي يشترك فيه الكثير من المفكرين والباحثين على اختلاف توجههم الفكري.
وإذا كان هؤلاء المثقفون لهم الدور البارز في حوار الحضارات، فإن البعض يحصرهم في المثقفين المسلمين المقيمين في الغرب. حيث يرى أحمد بسام الساعي، أن هؤلاء يُسهمون أكثر في دعم حوار الحضارات. لاسيما في تحقيق تفاهم حضاري مع الغرب، لأنهم الأكثر خبرة ومعرفة بنقاط اللقاء ومواقع التصادم بين الإسلام والغرب. ومن ثمّ يدركون المنطلقات التي يجب أن يبدأ منها أي حوار بين العالمين، وهم وحدهم الذين يملكون بأنفسهم قياد ألسنتهم وأقلامهم فلا يحسبون لهذا أو لذلك ألف حساب. لقد ظل العرب يعزفون مئات السنين على عود ذي أربعة أوتار، وما إن وطئت أقدام زرياب أرض الأندلس قادماً من قصر الخليفة العباسي في بغداد، وتعرَّضت عبقريته الفنية لرياح الغرب حتى أبدع لنا الوتر الخامس للعدد. إن هذا الوتر الجديد في لقاء الحضارات، بيننا نحن المثقفين المسلمين في الغرب. نحن لا نريد أن نقطع الأوتار ونحطم العود، ونتحول إلى غربيين. لكن بإمكاننا أن نقدم لهم الكثير مما عندنا، ويقدموا لنا الكثير مما عندهم لنعزف معاً على آلة واحدة مشتركة من التفاهم والتعاون والعمل من أجل البناء والتقدم والسلام . ويؤيده في ذلك وليد محمود عبد الناصر الذي يركز على الدور المنوط بالعرب والمسلمين المقيمين في بلاد الغرب في حوار الحضارات .
ويحصرهم طه جابر العلواني في المفكرين المسلمين من أصل غربي، إذ يرى أنهم هم المؤهلون أكثر للدخول في حوار الحضارات خاصة مع الحضارة الغربية. إذ يملكون آليات الفكر الغربي ومعطياته، يقول العلواني: «نفتح الحوار الثقافي خاصة مع الغرب على أن يتصدى له من جانبنا المفكرون المسلمون من أصل غربي، أمثال: غارودي وبوكاي وهوفمان وبلانكنشب وأمثالهم. ونكون لهم بمثابة مستشارين نعينهم باطلاعهم على ما يطلعون عليه من جوانب مضيئة في كتاب الله المصدر المنشئ والأساس لثقافتنا، وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم) المصدر المبيّن منهجيًّا للكتاب. وميثاق أشبيلية ، يمكن أن يكون قاعدة حوار ثقافي جيد بيننا وبين الغرب خاصة، وبيننا وبين أصحاب الثقافات والحضارات الأخرى عامة» .
ما لا شك فيه، أن العرب والمسلمين المقيمين في الغرب والمسلمين من أصل غربي تُلقى على عاتقهم مسؤولية كبيرة في دعم حوار الحضارات. إذ لم تعد الثنائية تطرح بصيغة: الإسلام والغرب فحسب، بل أيضاً الإسلام في الغرب. خاصة أن هؤلاء أصبحوا جزءاً مكوِّناً له، فهم همزة وصل بين حضارتين لديانتين لهما وزنهما في التاريخ الإنساني. خاصة أن الطرف المسلم الأوروبي -كما يرى محمد صفار- هو من جنس الغرب وثقافته وحضارته. بيد أنه لا ينتمي إليه عقيدةً وولاءً وفكرةً وحركةً، إنه في الغرب وليس منه. ومن ثمّ لن يتمكن الطرف الغربي الغالب من ممارسة نمطه السلوكي المعتاد بعرض نفسه ونماذجه في إطار عمليات صناعة الصورة وتسويقها وبثها في كل مكان أمام طرف مولع لاهث وراء تقليد الغالب .
والإسلام في أوروبا، يعتبر من الإشكاليات التي تطرح في الفكر الإسلامي المعاصر. خاصة الطرح الإسلامي الأوروبي الذي يحاول «أن يقدم الإسلام كبديل فكري - سياسي -اجتماعي - اقتصادي لواقع العالم الغربي والإسلامي على حد سواء، ونقد الأوضاع السياسية والاجتماعية في بلاد المسلمين النابعة من الحداثة والعقلانية والمادية. أو في إبراز مشكلات وقضايا الأقليات المسلمة في البلدان الأوروبية. وما تتعرض له من خلال اضطهاد وتمييز عنصري وديني واقتصادي وسياسي واجتماعي» .
وبما أن الثقافة الشعبية هي التعبير الحقيقي عن الواقع المعيش للجماهير العريضة الكادحة في العالم العربي والإسلامي، والتي تُحفظ في الذاكرة الجماعية التاريخية للشعب كله. نجد في الطرحين الحداثي والإسلامي تركيزاً على الحوار الشعبي، أي الشعوب ومنتجاتها الثقافية بوصفها طرفاً من أطراف الحوار. حيث يرى السيد ياسين، أنه لا ينبغي أن يقتصر الحوار بين الحضارات على المثقفين. بل لابد أن يشارك فيه ممثلون للثقافات الشعبية بمختلف تياراتها، ذلك أننا نعرف جميعاً أنه في عدد من المجتمعات المعاصرة تسود ظاهرة الانفصام الثقافي. ونعني بها الفجوة المعرفية والفكرية بين النخبة والجماهير، ناهيك عن الاختلافات العميقة في الحساسية الفنية والأذواق والاتجاهات الجمالية. ومن هنا لن يكتمل الحوار بين الحضارات في رأينا دون تضمينه الثقافة الشعبية .
ويطرح حسن وجيه الحوار الشعبي ضمن تساؤله عن كيفية إعداد فرقنا للحوار، وكيفية الوصول إلى رجل الشارع في الغرب وفي الثقافات الأخرى .
وتؤيدهما نادية محمود مصطفى، حيث ترى أن تفعيل حوار الشعوب قد يكون سبيلاً للالتفاف حول ما يمارسه اختلال توازن القوى من تأثيرات سلبية على الحوارات الرسمية بين الحكومات. ومن هنا أهمية التمييز بين الحوار بوصفه قضية دولية أو أداة من أدوات السياسة الخارجية، وبين كونه نشاطاً إنسانيًّا متواصلاً وقديماً قدم خلق الإنسان .
وبتتبعنا لطروحات التيارات المختلفة في الدائرة العربية والإسلامية حول قضايا الحوار، نجد ما يلي:
أما التيار الليبرالي، فيركز على القضايا المرتبطة بالفكر الليبرالي، مثل: العلمانية، والدين والدولة، والحداثة، وما بعد الحداثة، قضايا المرأة، حقوق الإنسان، الديمقراطية وغيرها. حيث يجعل السيد ياسين الديمقراطية أحد الموضوعات المهمة الداخلة في صميم حوار الحضارات بسبب نمو وتصاعد الجهود الفكرية في مختلف القارات في مجال تأصيل نظرية الديمقراطية، وإبراز أنماطها المحددة وتحليل إشكالاتها والتصدي بإيجابية لتذليل العقبات أمام تطورها .
أما التيار اليساري، فيركز على القضايا المرتبطة بالفكر اليساري، مثل: قضايا التحرر، والعدالة الاجتماعية، والتهميش العالمي وغيرها. حيث يتساءل حسن حنفي، لماذا لا تطرح قضايا العدالة الاجتماعية، وحركات التحرر الوطني، وقضايا إيجاد مفاهيم بديلة للعولمة، مثل: التعاون المتبادل؟ ويتساءل أيضا: «إذا كنا في ظل الحوار لا نستطيع أن نفرض جدول أعمالنا على الحوار، والغرب هو الذي يفرض ذلك. فهذه أزمة حقيقية ؟» .
وأما التيار الإسلامي، فيركز على إدخال المفاهيم الدينية، والأبعاد الثقافية والحضارية في طرح القضايا. قضايا من قبيل أزمة الأسرة، والأزمة في علاقة الإنسان بالطبيعة، وأزمة الأخلاق. فيما يتصل ببعض الأبحاث العلمية إلى جانب مسائل كثيرة مشابهة، كما يرى محمد خاتمي . ويركز سيد كمال الخرازي على الأركان الخمسة كما يسميها، وهي الأخلاق، والحرية، والعدالة، والأمن، والسلام والتي تنبثق عنها الكثير من القضايا التي تحتاج للمعالجة، مثل: الانحلال الخلقي في شتى صوره، وقضايا الحريات العامة، والعدل، وحماية الأفراد وأمنهم، والسلم العالمي. يقول الخرازي: «إن هذه المفاهيم الإسلامية والعامة المرتبطة مباشرة بالحياة الفردية والاجتماعية للإنسان. وهي تشمل كافة المجتمعات البشرية بغض النظر عن القومية واللون والدين والتقاليد والجنس والنظام الاجتماعي والسياسي، فإذا ما اعتبر مشروع حوار الحضارات أنموذجاً أمثل للقرن الواحد والعشرين، وإذا ما اهتمت الأطراف العالمية المعنية بالحوار حول الأسس الخمسة المذكورة آنفاً، فإن الأهمية الحيوية لهذا المشروع ستتضح بصورة أكثر» .
والتساؤل الذي يطرح:
بأي منظور نتحاور مع الآخر، أبمنظور ليبرالي؟ أم ماركسي؟ أم إسلامي؟ أم يتوجب توحيد الرؤية؟
ما لا شك فيه، أن تعدد المرجعيات داخل الدائرة العربية والإسلامية. يؤثر في مناقشة الكثير من القضايا موضوع الحوار، لاسيما المرتبط منها بالهوية. الأمر الذي يجعل الباحثين غير المسلمين يلقون صعوبات في تتبع هذه الاختلافات، لاسيما إذا كانت جوهرية وفي المنابر الدولية. فالشعور السائد لدى معظم الغربيين هو تعدد «الإسلامات» كما تشير إلى ذلك باكينام الشرقاوي .
وهذا ما يشير إليه أيضاً السفير نبيل بدر، فعدم وجود مرجعية واحدة داخل العالم الإسلامي، لا من الناحية العلمية ولا الفقهية. جعل البرلمان الأوروبي يطرح سؤالاً مع من نتحاور من المسلمين؟
فالخطاب العربي والإسلامي المعاصر يتسم بالثنائية والانشطار إلى معسكرين يتبادلان الإسقاطات: معسكر حداثي ومعسكر إسلامي، وهذا لا يتناسب مع تعقيدات الواقع الراهن. هذا الخطاب لا يزال إما تائهاً في الآخر، أو غائراً في تاريخ الذات، ولغة الحوار هي اللغة النافية. «فالطبيعة الاستقطابية لهذا الخطاب، فرضت عليه تلك الثنائيات الجامدة التي أضاعت الحقيقة بين طرفيها، وفتتت جهود الباحثين والمثقفين في محاولة الانحياز لأي من الطرفين والانتصار له. وتحوّل العمل الفكري إلى نوع من التعصب الكروي الذي يقوم على مسلّمة المنتصر والمهزوم، وإن كانت طبيعة العمل الفكري تأبى أن يتم التعامل معها بهذه الجدية الجامدة» .
فتعدد المرجعيات والخلط بين الرؤية الإسلامية والخبرة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي، أو تأويل الرؤية الإسلامية وقراءتها بأبجديات أيديولوجية، أو تاريخية . ولّد تضارباً في المفاهيم في الدائرة العربية والإسلامية. وبالتالي، تعددت الرؤى حول القضية الواحدة داخل المنظومة الحضارية الواحدة.
ومثال ذلك: مسألة حقوق الإنسان بوصفها قضيةً من قضايا الحوار. حيث يرى السفير بدر، مثلاً: أن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بجميع مواده ليس فيه تعارض مع الإسلام. بما فيها المادة 18 تحديداً التي تنص على أن من حق كل فرد أن يختار دينه وعقيدته وأن يمارس الشعائر والملابس التي تتصل بهذا، بما في ذلك الحق في تغيير دينه. فهو يرى أن تغيير الدين يساوي قضية الهوية أو المواطنة، على أساس عدم وجود نص على شيء من هذا في القرآن. وهو يرى أن هذا الرأي قد يكون رأي البعض أيضاً. وبالتالي تغيير الدين يستوجب العقوبة إذا تحول إلى إساءة أو عمل ضار للإسلام والمسلمين، على نحو ما تعامل قضية الخيانة العظمى. هناك إذن مساحة كبيرة للحديث والاجتهاد في هذا الموضوع، كما يرى السفير بدر .
ويرى محمد دراك، أن ثقافة حقوق الإنسان لم تتبلور بعد في الثقافة العربية. لأننا نؤمن بالإلهي ثم الإنساني، على عكس الحضارة الغربية التي تبدأ من الإنساني لتنتقل إلى الإلهي، بمعنى أن الحركة عندنا مشروطة بالإلهي. وبالتالي القيم مفروضة من خارج هذا الكون، بينما الثقافات الغربية تنطلق من الإنساني حتى قد تختار قيماً دينية إسلامية. ولكن بحرية، وبالتالي إذا أردنا أن نؤسس لثقافة حقوق الإنسان في الوطن العربي لابد من نقد الخطاب الديني والنص الديني في أمهاته. لكي نفتت المسكوت عنه في هذا الخطاب، ولكي نؤسس لثقافة حقوق الإنسان. وبالتالي إعادة الإنسان لفرض شروطه على المدخل الإلهي

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
الأنا والآخر (3)    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

وبالنسبة لحقوق المرأة، حقها في التوريث يقول محمد السيد سعيد: «نحن في حاجة إلى اجتهاد شجاع. أنا من القائلين بأنه حتى فيما فيه نص، المرأة متساوية مع الرجل وأنها جديرة بهذه المساواة. وأن هذا هو الأصل في الشرع الديني. ومن حيث المقصد من الشريعة ومن وجهة نظر المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، فأنا رأيي أن المرأة لابد أن تكون مساوية للرجل، وأن كل شعب مساو للآخر، وأن كل إنسان مساو للآخر. وأنه لا يستطيع شخص أن يزعم التفوق لمجرد أنه أقوى جسمانيًّا أو أبيض أو أي شيء على الإطلاق» .
ما لا شك فيه، أن هذه النظرة لهذا التيار تختلف جوهريًّا مع رأي تيار آخر حول القضية نفسها. إذن قبل أن نتحاور مع الآخر، لابد أن نؤصل لمثل هذه المواضيع في أعمالنا الفكرية، أن نقدم تأصيلات تعبّر عن القواسم المشتركة بين التيارات المختلفة. بناءُ تصور معرفي مشترك قائم على القواسم المشتركة، وليس بناءً معرفيًّا متفقاً عليه، لأن إيجاد مرجعية فكرية واحدة لدى المسلمين من الاستحالة بمكان. نُبقي على التعددية، لكن التعددية التي تحكمها أرضية مشتركة. فالخطاب العربي والإسلامي، انشغل لعقود طويلة بقضايا الاختلاف، ففي ظل العولمة الثقافية يتحتم عليه أن ينشغل بقضايا الائتلاف.
أما التيار الحداثي، فيتوجب عليه مراجعة الحداثة التي تجاوزها أهلها، ودخلوا في مرحلة ما بعد الحداثة. وأيضاً مراجعة مقومها الرئيس «العلمانية» وعلاقتها بالدين، خاصة أنها لم تكن وليدة المجتمع العربي والإسلامي. كما أن العلمانية ذاتها تعيش اليوم أزمة، فالانتقال من المركزية الأوروبية إلى المركزية الأمريكية، طرح موضوع إعادة النظر في العلمانية. فالموقف المؤيد من العلمانية في الغرب يختلف ما بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث في الأولى نشأت العلمانية لحماية الدولة من الدين وهيمنة الكنيسة. في حين أنه في الحالة الأمريكية، العلمانية جاءت من أجل حماية الدين وحرية التعبير الديني من تدخل الدولة ومنع التأثير السلبي عليه لحماية الأقليات الدينية من الأغلبية الدينية. وحتى إعادة النظر في العلمانية امتد إلى داخل القارة الأوروبية في كثير من دولها التي كانت في السابق معقلاً حصينا للأسس العلمانية للحضارة الغربية .
أما التيار الإسلامي، فيتوجب عليه تجديد الخطاب الإسلامي من حيث الشكل والآليات والأساليب وأيضاً في بعض المضامين، والتركيز على الجوانب التي تجعل من التواصل مع الآخر ممكناً. فمطلب الهوية، لا يعني الركون إلى الماضي والتقوقع فيه. «فالتفكير في الهم الحضاري أولوية الأولويات، وهذا يفرض العيش بالفكرة الإسلامية بمدلولها الحضاري غير المقيد بالمنتج الثقافي الإسلامي المقيد بفعل الزمان والمكان، فنعيشها من حيث كونه منهجاً في الفهم والتمثل، لا من حيث كونه فهماً ونسقاً جامداً لا يمكن تجاوزه. وبهذا الصدد، يحسن بالمسلمين الاستفادة من عناصر البعث الحضاري للحوار المبثوثة في دينهم بشكل جلي، والتركيز عليها بوصفها عناصر جمع ووحدة» .
والنخب الأصولية -كما يرى أحميدة النيفر- تميزت باحتجاجها على استباحة التراث وبعثرة المخزون الثقافي الديني، لكن لم تهتم من ناحيتها بتجسيد الأصالة في الإجابة عن مطالب العصر بكفاءة تتجاوز ما كان للسلف من قدرات .
وهكذا، بالنقد الذاتي والحوارات الداخلية لن تعجز الأطراف الفاعلة في الحوار في الدائرة العربية والإسلامية من إيجاد نقاط الالتقاء حول القضايا الهامة، ومن إيجاد أرضية مشتركة ينطلقون منها في حوارهم مع الآخر. أرضية قائمة على عدم إنكار حق الآخر في إبداء الرأي، وعلى التفاعل الإيجابي على قاعدة تعظيم نقاط الاتفاق وتقزيم نقاط الاختلاف. ولعل أول خطوة، تكمن في ضبط مفاهيم المصطلحات. كما أكد على ذلك العلامة السيد محمد حسين فضل الله في كلمته أمام المؤتمر القومي-الإسلامي الأول الذي جمع التيار القومي والتيار الإسلامي للبحث عن صيغة للتوافق، «لابد لنا عندما نحكم بالإيجاب أو السلب أن نحدد المصطلحات لأننا نخشى أن ينفي أحدنا أمراً لا ينفيه الآخر أو أن يثبت أحدنا ما ينفيه الآخر» .

وتبقى الأسئلة مطروحة:
- هل نستطيع أن نكون ذاتاً فاعلة في الحضارة ونبقى أنفسنا؟
- كيف نصوغ إشكالية الهوية والحداثة (وما بعد الحداثة) في فكرنا؟
* ثانياً: إشكالية «الآخر»
لقد طرحت ثنائية الإسلام والغرب منذ وقت مبكر، غير أن عقد التسعينات من القرن العشرين الميلادي -أي بعد نهاية الحرب الباردة- قد صعّد أكثر من حدة هذا الطرح. فأصبحت العلاقة بين الطرفين تشغل مركزاً محوريًّا في الجدل الدائر، ليس فقط بين الأوساط السياسية والفكرية الغربية. بل أيضاً العربية والإسلامية على اختلاف اتجاهاتها الفكرية.
وقد تعددت وجهات النظر في الدائرة العربية والإسلامية في الوقت الراهن حول الغرب، والتعامل معه. ولعل ذلك راجع إلى:
أولاً: موروثات قديمة، فبين الانبهار به، وبالتالي تقليده، وبين التمنع عنه، وبالتالي معاداته. وبين التحفظ ومحاولات التوفيق.
ثانياً: أن الغرب في حد ذاته، يخلق بتعدده وتناقضاته الفوضى في إدراكه والحكم عليه. فالغرب -كما يرى كمال عبد اللطيف- يرتبط بالحداثة والتطور الاقتصادي المنتج لنمط الإنتاج الرأسمالي ورديفه الأيديولوجيا الليبرالية، ويتوج بالمنزع الإمبريالي ومشاريع الهيمنة المتعددة. كما يقترن بالنزعة الإنسانية ومبادئ فلسفة الأنوار، وفي العقلانية والحرية والتعاقد. مما يركّب مزيجاً غريباً متناقضاً، فلا نكاد نلمح ملامح الغرب إلا لتزداد غموضاً، وما تكاد تتسق وتنسجم حتى تزداد تناقضاً .
وتَعَقُّدُ الحضارة الغربية، كما يرى محمد نور الدين أفاية، وصلف إرادة القوة التي ما انفكت تبديها؛ يثيران لدى النخب العربية -عبر وسائلهم الإعلامية- صوراً مشوّهة، فعندما يحضر الغرب المخترع يكون الاندهاش والانتماء الخجول لإنسانية مثالية. ولكنه عندما يحضر كغاصب متعطش لتحقيق الأرباح والمصالح، فإنه يكون بالنسبة للعرب والمسلمين ذلك الصليبي الذي يعود بقوة ليأخذ ثأره التاريخي ضد الإسلام. خاصة عندما يتحالف بشكل مطلق مع إسرائيل. وعندما يتعلق الأمر بالغرب الليبرالي الديمقراطي والبراغماتي، فإنه يكون بالنسبة للبعض نموذجاً لتدمير الذات والأسرة ونفاق التمثيل الديمقراطي ولانهيار الأخلاق. إن التعقد يحيّر العقل ولا شك، ويشوش الخيال. ولكن الحضارة الغربية هي بذاتها حاملة للتناقضات وعمليات الخلط، ويضاف إلى ذلك نظرة مشوّهة معتدة بمركزيتها الإسلامية، شاعرة بالهوان والذل بسبب أوضاعها المنحطة، معقدة بما ينتابها من إحساس بالدونية. فالخطابات العربية حول الحضارة الغربية هي تعبيرات متنوعة عن الهزة التي ألحقتها بالهوية العربية صدمة الحداثة .
ولعل أول ما يثير الاختلاف هو مصطلح «الإسلام والغرب». هذه الصيغة الثنائية التي يراها كمال عبد اللطيف، صيغة ملتبسة ملغومة وغير محايدة. فالتقابل فيهـا يتم بين مفهومين غير متكافئين، ويصعب التفكير فيهما بعدة نظرية متكافئة .
ويخالفه زكي الميلاد الرأي، حيث يرى أننا عندما نتناول الإسلام والغرب كثنائية، فإن التوصيف يميل إلى الدقة مع أن التضاد المتوهم بينهما ليس تضادًّا شاملاً. وكذلك فإن كون المصطلح الأول دينيًّا والثاني جغرافيًّا لا يمنع اتخاذهما مدخلاً لقراءة العلاقة بين العالمين، لكل منهما تنوعه الهائل . خاصة أن الغرب -كما يرى عبد العزيز بن عثمان التويجري- هو تلك المنظومة المتكاملة من القيم والمبادئ التي تشكّل الفلسفة العميقة لمجموعة الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحكم البلدان العربية بالمفهوم السياسي للعالم وليس فقط بالمدلول الجغرافي المحدود .
وإن كان البعض ينتقد الفلسفة القائمة على كلية ووحدة الغرب، فالغرب ليس كياناً واحداً كما يرى شروس ، فهذه النظرية لا تترك مساحة لحوار بنّاء أو تبادل مكاسب. كما يرفض استخدام المصطلحات الكبرى المطلقة، مثل الفلسفة الغربية والثقافة الغربية وروح الغرب، فالغرب عنده لا يعبّر عن شمولية متناسقة بحدود فكرية وثقافية معرفة جيداً .
ويفرّق أحمد مجدي حجازي بين مفهوم الآخر (الغرب) في معناه الثقافي، وبين مصطلح الآخر في إطار المعنى السياسي. ففي المعنى الأول لابد من الاعتراف بعالمية الفكر ودولية الثقافة، فالثقافة لا تعرف الحدود والجمارك. بينما «الآخر» في معناه السياسي هو ما يمكن أن نختلف عليه، حيث يعني التسلطية والهيمنة... ومنه نرفض هيمنة السياسي على الثقافي هيمنة الآخر على الأنا .
لقد اتسمت العلاقة بين الطرفين الإسلامي والغربي بالجهل والمواقف المتعارضة، فالعرب والمسلمون يحملون تصورات مخيالية جاءت عن الغرب تقوم على القوالب الجاهزة، كما يرى محمد أركون. فالغرب بلا أخلاق ومدنيته مادية، وهكذا يتأسس الجهل بالآخر. والغرب يشكّل تصوراته عن الإسلام ومجتمعاته من خلال الرجوع إلى القرون الوسطى أو إلى العهد الاستعماري . فأصبحت النظرة الغربية الطاغية عن الإسلام عدوانية وعنصرية في أحيان كثيرة، وهي النظرة التي تبثها وسائل الإعلام وتوظفها دواليب السياسة. فأثر ذلك سلباً في النظرة إليه.
كما يصف محمد أركون، موقف الخطاب الإسلامي من الغرب، بالحداثة المعطوّبة. لأن المسلمين يقبلون بالجانب المادي للحضارة الغربية ويسعون لامتلاك أحدث الوسائل والأدوات، في حين يرفضون رفضاً مطلقاً الحداثة العقلية. مما يشكّل نمطاً للحداثة المعاقة أو المعطوّبة، المواكبة للعصر من ناحية الشكل والتقليدية من ناحية المضمون .
ويصف أيضاً أحمد مجدي حجازي التيار الأصولي بالعاطفة والحماس، حين يدافع عن تراثه المنفصل في رأيه في الزمان والمكان. ويرفض «الآخر» كلية دون إتاحة الفرصة أمامه للتفرقة بين التواصل والتسلط، ودون أن يدخل هذا التيار في حوار علمي معه. فهو يرفض ثقافة «الغرب» بما تحمله من علوم ومعارف، إذن فهو يعارض بنية العقل وآلياته بدلاً من تحليل مضامين الفكر وأيديولوجياته .
إذا كان الخطاب العربي والإسلامي، قد اتخذ في الغالب موقفاً عدائيًّا من الغرب. فلعل ذلك راجع إلى الممارسات الوحشية للحركة الاستعمارية الغربية للعالم الإسلامي، وأيضاً إلى الهيمنة الغربية المعاصرة في ظل العولمة. فكان من الصعب أن يُقرأ الغرب من زاوية معرفية وحضارية كما يرى زكي الميلاد، إضافة إلى غياب تقاليد ثقافية عريقة تجعل من الآخر موضوعاً للتفكير والاكتشاف. فالغرب يرى في الإسلام الجهل والتخلف واضطهاد المرأة والإرهاب، وهو هرطقة من هرطقات المسيحية المنشقة عنها. وفي الوقت ذاته، ينظر المسلمون إلى الغرب من زاوية العلمانية المعادية للدين وفي الفساد الأخلاقي والاجتماعي وهكذا. فإذا كان الغرب يجهل الإسلام، فإن المسلمين لا يعرفون الجوانب المضيئة في الغرب .
والتساؤل الذي يطرح بهذا الصدد:
هل يمكن إقامة حوار بين الإسلام والغرب في الوقت الراهن، في ظل العولمة والجهل المتبادل والمواقف المتعارضة بين الطرفين؟
وكيف يمكن أن نصبغ إشكالية العلاقة مع الغرب؟
لقد تعددت وجهات النظر حول معالجة هذه القضية، وبالتالي الإجابة عن إشكالياتها. حيث يرى عبد الخالق عبد الله، أنه حان الوقت لطرح جدلية الغرب المتآمر، والغرب المخيف للنقاش. كما حان الوقت لطرح سؤال، هل خوف العرب من الغرب مشروع وإلى أي حد يعد مثل هذا الخوف مبرَّراً ؟
ويضيف عبد المجيد عمراني، ضرورة الابتعاد والتخلي عن الأفكار المسبقة عن الإمبريالية الغربية وعن الاستعمار الاقتصادي والثقافي الجديد، وعن فكرة التدخل الأجنبي الذي أصبح عند الشعوب السائرة في طريق النمو. لأن الالتزام بفكرة «حوار الحضارات» وعالميتها يتطلب ذلك .
وعلى الرغم من أن الغرب يحاول إخضاعنا لقوانينه وقيمه، كما يرى المهدي المنجرة، إلا أنه يتوجب علينا الانفتاح عليه، حتى ولو لم ينفتح علينا. وذلك حتى ندرك الثقة في أنفسنا، ونحترم أنفسنا. وشرط الاحترام الذاتي هو الالتزام بمبدأ الحرية في التواصل، وتبادل الآراء بمساحات فكر واسعة وتركيب عقلاني واسع، يمكن أن يشكّل قاعدة للتقدم .
بين الطرحين الحداثي والإسلامي، نجد تقابلاً بين وجهات النظر حول الغرب وكيفية التعامل معه. ولعل ذلك راجع إلى الموقف من الغرب وحداثته، وحالة الانبهار به التي عاشتها فئة معيّنة. لهذا يدعو محمد خاتمي إلى إنهاء هذه الحالة، حالة الانبهار بالغرب لكونها عائقاً أمام الحوار وليست عاملاً مساعداً .
يتم التواصل بين الطرفين عند محمد أركون، إذا مـا تخلى كل طرف عن أحكامه القطعية. فإن الأوروبيين بحاجة في رأيه إلى التخفيف من علمانويتهم المتطرفة، والمسلمين بحاجة إلى التخفيف من دغمائيتهم المتطرفة .
ويدعو محمد عابد الجابري إلى الدخول مع ثقافة الغرب في حوار نقدي، وذلك بقراءتها في تاريخيتها وفهم مقولاتها ومفاهيمها في نسبيتها، وأيضاً التعرف على أسس تقدم الغرب والعمل على غرسها أو ما يماثلها داخل ثقافتنا وفكرنا .
أما رضوان جودت زيادة، فيدعو إلى قراءة جديدة للفكر الغربي وفق مراحله التاريخية لنزع الهالة الأسطورية والتقديسية التي قرأ فيها البعض هذا الفكر مغفلين كل ملكات النقد والمراجعة. كما أنه يحثنا على التساؤل عن القدرة الذاتية التي يمتلكها هذا الفكر للتجدد الدائم، بحيث يتسع لتيارات وأفكار من تلوينات مختلفة بل ومتخالفة .
وأما الطرح الإسلامي، فيركز على النقد الذاتي للفكر الإسلامي في تعامله مع الغرب. حيث يرى طه جابر العلواني، أن المدخل إلى الغرب يجب أن يكون معرفيًّا ومنهجيًّا. ونحن نحاول أن نشق طريقنا إلى العقل الغربي -كما يقول- لابد أن نتلاقى ونتخلص من هيمنة الخطاب الإسلامي الأيديولوجي ونرتقي إلى مستوى صياغة الخطاب الإسلامي المعرفي .
ويؤيده في ذلك زكي الميلاد، حيث يرى أننا بحاجة إلى منظور حضاري في رؤيتنا للغرب وحضارته. وأن القضية الرئيسة في علاقتنا مع الغرب، هي كيف ندرسه ونحن نريد بناء حضارتنا؟ ويشير إلى أن أهم ما ينقصنا في هذا الجانب هو المنظور الذي نؤسس عليه رؤيتنا وتفكيرنا وتخطيطنا وسعينا في بناء حضارتنا .
أما عبد الوهاب المسيري، فيرى ضرورة قراءة الغرب في محليته وخصوصيته. أي أن الغرب يجب أن يصبح (غربيًّا) مرة أخرى لا (عالميًّا) وهذا لا يتم إلا باستعادة المنظور العالمي المقارن، بحيث يصبح التشكيل الحضاري الغربي تشكيلاً حضاريًّا واحداً له خصوصيته وسماته تماماً مثلما لكل التشكيلات الأخرى خصوصيتها وسماتها .
ما لا شك فيه، أن وضع إطار عام يقوم على منظور حضاري في رؤيتنا للغرب وفكره وحضارته يُعدّ من المسلمات الأساسية. وذلك حتى لا يبقى الفرد العربي والمسلم مضطرباً في علاقته مع الغرب بين ثنائية متناقضة، فإما تجريح الذات وبالتالي تقديس الآخر(الغرب)، أو تمجيدها وبالتالي إنكاره. خاصة أن الحضارة الغربية، تعتبر إحدى أكبر الحلقات في سلسلة الحضارات العالمية والتي تقوم على نظريات وفلسفات ضخمة. فليس لنا أن نذوب فيها مطلقاً، ولا أن نرفضها مطلقاً.
ولعل ما يشجع على التحاور مع الغرب تلك الأصوات العاقلة الغربية، كما يسميها سعيد بن سعيد العلوي التي تتسم بالحياد أو التعاطف مع القضايا العربية والإسلامية . فباستثناء بعض الجماعات ذات الغرض، كما يقول أنتوني سوليفان، فإن قليلين هم أولئك الذين يأخذون مأخذ الجد شن حروب صليبية تستهدف المسلمين والإسلام، وأقل منهم من يساند مثل هذا الاتجاه. إن هذه الحقيقة يجب أن يعرفها معرفة جيدة كل مسلم من الدار البيضاء إلى جاكرتا .
ويواصل سوليفان قوله: «إن الرأي العام الغربي ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، ليس بذلك القدر من العداء للإسلام الذي يصوره الاعتقاد السائد في العالم الإسلامي. لقد كشف استطلاع الرأي حديثاً قامت به مجموعة جون زيني الدولية لصالح المجلس الإسلامي الأمريكي أنه بعد سنوات من الإساءة والتشويه لصورة المسلم في الإعلام الأمريكي، أصبح الأمريكيون اليوم يحملون إما فكرة إيجابية عن الإسلام، أو يتحرجون من إصدار حكم مسيء عن المسلمين بسبب قلة ما يعرفون عنهم. وفي الولايات المتحدة الأمريكية يجد المرء رجالاً بارزين مثل: المنظر السياسي شارلس بتروث، والمستشار الاقتصادي العالمي جيمس نوفاك، وصحفيين، مثل: جون ب. أنلي وجوزيف سوبران، ومؤرخين، أمثال: رالف ريكو ولينوراد ليفو والمرشح الرئاسي باتريك حي لوكنان، هؤلاء جميعهم يمثلون نماذج لمثقفين محافظين يتمتعون بشهرة واسعة يستطيع إسلاميون أن يدخلوا معهم في حوار مثمر وبنّاء. وهناك مطبوعات ذات رصانة علمية وفكرية، مثل: (العصر الحديث) و(الكتاب الجامعي)، وكلتاهما مؤسستان ثقافيتان يمكن الانتفاع بهما في هذا الحوار» .
كما أن ثقافة الاحتجاج في الغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً في اتساع، إذ تنبئ بقلق روحي وأزمة وجود ومعنى. مما يستدعي توجيهها وترشيدها، وليس ضعفنا مبرراً لننكمش وتنقطع صلاتنا بأجيال غربية حائرة كما يرى برهان غليون، فالضعف المادي ليس مقياساً. بل يجب أن نستثمر الرصيد الروحي لحضارتنا من أجل تقديم أجوبة للغربيين الحيارى من خلال تفعيل حوار الحضارات مع الغرب على وجه الخصوص، الذي يعتبر الحوار معه من الحوارات راهنيةً واستعجالاً بسبب ما يُحيط بالعلاقة بينهما من حساسيات وسوء فهم وعدوانية كامنة ومعلنة أحياناً .
إن الفجوة بين المسلمين والغرب، ليست سحيقة إلى الدرجة التي يستحيل معها الحوار. بشرط أن يتوافر أمران أساسيان، وهما:
1) أن يعترف الغرب بأثر الحضارة الإسلامية في النهضة الأوروبية.
2) أن يتغلب التيار الداعي إلى الحوار في العالم العربي والإسلامي على التيار الرافض له، والذي يخطئ في فهم مدلول الرسالة الإسلامية الداعية إلى الحوار.
لقد شهدت بعض الخطابات الغربية في الآونة الأخيرة مراجعةً ونقداً وتطوراً في النظر إلى الإسلام وعطاءات حضارته في تاريخ الاجتماع الإنساني، مما أسهم في تشكيل نظرة إيجابية جزئيًّا حوله. يمكن أن تُستغل لترقية الحوار مع الغرب والانفتاح عليه، الانفتاح البنّاء الذي لا تُطمس فيه الهوية العربية الإسلامية. ولعل أهم هذه الخطابات، ما جاء على لسان ولي عهد العرش البريطاني الأمير تشارلز في محاضرته التي ألقاها في مركز الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد في أكتوبر 1933م أشاد بعطاء الحضارة الإسلامية وأثرها في نهضة أوروبا .
ولعل أولى الخطوات في الحوار مع الغرب أن نرسم الخريطة المعرفية عن «الآخر»، مثلما دعا إلى ذلك تقرير اجتماع خبراء عرب لصياغة موقف عربي وإسلامي من الحوار، أعدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. هدفها معرفة التيارات الأيديولوجية الفاعلة التي ترغب في الحوار في المجتمعات الأوروبية والأمريكية لصياغة استراتيجية حوارية تناسب كل تيار أيديولوجي مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثوابتنا . عندئذ تتحدد الأبعاد الثلاثية للعلاقة مع الغرب، وهي: الموضوع، الإشكالية، المنهج. بعد أن نكون قد وصلنا إلى أرضية ذات قواسم مشتركة في فهم «الأنا» و في فهم «الآخر» ومعرفته بين جميع الفئات في الدائرة العربية والإسلامية.
* خاتمـــــة
على الرغم من أهمية فكرة «الحوار»، لاسيما أنها جاءت لرد مقولة «الصدام»، إلَّا أنها أثارت الكثير من الإشكاليات الجديدة في الوسط الفكري العربي والإسلامي، وجددت طرح أخرى. الأمر الذي أدَّى إلى انقسام الخطاب العربي والإسلامي حولها، وتصاعد مقولات النفي المتبادل. حيث اصطبغت الآراء حول الموضوع صبغة أيديولوجية حتى فيما بين المؤسسات التي تدعم مشروع «حوار الحضارات»، يظهر ذلك من خلال اتجاهات المشاركين في اللقاءات التي تنظمها هذه المؤسسات.
وقد انعكس انقسام الخطاب العربي والإسلامي حول الإشكاليات المختلفة التي جاءت في سياق الحوار -وهي تتمحور في مجملها حول «الأنا» و«الآخر» مثل: النقد الذاتي، ومفاهيم:الهوية والخصوصية والحداثة والعلمانية والدين والتراث وغيرها، والعلاقة مع الغرب بفكره وحضارته، ومرجعيات قضايا، مثل: المرأة وحقوق الإنسان وغيرها- بصورة سلبية في كيفية تقديم الذات «الأنا» إلى «الآخر» الغربي.
وعلى الرغم من اتفاق الخطاب العربي والإسلامي حول رفض الهيمنة الغربية على العالم، ورفض تعالي الغرب ومركزيته. وكذا رفض تشويه الإسلام ونعت الأنا -العرب والمسلمين- بشتى النعوت خاصة بالتطرف والإرهاب. فإن هذا الخطاب لا يزال مضطرباً في فهم الآخر (الغرب) وفي صياغة الأسلوب الأنجع في التعامل معه، وبالتالي التواصل معه.
ويبقى أمام «حوار الحضارات» في الوقت الراهن كفكرة وخبرة وممارسة في الدائرة العربية والإسلامية، الكثير من العقبات لتخطيها. وذلك للوصول إلى بلورة إطار للحوار من الوجهة العربية والإسلامية، إطار يقوم على القواسم المشتركة الكبرى بين الاتجاهات المختلفة. فتسهم بصورة إيجابية بوصفها منظومة حضارية واحدة في الحوار الحضاري العالمي الذي يدور حول مستقبل العالم، خاصة أن قضية الحوار مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمرجعيتنا الإسلامية وبمدلول الرسالة الإسلامية، وأيضاً مرتبطة برؤيتنا وتفكيرنا لمسألتنا الحضارية ولمستقبلنا وعلاقتنا بالآخر، وبمقتضيات عصرنا.
ولكي يكون الحوار حواراً إنسانيًّا بعيداً عن خلفيات الهيمنة والاحتواء ويحقق الأهداف المرجوة منه، ينبغي أن يؤسس على منظومة مفاهيمية حضارية إنسانية تُدار من خلالها منهجيته. ويُلقى على الطرف العربي والإسلامي العبء الأكبر في ذلك حتى نتمكن من مسايرة الحركة التاريخية على مستوى العالم ومتطلبات العصر. وفي الوقت ذاته نتمكن من المحافظة على الذاتية العربية والإسلامية في إطار المنظومة الحضارية الإسلامية.

 

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
على هامش رحيل المفكر محمد عابد الجابري (1)    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

من نقد العقل العربي إلى عقلنة النقد العربي
إدريس هاني

على هامش رحيل المفكر المغربي محمد عابد الجابري
*
يتعلق الحديث هنا بمشروع فكري اختطه علم من أعلام الفكر العربي رحل عنّا بشكل فاجأ الجميع بمن فيهم ذوي القربى. إنه المفكر المغربي محمد عابد الجابري الذي قرن اسمه طيلة ثلاثة عقود بأعمال ارتقت إلى الروائع الكلاسيكية في الفكر العربي منذ «نحن والتراث» حتى نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة بدءاً من تكوين العقل العربي وانتهاء بالنظام الأخلاقي العربي. وإن كنت من نقاده -وربما الأكثر قسوة على نصوصه - إلا أنني أحتفظ لشخصه باحترام خاص ولسيرته النضالية بشيء من التقدير. يحدث ذلك متى ميّزنا بين الكاتب والمكتوب، بين النصوص والشخوص. وهو صنيع قلّما نُحسنه. وحيث لسنا بصدد إقامة مجلس عزاء على الشخص وإنما نحن بصدد تقييم لآثاره الفكرية تمسكاً باستمرارية الحياة الفكرية، باعتبار أن الراحل خلّف وراءه تراثاً فكريًّا كبيراً لا يزال يتمتع بالحياة والاستمرارية، فإننا نسعى إلى اختزال جولة تقييمة لأهم ما أثار نُقَّاده في مشروع دنا منه البعض فتدلّى ونفر منه البعض ففارق. فالجابري الذي تشظّى تحت قدميه التراث معرفيًّا على طريقة مؤرخي الملل والنحل وديدنهم في التقطيع، هو في جانب الممارسة، داعية كتلة تاريخية على طريقة غرامشي وديدنه في التوفيق. وكلما دعا سياسيًّا إلى تأليف هذه الجبهة عمل معرفيًّا على هدم تلك الجسور بتقطيع حبال التواصل المعرفي بينها. ما يعطيه سياسيًّا يأخذه معرفيًّا. يد تبني ويد تهدم: تنافر بين الفكر والعمل. والجابري صاحب المشروع المعرفي الاستئصالي كما يبدو لكل من وجد تراثه محل قسوة ونبذ من ناقد العقل العربي، هو أبعد عن الاستئصال في الخطاب السياسي اليومي، فهل وجب القول: إن الجابري خارج مشروعه هو أولى للفكر العربي من الجابري صاحب المشروع المعرفي و من هو يا ترى حقيق بالتمجيد، فكره السياسي أم تقطيعه المعرفي؟! إنه كاتب مناضل له تجربة في المشاركة وعايش فترات سياسية عصيبة وشاهد على منعطفات دقيقة في العمل الوطني داخل حزب الاستقلال فالاتحاد الوطني ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ساهم في نشاطات سياسية ونقابية فاعلاً ومؤسساً ومنظّراً. عرف السجن ولو قليلاً؛ ففي يوليو 1963م، تعرّض للاعتقال ضمن قيادات الاتحاد الاشتراكي. ظل مدة شهرين في الاعتقال، إذ كان الصراع بين الدولة والاتحاديين يومئذ على أشده قبل أن يتم إطلاق صراحه لفراغ الملف. كما عرف الممارسة النضالية على خلاف من نشأ خارج مجال الصراع وعانق المعرفة من موقع التجريد. وخلافاً لكثير من مثقفينا، عرف فنّ التزهد في طلب المراكز والسلطة. على الأقل نحن المغاربة ندرك أنه علّق عضويته في الاتحاد الاشتراكي احتراماً وعشقاً للمعرفة وانضباطاً يفرضه سمت المثقف واستقامته. فلقد زهد في وزارة الثقافة كما تضامن مع رفيقه عبد الرحيم بوعبيد حينما رفض عضوية أكاديمية المملكة، كما رفض جوائز كثيرة؛ لقد اعتذر أواخر الثمانينات عن الترشح لجائزة الرئيس صدام حسين (100 ألف دولار)، كما اعتذر عن جائزة الشارقة في 2001م ـ المانح اليونسكو ـ (25 ألف دولار)، كما اعتذر في السنة الموالية لها عن جائزة العقيد القذافي لحقوق الإنسان (32 ألف دولار)، وكذا جوائز أخرى كجائزة المغرب. بدأ شعوره ينحاز بعيداً عن كل ما هو رسمي. اختار الجابري أن يحافظ على سمته المناضل ورأسماله الرمزي بعد أن أصبح له جمهور يمنحه سلطة المثقف العضوي. والجابري مثقف عضوي بالمشاركة النظرية وبإطلالاته الثقافية والتنظيرية التي غطّت كل القضايا الوطنية والإقليمية والدولية. فقد غاب شخصيًّا عن الأنظار لكن مساهماته لم تبرح المشهد. ظل مثقفاً حاضراً من خلال أنطولوجيا الكتابة. ومن هنا نفهم سياسة الاعتذار والرفض للجوائز المذكورة، لأنه يخشى أن تنقص من رأسماله الرمزي. وإلّا ما معنى أن نرفض الجوائز في الوقت الذي نحرص فيه على تسجيل هذا الرفض ضمن السيرة الذاتية باعتباره مكسباً؛ ما الفرق في تقدير السير بين القبول والرفض، إن لم يكن الحديث عن الرفض يضفي على الجائزة قيمتين: قيمة الاستحقاق وقيمة الرفض معاً. وبالفعل كان الجابري قد كسب أكثر من كل تلك الجوائز عندما اعتذر منها اعتذار مثقف يتزاهد طهرانيًّا. ولا أدري ما سبب حديث البعض عن أنه مفكر لم ينله اهتمام من هنا أو هناك. فلقد عرضت عليه الوزارة معززاً مكرماً، كما أكمل مشروعه قبل أن تتوفاه المنية. لم ينكسر قلمه قبل أن ينهي مشروع نقد العقل العربي. كما أنه عرض عليه ما لم يعرض على غيره من الجوائز. لقد عاش الجابري مدللاً ومحترماً ومعتذراً من كل تكريم: إنني أخشى أن يتحدث البعض يوماً عن محنة الجابري محاكاة لمحنة ابن رشد ومحنة ابن حنبل كما تحدث الراحل عنها طويلاً في مشروع نقد العقل العربي. وهي مناسبة لتصحيح بعض أشكال المرثيات الخاطئة التي استمعنا إليها من قبل بعض من نعاه بالطريقة الخطأ ظنّا أنه قضى في محنة أو إهمال.
* المعلم
تدرج الجابري في سلك التعليم من أدناه إلى عاليه. درّس الأطفال وأدار مدارس وثانويات ثم درّس الطلاب والباحثين. إنه شاهد على كل أطوار النظام التربوي. لقد كان في الأصل معلّماً. ولكنه ظلّ معلماً لجيل كامل من المغاربة عبر ما كان له من إسهام في المقررات. ويبدو أن قدرنا في المغرب إن كنا طلاباً أن نتعرف على الجابري في مراحل مبكرة حينما شكّلت دروسه الفلسفية البرنامج المقرر لأقسام الباكالوريا. فقد قام منذ 1966م بمعية كل من أحمد السطاتي ومصطفى العمري بإعداد كتاب «دروس الفلسفة» لطلاب الباكالوريا. شمل الجزء الأول منه موضوع الأخلاق والميتافيزقا، كما شمل الجزء الثاني موضوع مناهج العلوم وعلم الاجتماع وعلم النفس. وفي 1967م ألف في إطار البرنامج نفسه كتاب الفكر الإسلامي ودراسة المؤلفات. إنه بالنسبة لهذه المرحلة يبدو المعلم الأول للمغاربة من جيلنا. كما أن قدر المغاربة إن كانوا متسيسين أن يتعرفوا عليه من خلال أدبيات أكبر الأحزاب وأكثرها نفوذاً وصيتاً خلال ستينات وسبعينات وثمانينات القرن السابق. وقد طالعت التقرير الأيديولوجي لحزب الاتحاد الاشتراكي قبل أزيد من عقدين ونصف -وهو تقرير ارتقى بأدبيات الحزب المذكور إلى قامة كبرى الأحزاب العالمثالثية تنظيراً وممارسة- قبل أن يخطر ببالي أن كاتب هذا التقرير لم يكن سوى الجابري نفسه على رأس بعض المناضلين من الحزب المذكور. تأكد لي أن مدخلي إلى الفكر الفلسفي والفكر السياسي وأدبيات النضال الوطني هو الجابري نفسه الذي سيكون فيما بعد موقفي منه نقدي بامتياز. هذا هو سرّ أن تكون ناقداً ومعجباً بالشخص نفسه. إنه تاريخ مركب لنا معه في المغرب حالات قلّما يستشعرها غيرنا. لكن ما هو حقيق بالتقدير في هذه الشخصية كونها أميل ما تكون للعزلة والاكتفاء بإطلالات كتابية دون الخوض في النزاعات، سواء الحزبية منها أو الثقافية. إنه لم يكلف نفسه حتى أن يردّ على نقاده وإن رأى فيها بعضهم تحسيساً بالإهمال. لم يدخل في خصومات مشهودة أو ردود فعل حادة أو أصرّ على ملاحقة خصومه. وإن عرفنا من تلك الردود ما كان سريعاً واعتباطيًّا وسريعاً فإنها لم تكن إلّا في تلك الحدود لم تتعداها إسرافاً.
وقد عبت عليه -فضلاً عمَّا سنبينه في صميم مشروعه الفكري- سياسيًّا انبهاره بموقف العراق عند احتلال الكويت دون أي اكتراث لمآلات الموقف على مصلحة العراق، ولا اكتراث للوضعية التي تعرّض لها شعب عربي شقيق على يد جيش زُجَّ به مرغماً على احتلال دولة عربية والفتك بشعبها، تحت طائلة شعارات ما كان لسياسي مخضرم مثل الجابري أن يخطئها، كما يظهر من موقفه المتأخر الذي اكتفى فيه بالصمت ولم يخض بعدها فيه مع الخائضين. كان قد تفرغ يومها عبر زاوية ثابتة في جريدة الاتحاد الاشتراكي لتقديم سيرة عن صدام حسين تصوره كبطل قومي أسطوري؛ بدا لي الجابري يومها يعكس أحلام جمهور مأخوذ بميثولوجيا البطل القومي. وفي تلك الأثناء عزّز ذلك ما كان يُشاع في الصحافة نفسها من نبوءات سياسية توحي بأن صدام هو المهدي المنتظر المشار إليه في الأحاديث. تماهى ناقد ميثولوجيا الإمامة في نقد العقل السياسي العربي في موجة التمجيد والأسطرة للبطل القومي على الرغم من أن الجابري يدرك أن الأمر لا يرقى حتى إلى الحلم الناصري. قبل أن يبوح فيما بعد بأنه إنما تلقى كتاباً من أمين إسكندر يحكي فيه هذا الأخير عن سيرة صدام. وقد استشكل الجابري كيفية نزول مثقف كبير إلى مستوى التمدّح بالسلطان. في الحقيقة كانت تلك المشاهد التي سطّرها الراحل على الجريدة كلها نقول مما كتب أمين إسكندر. ولا يهم هذا بالنسبة للمشهد المغربي الذي مرد على تمجيد كل من يرفع التحدي ضد إسرائيل حتى لو كان ديكتاتوراً حبشيًّا ويستهينون بكل من سلّم لها ولو كان ديمقراطيًّا إسكندنافيًّا. يكفي قذف بضعة صواريخ فارغة على عروشها على إسرائيل، لكنها محملة برؤوس شعاراتية عربية تعكس ذهان العقل العربي في نوبات استبداده العاري، الذي قضى الراحل جزءاً من حياته مهمًّا في تفكيكه ونقده، لتتحول أيًّا كان فصلك، بفعل خيمياء العقل العربي، إلى بطل قومي. على أن البطل القومي المفترض يتعين أن يكون بطلاً ولو حارب بقطع الخشب لكنه يظل كبيراً في تقدير واحترام الأمة وحقن دمائها. هناك جانب سيكولوجي لا بد من تقديره في هذا المجال. لا يهم إن كان هذا الأخير لم يلبِّ مطلباً تاريخيًّا ناضل الجابري في سبيله ألا وهو الديمقراطية. فهذا من مفارقات المثقف العربي والمغربي تحديداً أنه يطلب في بلده ما يستكثره على الآخرين. لا أتحدث عن الاحتلال قبّحه الله، بل أتحدث عن موقف قديم واستثنائي من الديكتاتورية في العراق حتى في الوقت الذي كانت فيه حليفة للاحتلال وجزءاً من لعبة شرق أوسطية مشهودة. المسافة هنا بين الصحيح والغلط في ذهن المناضل العربي والمغربي خصوصاً هي مسافة جغرافية ليس إلَّا. هكذا تباكى بعض مناضلينا سنوات الرصاص المغربية لكنهم في الوقت ذاته مجّدوا ليل العراق . وهنا لا يحتاج المرء أن يلامس الحقائق بل يكفي الدخول في دورات من التحليل الرومانسي الذي يبدو فيه الديكتاتور مكللا بالزهور. لم يلتفت أحد إلى هذا الخطأ حتى وهو يبرره بعد سنوات بمخاطر الاحتلال ـ بينما الموقف كان قبل الاحتلال، لقد عززت تلك الازدواجية أو لنقل الانتهازية في مفهومها السياسي الأخلاقي موقفا سلبيا عند العراقيين؛ من أن العرب باعوهم للديكتاتور لقاء كوبونات معدودة. مع أن المسألة تتعلق أحيانا بما يفوق موضوع الكوبونات. فالجابري الذي رفض الكثير من الجوائز بما فيها جائزة صدام قال فيه ما لم يقله هيكل في ناصر. النتيجة هو الاحتلال والإحساس الكبير بخيبة الأمل من المناضلين العرب الذين تجاهلوا حتى الآن الحاجة إلى الحرية وغضوا الطرف عن خطر الاستبداد. ربما البعد الجغرافي هنا يمنح مجالاً للتجاهل والنسيان: البعيد عن العين بعيد عن القلب. لكن كيف نتجاوز ذلك نحن الذين قرأنا المحنتين وعرفنا أن وجهها العراقي كان أقسى من كل ألوان سنوات الرصاص. ولا نفاضل ها هنا في أوضاع البؤس وقتل الإنسان، لأنه لا مفاضلة تقوم هاهنا في الشرع -{مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}- أو في معقول المستبد -يتحدث ستالين عن أن قتل الواحد أو قتل ملايين هي مسألة حسابية-. لا يوجد فرق في جوهر القتل لكن ثمة فرق عرضي في وجود ممكنات الانفراج. وهناك دائماً فرق بين مجال غير ديمقراطي أو شبه ديمقراطي لكنه ليس مستبداً ومجال مستبد وغير ديمقراطي في الوقت نفسه. أحياناً يلعب الأمل عاملاً في التمييز بين الحالتين حدّ الإحساس بالتخوم. كثيراً ما كان الاحتلال هو الحتمية التاريخية للاستبداد. القائد يحرر الأرض بالأحرار. العبيد الخارجون من طقس مصارعة الأسود لا يحررون أرضاً محتلة. فالمحتل بما هو خبير بنفسيات المستبد يطلب مزيداً من الاستبداد لكي يرهن الأوطان للسياسة الاستعمارية. وبقدر استثنائية الاستبداد العراقي كانت استثنائية الاحتلال الأمريكي. ذاك استبداد عارٍ وهذا استعمار فاضح. من المسؤول إذن؟ سنكون بسطاء إذن كلما اعتبرنا أن الاحتلال في عهد هولاكو لبغداد أو الاحتلال الأمريكي في عهد بوش هما ناتجان عن مؤامرة شخصية لابن العلقمي أو جلبي. هناك خلل في التحليل وخلل في القياس وخلل في استيعاب الأزمة. إن كان نقاد العقل العربي يمارسون هذا النسيان، فهذا دليل إضافي على أن لا أمان أن يكون العقل الناقد في مرتبة واحدة من النكوص مع العقل المنقود. ومشكلة العالم العربي أنه حدّي التقويم ومزدوج الأحكام. إذا كنا سنفكر كقطريين وبانتقائية، فَلِمَ نتحدث عن النضال القومي العربي؟! ومع ذلك أحب أن أذكّر بأن الجابري رفض الحج إلى عراق صدام في الأطوار المتأخرة. لقد كان له حدس سياسي وموقف غير معلن من الاستبداد خشية أن يمس بذلك سمعة مثقف انحاز إلى الديمقراطية ضد القمع: وحده ما يفسر استشكاله المذكور على مؤلف أمين إسكندر عن صدام، بالإضافة إلى رفضه جائزة صدام. وهو ما لم يزهد فيه زملاء له مجدّوا الاستبداد وغرقوا في كوبوناته حتى الركبة.
* موت الكاتب وبقاء المكتوب
برحيل محمد عابد الجابري يكون العالم العربي قد ودّع أحد أبرز مفكريه الذين شغلوا المشهد الثقافي والفكري العربي منذ ثمانينات القرن الميلادي المنصرم. ومع أن الموت كان قد تخطّف ناقد العقل العربي بشكل فاجأ مريديه ونقاده على السواء، إلّا أن الجابري كان قد أنجز مشروعه بالتمام والكمال حتى أنه لم يعد يجد من متممات له ما يغري بالضرورة، بل لقد سعى بطرق غير مباشرة لانتهاك الكثير من مسلمات نقد العقل العربي كما رأينا في مجمل النشاط الفكري الذي ضمّنه أعماله الأخيرة، حيث كان آخرها «مدخل إلى القرآن الكريم». وإن كان الحديث قد جرى عن أن أمراً ما ظل حبيس الرجاء، ألا وهو تخميس نقد العقل العربي بعمل حول نقد العقل العلمي العربي؛ فلا أعتقد أن الضرورة كانت تقضي بهذه الإضافة فضلاً عن أن هذا أمر يصعب اقتحامه نظراً لخطورة الموضوع ودقته بالنسبة لمختص في علوم الإنسان لن يفيده اختصاص مبكر ومبتسر بالعلوم والرياضيات، لأن الأمر -وإن تعلّق بعلوم الأوائل التي مرد النظام التربوي الحديث أن يجعلها مستوعبة في المراحل الأولى للتحصيل العلمي- يتعلق بمقاربة إبستيمولوجيا دقيقة وعميقة وتخصصية فائقة ما فتئت تتنامى وتتطور باستمرار. لا أجد مانعاً موضوعيًّا لكتابة نقد العقل العلمي العربي إن كان ذلك ضروريًّا لاستكمال مشروع نقد العقل العربي. فلو كان الأمر ضروريًّا لكان يعني هذا أننا أمام مشروع مبتسر. غير أن المانع في نظري أن مغامرة التنقيب على البنى الخالصة والافتراضية على مستوى التجريد وفي إطار الفكر الفلسفي والميتافيزيقي يمكنه أن يخفي عوار النهج التقطيعي للجابري. بينما ستكون تلك مأساة لو تمت في مجال العقل العلمي، لأن الأمر سيبدو أكثر فضائحية. فما تتحمله العلوم الإنسانية من مفارقات يصعب تمريره في مجال العلوم البحتة. هذا بالإضافة إلى أن النقاد المتوقّعين لنقد العقل العلمي سيكونون من طينة أخرى ومراس آخر ربما لن تمنعهم آصرة الأبوة في شعبة الآداب من ممارسة النقد الجذري للمحاولة. وفي اعتقادي -لو أننا استثنينا محاولات معدودة على رؤوس الأصابع- أن إحدى مقاتل مشروع الجابري هو الإطراء المبالغ فيه لنتائج مشروعه أو النقد الذي جرى على استحياء لنصوصه بما فيها الأكثر مدعاة للنقد الجذري. وقد كان بالإمكان حدوث ذلك لما كان داعية الوضعية المنطقية والأيديولوجيا العلموية زكي نجيب محمود وحده يسرح ويمرح في نشر دعواه، لكن اليوم، حض الباحثين في فلسفة العلم كثيرون؛ أصبح تراث زكي نجيب محمود إزاءه بمثابة كلاسيكيات علموية متجاوزة. إن مشكلتنا في العالم العربي وتحديداً في المغرب، أن المنبرين للنقد الإبستيمولوجي هم من اختصاصات العلوم الإنسانية غير الكافية لاستيعاب مدارك العلم وفلسفته. وبخلاف فلاسفة العلم الغربيين -الذين لهم تخصصات أيضاً في الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا...- ليس لهم خبرة في العلوم البحتة. وبعد أن يكون مبعث الاهتمام بالعلوم الاجتماعية هروباً من وطأة العلوم البحتة في مراحل التكوين الدنيا، يعود بعضهم إلى التحرش بالعلم من زاوية الإبستيمولوجيا ونقد العلم في المراحل المتقدمة. وهذا عوار يقابله عزوف المتمرسين في العلوم البحتة عن الفلسفة. وكل ما يبدو أمامنا هي مسائل محفوظة في الدرس الإبستيمولوجي بمقدار ما تفيده بعض نتائج العلوم في عملية الاستشكال الفلسفي. أي أننا أمام نقد للعلوم لا يمكن أن يفيد العلم أو يحرز شرف الإبداع في مجال نقد العلم. فأكثر المعاقرين للإبستيمولوجيا والمنطق ونقد العلم في مجالنا لا يفعلون أكثر من استحضار محفوظات وشواهد مدرسانية مقررة ومبحوثة؛ أي تحصيل حاصل. وحيث لا زلنا لم نظفر كما في الغرب بعينات جامعة للمهارتين، يظل نقد العلوم أمراً في غاية الضعف. وهنا أقول: لا تكفي مهارة مبتدئة للجابري في العلوم والرياضيات قصاراها أن تمنحه ثقافة الحد الأدنى من معرفة بعض القواعد العلمية. ولكنها غير كافية في حساب الاختصاص كما يدركه أهل العلوم البحتة لا أهل علوم الإنسان في مدائحهم ومراثيهم غير الموضوعية عن الراحل.
لقد شغلت أعمال الجابري -لا سيما زبدة أعماله في نقد العقل العربي- نقاداً من مختلف المنازع والتخصصات والميول. وهم وإن التقوا عند ملاحظات مشتركة وتوافقوا على مذهب واحد في النقد، ألا وهو المأزق المفاهيمي لكثير من تخريجات نهجه القطائعي، إلا أن الباحث استمر مصمماً على استكمال نهجه؛ لم يلتفت إلى أي من تلك النقود قبل أن يختم ملحمة نقد العقل العربي بالنظام الأخلاقي العربي الذي ليس إلَّا نقداً للعقل الأخلاقي ومنظومة القيم العربية. لقد ترك الراحل خلفه تراثاً فكريًّا هائلاً، لا يزال ولا ينبغي أن يتوقف حوله النقد. فرحيل الكاتب لا يوقف النقد لمكتوبه.
* في مسألة الإبداع
لم يفت الراحل مناسبة لم يُعرْ فيها اهتماماً بمسألة الإبداع وتبيئة المفاهيم المستوردة وإعادة استنباتها داخل مجال ارتأى فيه من الخصوصية ما يؤهله لتجربة استشكالية خاصة. وربما ظلت مسألة الإبداع على ما تمتلئ به من بريق من كبرى الخدع المضللة في الممارسة النقدية لكثير من المثقفين والنقاد العرب. وقد اعتبرت أعماله عند البعض، على الرغم من كل هذا الحرص على التبييء والخصوصية، خارجة عن الممارسة الإبداعية، وأنها من وحي المنقول الذي لعبت فيه الترجمة الخاطئة لعبتها الخطيرة . وقد أسند إليه بعضهم بتسامح زائد فضل إبداع بعض المفاهيم والمصطلحات مثل العقل المستقيل وغيرها من المصطلحات. وأمام هذا النوع من الإسناد الخاطئ وجب القول تحقيقاً أن الأمر لا يتعلق بإبداع مفاهيم وإنما باستعمال مفاهيم وتكثيف دلالاتها التفسيرية على النصوص المحلية. وهنا وجب الحديث عن مسألتين:
- ما شكل الإبداع الممارس هنا؟
- ما حقيقة ما أسند إلى الراحل من إبداع؟
1- ما شكل الإبداع الممارس هنا؟
من خلال تتبع سريع لأغلب ما أنتجه المغاربة منذ نهاية العصر الوسيط في شتى حقول المعرفة الشرعية والعلمية والفلسفية، نقف على أعمال كلاسيكية فاقت غيرها بما فيها أعمال المؤسسين. وبين ما هو شائع معروف عند المشارقة العرب وغير المعروف عندهم توجد أعمال تغطي كل التخصصات القديمة -يكفي إطلالة على فهرس المخطوطات العامة بالمكتبة الوطنية الذي أنجزه الفقيه المانوني- تحتفظ بميزة واحدة ذات سمة خاصة ومشتركة لدى العلماء والمفكرين المغاربة، ألا وهي ميزة حسن التنسيق وإحكامه لا إبداع المقولات والمفاهيم بالمعنى الحرفي للكلمة. ونحن ندرك كما هو مدرك اليوم بيسر، أن المدار في تطور النظم المعرفية هو في التحولات التي تصيب الأنساق وليس في انتقال المفاهيم التي يمكن أن تتكامل وتتطور داخل النسق الواحد. والمعول عليه في تقدم العلوم وتطورها هو في جودة وتطور التنسيق لا في إبداع المفاهيم التي توجد دائماً وفيَّة لأنساق ما أو شاردة عنها، وعادة ما تكتسب كمالاتها من اندماجها داخل الأنساق المختلفة. إن مفهوم التشييء أو الاستِلاب هو مثلاً من المفاهيم الرائجة في كثير من الفلسفات الحديثة، غير أنه يؤدي وظائف مختلفة داخل كل نسق على حدة. فالوجودي يتحدث عن التشييء وكذا الماركسي؛ الحداثي وما بعد الحداثي، العقلاني والرومانسي كلاهما يوظف المفهوم ذاته لكن ضمن أنساق مختلفة. وهكذا حينما ألَّف ابن خلدون المقدمة كان قد أحسن تنسيق وتأليف أفضل ما أنتجه العقل الإنساني والإسلامي في موضوع العصبية وقوانين العمران البشري، حتى أن أحد الكتاب المعاصرين -محمود إسماعيل- استكثر عليه الإبداع واعتبر أن آراءه مسروقة من إخوان الصفا. والحق، إن التنسيق ليس مُعطىً سهلاً لكل من أراد ممارسة الفكر والعلم. فالإبداع يكمن في جودة التنسيق الناجع لا في اجتراح المفاهيم الباردة. وهذا أيضاً يضع مقولة فليكس أتاري حول كون الفلسفة ما هي إلا إبداع المفاهيم موضع تأمل. يتعين أخذ هذه المقولة في سياقها المجازي والدلالي، باعتبار المحذوف من قيودها، أي المفاهيم الناجعة المساهمة في مخرجات ومدخلات الاستشكال الفلسفي. فالمفاهيم موجودة لا يخلو منها زمان ومكان، ولكنَّ مشكلة المفاهيم في مدى خضوعها للتطور والتجدد المستدامين. لكل مفهوم سياقه وزمنه المحدد لفعاليته. فالفلسفة بهذا المعنى، هي في الحقيقة تطوير المفاهيم لا إبداعها. وتطويرها يأتي من الممارسة التنسيقية. صحيح أن ابن خلدون لم يبدع فكرة قوانين العمران البشري ولا مفهوم العصبية ولا غيرها من المقولات التي وسمت فكرته العامة عن المجتمع والتاريخ في المقدمة، ولكنه تمكن من تنسيق كل هذه الآراء ضمن نسق معرفي متكامل أكسبه قدرة تفسيرية عامة. والأمر نفسه بالنسبة لنظرية المقاصد عند الشاطبي في كتاب الموافقات؛ فهي مما لم يخلُ منها سفر من أسفار أهل الفقه والدراية قديماً وحديثاً، لكن براعته كمنت في تنسيقها وإكسابها تكاملية وإمكانية تفسيرية عامة. وهكذا دواليك بالنسبة لابن حزم وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وغيرهم ممن كان لهم شأن خاص عند الراحل كما برز في مشروع نقد العقل العربي. وجب إذن أن نستدخل مفهوم «البيتخصصية» أو الـ«العبر مناهجية» كي ندرك أن الأمر لا يتعلق بتقليد محض. ومن هنا سندرك أن خلالاً ما ستعاني منه كل المواقف التي حاولت أن تجعل من آراء الجابري آراء مبتكرة ليس لها أصل فيما سبق أو تلك المواقف التي حاولت أن تسلب منه كل إبداعية إما بحجج بيبليوغرافية كما فعل طرابيشي أو بحجج «حجاجية» ومنطقانية كما فعل طه عبد الرحمن. هذا وإن أصابا منه مقتلاً في جوانب كثيرة لكنهم لم يحجبا كونه مشروعاً أثار من الأسئلة وفكك من المركبات وبنى من القضايا ما كان له فضل على من انتقده بالمشاريع النقدية الطولى. وقد سعى الجابري إلى تركيب مشروع نقدي متعدد المنظورات؛ فالأيديولوجيا التي مارسها هي، رغم منطقها النقدي أحياناً تبدو وفيَّة لأصولها الإصلاحية والسلفية الوطنية. لقد أدرك أهمية الأيديولوجيا كمناضل سياسي، لكنه عرف واجب أخذ مسافة موضوعية من غوايتها في ممارسته الإبستيمولوجية. لكن وبما أنه أدرك استحالة التجرد منها كما أدرك جانبها النهضوي، فهو مارسها بتحكم وتوجيه دون أن يبالي بمن ينتقده في ضوئها أو ينتقده عليها. فالأوائل مغلوبون، لأن أهل المعرفة لم يعودوا يمنحون أهمية للنقد حينما يكون ذا غايات أيديولوجية. والثواني مغلوبون، لأن لا أحد من متنوريهم يملك أن يسلب الأيديولوجيا وظيفتها الاجتماعية ويقول بنقاء الممارسة المعرفية خارج تسلط الأيديولوجيا ولو في الحد الأدنى من شبحيتها. وتماماً مثل عبد العروي، لم يلتفت الجابري إلى نقاده واستمر في صمت كما لو كان يقول: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. وقد تجاهل الجابري أن النقد لا يكون بالضرورة باجتراح مشروع حتى يتبين إن كان نُقَّاده سيقعون في أخطاء أم لا. فالأمر يتعلق بمزاج ثقافوي يرقى أحياناً بالممارسة الثقافية إلى نوع من الحرابة: أليس للثقافة سلطتها.. أليس صمت المثقف ممارسة أخرى للردع؟!
2- ما حقيقة ما أسند إلى الراحل من إبداع؟

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
على هامش رحيل المفكر محمد عابد الجابري (2)    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

قبل سنوات حاولت وضع رسم بياني لأهم المفاهيم والمصطلحات التي استند إليها الراحل في مشروعه الكبير. وفي هذا السياق سعيت إلى رسم بياني لجينيالوجيا منقولات محمد عابد الجابري والتي شكلت مفاهيم مفتاحية في مشروع نقد العقل العربي. ولا تزعم شجرة نسب آراء ومفاهيم محمد عابد الجابري أنها نهائية واستقرائية بل هي نموذجية. كما أنها لا تزعم أن الاستناد إليها كان استناداً فجًّا تقليديًّا لا ينفع، بل قد تم توظيفها بحيوية يصعب ضبط أخطائها متى أخطأت إلا بأدوات سبر معرفية كبيرة وعميقة. إن الدربة التعليمية للجابري تجعله قادراً على تطويع المفاهيم حتى لو أساء إليها في عملية التطويع هذه. فالجابري هو ممارس لفكر سعى باجتهاد إلى تنزيل مفاهيم فلسفية مشهودة على واقع العرب، موجداً لها مصاديق في التاريخ والاجتماع العربيين. هكذا نجده يقارب ظاهرة تذرير الذهنية العربية وانفصالها بأسلوب ماكدونالد وربط ظاهرة التأخر باستقالة العقل بوحي من ماكس ويبر وربط الحضارة الإسلامية بالفقه على طريقة هاملتون جيب وهرمسية التشيع كما عند هنري كوربان وفكرة المعقول العقلي بوحي من فيستيوجر والمعقول الديني من درودس واللامفكر فيه والخطاب التاريخي عند فوكو والقطيعة المعرفية عند باشلار والتوسير واللاشعور النفسي عند فرويد واللاشعور المعرفي عند بياجي وبنية القرابة عند شتراوس والعقل السياسي عند دوبراي والعقل المنظّم والمنتظم عند لالاند وهكذا دواليك. إن الجابري هو مدين مباشرة لكل هؤلاء ولتلك المفاهيم/المفاتيح التي شكَّلت عامل قوة ووسيلة تفكيك وبناء داخل مشروع أجاد تبسيطه كما لو كان في سبيل عرض مدرسي يتغيّا به تجريب كل هذه المفاهيم وتنزيلها على مادة التراث والواقع العربيين. وإذا كان العروي قبل ذلك قد أعاد أزمة الفلسفة في الجامعة المغربية إلى ظاهرة نفوذ بعض المعلمين وأساتذة الثانويات الذين خلطوا بين الفلسفة والأيديولوجيا، فإن ما يبدو إيجابيًّا هنا أن اقتحام المعلم الممارس لحرم الدرس الفلسفي العالي يكمن في دربته على التوصيل والتسهيل ومراعات متلقي هو دائماً عند هؤلاء مفترض في المستويات الدنيا من الاستيعاب. هكذا إذا كان أغيار الجابري، أمكنهم تغذية المشهد بأسئلة كبيرة ومشاريع حلول عميقة، فإن الجابري خلق تياراً داخل جمهور أدرك من خلال مشروع الجابري فن التساؤل الفلسفي. إن جمهور الجابري هم الطلبة وأنصاف المثقفين بالدرجة الأولى. لقد أنزل الجابري الفلسفة من كبريائها إلى التداول العام؛ وهذا محسوب له أيديولوجيًّا ومحسوب عليه علميًّا. لا يوجد مغربي أدرك مقرر دروس الفلسفة لأقسام الباكالوريا لم يقف عند هذا الأثر الذي خلَّفه الجابري والذي استطاع انتزاع أول دكتوراه فلسفة في المغرب -الذين درسوا الفلسفة من المغاربة درسوها خارج المغرب أو كان لديهم تخصصات أخرى-. لقد حاول الجابري أن يسوس كل هذه المفاهيم المعروضة بنوع فائق من الانتقاء لغايات أيديولوجية محض. فلو قورن بغيره من الأيديولوجيين لبدا أكثر كياسة منهم في التفكيك والبناء. ولو قورن بأهل النقد المعرفي فسيظهر أنه أيديولوجي بامتياز. غير أن ما يشفع له أنه يملك مشروعاً فيما هم لا يملكون مشروعاً. أي أن الجابري سيُزايد عليهم بأنه يمارس المعرفة لغايات إصلاحية وليس للمعرفة المحض.
* كيف نقرأ الجابري؟
1- السياق التاريخي لمشروع نقد العقل العربي
يحسب للجابري أنه استعاد إشكالية النهضة إلى حضنها التاريخي في امتداده الذي يستحضر الاستمرارية نفسها لفكر النهضة العربية في القرن التاسع عشر. وهو ما حاول العروي أن يقطعه ضمن مشروع قطيعة، كنا نعتناه بالقطيعة الكبرى . ومشروع الجابري كما تدين له الكثير من المحاولات النقدية العربية في أصل وجودها وشرعيتها فإن نقد العقل العربي هو مدين لهذه المحاولة العروية التاريخانية التي جاءت لتضع حدًّا لسلطة التراث على العقل العربي المعاصر. وخارج هذا التسلسل المنطقي لمشروع نقد العقل العربي، سنكون قد أخطأنا القراءة الموضوعية والتاريخية له، باعتبار أن الغايات التي ساهمت في نشأته وتداعياته لها أهمية في استيعاب المشروع. وفي اعتقادي فإن قراءة العروي ضرورية لاستيعاب الجابري. ليس الأمر له علاقة بفهم نصوص، بل بفهم سياقات. بل إن الأمر يتطلب قراءة التجربة السياسية المغربية لا سيما الوسيطة منها والحديثة، لفهم الذهنيات التي لا تستحضر مباشرة في بناء الأحكام الأكثر صرامة على التراث السياسي والفكري. ويعزى الأمر إلى العروي المؤرخ الذي كان يبني أحكامه انطلاقاً من وقائع وتوصيف دقيق تجاوز التاريخ من حيث هو علم إلى التاريخ من حيث هو فلسفة. وكلاهما، العروي والجابري مدين لإعجاب خاص بابن خلدون؛ يكتب الجابري أطروحته حول العصبية، كما لا يكفّ العروي عن الوقوف عند أكثر نظريات ابن خلدون العملية ويجعل أكثر محاور مفهوم العقل حول ابن خلدون. والإعجاب هنا نفسه له خصوصيته. فالجابري مغرم بالخلدونية بينما العروي معجب بابن خلدون. والفرق واضح؛ إن العروي لا يمنح للقدامى أي سلطة معرفية على الحاضر. إن إعجابه بالكائنات التراثية يمر عبر استيعاب لمقولات الحداثة. وهذا هو الفارق الأساسي بين الجابري والعروي. فالأول يبحث عن مؤانسة التراث بينما العروي رجل يراهن على القطيعة الثورية مع التراث من دون شروط، مع السلفية عموماً ومع فكرة الانتقاء خصوصاً. إن الجابري قبل أن يخوض في التراث ونقد العقل العربي عموماً، فهو ابن هذه التجربة من الاستقلال وبناء الدولة والتنمية والمسار الديمقراطي المغربي وأطوار النضال السياسي بعد الاستقلال؛ مخاض عاشه الجابري في البداية كممارسة نضالية كما مارسه العروي كقلق فكري ووجودي. إنه المناضل داخل الاستقلال والاتحاد الوطني والاتحاد الاشتراكي وأحد أبرز قياداته وكاتب المشروع الأيديولوجي للحزب. هذه تجارب ثلاث لأحزاب انشقت من بعضها لتضعنا أمام تجربة حزب المثقفين الذين ظلَّت لهم القوة النافذة داخل الجماهير الشعبية إلى حدود مشروع التناوب التوافقي. سعى العروي منذ الأيديولوجيا العربية المعاصرة والعرب والفكر التاريخي إلى الأصول الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية المغربية إلى الربط بين التأخر وهيمنة الفكر السلفي. والسلفية عند العروي هي عامة تستوعب كافة الدعوات التي تقول بإحياء الماضي أو البحث عن نموذج نقي في الماضي يصلح لحاضرنا ومستقبلنا. فالجابري يبدو سلفيًّا بالمعايير العروية للسلفية. ومع أن العروي نفسه يهجو طرائق الانتقاء سواء من التراث أو الحداثة، إلا أنه في كل حجاجاته ينتقي أسوأ شواهده من التراث. ومهما بدت هذه الدعوى في مقام التنظير أكثر عقلانية وواقعية وعملية، إلا أنها تبدو في حقيقتها طوباوية؛ فالتاريخانية العروية هي تنزيل تعسفي على الواقع العربي، كما أن الحديث عن وجود قطيعة يجب الاعتراف بها بموجب هذه التاريخانية الكاسحة فجّر سؤال: نحن والتراث عند الجابري لتكون أولى مبادرات الانقلاب على هذا التنظير التاريخاني لصاحب الأيديولوجيا العربية المعاصرة. ولتبدأ مسيرة الثنائي الذي غطّى أو كاد يغطي على المشهد.
2- من التقطيع الإجرائي إلى القطيعة الأنطولوجية
لم يجد الجابري طريقاً لصد دعوى تاريخانية العروي إلَّا بنهج انتقائي لا يعارض التاريخانية بل يستسندها؛ كما لا يستسلم للتراث في كليته بل يمارس شكلاً من الانتقاء في صميم خبرته. الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق إلا باجتراح تفكيكٍ لبُناه والقبض على ما هو نقي في جملة المركب التراثي. كان الأمر مشروعاً من الناحية الإجرائية، لأن مبدأ الفهم يتطلب قدراً من التفكيك. وحيث لم يكن الجابري مهتمًّا بإعادة بناء المركب، استولى عليه ذهان التفكيك، ليأخذ بنية البرهان في تخريجها الرشدي من بين الركام ليجعلها البديل التراثي القابل للبعث والاستمرارية والالتقاء مع دعوى الحداثة. نسي أو تجاهل الجابري تحت ذهان التفكيك أن بُناه النقية ليست سوى ضرباً من التجريد الذهني لا وجود له في واقع التراث. وهكذا اكتسبت البنى المفككة برسم الإجرائية حالة أنطولوجيا تحوّلت فيها إلى عقول متجاورة وبالتالي متخاصمة كما لم تكن يوماً وهي تباشر عملها كبنى مندمجة داخل البنية العامة للعقل الإسلامي -وليس حتى العربي-. بحث الجابري منذ تكوين العقل العربي ومروراً ببنية العقل العربي والعقل السياسي العربي والنظام الأخلاقي العربي أشكالاً من البنى أدان لها التراث العربي. فمعرفيًّا وقفت الإجرائية/الأنطولوجية للجابري عند ثلاث بنى: البيان/ البرهان/ العرفان. كما وقفت سياسيًّا عند ثلاث بنى: العقيدة/ القبيلة/ الغنيمة. كما وقفت أخلاقيًّا عند ثلاث بنى: المروءة/ الطاعة/ الفناء. كنت أتمنى لو يغامر الجابري في مجال العقل العلمي العربي لنرى أي ثلاثية سيختار لبنى العقل العلمي العربي. ولازلت أعتقد أن التثليث هنا لم يكن سوى رغبة ذوقية لضبط إيقاع ثلاثي للبنى في كل محاولة من محاولاته، استجابة للضرورة الذوقية لا الضرورة العلمية. ذلك لأننا لا ندري بأي مستوى من الاستقراء تكون البنى ثلاثية على طول الخطّ، كما لست أدري لم وجب وضع بنى فاعلة خاصة بمجال دون آخر كما لو أننا أمام عقول مختلفة ولسنا أمام عقل واحد؛ لاسيما في المجالات الأكثر تداخلاً وقرباً كالأخلاقي والمعرفي والسياسي. إذا رفضنا وجود تداخل في البنى الفاعلة فهل سننفي التخوم؟! وأمام هذا التفريع الذي غرقت فيه البنى الجابرية، لم يعد بالإمكان الوقوف عند صرامة البنى وحقيقتها. بل لا ندري هل نحن إزاء شكل من المجاز أم نحن أمام حقائق بنيوية بالفعل. وإلَّا كيف يتمظهر العرفان في النظام المعرفي العربي والفناء في النظام الأخلاقي العربي في المنبت الواحد (التصوف) بينما تظل عقيدة الطاعة من منابت أردشير. كيف ينقسم الموروث الفارسي بين المعرفة والأخلاق فينتج هناك العرفان وينتج هنا الطاعة؟! إن هوس القطيعة تاره يتيه بعيداً بالناقد عن الصواب. وإذا كنا وسمنا قطيعة العروي بالكبرى فلأنها جذرية وواضحة رغم تعسفها وطوباويتها. غير أن وصفنا لقطيعة الجابري بالصغرى هي بالقياس مع قطيعة العروي، وإلا فإنه مارس القطيعة الجذرية إن لم نقل الاستئصالية مع كل أشكال التراثات التي أطلقها على تلك البنى مما يثبت أنها تحوّلت إلى وقائع بعد كانت وجودات افتراضية اقتضاها الإجراء. تحولت البنى عند ناقد العقل العربي إلى تراث متجوهر حول بُناه الجديدة. وعلى هذا الأساس أنتجت لنا محاولة الجابري قطائع متعددة وليس قطيعة واحدة مما جعلها تدخل في مواجهات متعددة. إذا كانت قطيعة العروي هي قطيعة تستند إلى مطلب التقدم مقابل التأخر أيًّا كان لونه من منطلق عدم اعترافه بالخصوصية، فإن الجابري وجد نفسه أمام ضرورات قطائعية مختلفة: قطيعة المغرب عن المشرق، القطيعة مع العرفان، تقطيع التراث إلى بنى، وتقطيع البنى إلى بنية البنى، ثم تحويل البنى إلى تراثات، والتراثات إلى عقول... لقد فصّل في أمر القطائع فوجد نفسه خصماً لكل هذه التراثات التي ميّز بينها بأحكام القيمة وأعلن الخصومة بينها. وفي ممارسة التقطيع جرفت تلك المحاولة حقائق تاريخية جمة ومفاهيم كثيرة ليس آخرها مفهوم العقل نفسه الذي بات أكثر التباساً وغموضاً، على الرغم من أننا نجدنا أكثر تواضعاً في درس الإبستيمولوجيا الحديث عن حقيقة العقل ووظائفه وكيفية اشتغاله.
3- الارتداد الناعم على مشروع نقد العقل العربي
في كل المحاولات الفكرية التي كان يمارسها الجابري خارج حدود نقد العقل العربي، نجدنا أمام مقاربات ناعمة وأقل صرامة ولا تخضع بالضرورة إلى مقولات نقد العقل العربي. كان الجابري قد وجد متنفسه خارج ملحمته النقدية، لذا مارس انتهاكات كبيرة ناقض بها بعض ما كان محل مسلمات في مشروعه الكبير. إن أعمال الجابري التي دشنها خارج إطار نقد العقل العربي هي انتهاك صارخ للطريقة والأسلوب والذوق الذي هيمن على ملحمة نقد العقل العربي. لقد تجرّأ الجابري على مسلمات تاريخية في المدخل إلى القرآن لم يفعلها في نقد العقل العربي. لقد تحدث عن وجود أخبار التحريف في مظان الفريقين من المسلمين كما نقض حقيقة أمية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وبعد أن توقف كثيراً في نقد العقل العربي عند مفهوم الأمية التي ارتقى بها الشاطبي إلى مرتبة المقاصد كما اعتبرها ابن خلدون من المقاصد، تراه يعود في المدخل لنفيها. كان جورج طرابيشي نفسه في نقده الأخير لنقد العقل العربي قد استوقفه هذا الغرام الجابري بمسلمة أمية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) . والحال أن طرابيشي نفسه استند في هذا الرفض على مصادر تنتمي إلى ما سماه الجابري بالعقل المستقيل وسميناه بمحنة التراث الآخر. من بين مصادره في مواجهة موقف الجابري، تاريخ العرب قبل الإسلام لعلي جواد. لم يعد الجابري يسلم فيما وراء نقد العقل العربي بما كان يسلم به حينئذ. لقد أغراه في نهاية المطاف أن ينتهك كل مسلمات نقد العقل العربي؛ لقد تراجع الجابري -في نظري- عن الذوق الذي ظل وفيًّا له على طول تلك الملحمة النقدية. إن الجابري العجوز ليس هو الجابري الشاب والكهل.
لقد استفز مشروع نقد العقل العربي الكثير من النقاد من شتى المنازع الأيديولوجية والمذهبية والدينية والإبستيمولوجية. وسيزيد الأمر استفحالاً كونه لا يتوقف مليًّا عند المقدمات التي يستعملها في كل استنتاجاته التي لا تُشبع نهم متمنطق صافي الوجدان أو إبستيمولوجي صعب المراس. حصان الأيديولوجيا أمام عربة المعرفة. حينما لا تجد نفسك محترماً ضمن مشروع قطائعي وتمزيقي ستعلن الثورة. كان نقدي للجابري نقداً بالقلب والعقل معاً. وسوف أجدني مرغماً على هذا النقد لأسباب موضوعية. الذين ساهموا أن يكون ناقده قاسياً هم ممن لا يتموضعون خارج خطاطته التي جعلت من المعرفة خرائط ممزقة ومن العقل شظايا عقول. لكن بدا لي أن كل ما لاحظناه يومها تأكد مع نقاده اللاحقين وتعزز مع نقاده السابقين. لم أستسغ تعريفاته الساذجة للعقل ولا عوائده السائبة في التمزيق والتقطيع ولا نطّه اللامعقول من مقدمات ملتبسة وقاصرة إلى أحكام مبتسرة وقاسية. لو كانت الرشدية من أركان العقيدة لكان نقد العقل العربي وثيقة تكفير لعموم العرب والمسلمين. كانت بدعة الرشدية قد شيبتني كلّما وجدت لها مدّاحاً رومانسيًّا خارج حدود المعرفة ووقائع التاريخ. وفي كل منحوتاته أو مستوردات أحكامه ثمة ما يتطلب وقفة وتأمّل. خذ لذلك مثالاً على نحو مقتضب:
على أي تأسيس يخصص العقل ويستخلص جِماعه بقيد العرقية؟ ما هو الناظم وبنية البنى في بناه؟ قذف الناقد بهذه الترسيمة إلى المشهد ثم انكسر القلم. راجت ولا تزال تروج حكايات عن مصطلحات ومنحوتات مفاهيمية من إبداع الناقد هي من هذا القبيل روّجها أنصاف مثقفين أو قليلي خبرة بمدارك الاستشراق أو مفاعيل الإبيستيمولوجيا أو لعبة الحجاج الأيديولوجي المعاقر للمعرفة على استحياء. وإذا سلمنا أن مدار نقاش الناقد للتراث العربي حول الثقافة العالمة -وهو فيه ما فيه لمن أراد أن يلم بالعقل الخاص للأمم- فإن حصيلة هذا التراث ألّفته أعلام غير عربية بالعرق والنظر والثقافة وفي لحظة انبثاق العقل الإسلامي من داخل الحطام العربي وخارجاً عنه: عقل إسلامي بامتياز. استدخل الناقد بدعة العقل العربي على حين غرّة لم تُرْضِ استشراقاً ولا استغراباً. استدرج حنفي نفسه في حوار المشرق والمغرب، وكأنه نسي على حين غفلةٍ أنه حوار بين مشرق بالعروبة وبالإسلام والثقافة والذوق بين مختلفين لعب بأذهانهم الفكر والمفاهيم والاختيارات الأيديولوجية. أليس من الأنفع لو يقال كيف يختلف المشرقيون أيديولوجيًّا. لا أجد تمسرحاً أيديولوجيًّا أكبر من توزيع أدوار بين مغرب ومشرق ينتميان للمنظومة الواحدة. كما أن العقل العربي بديلاً عن الإسلامي، إن هو إلَّا استبدال لا دليل عليه. استنكر ذلك جُلُّ نقاده من العروي حتى أركون. لو حسبناها ببساطة قلنا على طريقة بنسالم حميش: «لو أن باحثنا تكلف مشقة وضع فهرست أعلام مؤلفه الضخم لرأينا توًّا في ترتيبه الهجائي أن معظم الأسماء المتعامل معها ليست عربية الأصل، بل فارسية وتركية في غالبيتها وأن إسهاماتها زاخرة قوية سواء تعلق الأمر بحقلي البيان والعرفان أو بنسق البرهان» . ولا ينفع بعدئذ أن يقال: لقد ألَّفوا بالعربية. فالعربية هاهنا شكَّلت في حدّ ذاتها لحظة قطيعة مع ما سمَّاه الجابري بالعقل العربي، لأنها شكلت لغة القرآن الإعجازية. لغة القرآن العربية جاءت لتؤسس لعقل إسلامي بالنتيجة . وبالتالي «أريد أن أشير إلى أن الجابري وهو يقرأ كل شيء عن التراث يدرك أن كل هذا الشيء كتبته أغلبية غير عربية (...) يكون ارتكب غلطة لا تجوز في حق مفكر جعل نفسه مسؤولاً عن تعقيل التراث. وإلَّا فإن أغلب ما بقي من فكر عربي  - تراثي - كان غير عربي، وبالذات كان فارسيا(...) وبالتالي فإن العقل العربي كبديل عن العقل الإسلامي خطة جاهزة يقبع خلفها موقف مسبق» .
وبعد أن اقتطع للعرب عقلاً متبنيناً على فواعل غير عربية ظنها عربية بامتياز أو تكهنها بدوية بامتياز، اقتطع من المقتطع عقلاً سياسيًّا، ثم استجمع له بنى مشتركة مع كل العقول بما فيها الحديث. حكاية تقطيع لا يُعير أهمية لمفهوم العقل وفعاليته في التفكير المعاصر. وإذا كان دوبراي قد تحدث عن عقل أوروبي انتظم بشكل منطقي مع بُناه على الرغم من أن الجامع بين الفرنسي وعموم الأوروبي هو ثقافة شبه موحدة فضحتها حربين عالميتين أكدت على الفوارق في بنية البنى الأوروبية، فإن الجابري سيُقلِّص العقل السياسي في حدود دائرة العربي كما لو أن العقل السياسي المنتظم في حقل الثقافة العربية العالمة تشكَّل في حقبة ما قبل انتظامه إسلاميًّا؛ العرب لم تكن لهم دولة ولا تفكير في الدولة إلَّا بعد أن تشكَّل هذا المكون الإسلامي. ولكنه مع ذلك يخضع لتقطيع آخر: عقل الغنيمة وعقل العقيدة وعقل القبيلة. لا أدري لماذا لم يجعل النظر في العقل السياسي جزءاً من «النظام الأخلاقي العربي» أي جزءاً من نقده لمنظومة القيم العربية، ما دام سيتحدث عن أخلاق الطاعة والفناء والمروءة؟ سؤال بسيط يليق ببساطة محتوى هذا التقطيع اللاّتاريخي واللاّمعرفي؛ ألا يمكننا العثور على عقل الغنيمة داخل عقل القبيلة أو العكس. وهل هذا الانفصال في البنى واقعي بحيث نقف على تمظهرات نقية لعقل القبيلة مطهراً من شائبة العقيدة أو الغنيمة؟! ألا يمكن في النمط الواحد أن يوجد من يفكر بشكل مختلف؟ ثم ألا يفترض أن يفكر الشخص نفسه غنيميًّا وعقديًّا وقبليًّا جمعاً أو تفريقاً؟ إذا بحثنا عن العقول النقية في السياسة أو المعرفة فسوف ننتهي إلى نتائج غير نقية على أرض الواقع. متى كانت السياسة نقية حتى يبدو عقلها متبنيناً برسم هذا النقاء؟! هل سياسة معاوية الأموية كانت قبلية محض مطهرة من شائبة الغنيمة؟! إذا كانت السياسة العلمانية في نشأتها الأولى تجسدت في نموذج الدولة الأموية كما يؤكد ناقد العقل السياسي، وهي نفسها العلمانية المؤكدة معرفيًّا في النموذج الرشدي -هذا قبل أن يدعو الناقد نفسه فيما وراء إكراهات ناموس نقد العقل العربي إلى استحالة نجاح العلمانية في المجال العربي والإسلامي-، فهل إن كانت السياسة بطبيعتها التي يقتضيها منطق اللاعقيدة غير طهرانية النزوع، كيف تكون طهرانية الانبناء؟!
وفي ثلاثية العقول تبلغ المحاولة منتهى تعسفها. إذ يبدو لو تساذجنا قليلاً وقبلنا بهذا التقسيم الطفولي لعقل لا زلنا حتى اليوم لا ندري طبيعته ولا نملك تحديد مداه، سنخرج من ثلاثية العقول الجابرية بنتيجة مفادها أن العقل الأوروبي اليوم -لو أتيناها من الأخير- وهو ذروة العقل البرهاني -حسب المخطط المذكور- عقل قطع مع البيان المبدون والعرفان المهرمس؛ وإذن هل استوعب الجابري تاريخ الأدب والفنون الأوروبية الحديثة بما فيها الأساطير المؤسسة للعقل الأوروبي الحديث نفسه، قد يكون واحد منها أسطورة العقل القادر على الهيمنة على الطبيعة؟! ولا ندري إن جازف بنقد العقل العلمي العربي لوقع في هذا المأزق، لا سيما حينما يدرك أنه وراء كل إنجاز علمي هناك خيال وأسطورة، ما يؤكد حاجة عقل البرهان إلى خصوبة الخيال. ألسنا إذن في تأكيدنا لهذه الحاجة نؤكد في الوقت نفسه على أن العقل يشتغل ويفعل خارج حدود هذه الثلاثية التي هي نفسها ليست سوى مثال عن إضلالات عقل يتخيل نفسه منشطراً وطهوريًّا. أليس ابن سينا أكد على أن النظر العقلي في عزّ عقلانيته لا يتنزّه عن شائبة الخيال؟! أليس ابن رشد نفسه أكد على عجز العقل فهم كل الأشياء؟! فلم إذن سعى ناقد العقل العربي إلى تهجين السينوية الناضجة في إقرارها بعدم طهورية البرهان، أو سعيه إلى تأليه الرشدية المقرة بتواضع العقل عن أن يملك تعقيل كل الأشياء؟!
* كيف نقرأ نقاد الجابري؟
إن نقاد الجابري كُثُر مشرقاً ومغرباً. بعضهم انتقده في زمن متقدم عن آخرين. لكن بعضهم وقف بمشاريع نقدية متكاملة حول آرائه. فطرابيشي هو ناقد سابق للجابري في مذبحة التراث لكنه مؤخراً بدا صاحب مشروع نقدي متكامل عن الجابري في موسوعة نقد نقد العقل العربي. وآخر نقاده طه عبد الرحمن الذي بدأ من كتاب تجديد المنهج في تقويم التراث. ليظل السؤال البارز: هل وفق هؤلاء في نقد الجابري؟
وقف طرابيشي على خلل ما في طريقة الجابري في تصنيف واعتماد مرجعياته ومصادره. كما وقف طه عبد الرحمن على خلل ما في طريقته في ترتيب أحكامه ونتائجه على معطيات بدت غير كافية من الناحية الدلالية المنطقية أو دعوى صاحبها. لا يوجد نقد واحد يملك أن ينازل الجابري إلَّا إذا اجتمع بعضها إلى بعض. وهذا أمر غير وارد. فالنقد انطلق من تخصصات مختلفة وبعضها غارق في التخصص. كما تختلف في مستوى غايات ومآرب أصحابها وانتماءاتهم الأيديولوجية. هؤلاء مهما توافقوا على ذبح مشروع الجابري فسيختلفون في طقوس الذبح وحدوده ومكان الذبح الشرعي. سيختلفون وربما سيتخاصمون داخل ميدان النقد نفسه. وهذا ما حدث. فطرابيشي ألهم الجابري ردًّا غير تبسيطيًّا أعاد سبب حملة طرابيشي إلى مسيحيته. هكذا يبدو كما لو كان الأمر يتعلق بنقد طرابيشي للإسلام وليس للجابري. من جهة أخرى تبدو محاولة طه عبد الرحمن إن نحن نظرنا إليها وراء تمنطقها التجريدي، أشبه بارتداد داخل مشهد مارس فيه الجابري والعروي أبويتهما الأيديولوجية. إنها ردّة فعل يدركها من أدرك مأزق الصراع الأيديولوجي في المغرب. لا يوجد نقد نقي بل يوجد فقط تصفية حساب أيديولوجية. وهذا لم يرفع المسؤولية عن ناقد العقل العربي تجاه ما قدمه نقاده. ففي كل تلك الحالات اكتفى بكلمات زادت من استفزاز نقاده. والغريب أننا لم نتمرس بعد على إظهار ما بين أيدينا من أوراق أيديولوجية قبل اقتحام ميدان النقد. ومرة أخرى نجدنا غير مقتنعين بالطريقة التي اجترحها طه في نقد مشروع الجابري وإن أظهر فيه من مواطن الخلل. إنه جرّده من كل العوامل التي تشرّع مداخله ومخارجه النقدية. لقد تعاطى معه كمقولات منطقية بالمعنى الذي لا يحضر ولا يفترض حضوره كذلك في الواقع. إنه ضرب من الحجاج المتقوم بمنطق صوري لا يحضر معه حتى المنطق الرمزي الرياضي. إنه يبحث عن التناقض الذي لا يكلف صاحبه الكثير من الجهد للوقوف عليه حقًّا أم باطلاً في كل خطاب. أحياناً التناقض ينحته الناقد نحتاً ليحاكم منقوده على مذبحه. ومع ذلك لا نقف على الأبعاد التاريخية والسوسيولوجية والثقافية والنفسية التي شكلت دعائم مشروع نقد العقل العربي. إنها أشبه بتقويم النجار لمنحوتة الحداد أو غيره. أدوات طه عبد الرحمن لا تستوعب المدى الذي انبسط فيه مشروع الجابري. فهذا مجال لمفاهيم سيكولوجية وسوسيولوجية وانثربولوجية ولغوية وإبستيمولوجية وتاريخية... كيف يمكن احتواؤها في قالب نقدي لم يتجاوز المقولات الأرسطية أو الآفاق التداولية المحددة ثيميًّا والمؤطّرة منطقانيًّا وفقه-لغويًّا. إن لحظة النقد الطهائي بدت لكثير من المغاربة -أهمهم العروي- مؤشراً على ارتداد إلى النزعة السلفية التي طالما ناقضها صاحب العرب والفكر التاريخي. لا يهم الوقوف عند أعطاب منطقية إن لم نخض في النقد الكامل الذي يترصد الأبعاد الأيديولوجية في مستوياتها التاريخية والاجتماعية والنفسية. فالتكاملية والشمولية التي تبدو مفقودة في المحاولة الجابرية حسب ناقده طه عبد الرحمن، ترتد إلى الناقد نفسه، لأن الأبعاد والدلالات اللغوية للمتن الجابري تتعدى إلى الدلالات التاريخية والاجتماعية والنفسية كما ذكرنا. من هذا المنطلق تكون محاولة الجابري أشمل وأكمل فيما لو قيست بمشروع طه عبد الرحمن النقدي الغارق في التخصص كما نبهنا إلى ذلك مراراً قبل أن ينبه إليه العروي نفسه في يومياته الصباحية. بل إن تهمة المشروع الجابري بالتجزيئية هي نفسها تهمة مشروع طه عبد الرحمن. ومع أنني اتهمت الجابري بذلك قبل طه عبد الرحمن، إلَّا أن الأمر يختلف منطلقاً وغايةً. أذكر من دون ادِّعاء أن مشروع طه عبد الرحمن في نقد الجابري في أبرز مزاعمه ليس جديداً. ذكرت ذلك في مقالة نشرت في بداية التسعينات قبل صدور كتابه العمدة (تجديد المنهج في تقويم التراث) :
«هذا التأمل الذي يجعل التاريخ وحدة متكاملة (...) هل المنهج أو بالأحرى المناهج الغربية بما فيها الأنظمة المعرفية، هل يمكن فصله عن ترسباته الأيديولوجية؟ (...) لكن تعقيل التراث وإعادة إنتاجه يجب أن يكون من عنديتنا (...) وهذا الفهم التجزيئي للإسلام، قاده مرة أخرى إلى الدفاع عن السلفية (...) موضوع التراث له أكثر من جانب وتراوده أكثر من أزمة. وهو فوق هذا كله يبقى في حاجة إلى جهد جماعي (...) نتمنى أن تكون هذه الورقة بداية لإثارة الطموح إلى هذا المشروع الذي يهدف إلى بلورة المنهج المنسجم مع ثقافتنا المحلية (...) إن هاجس الخوف من المنهج ومن التجديد في النظر إلى التراث يجب أن يزول، إن أزمة التراث لا تقل ضراوة عن أزمة المنهج (...)».
الدعوة إلى تجديد المنهج في النظر إلى التراث من منطلق الملاحظات الأخيرة التي تتمحور حول أزمة المنهج وشيوع النزعة التجزيئية وغياب التكاملية والشمول ومشكلة الانتقاء مما عالجناه وأشرنا إليه قبل أن يخوض فيها صاحب التقريب التداولي للتراث الذي ترجم كل تلك المقولات بمقولات استبدالية تمتح عناصر تحليلها من فقه اللغة والتداوليات. وليس غريباً أن تأتي محاولته الموسومة بـ: «تجديد المنهج في تقويم التراث» بعد مقالنا الأخير الموسوم «مشكلة التراث وأزمة المنهج». كأنها إجابة عن تساؤل اقتضى وضع «تقويم التراث» جواباً عن «مشكلة التراث»، وتجديد المنهج جواباً عن «أزمة المنهج». ولا ضير في ذلك، بعد أن كانت تلك دعوتنا واقتراحنا كما جاء في المقال المذكور، غير أن ما يبدو جديراً بالتأمل، هو أن المحاولة الطهائية بقدر ما تقيدت بتعقب الطريقة الجابرية في ترتيب نتائجها على مقدمات غير مكتملة، تجاهلت أن الدعوى لتجديد المنهج توجب استيعاب الأبعاد التي تتشكل منها الظاهرة التراثية، كما أنها لم تستوعب الأبعاد التاريخية والاجتماعية والنفسية التي ظلت خارج تعقب الطريقة الطهائية التي زادت تجريدات الجابري اللاّتاريخية تجريداً منطقانيًّا أخرج الناقد والمنقود معاً من شروط التفكير الواقعي والتاريخي. هي إذن محاولة في التقويم ومحاولة في تجديد المنهج. فهل حقًّا حلّت مشكلة التراث وأزمة المنهج؟ في تقديرنا إنها وضعت اليد على بعض الجرح لكنها فتحت جروحاً غائرة أخرى. إنها عمّقت أزمة المنهج كما زادت في مشكلة التراث.
ولم تكن آخراً محاولة بنسالم حميش -وهو بالمناسبة وزير الثقافة المغربي الحالي وزميله في الانتماء إلى حزب الاتحاد الاشتراكي الذي ما فتئ يُنعت بحزب المثقفين- في كيل أقسى النقض على الجابري فيما يمكن اعتباره غضبة نقدية لا مؤانسة فيها. فلقد كان حميش دائماً من القلائل الذين حاولوا الدفاع عن مساحات أخرى داخل المشهد الثقافي المغربي غير تلك التي شغلها ناقد العقل العربي. ولا زلت أذكر كيف تأثر صديقنا المرحموم تركي الربيعو من تعقيب حميش عن مداخلته التي نوّه فيها بكل من العروي والجابري معتقداً أن القافلة لم تحمل غيرهما في هذا المسار المغربي الذي اختزل فيه المشهد في بعض الأعلام والروائع. حينها ذكر حميش بما معناه حسب ما نقل لي الراحل الربيعو: كفانا حديثاً عن العروي والجابري، فالمغرب ليس هو العروي والجابري فقط. وتراني أقاسمه كل ملاحظاته في هذا الموضوع، لسبب بسيط، هو أن أكثرها مما تطرقنا إليه أيضاً في مناسبات متقدمة. ولكن من أضبط ما لفتت إليه هذه المحاولة قوله: «وصاحبنا في حربه المعلنة على الموتى لا يألوا جهداً في تحميلهم مسؤولية بلايا (العقل العربي) المعاصر وتوعكاته؛ وأخطر أولئك الموتى الغزالي والأشاعرة الذين أثروا حسي تصويره حتى على إيمان العامة بالقضاء والقدر أو بـ«المكتوب» كما لو أن العامة كانوا قراء الأشاعرة» .
وقد نبَّه حميش إلى مسألة التضخم في الشواهد التي لا حاجة إليها؛ إذ لا معنى لهذا الاكتظاظ بالشواهد والاستشهادات إلى حدّ الخنق ما دام «يقيم الفكر في أقصر خيط وأضيق فسحة بين استشهاد وآخر» .
وقد تتبع حميش -كما فعل قبله طرابيشي وكما فعل أيضاً طه عبد الرحمن وكما سبق وفعلنا- موارد تناقضاته وتقلباته، ليصف محاولته بالحربائية وهو قريب مما نعتناه به قبلاً بالزئبقية وإثبات الأطروحة ونقيضها. وكما فعل طرابيشي، فإن الأمر يبدو محل استغراب لدى حميش الذي وقف أيضاً على بعض مهازل الذهول الذي انتاب ناقد العقل العربي في أخطاء الأسماء ومؤلفي مراجعه. ليس إلًا مثالاً أن يخلط بين روزنتال المسمى إرفن إسحاق يعقوب وبين فرانز روزنتال مترجم مقدمة ابن خلدون والذي نسب له صاحبنا تأليف ترجمة جوامع سياسة أفلاطون التي هي من ترجمة الأول لا الثاني. إن محصول نقد بنسالم حميش وإن قسا قسوة ردّ الفعل تجاه برودة الجابري في اعتبار ملاحظات نقاده، تبدو ملاحظات تعزز كافة أشكال النقد التي وجهت لناقد العقل العربي دون أن تترك في أعماله اللاّحقة بصمة تزحزحه عن مسلمة واحدة من مسلماتها.
* ختاماً
تبدو المهمة غير ناجزة لقيام ممارسة عقلانية للنقد العربي بدل الانهمام بممارسة نقد العقل العربي. ننتقد كاتباً ما حول مشروع ما، فنتمادى إلى كراهية الكاتب. ثم يرحل عنّا فنصاب بتأنيب الضمير، وبدل أن نقيّم فكراً حيًّا ونقوَّم نهجاً لا يموت، نقيم مجالس عزاء ونرثي ونعتبر أن من واجب العزاء أن نبصم على آرائه ونمضيها حقائق لا تناقش. هذا هو العقل العربي -تجوُّزاً- إن كنا ولا بد سنتحدث عن عقل عربي. من هنا وجب أن يستمر النقد وتستمر الحياة النقدية منكبة على الفكر والمشاريع الفكرية التي اختطها أصحابها أحياء وأمواتاً. إن استعمالنا للعقل العربي هو من المجازات التي آن الأوان أن نوقفها. لأنها لا تستقيم برسم البنيوية والتاريخانية معاً. ليس ثمة عقل عربي بل هناك رهانات ومصالح ونزعات عقلية -العقل نفسه له نزعات- يجب معالجتها بالمعقول القادر على صنع تغيير في الواقع وليس في المجرد المعقول الذي يبعدنا من إمكانية الفعل أو يجعلنا نسرح خارج مسالك الممارسة. إننا ربما فكرنا أكثر مما فكر الغربيون لكننا لم نمارس العقل. وجب علينا أخيراً أن نقتصد في التفكير حتى لا نتيه عن الصواب؛ وجب أن نمارس العقل ونأنس بالمعقول بقليل من التفكير وكثير من الصمت. إننا لا نفكر طويلاً إلَّا في المعقول الملتبس غير الناجز: ماذا تقول فيمن يكثر الكلام عن بديهيات العقل والمعقول إزاء من يفعل المعقول من دون شوشرة ولا ضوضاء؟! ثمة مهام تفرض على الباحث أن ينتقل من ملهية نقد العقل العربي إلى مهمة تعقيل النقد العربي؛ نقداً يتجه إلى النصوص لا الشخوص.. إلى المعنى لا الحروف.. إلى الأموات والأحياء..إننا نمارس النقد بمعناه العربي لكننا لم نمارسه حتى اليوم بمعناه العقلاني؛ حيث معيار النقد الناجع هو المراكمة وجدل الناقد والمنقود والنقاش العمومي وعدم الانزواء والتشامخ استبداداً بالرأي وممارسة التفكير من داخل زوايا صوفية مظلمة وتنزيلها الى المشهد كما لو كانت وحياً يُوحى؛ إننا اليوم نفترض في مطارحاتنا متلقياً يتشكل منه أفقيًّا شيء نسميه الرأي العام ووسيلةً تسمى النقاش العمومي، ولسنا في صوامع تفترض مريدين كسالى يتشكل منهم عموديًّا شيء سميناه الشيخ والمريد ووسيلةً تسمى التقريرات. رحل ناقد العقل العربي وظل هذا العقل -إن سلمنا بصحة النسبة- يستفزنا باتجاه مزيد من النقد؛ ولكن هذه المرة، من نقد العقل العربي إلى تعقيل النقد العربي.

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
علاج أمراض النفس في التراث الإسلامي (1).    ( من قبل 7 أعضاء )    قيّم

أمراض النفس وعلاجهافي التراث الإسلامي (الغزالي أنموذجاً)
الدكتور ميلود حميدات
* ملخص المقال
لقد اهتم الفلاسفة المسلمون بالنفس وأمراضها، وبرزوا في تشخيص أحوالها، ووصف علاجها، واشتهر منهم الكثير في ذلك. ومن الذين تميزوا بالأصالة في الموضوع والمنهج، الشيخ أبو حامد الغزالي. الذي تميزت نظرته إلى النفس عن فلاسفة اليونان، ومن تبعهم من فلاسفة الإسلام.
وقد ظهر ذلك التميز في أنه يستمد أسس فلسفته النفسية من الإسلام، ومن تجربته الذاتية في التصوف، مع العلم أن التصوف ذو علاقة وطيدة بعلم النفس، و(الغزالي) من ناحية أخرى باحث في النفس، وفي التصوف مادة نفسية غزيرة، وحيَّة تستوقف كل باحث، وتنشد اهتمام كل دارس. لقد كان لتلك التجربة النفسية العميقة أعمق الأثر في إبداع الغزالي في موضوعات النفس وتحليل عللها، وإدراك الدوافع والانفعالات، ومعرفة العواطف والانحرافات، وبالتالي تشخيص الحالات، ووصف العلاجات.
لذلك ارتأينا في هذا المقال أن نتتبع تحليل الغزالي لبعض موضوعات النفس، مثل طبيعة الانفعالات وضبطها، وأمراض النفس وأسبابها وكيفية علاجها. كل ذلك في إطار مقاربة مع النظريات الحديثة، مبرزين في كل ذلك منهج الغزالي في التحليل الذي يقترب من المناهج الحديثة، خاصة الانطلاق من سبر أغوار النفس بالتأمل والاستبطان، والاستعانة بما تثبته الوقائع من خلال الملاحظة والتجربة، عن الحالات التي خبرها وعايشها الغزالي بنفسه.
ويبدو لنا أننا في هذا القليل من الكثير الذي يتميز به الغزالي قد أثبتنا أصالة وتميز العلاج النفسي الذي قدّمه الغزالي، وسبْقه لكثير من المدارس الحديثة في طرْق موضوعات النفس وأحوالها، وأمراضها.
* ماهية أمراض النفس عند الغزالي
يعتبر أبو حامد الغزالي (450 - 505ه/ 1056 - 1111م) من أبرز مفكري الإسلام الذين أولوا أهمية بالغة للنفس البشرية، من جميع جوانبها، حيث وقف على الكثير من الآليات التي تحكمها، كما شخّص العديد من عللها وأمراضها، واجتهد في وصف علاجاتها. كما يمكن الوقوف على آراء كثيرة سبق (الغزالي) من خلالها المدارس النفسية المعاصرة، لعلّ من أبرزها ما جاءت به مدرسة التحليل النفسي، بزعامة مؤسسها (سيغموند فرويد Sigmund Freud 1856 - 1939م).
ولعلنا لا نبالغ إن قلنا: إن للغزالي ملامح نظرية في تحليل النفس، تستمد أصولها من الإسلام، وسنتطرق إلى أهم معالم هذه النظرية في نظرة الغزالي إلى النفس، وإلى الغريزة والانفعالات، وتأثيرهما على النشاط النفسي، وأمراض النفس وأسبابها ثم كيفية علاجها، ومنه تكتمل الصورة لدينا لما قدمه الغزالي من آراء سبق بها عصره. وهذا ما نحاول تسليط بعض الضوء عليه في مقالنا هذا.
يتكلم الغزالي عن أمراض النفس التي يطلق عليها أمراض القلب، وذلك لأنه يعطي للنفس والقلب والروح نفس المعنى أحيانا، وتنشأ هذه الأمراض عادة من اختلال التوازن بين أقسام النفس البشرية، وغلبة طرف على الأطراف الأخرى من جهة، وعدم قدرة العقل على التحكم والسيطرة من جهة أخرى، فنصبح أمام حالات من انحراف السلوك، وطاعة الرغبات والشهوات، التي تسيطر على صاحبها، فَتُسيّره.
لقد تكلم (الغزالي) عن أمراض النفس التي لم يتطرق إليها علم النفس، وإن فعل ذلك فلم يحدد تلك الأمراض بالضبط، أو اعتبرها لم تصل إلى درجة الشدة التي تتطلب علاجاً، إلَّا أن ذلك نعتبره سبقاً علميًّا للغزالي في تناول تلك الأمراض ووصف العلاج لها، وإن استفاد الغزالي كما هو واضح من الدين في كشف واستخراج تلك الأمراض، إلا أننا نحسب له السبق في قدرته على تحديدها وضبطها ووصفها وتبيين أسبابها ثم العمل على وصف علاجها، ويتضح هنا منهج دراسة حالة في التعامل مع هذه الأمراض، ولذلك يحسب للغزالي الإبداع في الموضوع وفي اكتشاف المنهج معاً، وللتدليل على ذلك نذكر بعض هذه الأمراض(التكبر، الغرور، الحسد، الكذب، البخل، الرياء، إلخ) كما نمثل ببعض النماذج لتعامله مع تلك الأمراض لإثبات ما ذكرناه.
* أسباب الأمراض النفسية
لعلّ من المُسلَّم به أن الأسباب الأساسية في الأمراض النفسية، أو أمراض القلوب كما يسميها الغزالي هو الصراع بين قوى الخير وقوى الشر، بين العقل والغريزة، بين الرغبة في الإشباع وطلب اللذة، وبين الاستقامة والرضا. وفي الوقت نفسه الشعور بالندم والإحساس بالذنب في حالة طاعة مطالب الجسد، وعصيان أوامر العقل، ومنه ينتج القلق والتوتر، والغضب والعدوان، والخوف والانتقام، وسرعان ما يضطرب السلوك بظهور تلك الانفعالات، ومع تكرارها تسيطر على النفس وتصبح عادة تدفع إلى سلوكات أخرى أكثر تأثيراً في النفس.
كما يُرجِع الغزالي انتشار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان إلى ثلاثة أسباب وهي:
1- لا يدري المريض أنه مريض.
2- أن أعراضه وعاقبته غير مشاهدة في هذا العالم، بخلاف مرض البدن فإن عاقبته موت مشاهد تنفر الطباع منه، وما بعد الموت غير مشاهد وعاقبته الذنوب وموت القلب، وهو غير مشاهد.
3- فقد الطبيب، فإن الأطباء هم العلماء، وقد مرضوا.. وصارت لهم سلوة في عموم المرض حتى لا يظهر نقصانهم .
انفعال الغضب وعلاجه كمثال
تحليل النفس وعلاج الرذائل والأمراض النفسية التي يتكلم عنها الغزالي فيها كثير من العمق، والسبق، والمنهج التأملي والإقناع في العلاج النفسي، إذ ينطلق مثلاً من تقديم قاعدة العلاج وهي معرفة أسباب المشكل أو المرض، ويتم بعد ذلك مواجهة الأعراض بأضدادها، «قد عرفت أن علاج كل علة حسم مادتها، وإزالة أسبابها فلابد من إزالة هذه الأسباب» .
فمثلاً بالنسبة للغضب، يقدم الغزالي وصفاً دقيقاً، لا يقل دقة وتحليلاً عمًّا قاله أصحاب المدرسة الفيزيولوجية، في وصفهم للمظاهر الجسمية، كما يوضح في تحليله العلاقة الوثيقة بين الجسد والنفس في حدوث الانفعالات، مبرزاً أن الجسد مرآة وصورة لما يحدث في الداخل من تغيرات، إذ يقول في ذلك: «من آثار الغضب في الظاهر تغير اللّون وشدة الرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة حتى يظهر الزبد على الأشداق، وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته، واستحالة خلقته، وقبح باطنه، أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، وإنما قبحت صورة الباطن أولاً، ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانياً، فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن، فقس الثمرة بالمثمرة، فهذا أثره في الجسد.» .
بعد هذا الوصف الدقيق للمظاهر الجسمية، وعلاقة ذلك بما يحدث في النفس، يواصل (الغزالي) تحليل نتائج الانفعال والأفعال التي تصاحبه، وما يمكن أن يصاحب الغضب الشديد من انحراف في السلوك، حيث يقول: «أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام، الذي يستحي منه ذو عقل، ويستحي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم، واضطراب اللّفظ. وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم، والتمزيق والقتل، والجرح عند التمكن، من غير مبالاة. فإن هرب منه المغضوب عليه بسبب أو عجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه. وقد يضرب بيده على الأرض، ويعدو عدو الواله السكران، والمدهوش المتحير. وربما يسقط (سريعاً)، لا يطيق العدو والنهوض، بسبب شدة الغضب، ويعتريه مثل الغشية. وربما يضرب الجمادات والحيوانات، فيضرب القصعة مثلاً على الأرض، وقد يكسر المائدة، إذا غضب عليها. ويتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجمادات ويخاطبها. ويقول على متى منك هذا يا كيت وكيت، وكأنه يخاطب عاقلاً، حتى ربما رفسته دابة، فيرفس الدابة، ويقابلها بذلك. وأما أثره في القلب مع المغضوب عليه فالحقد، والحسد وإضمار السوء، والشماتة بالمساءات والحزن بالسرور، وهتك الستر والاستهزاء، وغير ذلك من القبائح، فهذه ثمرة الغضب المفرط» .
بعد هذا الوصف العلمي الدقيق الذي يبرز لنا ما يمكن أن يؤدي إليه التطرف في هذا الانفعال من عدوانية وعنف، وإلحاق الأذى بالذات وبالغير، وغيابٍ للإرادة والعقل، ولذلك يأتي دور الحلول، والعلاج ليتحكم الإنسان في الغضب كانفعال، وقس على ذلك في كل الانفعالات والعواطف الأخرى. وبداية يرى الغزالي ضرورة أن يسعى الإنسان إلى الوسطية والاعتدال في كل أفعاله النفسية، فمثلاً في الغضب «خير الأمور أوساطها فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس، في احتمال الذل والضيم في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه، حتى يقوى غضبه [قد نفهم من ذلك حتى يحفظ بقاءه، وهيبته واحترامه]، ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور، واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين» .
أما في حالات اشتداد الغضب فيقدم الغزالي علاجاً لذلك، مُذكِّرا ًدائماً بأن الوقاية خير من العلاج، أي يتوقي الغضب من الأول بتربية النفس من البداية على الاعتدال، والصبر، والحلم، «حتى لا يهيج، فإذا جرى سبب هياجه، فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم. وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل» .
ولا يخرج هذا عن العلاج المعرفي والعلاج السلوكي كما يُعرف حديثاً، وسيثبت ذلك بعد التحليل.
أما العلم فهو ستة أمور:
- أن يتفكر في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم، والاحتمال فيرغب في ثوابه.
- تخويف نفسه من عقاب الله إذا ظلم غيره، فإن كان أقوى من خصمه فالله أقوى منه.
- الحذر وتخويف النفس من عواقب الغضب عليه في الدنيا.
- أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب، بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب، وتشبيه الغاضب بالحيوان الضاري.
- أن يتفكر في السبب الذي يحمله على الغضب والانتقام.
- يعلم أن غضب الله عليه أعظم من غضبه، فيغلّب مراد الله لا مراده.
وأما العمل فهو:
- التعوذ من الشيطان، والاستغفار من الله، والدعاء.
- الجلوس إن كان الشخص واقفاً، والاضطجاع إن كان جالساً.
- التوضؤ بالماء، أو الاغتسال لإطفاء نار الغضب .
نستنتج من هذا أن الغزالي يبني العلاج النفسي على أمرين، الأول نظري (العلم كما يسميه)، والثاني تطبيقي (عملي)، وهذا الكلام لا يختلف كثيراً عمَّا يُطرح حديثاً، من استخدام للعلاج المعرفي المبني على الاقتناع، والوعي والمعرفة بالمرض، ثم الإرادة والتصميم على التخلص منه. وبعدها يأتي العلاج العملي أو السلوكي مكملاً لذلك، متمثلاً في الجهد الإرادي للعمل على التخلص من المرض، بالممارسة، والجهد الذاتي المبذول.
وهو سبق معرفي ومنهجي يحسب للغزالي دون شك. ويمكن تطبيق هذا العلاج عن طريق جهد ذاتي داخلي. يقوم به الشخص نفسه. ويمكن الاستعانة بجهد خارجي، يقوم به معالج أو مرشد، خبير بداء القلوب، أو النفوس كما يقول الغزالي.
* أساليب علاج أمراض النفس عند الغزالي
1- العبادات
العبادات في الإسلام ليست طقوساً مبهمة مُغرِقة في الرمزية، لا غاية دنيوية لها، وإنما هي أعمال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالصحة النفسية والجسدية للفرد من جهة، ولها علاقة وثيقة باستقرار المجتمع أخلاقيًّا واجتماعيًّا. لهذا أدرك الغزالي مثل غيره من فلاسفة الإسلام، أن العبادات لها وظيفة كبيرة في علاج المشاكل والانحرافات لدى الفرد والمجتمع. فتأمل ما تحققه الصلاة من طمأنينة، وشعور بالأمن والاستقرار النفسي، زيادة على ما فيها من نظافة للنفس والجسد، وما يحققه الصيام من صحة للجسد، زيادة على ما تؤدي إليه الزكاة من تعاون وتكافل اجتماعي. ومع تكافل هذه العبادات وما تدعو إليه من معاملات بين الأفراد يكون السعي نحو مجتمع فاضل، عادل تنتفي فيه، أو تقل الآفات الاجتماعية، لأن صلاح الأفراد من صلاح المجتمع. والمتأمل لكثير من الآيات والأحاديث يتأكد من ذلك، حيث يقول تعالى: ?وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ? .
?خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا? .
وقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «من لم يدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدَع طعامه وشرابه» .
ولو تتبعنا نموذجاً يقدمه الغزالي للعبادات، نتبيّن منه التحليل النفسي الدقيق للنفس البشرية الذي يقدمه الغزالي، ونظرته إلى العبادة على أنها أساس تحقيق الاتصال بالله، لتصل النفس إلى التوازن والاستقرار النفسي والطمأنينة. إذ يرى مثلاً أن روح الصلاة في حضور القلب، أما «إذا كان القلب غافلاً.. ولسانه يتحرك بحكم العادة، فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل، ورسوخ عقد الإيمان» .
ومع معرفة الغزالي للطبيعة البشرية فهو يدرك أن الخشوع التام يبدو مستحيلاً، إذ لا يمكن التخلص من مشاغل الدنيا، وأهواء النفس، إلا أن الغزالي يجتهد في فهم أغوار النفس البشرية ليحدد الأسباب التي تشغل النفس عن الخشوع، ملتزماً بمنهجه العلمي يُبيّن لنا في الوقت نفسه الدواء وكيفية علاج شرود الذهن، ودفع المثيرات، وهنا تبرز عبقرية الغزالي في تحليل النفس، إذ يقول: «وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمراً خارجاً، أو أمراً في ذاته باطناً. أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإن ذلك قد يختطف الهَم (أي الفكر) حتى يتبعه ويتصرف فيه، تنجر الفكرة إلى غيره ويتسلسل، ويكون الإبصار سبباً للافتكار، ثم يصير بعض تلك الأفكار سبباً للبعض، ومن قويت نيته، وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه، ولكن الضعيف فلابد وأن يتفرق به فكره» .

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
 273  274  275  276  277