ترجمة المقبلي كن أول من يقيّم
هو صالح بن مهدي المقبلي (1) ، عالم، مفكِّر، مجتهد، مجدِّد، أديب وشاعر، من أبرز علماء اليمن في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، الذين بلغوا مرحلة الاجتهاد المطلق، ودعوا إلى تجديد الفكر الإسلامي من خلال الاجتهاد ونبذ التقليد لتجاوز مرحلة الجمود والتعصُّب الفكري والمذهبي. وصفه شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني، بقوله (2) : "وهو مـمَّن برع في جميع علوم الكتاب والسنَّة وحقَّق الأصولَين والعربية والمعاني والبيان والحديث والتفسير، وله مؤلفات مقبولة كلها عند العلماء، محبوبة إليهم يتنافسون فيها ويحتجّون بترجيحاته، وهو حقيق بذلك. وفي عبارته قوة وفصاحة وسلامة تعشقها الأسماع وتلتذّ بها القلوب، ولكلامه وقع في الأذهان، قلَّ أن يمعن في مطالعته من له فهم حقيقي على التقليد بعد ذلك، وإذا رأى كلاماً متهافتاً زيَّفه ومزَّقه بعبارة حلوة، وقد أكثر الحط على المعتزلة في بعض المسائل الكلامية، وعلى الأشعرية في بعض آخر، وعلى الصوفية في غالب مسائلهم، وعلى الفقهاء في كثير من تفريعاتهم، وعلى المحدِّثين في بعض غلوهم، ولا يبالي إذا تمسَّك بالدليل بمن يخالفه كائناً من كان"• كرَّس المقبلي جهده ووقته لمحاربة الجمود والتعصُّب الفكري، فلقي من مقلِّدي ومتعصِّبي عصره أذى شديداً، وناصبوه العداء، واتَّهموه بأنه ناصبي (3) ومعادٍ لمذهب أهل البيت (المذهب الزيدي)، مما اضطره إلى بيع ممتلكاته والرحيل بأهله إلى مكة (1080هـ) فجاور بها وانقطع فيها للعلم والتأليف والدعوة إلى التجديد وإشاعة روح التسامح ونبذ الفرقة والتقليد والتعصُّب، فعلا ذكره وعظُم صيته بين علماء مكة والقادمين إليها من مختلف بلدان العالم الإسلامي. وتباينت الآراء حوله بين مؤيِّد ومعارض، فقد تقبَّل المنفتحون والمنصفون آراءه ووجهات نظره وأقبلوا على مؤلفاته والأخذ عنه. وممَّن أخذ عنه بعض علماء داغستان، الذين نقلوا معهم بعض مؤلفاته، ونشروها، كما أقبلوا على اقتفاء أثره في اجتهاده واطراح التقليد جانباً، واعتمادهم على منهجه وأسلوب بحثه واجتهاده (4)
ويبدو أن أثره في إقليم داغستان كان قويّاً إذ استمر لعدَّة أجيال، فقد حضر إلى صنعاء في أيام الشوكاني (ت1250هـ)، أي بعد نحو قرن من وفاة المقبلي، أحد علماء داغستان، للبحث عن كتاب "البحر الزخار" للإمام أحمد بن يحيى المرتضى، لأن لديهم حاشتية "المنار على البحر الزخار" للمقبلي (5) . ويؤكِّد كراتشكوفسكي أن تأثير المقبلي ومؤلفاته، قد حافظ على قوَّته في أوساط العلماء الداغستانيين حتى بداية القرن العشرين ونشوب الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية (6) أما المتعصِّبون فقد رفضوا طروحاته وثاروا عليه، ونسبوه إلى الزندقة لتمرُّده على التقليد وعدم تمسُّكه بمذهب معين، واعتماده على كتاب الله وسنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وخاصة بعد انتشار كتابه "العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ"، وذيله "الأرواح النوافخ"، لما فيهما من النقد للمتعصِّبين للأسلاف، والحط من شأن التقليد والمقلِّدين، فقال قولته المشهورة: "ناصبي في صنعاء والزنديق في مكة" (7) ولم يتوقَّف أذى المتعصِّبين من علماء مكة له عند هذا الحد، بل سعوا إلى تأليب السلطة ضدَّه، فرفعوا أمره إلى السلطان في استانبول، فأرسل السلطان أحد علمائه للنظر في شكواهم منه فلم يرَ منه إلاّ الجميل، ولم يرَ في مسلكه شيئاً يؤخذ عليه، فسكت الثائرون عليه على مضض حين لم يجدوا معينا من السلطان لأن هذا هو غاية أمرهم، وهو ديدنهم في الثورة على كل مصلح، فهم ضعاف جامدون، لا يقوون على المناظرة العلمية، فلا يجدون إلا ان يستعينوا على دعاة الإصلاح بمن في يدهم القوة، فإذا لم يجدوا منهم مساعدة ظهر عليهم العجز، ولكنهم لا يؤمنون برسالة الإصلاح، وإنما يأخذونها بالمداراة إلى أن يجدوا فرصة للثورة عليها، ويظفروا بصاحب سلطان يساعدهم على من يثورون عليه (8)
مؤلّفات المقبلي وآراؤه: - الأبحاث المسدَّدة في فنون متعدِّدة. -الإتحاف لطلبة الكشاف. -الأرواح النوافخ لآثار إيثار الحق على الآباء والمشائخ. -حب الغمام على بلوغ المرام. - العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشائخ. -المنار في المختار من جواهر البحر الزخار. - نجاح الطالب حاشية على مختصر ابن الحاجب•
وتتَّسم آراء المقبلي ومؤلفاته بقدر عالٍ من الموضوعية والإنصاف والبعد عن التعصُّب الفكري أو المذهبي. وهو ليس -كما وصفه عبد المتعال الصعيدي- بأنه "من مدرسة ابن تيمية وابن الوزير، وأن هذه المدرسة تتعصَّب لعقيدة السلف في الأصول والفروع، وذلك واحد من المذاهب أيضاً، فالتعصُّب له مثل التعصُّب لغيره من المذاهب" (9) . قلت: إن المتتبِّع لفكر المقبلي ومسيرة حياته يدرك حقيقة عدم انتمائه لأي من المذاهب، ونبذه للتعصُّب بكل صوره وألوانه، وإن نقده للمذاهب الأخرى أو مدحه لها، لا يدخل في باب التعصُّب، فإنه إنما ينتقد تعصُّب تلك المذاهب لفكرة أو مقوله خاطئة يتَّضح جليّاً أن الدليل والحق خلافها، أو بحسب تعبيره، فإنه ينتقد تمسُّكها بأقوال أسلافها وتقديمها على الكتاب والسنَّة، ولكنه لا يتردَّد أن يشيد بالجوانب الإيجابية في أي مذهب، وفي المقابل فإنه لا يتعصَّب لرأيه، بل هو على استعداد للرجوع إلى الحق والصواب إذا اتضح له خطأ اجتهاده، وهذا ما كان يلحّ عليه في كتبه ومناظراته مع ذمعارضيه ومن تصدُّوا لمحاربته. ومن المؤكَّد أن سلوك المتعصِّب هو على العكس من ذلك تماما. وبحث المقبلي الذي ننشره هنا خير دليل على تسامحه وعدم تعصُّبه وحسن ظنه بالآخرين (10) .
____
1- المقبلي: نسبة إلى قرية المقبل (بفتح الميم والباء)، في عزلة العزكي من مخلاف بني حبش من أعمال كوكبان، شمال غرب صنعاء، ومولده بها سنة 1038 هـ، على الأرجح• 2- البدر الطالع لمحمد بن علي الشوكاني 1/288-289. 3- الناصبي: الذي يكنُّ العداوة والبغض للإمام علي بن أبي طالب، وكان الحسن بن علي بن جابر الهبل، الشاعر، مـمَّن تصدَّى لهجاء المقبلي ووصمه بأنه ناصبي، فقال:
| الـمـقبلي iiناصبي |
|
أعمى الشقاء iiبصره |
| فـرق ما بين iiالنبي |
|
ي واخـيـه iiحيدره |
| لا تعجبوا من بغضه |
|
لـلـعترة iiالمطهره |
| فـأمـه iiمـعروفة |
|
لـكـن أبـوه iiنكره | 4- للعالم والمستشرق الروسي المشهور، إغنا طيوس كراتشكوفسكي بحثً نفيس عن تأثير المقبلي في داغستان، عنوانه "داغستان واليمن"، كتبه عام 1936م، وترجمه إلى العربية الدكتور جليل كمال الدين، نشره بمجلة "المورد" العراقية، المجلد الثامن، العدد الثاني، صيف 1979، ص109 ـ 118. 5- الشوكاني: البدر الطالع1/290• 6- كراتشكوفسكي: داغستان واليمن، ص 114 ـ 115• 7- عاد المقبلي بعدها إلى صنعاء سنة 1084هـ• ولكن لم تذكر مصادر ترجمته كم مكث في صنعاء، ومتى عاد مرة أخرى إلى مكة، ولكنها تذكر أنه استوطن مكة طويلاً حتى وفاته بها سنة 1108هـ• 8- الشوكاني: البدر الطالع 1/290، عبد المتعال الصعيد: المجدِّدون في الإسلام 441• 9- حرص المقبلي على إعلان تنصُّله من الإنتماء إلى أي من المذاهب الإسلامية والتأكيد على براءته من التعصُّب لها في معظم مؤلفاته شعراً ونثراً، ومن ذلك قوله:
| برئت من التمذهب طول عمري |
|
وآثـرت الكتاب على iiالصحاب |
| ومـا لي والتمذهب وهو iiشيء |
|
يـروج لدى المماري iiوالمحابي | 10- أنظر ترجمة صالح بن مهدي المقبلي في: * الدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: محمد بن علي الشوكاني 1/288-292. * نشر العرف في نبلاء اليمن بعد الألف: محمد زبارة 1/781-787. * فوائد الارتحال ونتائج الأسفار في أخبار القرن الحادي عشر: مصطفى فتح الله الحموي (نشرت في مقدمة العلم الشامخ للمقبلي) * داغستان اليمن: إغناطيوس كراتشكوفسكي، ترجمة جليل كمال الدين، مجلة المورد، م8، ع2 ) (صيف 1979) ص 109 ـ 118• * هجر العلم ومعاقله في اليمن: القاضي إسماعيل الأكوع، 1/270-272• * المجدِّدون في الإسلام: عبد المتعال الصعيدي، 410 ـ 414• *خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: محمد أمين فضل الله المحبي 2/16• *هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنِّفين: إسماعيل باشا البغدادي 2/424• * مصادر الفكر الإسلامي في اليمن: عبد الله الحبشي، 28، 58، 132، 164 ،224• * الدر الفريد الجامع لمتفرقات الأسانيد: عبد الواسع الواسعي ،ص•37
|