من نزار قباني إلى عبد اللطيف شرارة
أخي عبد اللطيف الحرف الذي نسجت به مقالتك منحوت من مقالع النور وانهدال الحرير، كأنما رضعت ريشتك حليب نجمة أو تلففت بمئزر غيمة أو كرعت من كروم القمر.. بياض بياض حيثما نقلت عيني وحيثما غرست أهدابي: كأنما بريت قلمك من أنابيب ياسمينة، أو من عنق سيدة هنغارية، ينفتق من صباح جيدها ألف صباح.
التقينا على وسائد "ألبير أديب" وحرارة ضلوعه منذ أشهر، كان لقاء منخطفاً كما ينخطف الوعد على الشفة الكاذبة، وكما تنعتق رشة العبير الحبيسة. ثم توزعتنا الدروب، أنت إلى درب لبناني مطرز بالصحو، وأنا إلى قمة من قمم الأناضول يلفحني فيها لهيب الله ويطوق جداري أسوار من الفضة والثلج لا ينقضي، وتحرس عزلتي قبضة من عصافير الشتاء تختبئ في شقوق القرميد الوردي.
ثم اجتمعت مرة أخرى إليك على بساط مقالك الوريف.
وراقني منك أن تكون أول من فرق بين "شاعر المرأة" و"شاعر الغزل" بعد أن خلط الناس خلطا عجيبا بين هذين المخلوقين: بين رجل بضاعته الدموع والتنهد وسهر الليل والعويل وشق الجيوب والأكمام أيضا وذبح الكبرياء وهو "شاعر الغزل" وبين رجل مثلي، بضاعته أكداس من الشفاه تعبق كأوراق التبغ، وأكوام من أحجار العيون، تلتقط من بينها ما تريد: الأخضر الرائق كفسقية الدار، والعسلي الشفاف كأدوية العقيق، والأسود الدافئ كجدائل العتمة، رجل بضاعته كبضاعة الصائغ: خواتم وأطواق وجوارب كعناقيد اللهيب، ومخدات محشوة ورداً، ومناديل تصفق كحواكير النرجس، وأقلام للتصبيغ، يكفي أن تمر بالفم لتشعل فيه حريقاً وتشعل فيك ألف حريق.
أنا رجل طعامي رفة وشاح، وشرابي دلقة عطر، وبيتي خزانة امراة: أنهدل مع انهدال المخمل، وأتجعد مع انجعادة أثواب السهرة المياسة، وقد تسأل عني فتجدني سادرا في أعماق عروة من عرى ثوب صيفي شفيف.
لا تطلب مني إذن عمق العاطفة، فأنا لا أطيق ان تسمرني بامرأة واحدة أنظم فيها ملحمة الإخلاص، لأن الإخلاص يقود إلى البكاء، والبكاؤون كثر في الشعر العربي وفي الشعر الأجنبي، وأنا لا أريد أن أخرج منديلي وألطم معهم
ألا يكفي نزار قباني يا أخي أنه كما قلت: استطاع ان ينقل الحياة الغرامية من واقعها العصري المتجدد إلى أفقها الشعري الصحيح، ألا يكفيه أن استطاع أن ينفخ الروح في ادوات المراة فيجعل لدورق العطر روحاً، ولمنديلها صوتا، ولجوربها هتافا، وأن يسجل بشعر بسيط بسيط كل هذا الكون النسائي، بمساحيقه وأصباغه ووسائده ودندنة حلاه.
إن نزار قباني لن يقنع بأنه شيئا جديدا في الشعر العربي قبل أن يحشد للناس بقصائد لا تتعدى أبياتها العشرة جميع الطاقة العاطفية التي تختلج في شرايين الرجل أو المرأة على السواء، وأن يرسم بصحة وبصدق ما يحيط بهذه الحياة العاطفية من أجواء وأثواب وأنوار وادوات.
اما بول جيرالدي، هذه الريشة الغربية المسحورة فقد قرأته، وأصابت أشعاره إقبالا مني، لأن نظرته إلى الشعر تشابه نظري إليه، فجيرالدي يخاطب بكلمات منغومة مألوفة كل قلب إنساني، ويعالج الحياة اليومية التي تمر بجميع اصناف الناس، وهو بهذا صاحب طريقة في تبسيط الشعر وجعله أقرب إلى النثر الملحن.
هذه هي صلتي بجيرالدي، صلة تصفيق وتحبيذ، لا تصل إلى حدود التأثر والتقليد.
هذا وفي يدي الآن ديوان جديد سأصدره للناس بعد أشهر، إنه عبارة عن ورقات تحمل شعرا يكاد لبساطته وسهولة إيقاعه يدخل في حظيرة الكلام المتداول. فإذا نجحت تجربتي فسأبشر بهذا اللون من الشعر الطفل الذي سيعلق بشفاه الناس كجزء منها ويدخل إلى غرفهم ليعيش مع الشموع والخبز وأوعية الورود كما قلت في "طفولة نهد" ولك من أخيك جدول من الوجد والتلفت والصبابة.
أنقرة: تركيا نزار قباني