البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات محمود العسكري أبو أحمد

 19  20  21  22  23 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
الشروط المعتبرة في بلاغة الكلام    كن أول من يقيّم

-       ( الشروط المعتبرة في وصف الكلام بالبلاغة ) :
-       ( ص ) : بَلاغَةُ الْكَلامِ طِبْقُ مَا اقْتَضَى v حَالٌ ، وَّكَوْنُهُ فَصِيحًا مُّقْتَضَى ،
وَالْمُقْتَضَى مُخْتَلِفُ الْمَقَامِ ، v فَالْمُقْتَضِي لِلنُّكْرِ فِي الْكَلامِ =
مُبَايِنٌ لِّمَا اقْتَضَى الضِّدَّ ، كَذَا v وَصْلٍ ، وَّتَقْدِيمٍ ، فَرَاعِ الْمَأْخَذَا ،
وَالذِّكْرِ،وَالإِطْلاقِ،وَالإِيجَازِ، ثُمّْ v خِطَابِ ذِي الذَّكَا. لِكِلْمَةٍ عُلِمْ=
حَالٌ تَجِي مَعْ كِلْمَةٍ لَّيْسَ لَهَا v مَعْ كِلْمَةٍ أُخْرَى تَرَاهَا مِثْلَهَا .
-       ( ش ) : هناك شرطان واجبان لوصف الكلام بالبلاغة :
-       الأول / أن يكون الكلام فصيحًا ، وقد سبقت شروطه .
-       الثانِي / أن يكون الكلام مطابقًا لمقتضى الحال .
-   ولإيضاح معنى مطابقة الكلام لمقتضى الحال ؛ نذكر هذه الأمثلة ( زيد قائم ) ( لزيد قائم) ( إن زيدا لقائم ) ( والله إن زيدا لقائم ) ؛ هذه جمل أربع كلها فصيحة ، لكن ؛ ما الذي يحمل المتكلم على اختيار جملة منها بخصوصها دون الأخريات ؟ ، هل بينها تفاوت؟ ، نعم ، الأولى ليس فيها أداة تأكيد ، والثانية فيها أداتان ، والثالثة ثلاث أدوات، والرابعة أربع أدوات ، إذًا فبمقدار حاجة المتكلم إلى تأكيد كلامه سيختار الجملة المناسبة ، هذا هو المراد بمقتضى الحال ، أي ما يتطلَّبه المقام في الكلام من خصائص ليتحقق إفهام المخاطب على الوجه الصحيح ، فإذا طلبت من المخاطب مثلاً أمرًا ولم تؤكِّده ، فليس لك لومه إن لم ينفذه ، أو إن أبطأ في أدائه ؛= لأنك لم تؤكد كلامك كي يفهم مقصودك على الوجه الصحيح ، فكلامك لم يكن بليغًا إذًا .
-       وباختلاف المقامات والأحوال = يختلف ما تطلبه في الكلام من خصائص .
-       فالمقام الطالب لتنكير الكلام ، غير المقام الطالب لتعريفه .
-       والمقام الطالب لمجيء الكلام متصلا ، غير المقام الطالب لمجيئه منفصلاً .
-       والمقام الطالب لتقديم شيء من الكلام على شيء ، غير المقام الطالب تأخير شيء على شيء .
-       والمقام الطالب لذكر أشياء من الكلام ، غير المقام الطالب لحذفها .
-       والمقام الطالب لمجيء الكلام مطلقا عن القيود ، غير المقام الطالب مجيئه مقيدا بها .
-       والمقام الطالب لمجيء الكلام مختصرا موجزا ، غير المقام الطالب لمجيئه مسهبا مطولا .
-       والمقام الطالب لمجيء الكلام مراعيا لذكاء المخاطب ، غير المقام الطالب مجيء الكلام مراعيا لغباوته .
-   وقد تختلف المقامات والأحوال وتتَّحد مطلوباتها من الخصائص بلا إشكالٍ ، فالخصائص هي أمورٌ معتبرةٌ في الكلام مُعِينةٌ على فهم المراد منه ، فالمقام يوجِّه الخاصيِّة إلى إفادة توضيح هذا المعنى المراد ؛ فمثلاً قولك عن أحد الناس : رجلٌ ، هكذا كلمة واحدة عارية عن أي زيادة ، هذه خاصية يوجهها الحال ، فإن كنت في حال التعظيم ، أفهمت التعظيم على وجه أن هذه الإنسان رجلٌ كاملٌ وكأنه لا رجل غيره ، فلا يحتاج إلى مدحه بأي أوصاف إضافية ، وإن كنت في حال التحقير ، أفهمت التحقير على وجه أن هذا الإنسان مجرد رجل ليس لديه من الأوصاف المميزة له سوى ذكوريته ، وهكذا ؛ فالعقل يوجه الخصائص حسب معرفته بالمقامات والأحوال إلى لطائف المعاني المرادة المعبر عنها .
-   ولذلك أيضًا ؛ فإن الخصائص المتشابهة ذاتها يختص كل منها بلطائف من الأحوال دون مشابهاتها ، فمثلاً خاصيَّة الشرط ؛ يختلف استخدام أداة إذا فهي للجزم عن استخدام أداة إن فهي للتردد ، وكخاصية النفي ؛ يختلف استخدام لم فهي للنفي وحسب عن استخدام لما فهي للنفي في الماضي مع الرجاء في المستقبل ، لكن ليعلم أن اختلاف معاني الحروف والأدوات جاء الاهتمام به في النحو وكتب اللغة ؛ ولم يجئ في البلاغة لأنها تأصيل للقواعد العامة دون تعمق إلى جزئياتها .

29 - نوفمبر - 2010
الشذا الفياح من نور الأقاح
المتكلم البليغ    كن أول من يقيّم

-       ( الشروط المعتبرة في وصف المتكلم بالبلاغة ) :
-       ( ص ) : فِيمَنْ تَكَلَّمَ سَجِيَّةٌ قَدَرْ v بِهَا عَلَى الْبَلِيغِ . ثُمَّ ذَا اشْتَهَرْ =
بِتِلْكَ ، وَهْيَ قُلْ أَعَمُّ مُطْلَقًا v بِسَابِقِ الْمَعْنَى الَّذِي تَحَقَّقَـ ا .
-   ( ش ) : البليغ : هو ذا السجيَّة المقتدر معها على إنشاء الكلام البليغ في أيِّ موقفٍ ، وفي الإطلاق اللغوي لك أن تبادل الفصاحة بالبلاغة والبلاغة بالفصاحة بلا حرجٍ ، لكن في الإطلاق الاصطلاحي عند أهل الفنِّ فيجوز فقط أن تسمِّيَ البلاغة بالفصاحة تنـَزُّلاً من الأعلى إلى الأدنـى ؛ لأن البلاغة - كما تقدم - هي الفصاحة مزيدًا عليها رعاية مقتضى الحال ، فكل بليغ فصيحٍ ، وبعض الفصحاء بلغاء ؛ لا كلهم . ( الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية = منطق ) .

29 - نوفمبر - 2010
الشذا الفياح من نور الأقاح
مراتب الكلام البليغ    كن أول من يقيّم

-       ( مراتب الكلام البليغ ) :
-       ( ص ) : وَالْحُسْنُ وَالْقَبُولُ كُلٌّ سَامِ ، v أَوْ سَافِلٌ بِحَسَبِ الْمَقَامِ .
وَالْمُقْتَضَى وَالاعْتِبَارُ ارْتَدَفَا ، v وَبِالْمُنَاسِبِ الأَخِيرُ اتَّصَفَـ ا .
طَرَفُهَا الأَعْلَى هُوَ الْقُرْآنُ ، v قَدْ عَجَزَتْ عَنْ حَدِّهِ عَدْنَانُ ،
وَالطَّرَفُ الأَعْلَى: الْحَدِيثُ يَقْرُبُ v مِنْهُ، لَهُ الإِعْجَازَ بَعْضٌ يَّنسِبُ.
طَرَفُهَا الأَسْفَلُ جَاءَ ذَا امْتِيَازْ v لَدَيْهِمُ: هُوَ الَّذِي إِنِ اسْتَجَازْ=
لَهُ الْكَلامُ فِي انحِطَاطٍ بَلَغَـ ا v صَوْتَ الْبَهِيمَةِ لَدَى مَنْ بَلَغَـ ا.
بَيْنَهُمَا مَرَاتِبٌ ، وَاتُّبِعَتْ v بِأَوْجُهٍ ؛: مُّحَسِّنَاتٍ وَقَعَتْ .
-   ( ش ) : يتفاوت الكلام بلاغةً بحسب علوِّ قدره في الفصاحة ، وبحسب تمام رعايته لمقتضى الحال ، على أن المعاني الشريفة والحكم السنية يتبدَّى جمالها على جمال الكلام المؤدِّي لها ، فالجمال يختار معرضه الأنيق اللائق به ، ولذلك كان أعلى الكلام العربي بلاغةً هو القرآن العظيم ، وهو معجزٌ خارجٌ عن طوق المعارضة ، ثم حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم لا سيَّما جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم مما لم يتصرف فيه الرواة بروايته بالمعنى ، وهو إما معجزٌ أو فيه شبهة الإعجاز ، أما أسفل الكلام بلاغةً فهو المرتبة التي إذا جاوزها الكلام انحطاطًا التحق بأصوات البهائم عند البلغاء ، وبين المرتبتين مراتب متفاوتة بعضها أعلى من بعض ، وثَمَّةَ وجوهٌ تحسينيةٌ للكلام فوقَ ما ذُكِر من الشروط المعتبرة لوصف الكلام بالبلاغة ، فتمايز بين كلام البلغاء = كما يتمايز المتحليات والعواطل .  

29 - نوفمبر - 2010
الشذا الفياح من نور الأقاح
السلم إلى قمة البلاغة    كن أول من يقيّم

-       ( العلوم المعينة على السمو إلى رتبة البلاغة في اللغة العربية ) :
-       ( ص ) : فَمَا لَهُ تَرْجِعُ : مِنْهُ مَا عُرِفْ v بِالنَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالْحِسِّ وُصِفْ،
سِوَاهُ بِالْبَيَانِ- إِنْ بِهِ احْتُرِزْ v عَنْ أَنْ تُعَقَّدَ الْمَعَانِي؛= سِمْ وَمِزْ،
وَبِالْمَعَانِي : مَا بِهِ احْتِرَازُ v مِنْ خَطَأٍ تَأْدِيَةً ؛ يُمَازُ ،
وَمَا تَرَى بِهِ الْوُجُوهَ؛= قُلْ : بَدِيعْ. v ثُمَّ كَثِيرًا مَّا يُسَمُّونَ الْجَمِيعْ؛
أَوِ الْبَيَانَ وَالْبَدِيعَ؛= بِـ: الْبَيَانْ ، v وَقَدْ يَجِي لَهَا الْبَدِيعُ بِالْبَيَانْ.
-   ( ش ) : هذه ست علومٍ بتحصيلها مع تحصيل الذوق السليم = يكون المتكلم قد ملك أدواته التي يقتدر معها على إنشاء الكلام البليغ ، ولا يبقى عليه إلا إجالة الفكر واستثارة الخاطر والرياضة على رَصْف الكلام البليغ وحوكه شيئًا فشيئًا مع إدمان المطالعة لكلام السابقين من البلغاء واحتذائه = إلى أن تستقرَّ في نفسه الملكة الراسخة والسجية التي لا تزول لإنشاء الكلام البليغ ، وتحصيل هذه العلوم إنما هو في حقِّ من لم يستغنِ بسليقته العربية القويمة عنها ( اقرأ أرجوزة : السلم إلى قمة البلاغة ) .
-   هذه العلوم هي : متن اللغة ، أي الإلمام بمفردات اللغة ، وبذلك يميز الكلمات الفصيحة من الغريبة الوحشية والعامية السوقية .
-       والتصريف ، ويحترز به عن مخالفة القوانين الصرفية ، ويعلم ما يجوز له من هذه المخالفات في الشعر وما لا يجوز .
-   والنحو ، ويحترز به عن مخالفة القوانين النحوية ، وعن التعقيد اللفظي ؛ تعقيد النظم ، ويعلم ما يجوز له من المخالفات في الشعر دون النثر وما لا يجوز .
-       والمعانـي ، ويعرف به الخصائص التي يجيء بها الكلام مطابقا لمقتضى الحال .
-   والبيان ، ويحترز به عن التعقيد المعنوي ؛ الغموض في المعنى ، لفساد التشبيه ، أو سقم الاستعارة ، ونحو ذلك من الطرائق التي ستعرفها .
-       والبديع ، ويعرف به الوجوه التحسينية للكلام البليغ .
-       والذوق السليم ، يدرك التنافر ، فيحترز عنه .
-       وإذا أريد لهذا الكلام البليغ أن يكون شعرًا = فلا بد من معرفة علم العروض والقافية .
-   تنبيه / قد تسمى علوم البلاغة الثلاثة ( المعاني والبيان والبديع ) بالبيان ، وقد يسمى (البيان والبديع) وحسب بالبيان ، وقد تسمى ثلاثتها بـ : البديع .

29 - نوفمبر - 2010
الشذا الفياح من نور الأقاح
مقدمة علم المعاني - أ    كن أول من يقيّم

( علم المعانـي )
-       ( ص ) : وَهْوَ الَّذِي تُرَى بِهِ أَحْوَالُ v بِهَا طِبَاقُ مَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ .
أَبْوَابُ حَصْرِهِ كَمَا لِلنَّقَلَهْ : v أًحْوَالُ الاِسْنَادِ ، فَمَا أُسْنِدَ لَهْ ،
فَمُسْنَدٍ ، فَمُتَعَلِّقَاتِ v اَلْفِعْلِ ، فَالْقَصْرِ ، فَالاِنشَا آتِ ،
فَالْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، فًالايجَازُ يَعِنّْ v مَعْهُ الْمُسَاوَاةُ وَالاِطْنَابُ زُكِنْ.
-   ( ش ) : هناك عيبٌ في هذه المنظومة ؛ أن الناظم يكتفي بالعنوان النثري عن العنوان النظمي ، فيشرع في النظم مباشرة دون بيان ما يتكلم عنه اعتمادًا = على تقدُّم العنوان النثري .
-       تعريف علم المعانـي / قواعد يعرف بها الأحوال التي يطابق بها الكلامُ لمقتضى الحال .
-       وقد حصرت هذه القواعد في ثمانية أبواب :
-       1/ أحوال الإسناد .
-       2/ أحوال المسند إليه .
-       3/ أحوال المسند .
-       4/ متعلقات الفعل .
-       5/ القصر .
-       6/ الإنشاء .
-       7/ الفصل والوصل .
-       8/ الإيجاز والمساواة والإطناب .

29 - نوفمبر - 2010
الشذا الفياح من نور الأقاح
مقدمة علم المعاني - ب    كن أول من يقيّم

-       ( ص ): مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَضِدَّهُ: الْخَبَرْ،vوَغَيْرُهُ الإِنشَا لَدَى أُولِي النَّظَرْ،
وَاسْتَلْزَمَ الإِنشَا لَهُ ، وَالصِّدْقُ v طِبَاقُهُ الْوَاقِعَ ؛ وَهْوَ الْحَقُّ ،
وَالْكِذْبُ عَكْسُهُ ، وَقِيلَ : الْكَذِبُ v خِلافُهُ لِلاعْتِقَادِ يَجِبُ ،
وَالصِّدْقُ عَكْسُهُ ، وَإِن لَّمْ يَعْتَقِدْ v فَذَاكَ قُلْ وَاسِطَةٌ وَّلْتَجْتَهِدْ ،
وَكَوْنُهُ وِفَاقَ ذَيْنِ : اللافِظُ v بِهِ هُوَ الرَّاغِبُ بَلْ وَالْجَاحِظُ ،
وَالْكِذْبُ عَكْسُهُ وَغَيْرُهُ جُلِبْ v وَاسِطَةً لَّيْسَتْ بِصِدْقٍ أَوْ كَذِبْ،
وَبَعْضُهُمْ صِدْقًا وَّكِذْبًا ذَا وَرَدْ. v وَقَدْ أَبَى الْخَبَرَ قَوْمٌ أَن يُّحَدّْ .
وَالْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ مَدْلُولُ الْخَبَرْ، v وَبَعْضُهُمْ ثُبُوتُهَا عَنْهُ اشْتَهَرْ،
وَمَوْرِدُ الْكَذِبِ ذَاتُ الاِسْتِنَادْ، v وَذَاتُ تَقْيِيدٍ عَلَى رَأْيٍ تُزَادْ.
-   ( ش ) : الكلام البليغ : هو الكلام الفصيح المطابق لمقتضى الحال ، ولذلك ؛ لا بد أن يكون هذا الكلام صادقًا ؛ فإن كان كاذبًا : لم يكن بليغًا بمرَّةٍ ؛ إذ هو ليس مطابقًا للواقع أصالةً حتى يكون مطابقًا لمقتضى الحال بالتبعية ! ، ولذلك قُدِّم هذا المبحث لمعرفة ما الصدق وما الكذب وما الكلام الذي يمكن وصفه بهما وما لا يمكن وصفه .
-       والكلام من الحيثية المذكورة على قسمين : خبر وإنشاء .
-   فالخبر : ما احتمل الصدق والكذب لذاته ، بمعنى أنه كلام إن تفكرنا في معناه جوز العقل أن يكون هذا الكلام صادقا وأن يكون كاذبا ، بقطع النظر عن حقيقة الأمر ، فمثلاً قولنا السماء فوقنا هذا كلام من حيث ذاته قضية تحتمل الصدق والكذب ، لكنه صادق قطعا باعتبار التحقق في الخارج لا باعتبار مفهوم الكلام لذاته . وقولنا الأرض فوقنا هذا كلام من حيث ذاته قضية تحتمل الصدق والكذب ، لكنه كاذب قطعا باعتبار عدم التحقق في الخارج لا باعتبار مفهوم الكلام لذاته .
-   أما الإنشاء : فهو ما لا يمكن وصفه بالصدق أو بالكذب نظرا إلى أن معناه لا يتحقق إلا بعد النطق به ، وليس هناك من شيءٍ ماضٍ نرجع إليه لنقول بأنه صدق في الإخبار عنه أو كذب ، فمثلاً قولنا اقرأ مفهومه وهو طلب القراءة لا يحصل إلا بعد نطق هذا الأمر وليس له وجود قبل ذلك كي نصفه بصدق أو كذب ، وهذا أيضا باعتبار ذاته ، فقد يوصف الإنشاء بالصدق أو الكذب لأمر خارج عنه ، فمثلا : عندما يسألك إنسان عن شيء فتقول له كاذب سؤاله من حيث هو سؤال لا يوصف بصدق ولا كذب ، ولكن وصفته بالكذب إشارة إلى أن هذا السائل يدعي الغباوة أو الجهل وهو على خلاف ذلك وهذا أمر خارج عن مفهوم السؤال .
-   أما الصدق : فهو مطابقة الخبر للواقع ، يعني أن يكون المفهوم للكلام عقلاً مطابقٌ للحقيقة في الخارج ، فقولك النار حارقة ، هذا خبر صادق ، لأن النار في الحقيقة حارقة.
-       وأما الكذب : فهو مخالفة الخبر للواقع ، كقولك الحسك لين الملمس .
-       بقيت أبحاثٌ ستشرح تتميمًا لشرح النظم لكنها لا تهم الطالب فلا بأس أن يضرب عنها صفحًا .
-       فللصدق والكذب تعريفات أخر غير ما تقدَّم .
-   قال النظَّام ومن شايعه / إن الصدق : ما طابق اعتقاد المتكلم ، والكذب : ما خالفه ، ولا اعتداد بالواقع . فمثلاً / إذا قال المتكلم : السماء تحتنا ؛ واعتقاده كذلك ؛= فهو صادق - وإن كان كلامه مخالفًا للواقع قطعًا ، وإن قال : السماء فوقنا ؛ واعتقاده ليس كذلك فهو كاذب - وإن كان كلامه مطابقًا للواقع قطعًا . فإن لم يكن معتقدًا لشيءٍ ؛ بل هو شاكٌّ متردِّدٌ ؛= فإن الكلام حينئذٍ لا يوصف بالصدق ولا بالكذب ، بل هو واسطةٌ بينهما .
-   وقال الجاحظ والراغب وأشياعهم / إن الصدق : ما طابق الواقع واعتقاد المتكلم معًا ، والكذب : ما خالفهما معًا . وثمَّة أقسامٌ أربعةٌ تسمى واسطةً ليست بصدقٍ ولا كذبٍ :
1)    مطابقة الواقع ومخالفة الاعتقاد .
2)    مطابقة الواقع بلا اعتقادٍ .
3)    مخالفة الواقع ومطابقة الاعتقاد .
4)    مخالفة الواقع بلا اعتقادٍ .
-   هذان تعريفان مغايران لما تقرَّر ، لكن - كما سبق ؛ العبرة في البلاغة : بمفهوم الكلام ذاته، دون الأمور الخارجة عنه ، واعتقاد المتكلم خارجٌ عن مفهوم الكلام ، فلا علاقة له لوصف الكلام بالبلاغة أو عدم وصفه بها .
-       بقيت مسألتان أخيرتان :
-   الأولى / ما مدلول الخبر ، أي ما ماصدق الخبر ، هل هو الحكم بالنسبة ثبوتا أو انتفاء ، أم أن ماصدقه هو ثبوت النسبة ذاته أو انتفاء النسبة ذاته ؟! ، قولان ، والفرق بينهما أن الأول يعني في قولنا مثلا زيد قائم = الحكم بقيام زيد ، والثاني يعني = أن زيدا قائم فعلا، الأول يحتمل الصدق والكذب على سعة ، أما الثاني فهو لا يعني إلا صدق هذا الخبر وحسب أما الكذب فهو احتمال عقلي لا أكثر وهذا القول الثاني هو قول القرافي وارتضاه التفتازاني في المطول
-   الثانية / ما النسب التي يرد فيها الوصف بالصدق والكذب ؟ ، اتفقوا على النسبة الإسنادية ، وزاد البعض النسبة التقييدية وهو الراجح .

29 - نوفمبر - 2010
الشذا الفياح من نور الأقاح
أمة واحدة    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

( أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ )
1-  جاءت في كتاب الله أكثر من آية كريمة تنهى عن الشقاق والافتراق ، وتنأى وتربأ بنا - نحن المسلمون - عن التنابز والتلاقُب بالأسماء المشتِّتة للشَّمْل الجميع تحت ظلال الإسلام الوريفة يسرًا وسماحة .
2-   من هذه الآي الكريمة قوله تعالى في سورة الأنعام :
(( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون )) .
ومنها قوله تعالى في سورة الروم :
(( ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون )) .
ومنها قوله تعالى في سورة الحجرات :
(( ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان )) .
3-  وبالتأمُّل في هذه الآي الكريمة : يتضح أن التقسيم إلى طوائف وملل ومذاهب ونحل ليس من مطلوب الإسلام أبدًا ، فلا ينبغي أن يقال : مذهب كذا ، أو فرقة كذا ، أو أهل كذا ؛= بإيقاع النسبة إلى اسمٍ غير اسم الإسلام ، حتى وإن حدث ذلك فيما سبق من تاريخ الأمة ، وإن انتحلت طائفة من المسلمين لنفسها الآن اسْمًا وشعارًا ؛= فذلك مرفوضٌ ومردودٌ ، بل يقال لهم : نحن وإياكم مسلمون ، ما دمنا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونتجه إلى قبلة واحدة ، حتى وإن اختلفت الآراء في بعض قضايا الشريعة = فلا ضير ، ولكننا لا نرضى لأنفسنا مثلما لا نرضى لكم : أن نرفع لواء غير لواء الإسلام ننضوي تحته جميعا إخوانا بنعمة الله ، فلا نسميكم باسم ، ولا أنتم كذلك تسموننا باسم ؛: غير اسم الإسلام .
4-  ومما يستحق التأمُّل أيضًا : أن الله تعالى في كتابه الكريم لم يُسَمِّ مِلَّةً غير ملة الإسلام ، وذكر غير المسلمين بأسماءٍ لهم كأقوامٍ ، لا بأسماء مِلَلٍ ذات ياء نِسْبَةٍ مُّشَدَّدةٍ وتاء تأنيثٍ، فقال : اليهود والنصارى والمجوس = كأسماء أقوام ، ولم تلحقها ياء النسبة المشددة وتاء التأنيث ، فإذا كان هذا من لطيف أسلوب القرآن في إثبات الإسلام كدينٍ واحدٍ ، ولم يجعل له قسيمًا مخالفًا حتى = إمعانًا في إبطال تلك العقائد ؛ كأنها لبطلانها لا يصحُّ أن تُسَمَّى ،= أفيتخذ المسلمون لأنفسهم أسماءً غير اسم الإسلام يمنحونها الولاء والبراء ؟!، إن ذلك لمن تحريش الشيطان الذي يجب أن لا يطاع .

30 - نوفمبر - 2010
إضاءة
(10/2): الحكم والأماثيل من مقلدات الشعر    كن أول من يقيّم

معذرةً للتأخر هذا الأسبوع في نشر قصاصات ( إشراقة ) ، وقد رجعت إلى أوراقٍ سابقةٍ لي ؛ جعلت عنوانها : ( المنتقى من شرائف الشعر وعيونه ) أو : ( طرائف الحكمة وشرائفها ) ، وأزمعت فيها على اقتضاب أبيات الحكمة والأماثيل من مُقَلَّداتِ الشعر التي لفَّتْ عليها قِمَاطها أسفارُ : ( جمهرة أشعار العرب ) ( المفضليات ) ( الأصمعيات ) ( حماسة ابن الشجري ) ، ثم ما انتسق معها من المجاميع على بَبَّانٍ واحدٍ ، غير أني لم أنجز وقتذاك سوى : المنتقى من جمهرة أشعار العرب ، وقد لمحت في الفصل الأخير من كتاب الإعجاز والإيجاز للثعالبي ما يشبه هذا الصنيع ، وأحببت أن أشغل قصاصات هذا الأسبوع بنشر هذا المنتقى ، مع البُدَاءَةِ بكلمةٍ قدَّمْتُها بين يديه.
بسم الله الرحمن الرحيم
-   ( أما بعد ) : فإن الفائدة المرومة من هذا المنتقى : أن يفهم الباعث على انتقاء هذه الطائفة من الشعر بخصوصها مقتضبةً من قصائدها ، فإن هذا المنتقى مرادٌ به سَدُّ حاجةٍ لدى المعلم والدارس إلى أبياتٍ من الشعر حسنة المبنى سَنِيَّة المعنى ، يتمرَّن عليها النابتة في تطبيق القواعد اللغوية ، وتكون لهم مثالاً صالِحًا ترتاض به قرائحهم ؛ ليحتذوا حذوه في الإنشاء الرفيع ، وفي هذه الطائفة من شعر الحكمة كفايةٌ لهم ، بل وقايةٌ كذلك لأوقاتهم وعقولهم وعواطفهم ، فإن صرف الزمان في قراءة كثير من شعر الأقدمين وحفظه ودراسته تحصل به آفاتٌ أو تفوت مصالح ؛ منها : أن كثيرًا من ألفاظ اللغة في هذا الشعر أصبحت حُوشِيَّةً غريبةً ، وإقحام الناشئ لها في كتابته مكروهٌ في ذوق البلاغة ، كما أن كثيرًا منها أسماء لمواضع في جزيرة العرب ، أو تجيء أوصافًا للإبل والخمر وغير ذلك من اللغة المرهونة بذلك الزمان والمكان ، فمعاناة الطالب لمعرفة ذلك : جهدٌ عابثٌ وعمرٌ مضيَّعُ ، ومن هذه الألفاظ ما يجيء في أوصاف الأخلاق من شجاعةٍ وكرمٍ ، أو يجيء في النسيب وبكاء الأطلال ، مما قد لا يكون معناه على ما يقرِّره الإسلام من مكارم الأخلاق وسامي العواطف ، فمعرفته أيضًا مضرَّةٌ بالوقت والعقل والعاطفة ، ومن أين يأمن المعلم الحصيف إذا هو قرأ شيئًا من ذلك لتلميذه = أن لا يعتلق بقلبه هوًى منه ؛ فيحتذيه في شيْءٍ يكتبه من نثرٍ أو شعرٍ ؟ : لا يأمن ، والوسيلة إلى البلاغة خير ما تكون في القرآن والحديث والشريف من خطب العرب ورسائلهم وشعرهم ، ومن صَبَتْ نفسه إلى مزيدٍ = ففي مثل كتب ابن المقفع والجاحظ والتوحيدي ، وفي مثل شعر فحول المولدين في الأغراض المستحسنة شرعًا أيضًا كالحكمة والزهد ، أو المأذون فيها كالمدح والرثاء بالصدق ووصف الطبيعة والغزل العفيف ؛= غَناءٌ لمن يهديه الله ، ومرقاةٌ إلى ما يتطلَّع إليه من البلاغة .
-   على أن آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم = لا ينبغي أن تؤخذ منها الأمثلة لتطبيق القواعد في دروس العربية ؛ إمعانًا في توقيرها ، فإن الدراسة والمذاكرة من شأنها : مراجعة الكلام ومداولته ، وتصويب أغلاطه ، واستدراك فرطاته ، وتشتيت نظم هذه الآي الكريمة والأحاديث الشريفة بمثل هذا = خلاف الورع ، فالاكتفاء بالأمثلة الموضوعة ، أو بأبيات الشعر ، أو جمل النثر ؛ من مثل ما أشير إليه = أسلم وأفضل .
-   وقد يحتال لقراءة بعض ذلك الشعر القديم بحيلةٍ لطيفةٍ ؛ بأن تؤخذ منه متفرِّقاتٌ بعنايةٍ كأمثلةٍ في دروس العروض والبلاغة والنحو ، فيكون الهمُّ مُوزَّعًا بين تطبيق القاعدة والنظر إلى المعنى ، لكن لا يدرسه على حِدَته في حِصَّةٍ للأدب ؛ كما هو الحال في المدارس ! ، وهذه الانتقاءات ستكون هي المجموعة الثانية بعون الله .

1 - ديسمبر - 2010
إشراقة
بقية المقالة    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :

·   تسمية هذه الألحان التي رأينا فيها تأملاً وفلسفةً وحكمةً بالفانتازيا والرقصة والرابسودي ؛= تحته فكرتان على الأقل : الأولى / أن فلسفة الموسيقيّ أساسًا أنه لا يكترث للفلسفة ولا يكترث للإيغال في التأمليات والروحانيات ، وهو يعتبر الموسيقى أساسًا مصالحةً للإنسان في عالمه القريب الذي يستمتع به ويعيشه دون كبرياء فارغة - كما يراها - ، هو فيه يطرب ويبتهج ويستمتع بالملذات ويحزن أيضًا ويحب ويعشق ويغوى ويرشد ، ويبقى كل هذا في حدود القدر المشترك بين أفراد الإنسان جميعًا ، أما الإيغال في الروحانية والتأمل ، وإرهاق الحياة السهلة بالفلسفة الجوفاء فهذا زيادة عن القدر الإنساني المشترك ، زيادة نادرة لا يحفل بها ، لا تكون إلا في الذين ظلموا أنفسهم فأصبحوا شيئًا آخر ، زيادة يراها شذوذًا وفانتازيا أو رقصة أو رابسودي ، فكأن هذه الأسماء هي مجرد سخريةٍ من المضمون لا أكثر ، ولما إذًا يؤلف الموسيقي مثل هذه الأعمال ؟! ؛= الجواب : لأنه موسيقيٌّ ، وجوده مرهون بهذا الوصف ، هو يقتات وجوده من هذه الألحان التي يؤلفها على سائر السلالم والآلات الموسيقية وفي الأنماط المختلفة فلا بد أن يظل حيًّا ولا بد أن يدلل على مقدراته الموسيقية دائمًا ( ليس غريبًا أن يولع شخصٌ كموريس رافيل - وهو من التأثريين الذي يعتبرون أنفسهم التجديد الأول في الموسيقى بانصبابهم على المعنى - بتأليف عدد من الأعمال لليد اليسرى ككونشيرتو البيانو المشهور له ؛ فهو في قصارى الأمر موسيقي ! ) .
·   والفكرة الثانية / هي أن للموسيقيين حسابات أخرى غير حساباتنا نحن المستمعين والمستمتعين بالموسيقا ، فمثلاً تأليف الكونشيرتو يقصد به تمجيد الآلة وعازف الآلة الموضوع لها الكونشيرتو بإبراز مهارات وإمكانيات كُلٍّ من الآلة والعازف ، وعلى مدى تحقق هذه الغاية يكون التقييم في امتياز الكونشيرتوهات ، والحركة الثالثة من سوناتا البيانو كذلك ، واعتبار سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن ثاني أفضل الأعمال للبيانو المنفرد من أجل الحركة الثالثة - وليس الأولى كما قد نظن نحن المستمعين - فهي من القوة والهارمونية مع الميلودية الخاصة بحيث لم يتفوق عليها سوى : ( heroic polonaise ) لشوبان [ رقصة ] .
·   بعد أن استهلكت خلال القرن التاسع عشر ينابيع الأوبرا والباليه والموسيقى الشعبية والعواطف الرومانسية كينابيع للتجديد في الميلودية الموسيقية ؛= جاءت مجموعة التأثريين .
·   كانت فكرة التأثريين مقطوعة موسيقية مركزة الفكرة ، متحررةً من بهرجة الكلاسيكية ، متميزة الميلودية ، ليست مستقاةً من الموسيقى الشعبية ، وليست لحنًا مرصودًا للأوبرا أو الباليه ، وليست سيمفونيةً مترامية الأطراف متشعِّبة الأفكار ، مقطوعةٌ موسيقيةٌ تستوحي المشهد ، وتعبِّرُ عنه تعبيرًا وسطًا بين الإغراق في التأمُّل والروحانية بحيث يفقد المشهد واقعيته ، وبين الالتصاق بالواقعية بشكل يجعلها فجَّةً ، ويجعل التعبير أوبراليًّا ساذجًا ، وكتقريبٍ : لو عبَّرْنا عن مشهدٍ ما بالشعر وبالرسم ؛ فموسيقى التاثريين هي أشبه بالرسم، فهو ليس في خيالية الشعر ، وليس في سذاجة صورة فوتوغرافية ( يقارن مثلاً بين : moonlight  لبيتهوفن وclair de lune  لديبوسي ) .
·   والتشبيه المذكور ليس مجرد تشبيه بل له نموذج من أعمالهم ؛ وذلك عندما عبر موسورسكي عمن صور معرض أحد زملائه بالعمل الشهير : Pictures At An Exhibition  ، وعمل ديبوسي : images for piano .
·   واعتبار موسورسكي وخلفه إيغور استرافنسكي من التأثريين هو اجتهادٌ شخصيٌّ مني بالتذوق ، ولعلَّ الفارق فقط هو : أنهما كان أميل للأعمال الأوركسترالية والسيمفونية ، وأيضًا خلو لغتهما الموسيقية من رقة التأثريين الفرنسيين ، الأمر الذي تدراكاه بأسماءَ بالغةِ الشاعرية ؛ كمثل : طائر النار ، وليلة فوق الجبل الأجرد ...
·   ومما يؤكد هذا التقارب هو التعاون بين الفريقين ، فبفضل إنجاز موريس رافيل الوصف الأوركسترالي لعمل موسورسكي الآنف الذكر = أصبح هذا العمل من أعظم الأعمال في الموسيقى الكلاسيكية الغربية بعد أن كان وحسب في عداد أفضل أعمال البيانو المنفرد .
·   ولعل التمهيد الجدِّي للتأثريين كان في أعمال سان سيين كميل ، لا سيما في في عمله الشهير : كرنفال الحيوانات ( استمع لموسيقى الإوزة ؛ وقارنها بموسيقى Gymnopédie لإريك ساتي ) ، لكن زاد تحررهم من زيه الكلاسيكي .
·   ويبقى جديرًا بالذكر ؛ أنه لصرامة الضوابط التي وضعها التأثريين لأنفسهم = كان الكثير من أعمالهم يفتقر إلى جمال الشكل ورواء الهيأة .
·   على أن التجديد الموسيقي في بواكير القرن العشرين تجاوز شوط التأثريين ؛ ليبلغ حد الابتكار في أسس الموسيقا ذاتها ، كما في ابتكار أرنولد شونبرغ للصف اللحني الكروماتي الاثني عشري ، وابتكارات غيره ، وتمادى ذلك إلى شأوٍ بعيدٍ ، لكن نريد أن نذكر كلمةً أخيرةً عن تطوير التأثريين للغة البيانو .
·   منذ بواكير الإبداعات الموسيقية في عصر الباروك كانت قد تكاملت لكل آلة موسيقية لغةٌ خاصَّةٌ بها لها هيأتها المتميزة وملامحها الواضحة ، ماهِيَّة هذه اللغة تتجلَّى في مدى تعبير الآلة الموسيقية عن فحوى اللحن المكتوب لها ، وعندما تترجم مثلاً لغةُ الكمان لحنًا نطقت به لغة الفلوت ؛= فهذه الترجمة لن تكون أمينةً تمامًا في الحفاظ على روح العمل الفني ، دفيئةً بعواطفها ، منتعشةً بأفكارها ؛ مثلما نطقت به اللغة الأم ، وإن افترضنا أن لا إساءة ستلحق اللحن ، بيد أنها لاحقةٌ للآلة المترجِمة ؛ إذ سيبدو بها العِيُّ والحَصَر ؛ إذ عدلت عن الترنُّم بالمعهود منها من النغم البليغ الذي لا تؤديه على هذه البلاغة المنعوتة آلةٌ سواها .
·   لكن ما مدى انتماء الآلة الموسيقية إلى اللغة الموضوعة لها ؟ إنها في نهاية الأمر كما وصفنا لغةٌ موضوعةٌ لها ، أي : أن العرف والاصطلاح بين أفراد الوسط الموسيقي هو الذي أجرى هذه الزيجة بين الآلة الموسيقية ولغتها ، لكن ؛ أليس من المرجح إلى حد بعيد أن يكون لدى الآلة الموسيقية الحماس والتشوق إلى تعلم لغات أخرى ؟! ، ولعلها أيضًا تصل إلى مستوًى من الفصاحة والبراعة فيها لا يقل عما حازته آنفًا ؟! ، وجواب التساؤل : أن الحقيقة كذلك .
·   هذه الفكرة أصبحت من مناهج تطور الموسيقا وظهور الإبداعات الجديدة المتميزة بشكلٍ متلاحقٍ زمنيًّا ، ففي حدود القرنين ( 200 سنة ) لا أكثر ونعني : القرن الثامن عشر والتاسع عشر ؛= كان فن الموسيقا قد اغتنى بالأنماط والأساليب والألوان والاتجاهات المختلفة ما لم يتحقق لفنٍّ غيره في مثل هذه المدة الوجيزة .
·   ونوضح تحلق تطور الموسيقا حول هذه الفكرة التي تبيَّنت : عندما تعزف آلةٌ موسيقيةٌ لحنًا مكتوبًا لآلةٍ غيرها سيكون هذا طريفًا عليها ، وسيكون غريبًا بعض الشيء أيضًا ، فإذا استوحينا روح هذا اللحن المشار إليه ، وألَّفنا لحنًا يقاربه في هذه الروح لكن يتقارب أيضًا مع الخصائص الأساسية لآلتنا تلك ؛= فإننا بذلك سنحقق لهذه الآلة لغةً جديدةً ستزداد معالمها وضوحًا كلما تكاثرت المؤلفات المتابعة للخطوة الأولى التي خطوناها .
·   بطبيعة الموهبة الفطرية : كانت الآلات ذات الْمُدَرَّجَيْن في التدوين الموسيقي (مثل : البيانو والأرغن والهارب) ( ثم : الجيتار ) هي الأقدر على احتواء اللغات الموسيقية للآلات الأخرى بل حتى على احتواء اللغة الموسيقية للأوركسترا ككُلّ ، ولذلك كثرت المدونات الموسيقية المسماة بـ : ( الأوصاف ) descriptions)) ، وكان من أشهر أوصاف البيانو تلك التي أعدها ليزت لسيمفونيات بيتهوفن .
·   لكن في كثيرٍ من الأحيان ؛ كانت تبقى تلك الأوصاف كأوصافٍ ، أما تبنِّيها كلغةٍ جديدةٍ للبيانو ؛= فذلك ما تمَّ على أيدي التأثريين .
·   فالتأثريين فيما كتبوه للبيانو من أعمالٍ تميزت في لغتها الموسيقية = لم تكن آلة البيانو التي يوقِّعون عليها بأصابعهم هذه الأعمال صورةً من نظيرةٍ لها في داخلهم تلقي تعبيرها الموسيقي إلقاءً خطابيًّا ؛ بل كانت اختزالاً لمسرحيةٍ في داخلهم تؤدِّيها الأوركسترا بكل ما فيها من مشاهدَ وشخوصٍ وأضواء ، ما يمنحك الاطمئنان إلى صواب هذه الفكرة : أنك لو استمعت إلى الأوصاف الأوركسترالية لأعمالٍ مثل : ( صور من المعرض ) لموسورسكي و( ضوء القمر ) لديبوسي ؛= فستجدها أروع وأجمل وأدقَّ من وصفها الأصلي للبيانو ؛ خلافًا للأنماط الأخرى من أعمال البيانو ؛= فأوصافها الأوركسترالية لا تكون بروعتها من البيانو ، ( استمع مثلاً إلى : الرقصات الهنغارية لبرامز تؤدِّيها أوركسترا ، وقارن ) .
·   وإذا كان البيانو قد حظي بهذه الفرصة من التأثريين ، فإن آلة أخرى مثل الأرغن مرشحةٌ إلى إبداعات جديدة فيها ، وإلى لغة مبتكرة لها إذا أتيح لها المؤلف الموسيقي الذي يوقِّع بأصابعه عليها وهو يستمع في داخله إلى أوركسترا وليس إلى أورغن .
·   وإذا كان البيانو قد اختزل الأوركسترا ، فالفضل كان للأورغن بدايةً ، فقد كانت للبيانو تجربةٌ سابقةٌ باختزال الأورغن ، وخذ مثلاً في عمل باخ : toccta and fugue in d minor ؛ وهو العمل الأول والأفضل عند تَعداد الأعمال الفُضْلى للأورغن ، ووصفُه للبيانو يتراجع إلى المركز العاشر في بعض القوائم لأفضل أعمال البيانو المنفرد ، ولا ننسى سان سيين كميل الذي ذكرنا أنه التمهيد الأول للتأثريين ؛= فقد كان خليفةَ باخ الذي وصفه ليزت بـ : ( أنه العازف الأول للأورغن في العالم ) .
[ تَمَّتْ ]

2 - ديسمبر - 2010
حديث عن الموسيقى
مودة صافية    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :

( مَوَدَّةٌ صَافِيَةٌ )
-       الأستاذ العزيز / ياسين الشيخ سليمان .
-   تقديرٌ واحترامٌ وإكبارٌ لهذه الأخلاق الكريمة الجميلة ؛ التي تغوي وتغري بِخِطْبة مَوَدَّتِهَا = بكُلِّ ما آمل أن أكون به أهلاً لها إن شاء الله .
-   وشكرٌ فائقٌ على التكرُّم بالنظر في هذه المقالة ، وعلى التفضُّل بإبداء الإعجاب بتلك الأسطر الْمَطْلِيَّة باللون الأحمر والظليلة باللون الأصفر ، أسأل الله تعالى أن تشرق شمس السعادة والحرية والوئام على بلادنا الحبيبة : فلسطين ، وألا تغيب عنها أبدًا .
-   وأنا كأخٍ أصغر لكم ، بل : كابْنٍ ؛: أرجو ألا يكون فيما بيني وبين حضرتكم = لنون الجمع = موضعٌ ، وكُلُّ ما في وسعكم إسداؤه لي من توجيهٍ وإرشادٍ = ليس بي غِنًى عنه.
-       وعَوْدٌ على بَدْءٍ : لحضرتكم كُلُّ تقديرٍ واحترامٍ وإكبارٍ وشكرٍ فائقٍ .

2 - ديسمبر - 2010
حديث عن الموسيقى
 19  20  21  22  23