تتمة (2) كن أول من يقيّم
ثم إن نفاتا لم ينته عن غيه، ولم يتيقظ من ضلاله، ولم تؤثر فيه مراشد العلماء وأهل الفضل، مع توالي النصائح إليه مشافهة وتحريراً من الإمام وغيره، ممن له اعتناء بشأن الدين وإصلاح الأمة، بل ازداد عنادا ورياء، فكثرت الكتابات في حقه على الإمام من عماله وغيرهم، ممن ائتمنهم وخصهم بمكاتبته وأخباره، باحوال الولاة والعمال والرعية في الجهات فأجابهم (رضي الله عنه) بواسطة مكاتبه بهذا الجواب:
(الرسالة الثانية للإمام أفلح إلى المسلمين في حق نفات)
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
من أفلح بن عبد الوهاب إلى (.......) أما بعد:
ألبسنا الله وإياك عافيته، وكفانا وإياك مهمات الأمور برحمته.
كتبت إليك وأنا ومن قِبلي من خاصتي والرعية عامة على أحسن حال جرت به عادة الله، وتواترت به نعماؤه.
فله الحمد كثيرا والشكر دائما.
أتاني كتابك بالذي احب علمه من سلامتك وحسم حالك، وتواتر نعم الله عليك وإحسانه إليك، وغلى من قِبَلك من الرعية وأهل الطاعة، فسرني بذلك وحمدت الله كثيرا عليه، وسألته تمام النعمة علينا وعليكم برحمته إنه مجيب.
وذكرتم أمر نفات، وأكثرتم فيه الكتب، ووصفتم عنه أشياء لا يشك أحد منكم أنها بدعة وخلاف لما مضى عليه سلفكم.
فإن يك ذلك كما وصفت فما ينبغي لأحد منكم أن يخالجه الشك في أن ذلك ضلال، لأن الهدى في أيديكم، والحق ما شرعه لكم سلفكم الصالح والأئمة المرضيون، رضي الله عنهم. فمن أتى من بعدهم بما يخالف شريعتهم، ويأخذ في غير طريقتهم فهو ذو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلال كفر، وكل كفر في النار.
وأنتم على يقين من سنة أسلافكم، ولا يتبع الهدى إلا موافقتهم، ولا يخاف العاقل الهلاك إلا في خلافهم.
وقد قلتم في كتابكم: هو غلام حدث غر، لا تجربة له في الأمور، فنخاف إن جشمناه السفر والشخوص أن تحمله اللجاجة مع إعجاب الرأي والتيه بالنفس على التمادي فيما يهلك به نفسه.
فما وجه ما سألتم من ذلك ؟
وهل انتم على شك من دينكم أو ريبة من أمركم ؟.
السنة في أيديكم، وأسلافكم الماضون كانوا على مثل حالكم.
بل كانت لهم عمال في حال كتمانهم، وكبار يقومون بكل أمر من الحقوق وغيرها في حال الكتمان.
وليس أحد منهم يقول ما حكيتموه عن هذا الغلام.
فلما حدث منه ما ذكرتموه كان أمره واضحا، وهو انه أخذ بخلاف ما مضى عليه سلفه. وأحدث مقالة لم يقلها عنهم غيره.
وأنتم على يقين من أمركم، فما أحوجكم إلى مجيئه وإشخاصه.
وإن كنتم تريدون أن تعلموا ما نحن عليه، فنحن على ما مضى عليه سلفنا، ومقرون لما حكيتموه عنه أنه قاله.
فقوموا عليه. فإن رجع عن مقالته، ونزع عن بدعته فمقبول منه رجوعه، ومرحبا بالتائب حيث كان، وممن كان، وأين كان.
وإن أبى إلا التمادي فانتم تعلمون السيرة فيمن ابتدع في دين الله وشق عصا الإسلام وقال بخلاف الحق. فإنه محقوق بأن يهجر ويقصى ويبعد.
ونفات مثل واحد من الناس، لا أخصه بشيء دون غيره، والسيرة فيه وفي غيره واحدة، والسنة قائمة، وحكم الله لا يزول ولا يتبدل.
فإنا نشهد الله على من كان من أهل هذه الدعوة وعمالنا وقوادنا واهل العلم من أصحابنا، ومن ألتف إليهم من رعيتنا أن لا يسمع أحدا يبتدع في دين الله، أو يسلك طريقة غير طريقة أصحابنا الماضين من أسلافنا إلا ويكون قد غير ذلك وأطفأه واستتاب من أظهره، فإن لم يتم خلعه.
فهذه مني عزيمة واجبة وأمر لازم وفرض محرم أن يتعدى، وأن يقال بخلافه.
فمن قرئ عليه كتابي هذا فليسمع وليطع وليتنبه على ما أمرت به، فإن من انتهى إليه كتابي هذا في حرج إن قصر عما أمرت به.
ومن عاب أحدا من عمالنا بخصلة من الخصال، أو أنكر عليه شيئا فليرفع ذلك إلينا، فنكون نحن الذين يغيرونه إن كان مما يغير.
وليس للرعية الوثوب على السلطان حتى ترفع ذلك إلينا.
لأن الوثوب على السلطان والاقتفاء للخصال التي نحن أولى بالنظر فيها خطأ من الرعية، وضرب من ضروب السائبة.
لأن هذا وضربه مما لا يعلم باطنه إلا بالبحث.
وقد يظن ظان في الأمر فيراه خطأ وهو عدل من حيث لا يعلم.
ولم يظلم من دعاكم إلى نفسه وكلفكم أن ترفعوا أموركم إليه. لأن في ذلك شفقة منا عليكم أن تهلكوا من حيث لا تعلمون.
والله ولي عصمتنا وتوفيقنا وإياكم، وهو المستعان، لا شريك له.
وقد كتبت إليك جواب مسائلك فعليك بتقوى الله والعمل بطاعته، وحسن النظر لنفسك فإنها إن سلمت لك نجوت وفزت فوزا عظيما.
ولا تدع الكتابة إلى بحالك وسلامتك فإنك تسرني بذلك، والسلام. |