البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 272  273  274  275  276 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
الشيخ حسن الصفار    ( من قبل 5 أعضاء )    قيّم

" ما معنى قوله تعالى {حملته كرها ووضعته كرها}؟
الإجابة:
«بسم الله الرحمن الرحيم»
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
هذه الآية المباركة تتحدث عن ضرورة استشعار فضل الوالدين ووجوب الإحسان إليهما، وتذكر بالعناء الذي تتحمله الأم أثناء الحمل والولادة حتى تكون الصورة حاضرة أمام الإنسان (الابن) أثناء تعامله وتصرفه.
يتحدث آية الله الشيخ ناصر مكارم في تفسيره الأمثل عن هذا المقطع من الآية ﴿... حملته كرها ووضعته كرها فيقول: إنّ حالة الأُم تختلف منذ الأيّام الأولى لإنعقاد النطفة، فتتوالى عليها الصعوبات، وهناك حالة تسمى حالة (الوحام) هي أصعب الحالات التي تواجهها الأُم، ويقول الأطباء عنها: إنّها تنشأ نتيجة قلّة المواد التي تحدث في جسم الأُم نتيجة إيثارها ولدها على نفسها.
وكلما تكامل نمو الجنين امتص مواداً أكثر من عصارة روح الأُم وجسدها، تترك أثرها على عظامها وأعصابها، فيسلبها أحياناً نومها وغذاءها وراحتها وهدوءها، أمّا في آخر فترة الحمل فيصعب عليها حتى المشي والجلوس والقيام، إلاّ أنّها تتحمل كلّ هذه المصاعب بصبر ورحابة صدر وعشق للوليد الذي سيفتح عينيه على الدنيا عمّا قريب، ويبتسم بوجه أُمّه.
وتحل فترة وضع الحمل، وهي من أعسر لحظات حياة الأُم، حتى إنّ الأُم أحياناً تبذل نفسها وحياتها من أجل سلامة الوليد...
وفقكم الله لكل خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
( موقع حسن الصفار).

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
مبرة الآل والأصحاب    ( من قبل 5 أعضاء )    قيّم

 
هذا ما يحبه كل مسلم

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
تحرير التدين من الكراهية    ( من قبل 5 أعضاء )    قيّم

" تحرير التدين من الكراهية

د. عبد الجبار الرفاعي
في الادبيات المتداولة لدى الاسلاميين يجري خلط بين الاسلام بمعنى نص الكتاب, والاسلام بمعنى التراث المدون للمسلمين عبر التاريخ, والاسلام بمعنى التجربة التاريخية للاجتماع الاسلامي, وما اكتنفها من انتصارات وصراعات وهزائم, وما شاع في حياة المسلمين من تقاليد وممارسات متنوعة. فيغدو الدفاع عن الاسلام احيانا دفاعا عن بروتوكولات القصور السلطانية, او دفاعا عن الاكراهات المختلفة في الحياة الاسلامية. وتتسع دائرة المقدس فتشمل الماضي بأسره, من دون تمييز بين خيره وشره, وعدله وظلمه, وحسنه وقبحه, ويتحول الأعلام الذين عاشوا في تلك العصور، من المتكلمين، والفلاسفة، والعرفاء، والمتصوفة، والفقهاء، والمفسرين الى كائنات متعالية على التاريخ, ويتعاطى الكثيرون مع آثارهم وكأنها نصوص أبدية خالدة, لا تختص بزمان او بيئة حضارية معينة.
ومن الواضح ان الرؤية الكونية وصورة الاله, ونمط صياغات المفاهيم, والاحكام, والمواقف السائدة, فيما كتبه المسلمون من مدونات ومؤلفات, تلتبس بطبيعة الظروف والاحوال والظواهر السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية, فولادة وطغيان استبداد الخلفاء والسلاطين، منذ العصر الاموي الى آخر سلطان عثماني، رسخ صورة للاله طمست رحمته ورأفته وعفوه وجماله وجلاله, الذي يتجلى مشرقا في النص القرآني, وجرى تهميش واقصاء لآثار العلماء, الذين لايتطابق موقفهم مع هذه الرؤية, لانها كانت تفصح عن اجتهادات تسعى لمقاربة تلك الموضوعات من منظور مختلف, وتفضي الى اكتشاف الابعاد الانسانية في الدين, والاعلان عن ان احتقار الآخر أو عدم احترامه, لا صلة لـه بالدين, لان, «الدين هو الحب والحب هو الدين» حسب تعبير الامام محمد بن علي الباقر(ع). وعلى هذا ينبغي التمييز بين الاسلام الامبراطوري, الاسلام الذي نشأ وترعرع في البلاطات والقصور السلطانية, واسلام الموت والكراهية, الاسلام الذي يختزل الدين في طاحونة للقتل الشنيع, كما فعل في كربلاء والكاظمية في العاشر من محرم سنة 1425هـ، وما فعل في الكنائس وبيوت العبادة المسيحية في بغداد وغيرها، وبين الاسلام القرآني المبرأ من ذلك.
هجاء الحياة وتمجيد الموت
وهب الله الحياة للانسان, فصارت مناط الاستخلاف والأمانة, وبالتالي المسؤولية, وارتكزت عليها وانبثقت منها كل مكاسب البشرية وابداعاتها وتعبيراتها. وتحرص الاديان عادة على احترام الحياة, وربما تقديسها, وتتطلع الرسالات السماوية الى تطهير الحياة من القلق, وبث الطمأنينة والسكينة في روع الانسان, عبر ترسيخ النزعة الروحية والاخلاقية, وتكريس المضمون الرمزي للعالم, والكشف عن مظاهر الانسجام والاتساق بين الانسان وما حوله, وتحريره من الاغتراب الكوني, ومن كل ما من شأنه ان يسلخه وينفيه من هذا الوجود.
غير ان الحياة تغدو لعنة, وأية محاولة للتشبث بها, والسعي لعمارتها, والتنعم بطيباتها, تصبح منافية للفهم السلفي للدين, ذلك الفهم الذي يتمحور خطابه على هجاء الحياة, وتمجيد الموت, ولعن المباهج, وأسباب الفرح والغبطة والمسرة، بل مسخ الذوق الفني, وتجاهل الابعاد الجمالية في الكون. ان التعامل مع الحياة بهذا المنطق, هو مصدر الشعور بالاحباط والفشل, وهو الذي يقود الى العنف, والرغبة في تدمير الحياة, وتحطيم كل شيء ينتمي اليها. حين تهيمن ثقافة الموت على وجدان الانسان, تنطفئ جذوة الحياة في نفسه, ويفتقد القدرة على المساهمة في البناء, ولايتقن اية حرفة سوى تقديس الحزن, وصناعة الموت, فتندثر طاقاته, وتتعطل قابلياته, وتتبدد امكاناته ومواهبه بأسرها. وليس هناك درب يقودنا الى الحياة, ويعيد قطاعات واسعة من الشباب الى العالم الذي افتقدهم, سوى اشاعة فهم عقلاني جريء للدين, يخترق الادبيات الجنائزية في تراثنا, التي تكثف حضورها في الخطاب السلفي اليوم,كما يخترق ما راكمته تجربة الاجتماع الاسلامي من اكراهات ومظالم وصراعات مختلفة, عملت على تبلور مفهومات وفتاوى مشبعة بتلوينات تلك التجربة. لقد باتت الحاجة ملحة الى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح, وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا, والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخطأ للدين, والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه. ومن الضروري عدم التوقف عند دراسة مضمون الخطاب, وانما يجب تحليل خطاب الجماعات الاصولية, ودراسة الآليات الخطابية, التي تنتج العنف, وتمتدح الكراهية, ذلك ان اللغة ليست أداة محايدة في بيان المعاني, بل اللغة فى حراكها التواصلي والاجتماعي, كما تجسـدها النصوص, هي فضاء من الفضاءات الاجتماعية يخضع لحركية خاصة, ينبغي ان تحلل من داخلها(1). وعلى حد تعبير نيتشة, فإن كل كلمة هي عبارة عن حكم مسبق.
ان مراجعة عاجلة لنموذج من الادبيات السلفية, سترينا بوضوح كيف ان هذه الادبيات بقدر ما تتحدث عن مناهضة الآخر, وانحصار اسلوب التعاطي معه بالقتل والابادة, فانها تتكتم على مساحة شاسعة في النص، تتحدث عن الرأفة والرفق والعفو والعدالة والرحمة, حتى يخيل لمن يستمع الى منابر هذه الجماعات, او يقرأ بياناتها, انها تتحدث عن دين خاص تنحته, وتعيد تشكيله في اطار وعيها, وخلفياتها ومسبقاتها وقبلياتها ومفروضاتها الذهنية, ولا علاقة لـه بالنص المؤسس. انه دين مشبع بالاكراهات, ينفي الروح التطهرية للدين, ويمسخ ما يختزنه من معان سامية, ويفرغه من محتواه العقلاني, ويحيله الى مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة, تستنزف الطاقة الحيوية الابداعية لرسالة الدين, وتفقره، وتمسخه، وتستبدله بمفهومات وافكار مقطوعة الجذور عن روح الدين وجوهره، وتصيره عبئا ينوء الناس بحمله, ويعطل دينامية التطور في الاجتماع البشري, ويستدعي القيم الرديئة للبداوة, فيبعثها من جديد, ويتبناها, ويدافع عنها, ويسقط عليها قناعا اسلاميا, بوصفها تمثل الهوية والاصالة, فيما هي في الحقيقة ليست الا تمثلات وتعبيرات وتقاليد, لبيئة محلية صحراوية قاسية غليظة, رفضها القرآن, ونعتها بتسميات قدحية, وجعلها النقيض لروح الدين ومقاصده الأخلاقية، وأهدافه الانسانية.
لااكراه في الدين
مما لاريب فيه ان حق الحياة من الحقوق المصونة المحترمة لكافة البشر, بقطع النظر عن أجناسهم وثقافاتهم ومعتقداتهم, وان عدم الايمان أوالكفر وحده لايصلح ان يكون موضوعا للحكم بالاعتداء على شخص أوقتله, وان الأصل هو براءة الكل من العقوبة الدنيوية, واثبات اية عقوبة بحاجة الى دليل. ذلك ان المعتقد امر جوانحي باطني، وليس امرا جوارحيا خارجيا, وان تحققه وحصوله ليس باختيار الانسان، بمعنى ان العالم الجواني الداخلي لايمكن فرضه بالقسر, باعتباره عالم الحرية.
يصرح العلامة الطباطبائي في تفسير «لااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» ان الآية في مقام بيان «نفي الدين الاجباري, لما ان الدين, وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها اخرى عملية, يجمعها انها اعتقادات, والاعتقاد والايمان من الامور القلبية التي لايحكم فيها الاكراه والاجبار, فان الاكراه انما يؤثر في الاعمال الظاهرية, والافعال والحركات البدنية المادية, واما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب اخرى قلبية، من سنخ الاعتقاد والادراك, ومن المحال ان ينتج الجهل علما, أوتولد المقدمات غير العلمية تصديقا علميا, فقوله«لااكراه في الدين» ان كان قضية اخبارية حاكية عن حال التكوين, انتج حكما دينيا بنفي الاكراه على الدين والاعتقاد, وان كان حكما انشائيا تشريعيا, كما يشهد ماعقبه تعالى من قوله «قد تبين الرشد من الغي»كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد والايمان كرها, وهو نهي متك على حقيقة تكوينية, وهي التي مر بيانها. ان الاكراه انما يعمل ويؤثر في مرحلة الافعال البدنية دون الاعتقادات القلبية... وبعبارة اخرى العقيدة بمعنى حصول ادراك تصديقي ينعقد في ذهن الانسان ليس عملا اختياريا للانسان حتى يتعلق به منع او تجويز او استعباد او تحرير, وانما الذي يقبل الحظر والاباحة هو الالتزام بما تستوحيه العقيدة من الاعمال, كالدعوة الى العقيدة...»(2). ويصف القرآن الايمان بأنه رشد وحق, وان ماسواه زيغ وغي, والرشد هو الأمر الواضح الجلي, الذي لايجبر عليه الانسان, ويبدو ان الآية تقرر حقيقة عامة شاملة لكل انسان، ومع كل معتقد, فانه لايمكن فرضه, مثلما لايمكن خلعه وسلخه منه. أي «انطلاقا من الاطلاق الذي تفيده الآية, لم يقصر القرآن الكريم حرية العقيدة وعدم الاكراه على الدين الاسلامي, بل أعلن عن انتفاء كل اشكال الضغط والاكراه موضوعيا عن كافة الأديان والعقائد والافكار, وذلك بالنظر لالغاء خصوصية المورد, أي ان مثل هذه الحرية المتصلة طبيعيا وذاتيا بماهية البشر, مما لايمكن وضعه ولارفعه ».(3) وهذا يعني ان المعتقد مالم ينبثق الايمان به من قناعة وجدانية، وارادة قلبية، لايمكن ان يلامس شغاف الفؤاد. وكل الأنظمة الشمولية, التي تفرض نسقا ايديولوجيا مغلقا على مواطنيها, انما تعمل على تفشي ظاهرة النفاق, وهي تحسب انها دمجت كافة المواطنين في النسق الاعتقادي الذي اختارته لهم, ذلك ان المعتقد ليس بمثابة الثوب الذي يلبس ويخلع بسهولة. وفي مثل هذه البلاد تشيع عادة عقيدة ظاهرة, وهي ماتريده السلطة, بينما يخفي الافراد معتقداتهم, التي باتت واحدة من مكونات هويتهم الباطنية. وفي آيات اخرى يتحدث القرآن ايضا عن هذه المسألة, ويجليها بوضوح, كما في قوله تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»(4). هنا اشارة الى المشيئة الالهية التكوينية الحتمية, التي بموجبها يمكن ان يجعل الله جميع سكان الأرض مؤمنين بالقسر, ولكنه تعالى انكر ذلك مستفهما، بأن مثل هذه الحالة لاتليق بالانسان, وكما انه سبحانه لم يلجأ لذلك، فهو ينبه النبي ان لايحزن أو يقلق، عندما لا يؤمن بعض الناس, لأن المورد خارج اطار الاكراه. وان الايمان موكول للانسان, فبوسعه اختيار ماترسو عليه قناعاته, ومايرتضيه قلبه, ومايستسيغه عقله.
وفي مجموعة آيات يتحدث القرآن عن حرية كل فرد في اختيار السبيل الذي ينشده في الدنيا, كما في قوله تعالى: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا»(5). تقرر الآية بصراحة ان الايمان والكفر يرتبطان باختيار الانسان وارادته, من شاء فليؤمن, ومن شاء فليكفر, ولا تشير الى عقاب، أو توبيخ، أو تحقير واهانة، دنيوية, بل تقتصر على الاشارة الى الاستحقاق الاخروي للظالمين المعاندين. وهكذا الآية «قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل»(6), والآية «انا انزلنا عليك الكتاب بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وماانت عليهم بوكيل»(7).
وبالرغم من ان القرآن لايساوي بين الهدى والضلال, لكنه يمنح الانسان حرية في الاختيار, ولايلزمه بأحدهما خاصة, لأن المعاد يترتب على هذه الحرية, وليست هناك مسؤولية وحساب مع سلب الاختيار في الدنيا. وفي طائفة غيرها من الآيات يحدد القرآن نمط دعوة الرسول الآخرين الى الدين, فيصفه بأنه (مذكر, ومبشر, ومنذر, وشاهد, وسراج منير, ورحمة للعالمين, وماعليه الا البلاغ, وليس بمسيطر, وليس بجبار....).
«فذكر انما انتَ مذكرٌ. لستَ عليهِم بمسيطر »(8).
«نحن اعلمُ بما يقولونَ وما انتَ عليهِم بجبارٍ فذكّرْ بالقرآنِ من يخافُ وعيد»(9).
«وما ارسلناكَ الا مبشراً ونذيراً. قل ما اسألُكُم عليه من أجر الا مَن شاءَ انْ يتخذَ الى ربهِ سبيلا. وتوكلْ على الحيِ الذي لايموتُ وسبّحْ بحمدِه وكفى به بذنوب عباده خبيرا»(10).
«وإنْ مّا نُرينَّكَ بعضَ الذي نَعُدهُم او نَتَوَفينَّك فَانما عليكَ البلاغُ وعلينا الحساب»(11).
«ما على الرسولِ الا البلاغُ واللهُ يعلمُ ما تبدون وماتكتمون»(12).
«وبالحقّ أنزَلناهُ وباَلحقّ نزَلَ وماأرسَلناكَ الا مبشّراً ونذيراً»(13).
«وماارسلناك الا رحمةً للعالمين»(14).
«يا ايها النبيُ انا ارسلناكَ شاهداً ومبشراً ونذيراً »(15).
«وماأرسلناكَ الا كافةً للناسِ بشيراً ونذيراً»(16).
«انا ارسلناكَ بالحقِّ بشيراً ونذيراً»(17).
«فانْ أعرضوا فما أرسلناكَ عليهِم حفيظا»(18).
«انا ارسلناكَ شاهداً ومبشراً ونذيراً»(19).
اذن وظيفة النبي تتلخص في التذكير بالبينات والهدى, وابلاغ الحق, والشهادة, والتبشير بالنعيم, والانذار بالخسران، في حالة الجحود والعناد, وانه سراج يضيئ الطريق, ورحمة للعالمين. وبموازاة ذلك ينبهه الله الى انه ليس لـه سلطان في اكراه الناس على الايمان, فهو «ليس بمسيطر, ولاجبار, وانما رحمة للعالمين». فاذا كان النبي(ص) وهو صاحب الرسالة، لم يفوّض في اجبار الناس واكراههم، فكيف يفوض غيره بذلك؟! وان كان ذلك ليس من وظائف النبي, فكيف يسوغ لاتباعه سلب حرية الناس, ومصادرة حقهم في اختيار المعتقد؟!
وكذلك ينفرد القرآن الكريم من بين الكتب المقدسة في الأديان، في ان سوره تبدأ بــ«البسملة»والتي تحتسب آية من السورة، حسبما ذهب جماعة من المفسرين والفقهاء, وتشتمل البسملة على صياغة بليغة لبيان مفهوم الرحمة, أوهي تكثيف دلالي لمنطق الرحمة الذي يسود الكتاب.
ويرى بعض المفسرين ان كل بسملة هي آية، لها معنى معين،يخص كل سورة تتصدرها, أي انها آية تختص بتلك السورة, ومعناها يتنوع بتنوع السور, وغرضها لا يخرج عن غرض السورة وما يتحصل من غاياتها. وبعبارة اخرى ان افتتاح كل سورة بالبسملة يعني ان الرحمة المشبعة بالبسملة حاكمة ومهيمنة على مضمون السورة واغراضها, فان كان المضمون اخلاقيا ينبغي ان يكون متقوما بالرحمة, وهكذا لو كان المضمون عقائديا أو غيره. فتقديم نص كل سورة بما تشتمل عليه البسملة من رحمة, يشي بأن كافة المضامين المسوقة في آيات القرآن تتأطر بمضمون البسملة, وهي بمثابة البوصلة التي تحدد وجهتها، وتصوغ الفضاء الروحي القيمي للسورة وللقرآن بمجموعه.
لقد لاحظت ان كلمة«الرحمة» ومشتقاتها تكررت في القرآن اكثر من 330 مرة, ما خلا ما ورد من تكرار البسملة في السور 114 مرة, وبناء على القول بأن البسملة آية من كل سورة، وورود «الرحمن الرحيم» في كل بسملة، يفوق عدد مرات ذكر الرحمة ومشتقاتها في القرآن 550 مرة. وهي ظاهرة دلالية تستحق العناية والتدبر. حتى وصف القرآن الكريم النبي محمد(ص) بأنه رحمة, وذكر بصراحة ان هذه الرحمة عامة, لاتختص بفرقة أوجماعة, وانما هي شاملة لكل العالمين «وماأرسلناك الا رحمة للعالمين». ومما لاريب فيه انه حيثما كانت الرحمة فلا كراهية ولااكراه, ذلك ان الكراهية من لوازم العدوان والنقمة, بينما الرفق والعطف والرأفة والعدل والاحسان من لوازم الرحمة. فاذا كانت الرحمة وتوابعها تستوعب هذه المساحة من القرآن, لماذا يتغافل عنها اولئك الذين يختصرون الاسلام بالقتل والموت, وينصبون انفسهم ناطقين باسم الله في الأرض, من دون ان يتدبروا آيات الله ويفقهوا كتابه, كتاب المحبة والرحمة؟!

الهوامش

(1) د. محمد الحداد. حفريات تأويلية في الخطاب الاصلاحي العربي. بيروت. دارالطليعة، ص5.
(2) العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن. بيروت:مؤسسة الأعلمي, ج2: ص347. وج4: ص 120.
(3) الشيخ الدكتور مهدي حائري يزدي. الاسلام وميثاق حقوق الانسان. حولية «مكتب تشيع» العدد4,1962, ص67-76.
(4) يونس 99.
(5) الكهف 29.
(6) يونس 108.
(7) الزمر 41.
(8) الغاشية 21ـــ22.
(9) ق 45.
(10) الفرقان 56ـــ 58.
(11) الرعد 40
(12) المائدة99.
(13) الاسراء 105.
(14) الأنبياء 107.
(15) الأحزاب 45.
(16) سبأ 28.
(17) فاطر 24.
(18) الشورى 48.
(19) الفتح 8 .
(20) يونس 99.

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
الإسلام والديمقراطية    ( من قبل 5 أعضاء )    قيّم

" الإسلام والديمقراطية

السيد هاني فحص
لعلهم يحسنون صنعا أولئك الباحثون الهادئون، عندما يلتمسون ويلمسون الفارق بين الاسلام كدين يعتني بالعبادات والأخلاق العامة ومعاملات أهله فيما بينهم، وبينهم وبين الآخرين، وبين الديمقراطية باعتبارها شكلا للحكم، أي لعلاقة الدولة باجتماعها، أو وصفا لطريقة الحكم بالشراكة، مع ما يعني ذلك من أفكار وقيم حاكمة على علائق الأفراد فيما بينهم، وبينهم وبين الدولة، كجامع يجمعهم بإرادتهم ومن اجل مصلحتهم جميعا.
هؤلاء إذن، يلاحظون اختلافاً لا يصلون به إلى حد اعتباره تضاداً أو تناقضا بين الإسلام والديمقراطية، ولكنهم في نفس الوقت يرفعونه إلى مستوى الاختلاف بين مشروعين حضاريين؛ هما المشروع الاسلامي الذي يأتي من مكان ونظام معرفي مغاير للمكان والنظام المعرفي الذي تأتي منه الديمقراطية، وينشغلون بالبحث عن مقام الاتفاق في مستوى المثل بين الديمقراطية والاسلام، ملحين، تجنبا للخلط والتعسف، على تظهير اطار ومقدار التنوع أو التمايز بينهما.
الاسلام لم يقدم نمطاً للدولة
هل بإمكاننا أن نبدأ كلامنا عن الاسلام والديمقراطية من نقطة أخرى؟ من السؤال عن رؤية الاسلام لمسألة الدولة: هل هي ضرورة أم لا؟ وإذا ما كانت ضرورة فهل وصفها الاسلام؟ أي هل اقترح لها شكلا معينا ليستوعب في تطوره المستجدات في المعرفة والاجتماع، مرتكزا على المسلمات الفقهية في ضرورة مراعاة الأزمان والأحوال، أي التوليف بين الثوابت والمتغيرات؟ ما يعني في النهاية أن هناك أطروحة نظرية إسلامية لها تمثلاتها ومثالاتها المختلفة في التاريخ، وان هذه النظرية قابلة لاستيعاب المستجدات، من دون أن يكون ذلك مساساً بأسسها ومسلماتها، بحيث إذا ما تواجهنا، من خلال هذا المنطق، مع عدم إمكان المسلمين، في تجاربهم الحديثة (إيران مثلا) على مستوى بناء الدولة، تجنب أو تفادي تطبيق الوصفات المعمول بها في التجارب الديمقراطية الحديثة (الاستفتاء، الانتخاب، حكم الأكثرية، فصل السلطات... الخ)، ليكون علينا بالتالي أن نتدبر أسسا نظرية لاعتبار الدولة، في شكلها الحديث، وآليات إنتاجها (الديمقراطية)، دولة مطابقة أو غير مناقضة للمفهوم الاسلامي للدولة، كأننا هنا قد عدنا إلى ما بدأنا به، أي السؤال عما إذا كان الاسلام قد اقترح شكلا للدولة؟
في محاولة للإجابة الإجمالية عن هذه الكومة من الأسئلة، يمكننا الاستناد إلى قول إسلامي بالغ الوضوح، ومسلكية إسلامية تقتضي مزيدا من التدقيق، حتى نتجنب الوقوع في التعميم. فعندما أكد علي بن أبي طالب أنه «لابد للناس من أمير بر أو فاجر» لم يتخل عن العدالة كهدف لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولكنه وضع وجود الدولة، مجرد وجودها، في المقام الأول، على أساس أن عدمها جور مطلق، بينما جورها الفعلي، التطبيقي، نسبي، فإذا ما ارتفعت نسبة الجور فيها كان علاجها بالاعتراض والاحتجاج والانقلاب المشروط بالعدل أولا.. إذن فقد تعامل علي مع الدولة كضرورة، أما منشأ ضرورتها فهو الانتظام والنظام العام، الأمن والفيء، أي الانسان والعمران، بما يقتضي ذلك من إطلاق حرية التملك المضبوطة بالشريعة، حتى لا تتفاقم الفوارق الطبقية، ويستولي الجور على الأغلبية الساحقة من الناس، فتعم الفوضى، ويخرج الجياع شاهرين على الناس سيوفهم ونعود الى المأثور «سلطان غشوم خير من فتنة تدوم».
إذن فالدولة ضرورة اجتماع، يقتضيها الاجتماع ويبنيها، لا تبنيه، وان كانت بعد أن يبنيها تعود لتسهم في اعادة بنائه وتجديده، يجددها ويتجدد بها، وتجدده وتتجدد به.. والضرورة في قواعد السلوك إنما تقدر بظروفها ومقاديرها، فإذا كانت الظروف متغيرة، أي تغيّر وعي الاجتماع لذاته وعلائقه، وتغير وعي الفرد لموقعه في المجتمع ومسؤولياته وحقوقه وواجباته، وتبعا لذلك تغيرت الأدوار، فلابد أن تتغير الدولة شكلا، وأداء، ودورا، ومصدر شرعية، وآليات تحقيق، طبقا للتغيرات الحاصلة في بنيان المجتمع.
وهذا يعني أنه من الصعب تنميط الدولة، أي اقتراح نمط واحد لها في كل الأمكنة والأزمة، والاسلام في الأساس، لاحظ حسب القرآن الكريم، مدى التعدد والتنوع البشري، فلم يطمح بإلغائه، بل دعا إلى احترام الخصوصيات، وجعلها مصادر حيوية في العالم يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا....
على هذا لا يعود الاسلام وضعا جاهزا معطلا الفوارق بين المجتمعات أو داخلها، وهو يمر بالخصوصيات المجتمعة على أساس حفظ التعدد في الوحدة، وهذه من علامات عمقه التوحيدي.
هل أكون حتى الآن قد قدمت مسوغات لرأيي، بأنه لا داعي للمقارنة أو المفاضلة بين الإسلام والديمقراطية، لأن الديمقراطية هي حتى الآن الشكل الأقل اضرارا بالمجتمع، نظرا للاشكالية الدائمة في علاقة الدولة بالمجتمع، ولأن الاسلام لم يقدم نمطا أو شكلا للدولة، وأن الله لا يتعبدنا بشكل من أشكال الدولة؟
الاختلاف ليس مناطا للقطيعة
تقديري، مع إلحاح على البحث والتدقيق، هو أننا لسنا مع الاسلام والديمقراطية، بين نظامين حضاريين، بل نحن مع نظام حضاري اسلامي تاريخي متحرك متجدد على أصوله، نازع بعمق الى استيعاب التعدد وتجاوزه، أي رفعه إلى مستوى أطروحة انسانية على شرط الحرية. ومن هنا تصبح الديمقراطية، التي كانت و ما زالت، تعبيرا عن شوق انساني الى الحضور في المشهد عطفا على الحضور في المعتقد من خلال الانتماء الديني أو الثقافي، تصبح منجزاً تاريخيا دائم الإنجاز، تنجزه لينجزك، تعيد به إنجاز الاسلام فروعا معروضة على اصولها، ويعيد الاسلام إنجازه طريقا تتسع وتضيق وتعتريها الالتواءات والمطبات من مكان لآخر، ومن زمن لآخر.
أي أن الديمقراطية تقع نظريا في نظام الأفكار الاسلامي العام، المقاصدي، ولا تتعارض مع قيمه، اما أنها محكومة منشأ بسياق حضاري مختلف، فهذا ظلم للاسلام الذي كان شورويا في الواقع، بصرف النظر عن الخلاف في فهم آيات الشورى في القرآن، إلى ذلك فان الاختلاف الحضاري لم يكن يوما حجة للمسلمين للقطيعة مع الآخر، وإلا فكيف انتشر الإسلام واخترق الحضارات لو لم يكن متفهما لها، وموسعا لشراكة معرفية وتاريخية مع منجزاتها؟ والانسان عموما، والمسلم ليس استثناء، هو في الحصيلة مجموع تراكمات ثقافية تبادلية، والاسلام كدين لا يهدف إلى قطيعة بين المسلمين وغيرهم، والاختلاف ليس مناطا للقطيعة، بل هو مناط للتواصل والتعارف والتثاقف، أي التكامل. والقرآن يعتبر أن الأمة التي يجب الحرص على وحدتها، أو إعادتها إلى الوحدة كمعادل موضوعي للتوحيد، وعلى موجب الايمان واللقاء في الواحد، هي الانسانية جمعاء، وهذا ليس مشروع دولة كونية، تقوم على الإلغاء والمصادرة الشمولية، بل هو مشروع ديمقراطيات تتعدد بتعدد المجتمعات، ولكنها تشترك في فضاء الحرية وتلتقي فيه.
إن التعدد والمتعدد، المتحقق دائما، والضروري والحضاري والديناميكي دائما، لا يمكن أن يتناغم ويتجنب الالغاء المتبادل، بالعنف المباشر وغير المباشر، إلا من خلال وعيه للحركة كشرط وجود وحضور وفعل وإيمان.
صيانة الثابت من تعقيدات المتغير
هل هذه دعوة إلى فصل الدين عن الدولة؟ لا يجوز هنا بالذات أن نساوي بين العارض والذاتي في محدداتنا، أي بين ما هو مكتسب، وما هو جزء من التكوين، وكل ما يأتي من قبل الآخر باعتبار آخر له مكوناته، من دون أن يتماهى مع الذات ليدخل في تعريفها، لا يجوز ــ أو لا يمكن ــ أن تتخطى علاقتنا به ووعينا لـه حدود عدم إمكان إزالة الذاتي بالعرضي، لأن الذاتي الذي لا يعلّل فلسفيا لا يزول، من هنا فإن فصل الدين عن الدولة، الذي كان ممكنا وإشكاليا في معناه الكامل في الغرب، غير ممكن في معناه الكامل في حالتنا، على الأقل فإن المسيحية في الغرب وافدة، بينما الاسلام والمسيحية في حالنا نابعة، أي نبعت منا ونبعنا منها، وهذا تعقيد إضافي ونوعي لابد من مراعاته، وبناء عليه، وسواء كان الدين لدينا إسلاما أو مسيحية، فإن غاية ما هو متاح من دون كسر، هو التمييز بين الدولة والدين، إلى الحد الذي يمكن أن تترتب عليه أفكار وسلوكيات تقترب من نحو من أنحاء الفصل النسبي، أي من دون بلوغ التحام قسري، بمعنى اننا قد نكون مدعوين إلى حماية الدين وصيانته من الدولة، ومن آليات إنتاجها ومترتبات أدائها، أي صيانة الثابت من تعقيدات المتغير، حماية للمتغير بالضرورة، أي الدولة، من الثابت كذلك، باعتبار أنهما حقلان من الضروري والمفيد أن يتناغما في النتائج، من دون خلط عشوائي أو تعسفي أو غير منهجي بينهما، معرفة ووظيفة. آخذين في اعتبارنا أن عملية التمييز التي تجوهرت فصلا في الغرب، لم تفصل تماما، وما زال الحراك السياسي والاجتماعي، بنسبة أو بأخرى، في الغرب محكوما بشائبة من الدين، ولكنها، أي عملية الدين الواسعة نسبيا، أدت فيما أدت الى حفظ الدين في سياقه ومساره الانساني الفاعل، بعدما كان الخلط قد عرضه إلى الارتهان لسياق المتغير، أي الاندحار بفقدان المصداقية، باعتباره ملاذا لا منصة انطلاق ضد الآخر، أي ضد الذات في المحصلة.
الدولة في الغرب تحتوي الكنيسة
لقد كان رد الفعل الأوروبي ضد الخلط بين الدين والدولة، بحجم الفعل الذي تبلور في مجمع نيقية (325م) حيث ظنت الكنيسة تحت إغراءات الجاه والسلطة، أنها احتوت الدولة، والواقع أن الدولة هي التي احتوت الكنيسة في سياق الاستبداد الامبراطوري الروماني، الذي عاد ليكتشف في المسيحية غطاءه الايديولوجي السهل وغير المكلف، حتى كان عصر الأنوار تخليصا للمسيحية من هذا المنزلق أو المهوى، فترتب عليه لون من التراجع المسيحي (للمسيحية)، ثم ما لبث البعد الديني فيها أن أخذ يستعيد حيويته وعافيته على أيدي الذين اشتغلوا على أنسنته، وتحديث معارفه، والمعرفة به، وتمثله في السلوك اليومي والعلائقي.. وصولا الى تيار دي شار دان ومدرسته المعاصرة.
لا يكدح الى الله إلا الأحرار
إننا مضطرون للتمييز، حتى لا نقع ثانية في ذرائعية مكشوفة، وقد كان الاسلاميون الجزائريون قساة في ذرائعيتهم، أي جعلهم الاسلام ذريعة، عندما توسلوا الديمقراطية الى الاستبداد المكنون أو المنوي، والذي تجلت النية المبيتة فيه من خلال العنف العشوائي «الاستبدادي منشأ» الذي مارسوه ويمارسونه من أجل ديمقراطية شكلانية، أي استبداد آخر، مقدمين بذلك ذريعة للدولة لأن تجسد استبدادها عنفا، بدا وكأنه مضاد في حين أنه كان تأسيسيا، تأسست عليه الدولة وتأسس عليها.
وإذا ما كانت الغائية «القصد» والله تعالى هو مقصد المقاصد «الله الصمد» هي الشرط الإلهي، والحرية هي الشرط الإنساني، الإلهي جوهرا، فإننا نبطل الغائية بإبطال الحرية، وكذلك نبطل الحرية بإبطال الغائية، ومن دون غائية تصبح الحرية على خطر تحولها إلى فوضى عارمة ومدمرة، ومن دون حرية تصبح الغائية إعاقة، وإحالة الدنيا على الآخرة، وللشهود على الغيب، أي تتعطل الحياة، ويصبح الخلاص الأخروي فرضية مفرغة من المعنى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.
ومن هنا فإن الديمقراطية بما هي نظام ملائم للحرية، ضابط لها، مشروط بالخصوصيات، هي التي تضمن أن يبقى الشرط الغائي على الهيته وإنسانيته، وعلى ذلك نكف عن جعل ثنائية الإلهي والإنساني ثنائية متقابلة، ويصبح كل منهما مجالا أو فضاء لتحقق الآخر يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه «كنت كنزاً مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف» «الخلق كلهم عيال الله». وهل يكدح إلى الله إلا الاحرار، الذين تحرروا بالمعرفة، بمعرفة الحق، عرفوا فلزموا؟ إذن فالحرية مآلها إلى الحق والحقيقة، ومنتهى الحق إلى الحرية، لأن الحرية هي الحقيقة الثابتة، والتي نجدها على الطريق من المعلوم إلى المجهول، أي طريق كشف الجهالات بالمعارف، وإبعاد الجور بالعدل، والعنف بالاعتدال، والتطرف بالتوسط، والغلبة بالتسوية.. والتسوية بمزيد من التسوية.
مصطلح المستبد العادل تلفيق بين مفهومين متناقضين
طالما أن شكل الدولة وطريقة تشكيلها ليسا شأن الدين، لا الاسلام ولا غيره، وحيث لا وصفة دينية ملزمة للدولة، وطالما أن شأن الدين، بما هو معرفة و سلوك وثقافة وقيم وعلائق وتقوى، هو أداء الدولة، أي عدالتها، وطالما أن العدالة من دون حرية هي جور آخر، فالمستبد العادل تلفيق بين مفهومين متناقضين لا يجتمعان أبدا ولا يرتفعان، أي إما مستبد وإما عادل، وطالما أن الحرية من دون عدالة ليست حرية، بل فوضى حاضنة لتوائم أو ضرائر من الاستبدادات المدمرة، فإن الديمقراطية لا بمعناها السياسي الصرف وحده، بل وبمدلولها الواسع، الذي يمتد إلى الشأن الاجتماعي والرعائي والتنموي الشامل، هي التي تجمع الحرية الى العدالة في بنية مدنية، كمفهومين متشارطين تعريفا وتحقيقا، الى حد دخول كل منهما في تعريف الآخر.
وبناء على ذلك لا يعود من شأن الفقه أو الفقيه أن يصف شكل الدولة أو يقترح طريقة تشكيلها، إلا في حدود كونه شريكا متكافئا مع الآخرين من أهل المعرفة بهذا الشأن وأهل الخبرة. ويصبح الفقه ثقافة معيارية، معيارها الحرية والعدالة، الحق والقانون، أي ديمقراطية تحث على العدل، وتحرض على الجور، وتتعاطى مع مضمون الدولة ومعناها لا شكلها ومبناها، ومن موقع إرشادي حاضني، لا مولوي قابض، لأن المولى هو الله في المطلق وفي التاريخ، أما الولاية على الأمة فهي للأمة.
معرفة الدين لا تتم إلا بشرط الحرية
مبكرا استرعى انتباهي منذ ربع قرن تقريبا، المرحوم الدكتور علي شريعتي، عندما بادر بتأثير من هواجسه الوحدوية والنهضوية، إلى اقتراح حل معرفي لا سياسي فقط، لمسألة الإمامة والسياسة، أو الإمامة والخلافة، منطلقا من هم إسلامي يمر بالخلافات المذهبية ويتعداها، إلى التوفيق بين المختلفين في قراءة التاريخ الاسلامي على موجب السياسة، وبين استحضاره كرافعة حضارية، يضعفها الخلط أو المزج بين مفاهيم متمايزة، فاقترح شريعتي وقتها في كتابه «أمت وإمامت» أي «الأمة والإمامة» التفريق بين الإمامة كشأن ديني ثقافي واعتقادي جامع يرعى شؤون الانسان المسلم كما هو مستخلف ومكرم، وبين الخلافة التي ترعى شأن الإنسان الطبيعي أيا كان انتماؤه أو ايمانه العام أو التفصيلي، وهذا يدخل اساسا في الدين بلحاظ تدرجه في نظام المقاصد الشرعية، ما يعني أن اختلاف الطبائع يسهم في تفسير الخلاف في الخلافة أو عليها، من دون أن يمس بالدور الحضاري للإنسان (الاستخلاف) وكرامته الأثيرة عند الله. وهذا يتيح أن نستكمل الدورة المعرفية التي لم يخترعها شريعتي ولكنه استأنفها، بالتمييز عموديا وافقيا بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، بحيث يتحصل لدينا لائحتان من المعارف والسلوكيات، معارف وسلوكيات الاجتماع في الدين، ومعارف وسلوكيات الاختلاف في الدولة، ونبحث لهاتين اللائحتين عن مناطق وفضاءات ومفاتيح ومنهجيات وأبواب للتكامل، وعلى أساس أن الاختلاف شرط للتكامل، وأن التكامل مآل حضاري وتوحيدي للاختلاف، حتى لا يعم الخراب الدنيا، ولا يعود الواحد منا أو الجماعة على طمأنينة لمآلها في الآخرة.
وإلا فان الاستبداد هو في انتظار أي حراك اسلامي مسيّس، والاستبداد الديني أقسى، وإذا كان الاستبداد الديني مسوغا للاستبداد العلماني أو (الجهلاني) فان الاستبداد العلماني الجهلاني اياه، من شاه إيران الى صدام، ربما كان أقل فتكا بالدين وأهله من استبداد اهل الدين بالدين وأهله.
والاستبداد الذي يمتد من تفاصيل الحياة الى المعرفة بالدين والحياة، هو مصادرة واجتثاث للدين وللمعرفة به.
ان معرفة الدين لا تتم إلا بشرط الحرية، ولعل الحرية هي النصاب الأعلى لهذه المعرفة، تحققها وتتحقق بها.
في النهاية لسنا ملزمين بوضع الله خيارا إلهيا أو انسانيا في مقابل الانسان، ان في ذلك عدوانا معرفيا على الألوهية، بلحاظ الإطلاق الكامل في تعريفها ذاتا وصفات... والأنسنة، أي أنسنة المفاهيم الإلهية تعني عدم موضعتها، لأنها تصبح خلافية مفرقة بدل أن تكون مقامات وفاق جامعة للمختلف تحت سقفها ومعناها، كما أنه اعتداء على الانسان بوضعه في موضوع مصدره ومقصده (الله) أي تحويل المُغيّا إلى وسيلة، وتحول الوسيلة الى غاية، بمعنى ان تأليه الانسان هو الغاء لإنسانيته. ان التوحيد يقتضي اعتدالا في الرؤيةّ تتيح معرفة أسباب وشروط التأله والأنسنة، وإذا ما نقلنا هذه المعادلة إلى التاريخ، الى السياسة والاجتماع، فإن دولة مدنية جامعة لمكونات مختلفة على نصاب التوحيد الحافظ للوحدة، ونصاب الوحدة كمعادل موضوعي للتوحيد، هي التي من شأنها أن تحفظ لنا الدين والإنسان تحت ظل السماء المفصولة مفهوما عن الارض الموصولة مضمونا بهذه الأرض ومن عليها. بالدولة المدنية التي تأبى أن تحقق ذاتها في المس بمكونات الفرد والجماعة، والدين أولها، تحفظ للجماعات الدينية حقها في التعبير عن نفسها كمتحدات لا تنقض الدولة أو تصادرها، وهنا يتاح لنا التوفيق بين الفرد والجماعة، ونعيد إنتاج ديمقراطيتنا بعيدا عن إملاءات الشمولية الدينية أو المادية... وبعيدا عن العقل الذي يريد إنتاج الرأسمالية على موجب الإمبراطورية، وحقها في التعامل الإذعاني لها، من قبل الآخرين، بعدما انتجها سابقا على موجب الامبريالية والحرب الباردة.
الديمقراطية هي المناخ الملائم للمحبة والعدل
المواطنة بما هي تكييف وتكيف للأفراد الذين تتكون منهم المجتمعات والجماعات في الوطن الواحد وظل الدولة الجامعة، هي النصاب الضامن لنظام العلائق الإنساني الذي يدخل في مقاصد الشريعة، بل ربما كان محورها أو عمودها الفقري، حسب أصولنا المؤسسة وحراكنا التاريخي والحضاري المعياري، أي الذي تشكل المسألة الأخلاقية حجر الزاوية في عمارته «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، و«لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فهم صنفان، اما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق». وإذا ما كانت المحبة شرطا للدين والعدل «وهل الدين إلا الحب؟»، كما يقول الامام الصادق، فإن العدل لا يمكن أن يكون إلا ثمرة للمحبة، والمحبة في الله تتسع لجميع عيال الله... وإلا فلن تكون ولن يكون عدل، والديمقراطية هي المناخ الملائم للمحبة والعدل كذلك.
وهذه البنية الفوقية، المواطنة، تتنزل، أي تتجوهر أو تتجلى، أو تتجسد في الديمقراطية، كشكل شبه حصري ومفتوح على التعديل والتطوير، واذن تمسي الديمقراطية هي آلية للارتقاء الفردي والجمعي الى المواطنة، وفي اطار المواطنة على مقتضى الديمقراطية، يتراجع الخوف على الجماعات المكونة، بلحاظ تمايزاتها الثقافية، أي يكف الآخر عن أن يكون استفزازا للهوية المحفوظة بالحرية. هل هذا استبعاد للبعد الإلهي من التشكل السياسي؟ ان الاستخلاف لا يمكن أن يقوم على المطابقة بين المستخلِف والمستخلَف «بالكسر ثم الفتح» فكيف إذا ما كان المستخلِف «بالكسر» خالقا منزها، وكان المستخلَف «بالفتح» مخلوقا عجولا جزوعا هلوعا؟ أي أنه مزود بصمامات أمان ضد الطغيان، إذا ما استقامت الأمور بينه وبين الله على التقوى والقيام بالأمانة... ولعل الديمقراطية هي الإطار والفضاء الذي يوفر للمستخلَف أن يكدح إلى المستخلِف ليلاقيه على موجب الحرية.. وموجب أن ابن آدم الخطاء مكلف شرعا بالعدالة، أي الحرية، وقادر على إنجازها بنسبة مجزية ومفتوحة على المزيد.
الدولة تنتج الدين على منطقها لا منطقه
هل نريد ثقافة أو دينا تنتجه الدولة، أو تعيد إنتاجها على موجبات مزاجها وحاجاتها التي قد تكون مشروعة وغير مشروعة؟ والدولة الدينية تنتج الدين قطعا، ولكن على أساس أنها دولة وليس على أساس أنها دين، ولا تختلف الدولة العلمانية عن الدولة الدينية في ذلك، وان كانت العلمانية في الدولة تنتج الدين سلبيا، أي ضد الدين، فإن ذلك يربي النزوع الى إعادة إنتاج المضادات الحيوية وبشكل عصبي وايديولوجي مغلق مشدود إلى العنف، والدين الذي ينتج الدولة تعود الدولة لتنتجه على منطقها لا منطقه، لأنهما اثنان. ولا عيب في هذه الثنائية، بل العيب في توهم الواحدية، التي تؤدي عمليا إلى الغاء الدولة بالدين، وإلغاء الدين بالدولة.
ان الثقافة والدين «بمعناه المعرفي المتجدد والحياتي لا بمعناه التأسيسي» من إنتاج المجتمع، والدولة الديمقراطية، بما هي ضامن للحريات تحت سقف القانون، يمكنها ان تحمي عملية انتاج الدين والثقافة، من أي عدوان عليهما، أو تشويههما، أو الخلط العشوائي المتعسف بينهما، والحرية هي ضمانة عدم العدوان أو التشوية، لأنهما يأتيان من جهة الجماعات العصية العصامية التي تريد انتاج الدين على مقاسها (المتبدل) لتعطل الحرية في داخلها وحولها، أي ان الديمقراطية تحمي الناس والمواطنين المؤمنين من عملية اعادة إنتاج الدين على حسابها لا لحسابهم، بشرط الحرية، أو شرط الحريات التي ينحصر نظامها الضامن لاستمرارها وحيويتها بالديمقراطية. في مقابل أي كم من الحريات لا ناظم لـه، فيتحول الى فوضى تمهد لتأسيس استبداد مركزي أو استبدادات طرفية يلغي بعضها بعضا بالعنف الدوري، المباشر، أي المادي، وغير المباشر، المعنوي، أي التهميش أو التكفير".

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
المستشرق الهولندي وكتابه.....    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

عكاظ ـ الخميس 27 ذو القعدة 1431هـ / 4 نوفمبر 2010م, العدد 16140
أول كتاب في تاريخ الفلسفة الإسلامية في القرن العشرين
من المؤلفات التي يعرفها الكتاب والباحثون في حقل الفلسفة الإسلامية وتاريخها, كتاب المستشرق الهولندي دي بور الذي يحمل عنوان (تاريخ الفلسفة في الإسلام), الكتاب الذي نال اهتماماً واضحاً في المجال العربي بعد ترجمته إلى اللغة العربية, وأصبح كتاباً مرجعياً في معظم الكتابات والمؤلفات التي تناولت الحديث عن الفلسفة الإسلامية وتاريخها, إلى درجة لا يكاد يوجد كتاب يتحدث عن الفلسفة الإسلامية ولم يرجع إليه, ويأتي على ذكره, وهذا ما وجدته في الكتابات والمؤلفات العديدة التي رجعت إليها في هذا الشأن.
واكتسب هذا الكتاب أهمية فائقة في مجال الكتابة والتأليف عن الفلسفة الإسلامية وتاريخها, وذلك بالنظر إلى عاملين متعاضدين هما:
العامل الأول: كونه أول كتاب صدر مع مطلع القرن العشرين, حيث صدر باللغة الألمانية سنة 1901م, وترجم إلى الإنجليزية وصدر سنة 1903م, وترجم إلى العربية وصدر سنة 1938م, الأمر الذي جعله يمثل حدثاً فكرياً يؤرخ له في مجال الكتابة الحديثة عن تاريخ الفلسفة الإسلامية.
والكتابات الأولى لها أهميتها بطبيعة الحال, وتبقى في الذاكرة عادة, وتحافظ على قيمتها من هذه الجهة, وتذكر بالحاجة إليها, والعودة الدائمة والمستمرة لها, خصوصاً في الكتابات والأعمال التي ترجع إلى التاريخ الحديث, وتتبع منهجية المراحل والتحقيبات الزمنية والتاريخية.
وبهذا اللحاظ يكون كتاب (تاريخ الفلسفة في الإسلام), هو أول كتاب يرجع إليه مع مطلع القرن العشرين عند الحديث عن تاريخ الفلسفة الإسلامية, وهذا ما حصل في الكتابات والمؤلفات التي أرخت لتاريخ الفلسفة الإسلامية من خلال تتبع الدراسات والأعمال التي تناولت هذا الشأن.
العامل الثاني: كون أن هذا الكتاب هو أول كتاب شامل في تاريخ الفلسفة الإسلامية, حيث تتبع منازع واتجاهات التفكير الفلسفي عند المسلمين, وتطور هذه المنازع والاتجاهات منذ النشأة حتى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري ـ الرابع عشر الميلادي, وكتب بطريقة منظمة ومركزة, جعلت منه واحداً من أفضل ما كتبه المستشرقون حول تاريخ الفلسفة الإسلامية من هذه الجهة المنهجية.
وأشار إلى مثل هذه الملاحظة العديد من الباحثين العرب المعاصرين الذين اعتنوا وكتبوا حول تاريخ الفلسفة الإسلامية, ومن هؤلاء الدكتور ماجد فخري في كتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية) الذي يرى أن كتاب دي بور ما زال يمثل أفضل عرض مجمل للفلسفة الإسلامية بالألمانية والإنجليزية.
واعتبره الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (نحن والتراث) أنه من أحسن ما كتب في الفلسفة الإسلامية من المستشرقين, ويمثل في نظره أول كتاب يؤرخ للفلسفة الإسلامية ككل يكتبه مستشرق, وأول كتاب يؤرخ لهذه الفلسفة على الطريقة الحديثة.
وقد فاقت شهرة هذا الكتاب, حتى أصبح نموذجاً يحتذى به في الكتابة والتأليف عن الفلسفة الإسلامية وتاريخها, عند الكتاب والباحثين العرب المعاصرين.
وأشار إلى مثل هذه الملاحظة الدكتور الجابري في كتابه (التراث والحداثة) واعتبرها العنصر الأهم في كتاب دي بور, وبات في نظره يمثل النموذج والقدوة, وأن الشهرة التي نالها ما زال يحضى بها إلى اليوم.
كما أشار إلى هذه الملاحظة الباحث المصري الدكتور حامد طاهر في كتابه (الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث) الذي اعتبر كتاب دي بور يمثل خلاصة المخطط الغربي للفلسفة الإسلامية كما شاع بين المستشرقين, وانتقل إلى عدد كبير من المثقفين في العالم الإسلامي.
ولكن اللافت في الأمر أن هذا الكتاب مع أهميته الفائقة وشهرته الواسعة, في مجاله وعند الباحثين العرب, مع ذلك لم أجد بمقدار متابعتي مقالة أو دراسة قصيرة أو طويلة كتبت عنه باللغة العربية, وما وجدته هو مجرد إشارات سريعة وعابرة, وردت وتكررت في معظم الكتابات والمؤلفات حول الفلسفة الإسلامية وتاريخها, إلى جانب نصوص واقتباسات قصيرة ومتكررة من الكتاب نفسه.
في حين أن كتاباً بهذه الأهمية والشهرة, كان يفترض أن تجري حوله العديد من الكتابات والدراسات التحليلية والنقدية بشكل يتناسب وتلك الأهمية والشهرة، كما حصل ويحصل مع كتابات ومؤلفات أخرى حظيت بقدر من الأهمية والشهرة.

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
منابع فكرة التقدم في المجال الإسلامي    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

عكاظ ـ الخميس 13 ذو القعدة 1431هـ / 21 أكتوبر 2010م, العدد 16126
منابع فكرة التقدم في المجال الإسلامي
هناك نقاش في غاية الحيوية جرى ويجري بين الباحثين والمفكرين العرب المعاصرين حول منابع فكرة التقدم في المجال الإسلامي الحديث, التي عرف بها المصلحون في القرن التاسع عشر الميلادي وكان في طليعتهم الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي, والوزير خير الدين التونسي, والسيد جمال الدين الأفغاني, والشيخ محمد عبده.
في هذا النقاش هناك من يرى أن الثقافة الأوروبية هي منبع هذه الفكرة, وتعرف عليها الفكر الإسلامي الحديث بعد اتصاله بهذه الثقافة, وذلك حين وصلت حملة نابليون على مصر سنة 1798م, وتعمقت بعد رحلة الطهطاوي إلى فرنسا سنة 1826م.
وهناك من يخطئ هذا الرأي, ويرى أن مقدمة ابن خلدون هي المنبع الأول لهذه الفكرة, ويأخذ بهذا الرأي الدكتور فهمي جدعان أحد أكثر المفكرين العرب المعاصرين عناية بدراسة فكرة التقدم في المجال العربي الحديث, كما كشف عن ذلك كتابه الشهير (أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث) الصادر سنة 1979م.
وحين يشرح الدكتور فهمي جدعان رأيه يقول وخلافاً لما درج عليه الدارسون المحدثون, أذهب إلى الزعم أن مفهوم التقدم عند مفكري النهضة العرب, لم ينتقل إليهم ابتداء من فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين من أمثال فولتير وكوندورسيه ومونتسكيو وغيرهم, وإنما جاءهم من مصدرين أساسيين لم تكن أفكار التنويريين إلا رافداً تالياً لهما.
أما المصدر الأول فهو وعيهم للهوة التي باتت تفصل عالم العرب والشرق والإسلام عن عالم الغرب, الذي لاحظوا أنه يحث الخطى بثبات واطراد في طريق الرقي والتقدم والتمدن.
وأما المصدر الثاني فهو قراءتهم لـمقدمة ابن خلدون, التي تحتل فيها مشكلة أفول العمران, أي التقهقر الحضاري, المرتبة الأولى, وبين قراءتهم لابن خلدون ووعيهم لحالة التدني أو التقهقر, لم يكن بد من أن تجد آراء فلاسفة التنوير بعض الرجع والصدى.
وما يعزز رأي الدكتور جدعان في الجانب الذي يتصل بتأثير مقدمة ابن خلدون بوصفها منبعاً لفكرة التقدم, أن مفكري عصر الإصلاح الإسلامي هم أول من تعرف على هذه المقدمة, واكتشفوا مالها من أهمية وقيمة فكرية وإصلاحية.
فرفاعة الطهطاوي في نظر الدكتور جدعان, هو أول مفكري عصر النهضة العربية الذين اكتشفوا ابن خلدون وتابعوه في إشكاليته, وشجع في منتصف القرن التاسع عشر مطبعة الحكومة في بولاق على نشر مقدمته.
وخير الدين التونسي تعرف على هذه المقدمة أيضا, وبدا له كما يقول ألبرت حوراني في كتابه (الفكر العربي في عصر النهضة), أنه وضع كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك), في زمنه وهو على شيء من الاعتقاد بأنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق, فالمؤلفان التونسيان, وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية, وعالجا فيهما كل على طريقته, قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة, والاختلاف بينهما يتحدد في أن كتاب ابن خلدون يعنى في معظمه بتاريخ الدول الإسلامية, في حين يعنى كتاب خير الدين التونسي في معظمه بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية.
وهكذا الشيخ محمد عبده هو الآخر التفت إلى مقدمة ابن خلدون في عصره, وطالب بإدخالها في المنهج الدراسي بالأزهر, وكان متحمساً لهذا الأمر في سياق تفكيره بإصلاح النظام التعليمي بالأزهر, وتقدم بهذا الاقتراح إلى شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد الأنبابي, وشرح له الفوائد الكبيرة للمقدمة, التي لم يقتنع بها الأنبابي, فرد عليه إن العادة لم تجر بذلك.
والمصلحون الذين جاوؤا بعد هؤلاء ارتبطوا بصورة من الصور بمقدمة ابن خلدون, ومثلت لهم منبعا للتعرف على فكرة التقدم, وذلك لعناية هذه المقدمة بفكرة الحضارة, وتحليلها لتقدم وتراجع العمران الإنساني بين الأمم, وهذا النقاش ينبغي أن يستمر بحثا وتعميقا لفكرة التقدم في حياتنا.
 

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
عيد الفقراء    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

عكاظ ـ الاثنين 4 شوال 1431هـ / 13 سبتمبر 2010م, العدد 16088
عيد الفقراء
يا ترى كيف يستقبل الفقراء من الناس مناسبة العيد؟هل تنزل على قلوبهم برداً وسلاماً كما تنزل على قلوب غيرهم من الناس؟
وكيف ينظر الآباء والأمهات من الفقراء إلى عيون أطفالهم في غفلة منهم بالتأكيد، وهم يبتهجون فرحاً وسروراً بقدوم العيد، كحال غيرهم من الأطفال الآخرين، وكيف سيكون حال هؤلاء الأطفال الفقراء حين لا يلبَسون كما يلبَس غيرهم، ولا يأكلون كما يأكل غيرهم، ولا يمرحون كما يمرح غيرهم، ولا يجمعون النقود كما يجمع غيرهم، ولا يذهبون إلى أماكن التسلية والمرح كما يذهب غيرهم.
فهل ينزل العيد على هؤلاء الناس برداً وسلاماً؟ أم ينزل عليهم يوماً ثقيلاً، يتمنَون أن يمر ويذهب عاجلاً وسريعاً، ولو كان في رغبتهم ما كانوا يفضلون أن يمر عليهم؛ حتى لا ينظروا إلى أطفالهم نظرة حزن وألم، وهذه أصعب نظرة تمر على الأب والأم تجاه أطفالهما، ولا يتمنيان لأحد أن ينظر لأطفاله كما هو حالهما، حيث تفيض مشاعرهما بالوجع الذي لا يمكن لأحد أن يتصوره كما يتصوره هؤلاء.
وهل يحِق لأحد منا أن يتحدث عن عيد الفقراء ونحن لا نستطيع أن نصل إلى عمق أحاسيسهم ومشاعرهم، التي لا يمكن لهم أن يصورها لأحد كما يتحسسونها في داخل وجدانهم، وحين يعيشونها لحظة بلحظة, وأعينهم لا تفارق النظر لأطفالهم، ولا يستطيعون أن يضعوا عيونهم في عيون أطفالهم، فهذه اللحظة السريعة والعابرة هي أكثر ما يجرح مشاعرهم في الداخل.
ولعل أشد ما يزلزلهم حين ينطِق الطفل بلسانه أمامهم، ويطرح أسئلته البريئة التي تبدأ وتستمر بلماذا ولماذا، وعندها لا يجد الوالدان غير الصمت ملاذاً لهما، لكنه صمت الظاهر وسكونه، وأما في داخلهما فيحصل فيه هيجان وعواصف وطُوفان من المشاعر المتلاطمة، وكأن شرايينهما تتقطع، وأوداجهما تتمزق، وقلبيهما يتفطران.
وفي مثل هذا الموقف هناك من يستطيع أن يتماسك ويسيطر على نفسه، وهناك من يصعب عليه مثل هذا الموقف ولا يستطيع أن يتماسك فتبدأ الدموع تنهمر بشعور منه أو بدون شعور، وهناك من تماسك من قبل ولم يعد يستطيع تحمل مثل هذه المواقف، فالأب الذي ينظر إلى نفسه ويرى أن لا أحد من الناس يستطيع أن يهزمه، ويكون صلباً وقوياً تجاه الآخرين، قد يهزمه طفله الصغير في مثل هذه المواقف التي يصعب على الآباء تحملها.
والله سبحانه أراد من الصيام في شهر رمضان أن يذيق الأغنياء مس الجوع والألم, ويتساوى الغني والفقير في الشعور بالجوع، حتى يشعر الغني بجوع الفقراء، ويتذكرهم ويحس بإحساسهم، ويشعر بألمهم، فلا ينبغي أن ينتهيَ هذا الشعورُ بانتهاء شهر رمضان، فقيمته أن يدوم ويستمر، وعلى أن يتجلى في أيام العيد، فهي المناسبة التي ينبغي أن نتذكر فيها الضعفاء من الناس، ومنهم الفقراء على أمل أن ينزل العيد عليهم برداً وسلاماً.

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
من هذه الشخصية العجيبة ؟ أحبه الله فألقى له القَبول في الأرض.    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

 
إنه الأستاذ زكي ميلاد / من مواليد 1965- القطيف - السعودية

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي ، كرم الله وجهه....    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

زينبُ ابنة علي: (رضي الله عنها)
 
 
sayedazaynab_250
 
ألا يا زينـةَ النِّسـوان ِمَريمِهـا و حَوّاهـا
و يـا إكسـيرَ فاطمـةٍ و ثانيةً لمَِعنـاهـا
و دُراً من أبي تُـربٍ وأصلُ الـدُّر ذرّاهـا
فأَتـأَمَتِ العُلـى فيها بحَيـدَرها و زَهـراها
تَجِفُ سَواحـلُ الإلهامْ دونَ بلوغِ مَرقاهـا
و تذرو الريحُ ما يَبِسَتْ مِن الأقلامِ جَرّاهـا
فلا ذو الفكر أدركها و لا ذو الشعر أَوفاها
ولا لفظٌ لذي لغـةٍ تَرَقّى مجـدَ ذكـراها
أيا قديسـةَ الأيـامِ و الطـورَ الذي باهى
به (سينـينَ) بارئـُهُ فَخَرَّ لقدسِ مَرآهـا
رَأى روحاً قد اِئْتَلَقتْ إذا ما الخطبُ وافاها
كأنَّ بَهيمَـهُ شَمْـسٌ و أَقمـارٌ تَغَشّاهـا
وجدتُكِ فيَّ (واهبَتي الحياةَ) و حِرزَ أُخراهـا
و باسْمِكِ فُلكُ أيّامي فمَجراهـا و مَسراها
تَفُتُّ شُجونُكِ نَبَضي و أَضلاعي و فَحْواها
و مِكحَلتي فمِروَدُها و عَيني ما اسْتَحَلاّهـا
و سُعْدي دمعُ أَجفاني فما النَّسـرينُ إلاّها
أَجَلْتُ القلبَ في يـوم الطفـوفِ وعُظْـمِ بَلواها
فقلتُ مقـالَ مضطربِ الوجـودِ إذا تَجَلاّهـا
أعيذُكِ أنْ يَكونَ هَوى (حُسينُـكِ) فوقَ غَبراها
و أنْ (عَبّاسُـكِ) قُطِعَتْ لهُ يَسـرىً و يَمْناهـا
و أنتِ حسـينُ و العبـاسُ قد حَيّـا بمَحياهـا
أُعيذُ خُـدورَك مِنْ هَتْكَةٍ أو سَلـْبِ طالاهـا
و أَنتِ الصَّـون و الأستارُ أصفَقُهـا و أَبهاهـا
لأَنتِ رِسالـةُ اللـهِ التي للرُّسْـلِ أَوحاهــا
تَنِـزُّ جِراحَـةَ الشُّهـداءِ صادِعـةً بأَنْبـاهـا:
(حسينٌ) سِدرةُ التوحيـدِ و (العباسُ) سَقّاهـا
و (زينبُ) ظلُّهـا الممـدودُ زاكٍ مَـنْ تَوَلاّهـا
فَدَتْكُـمْ نَفْـسُ مَولاةٍ لَكـم، صّلّى بني طـه
عَلَيكُم ذو الجلال مَدى الدهـورْ وبَعد مَرساها
و ما ريـحُ الخُزامـى في هَبـوبٍ فاح رَيّـاها

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
محمد حسين بزي    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

لا شــــــكَّ أنـــــــّا أمّــــة
بين الــــــورى مُسْتغـفَلهْ

تتلاعبُ الأريـــــاحُ فــــي
أجزائِــــــها المُتخلخِـــلهْ

وبرَغم أنْ كانت قديمــــاً
بالجَــــــلال ِ مُكَــــــــــللهْ

بنبوغِها أعجـــــوبـــــــة ً
بالعبقريَّــــــةِ أمثِــــــــــلهْ

بشجاعـــةٍ فتحَتْ بـــــها
عُصُرَ الظلام ِ المُقفـــــلهْ

بالحربِ لا يُعلى عــــــلى
آسـادها المستبســـــــــلهْ

الفتحُ رمزُ سيوفــــــــها
والنصرُ فـوق الأنمُــــــلهْ

دانت لها الدّنيا ومــــــا
برِحَت بهـــــا مُتعـــــــَللهْ

في عصرنا هذا تراءى
تحت حَدِّ المِقصَــــــــــلهْ

تسعى بأرجُلها إليــــها
وهـي كالمُستعجَـــــــــلهْ

نقضَتْ أصالتها فصارتْ
في الأصـــولِ مُهلــهَــلهْ

العزُّ ولّى والسّيـــــــادة ُ
كالسّيوفِ مُضَلــــــــــــلهْ

والمجدُ حوَّلَ ضـــــوْءَهُ
عنـها، وأطفأ مِشعــــــلهْ

والبأسُ صِفرٌ والبسالة ُ
في القلوب مُعَطّـــــــــلهْ

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
 272  273  274  275  276