تدين المجتمع في مرآة شاعر كن أول من يقيّم
الشعر مرآة تعكس لنا الحقائق كما هيه،وتنقل لنا صور حية متجسدة في أبيات تخاطب الفكر والحس معا ً فنعيش تلك الحالة الشعرية أو بالأصح الشعورية بكل تفاصيلها فنثور غضبا ً على الطغيان والظلم والقهر خلف كواليس الأبيات وتارة أخرى نبتهج وتعلونا نشوة الانتصار فنعود أدراجنا مكللين بالورود وتهاني الانتصار في قالب شعري مرت عليه مئات السنين ونبتسم متفائلين مرتقبين لمستقبل تشرق شمسه بخيوط ذهبية تنشر في أرجاء الأرض الخير والحب والمودة معلنين عن تفاؤلنا بالشعر والقول الفصيح الذي يعلن للنفس مجالاً رحبا ً للتعبير والقول الصريح. وهاهي مرآة الشعر تعكس لنا حالة جديدة وتصور لنا الحالة الثقافية في العصر المملوكي بل ما فيها من صراع لأجل البقاء والصعود على أكتاف الآخرين فمع تلاشي الدين والأخلاق تتلاشى كل معاني الإنسانية وتحل الآفات والأدواء محل المعاني السامية ومن هذه المحن الأخلاقية و الأدواء الدينية التي مر بها العصر المملوكي ما تفجرت به أبيات أحد رجال العلم في العصر المملوكي معلنة ً حدادا ً مرا ً على الدين والأخلاق والإنسانية معا ًوهو ابن دقيق العيد فيقول: قد جرحتنا يــــــد أيامــــنا وليــس غير الله من آسي فلا ترج الخلق فـــي حاجة ليسوا بأهل لسوى اليـاس لا تزد شكوى إليــهم فمــــا مـعنى لشكوك إلى قاســي فإن تخالــط منهم مــــعشرا ً هويت في الدين على الراس يأكل بعضهم لحم بعض ولا يحسب في الغيبة من بــاس لا ورعٌ في الــــدين يحميهم عنهــا ولا حشمــة جـــلاس لا يعدم الآتــــي إلى بابهـــم من ذلة الكلب ســوى الخاس فاهرب من الناس إلى ربهم لا خير في الخُلـطة بالنـــاس تحليل الأبيات : البيت الأول: جاءت كلمة (جرحتنا) توحي بالألم وعمق المشكلة وتمكن هذه الأدواء من المجتمع تمكن الجرح في نفس المجروح .وتبعتها كلمة (آسي) في نهاية البيت لتناسب الجرح فلكل جرح طبيب ومداوي وعند استعصاء الأمر وصعوبته فإن الله وحده المداوي والقادر على تفريج الكروب .كما أن الشاعر هنا يعلن عن فشله عن علاج هذه الأدواء وتفشيها في المجتمع بسب أهل هذا الدهر وهذا ما نلمسه من إضافة الأيام إلى ضمير الجماعة (نا). البيت الثاني: في هذا البيت يعلن الشاعر عن فقدان الأمل في البشر . جاءت كلمة (الياس) مخففة من الهمز لأجل القافية. البيت الثالث: في هذا البيت يهدي الشاعر بعض الحكم التي هي بمثابة مسكن للألم تجنب متبعها بعض الضرر وتساعده على تقليل الهم عله به يغير قليلاً من الفساد. وهو ينهى عقلاء عصره عن الشكواء لأصحاب القلوب القاسية فلا معنى لشكواهم فهي قلوب قاسية فقدت معنى الإحساس والتفاعل مع الناس. البيت الرابع: ويسترسل الشاعر في فلسفةٍ خاصة لمثل هذا المجتمع فينهاهم هذه المرة عن مخالطتهم خوفاً من تسلل أفكارهم والتأثر بهم فكلمة(هويت) توحي بسرعة التأثر وقوتها وكلمة(على الراس) تدل على ضياع أمرك كله. كلمة (الراس) جاءت بتسهيل الهمز لأجل القافية. البيت الخامس: جاء هذا البيت ليوضح أثر هذا التأثر كما أن النزعة الدينية عند الشاعر تظهر أكثر وضوحا ًفي هذا البيت حيث تأثر بالآية القرآنية في سورة الحجر الآية(12) "يأيها اللذين آمنوا اجتنبوا كثيرا ًمن الظن أيود أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ً فكرهتموه". إن كلمة يأكل فيها ما يدل على التباغض وهي كناية قرآنية استدعاها الشاعر العالم لينفلا المتلقي من الغيبة وكان موفق في ذلك كل التوفيق. ثم جاء الشطر الثاني توضيح لسبب عدم تقديرهم لتعاليم الدين والسبب يكمن في فقدان الوازع الديني. البيت السادس: وفي هذا البيت يعلن عن مصيبة أخرى وهي انتشار مجالس اللهو والطيش والمجون وهؤلاء القوم الذين يحاربهم الشاعر هم رواد هذه المجالس .كلمة (جلاس) جمع مفردها جليس. البيت السابع: وهنا الشاعر يأتي بنتيجة متوقعة ومنطقية لمن يقصد هذه المجالس وهي السخرية والاستهزاء به وهو أمر لا يقبله إلا الذليل الجبان وكل من يسهل عليه الهوان يهان. البيت الثامن: وأخيرا ً قدم الشاعر نتيجة لكل هذه الأدواء بل هو الدواء الوحيد لمثل هذا الحال العصيب وهو اعتزال هذا المجتمع والهروب إلى الله وهو ما يطابق قوله تعالى في سورة الذاريات الآية(50) :"ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين" وهذا التأثر الديني أمر طبيعي لعالم كدقيق العيد . اختيار الشاعر حرف (السين) للقافية أضاف موسيقى حزينة على النص عكست حالته النفسية . شرح د.صبري أبو حسين . تلخيص الطالبة:سلمى العمراني. |