من نوادر الترخيم كن أول من يقيّم
والمعذرة يا أبا البركات، ولا أخفيك أنني ترددت هذه المرة في إضافة الراء ولكنني اتبعت قاعدة تقديم الأولى، وذكرتني (منصو) هذه بقصة الترخيم عندنا في دمشق، ولا أدري هل هي عندكم كذلك أم لا ، فالترخيم يراد به التحبب كما يراد به السخرية، والفرق في أداتي الترخيم، وهما الواو والياء الممالة، التي تستعمل في القراءات مثل (والضحي والليل إذا سجي) وأضرب مثالا على ذلك اسم (حكيمة) فبترخيم التدليع والتحبب يصير (حكُو) وبترخيم السخرية يصير (حكي) وإذا كانت البنت اسمها (خيرية) فتدليعها أن يقال لها (خيرو) وتسفيهها أن يقال لها (خيري) ليس بكسر الراء وإنما بإمالة الياء، وإذا كان اسمها فاطمة فترخيم التحبب (فاطو) وترخيم التسفيه (فاطي) وأن يدعو الرجل زوجته بياء الترخيم يعني إهانة لا تغتفر، سيما أمام السلايف والضرائر. وأما المتنبي فأطرف ترخيماته البيت المشهور
لله ما فعل الصوارم والقنا في عمرو حاب وضبة الأغنام وهو الشاهد (141) في خزانة الأدب. وقد أتبع البغدادي شرحة بترجمة موسعة للمتنبي نقلا عن (ايضاح المشكل) وفيها طائفة مما أخذ عليه من الشعر. وقال في شرح البيت:
قوله "حاب" مرخم حابس في غير النداء، وهو ضرورة، وهو في المضاف إليه أبعد. وأبقى كسرة الباء من حابس بعد الترخيم على حالها. وأصله "عمرو بن حابس" فحذف ابنا وأضاف عمراً إلى حابس. وقال ابن سيده صاحب المحكم في "شرح ديوان المتنبي": أراد عمرو حابسٍ فرخم المضاف إليه اضطراراً كقوله - أنشده سيبويه: أودى ابن جلهم عبادً بصرمته إن ابن جلهم أمسى حية الوادي
قال: أراد ابن جلهمة. والعرب يسمون الرجل جلهمة والمرأة جلهم كل هذا حكاه سيبويه. وهذاالبيت من قصيدة لأبي الطيب المتنبي. قالها في صباه، عندما اجتاز برأس عين في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وقد أوقع سيف الدولة بعمرو بن حابس من بني أسد، وبني ضبة، ورياح بن أبي تميم؛ ولم ينشده إياها. فلما لقيه دخلت في جملة المديح. ومطلع القصيدة: ذكر الصبا ومراتع الآرام جلبت حمامي قبل وقت حمامي إلى أن قال في مدح سيف الدولة: وإذا امتحنت تكشفت عزماته عن أوحدي النقض والإبرام
وإذا سألت بنانه عن نيله لم يرض بالدنيا قضاء ذمام مهلاً، ألا لله ما صنع القنا في عمرو حاب وضبة الأغنام جعل هؤلاء أغناماً، لأنهم كانوا جاهلين حين عصوه؛ حتى فعل بهم ما فعل. وهو بالنون لا بالمثناة الفوقية، إذ هو غير مناسب، إذ الأغتم: الأعجم الذي لا يفصح شيئاً، والجمع الغتم. وزعم ابن سيده في شرحه: أن هذا هو المراد هنا، قال: والأغتام: جمع أغتم، كسر أفعل على أفعال، وهو قليل، ونظيره أعزل وأعزال بإهمال الأول، وهو الذي لا سلاح معه، وأغرل وأغرال بإهمال الثاني، وهو الذي لم يختن. وبعده: لما تحكمت الأسنة فيهم جارت، وهن يجرن في الأحكام فتركتهم خلل البيوت كأنما غضبت رؤوسهم على الأجسام أي: غزوتهم في عقر دارهم حتى تركتهم خلال بيوتهم أجساماً بلا رؤوس
وهذه ترجمة المتنبي نقلتها من كتاب "إيضاح المشكل لشعر المتنبي، من تصانيف أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني" وهذا الإيضاح قاصرٌ على شرح ابن جني لديوان المتنبي، يوضح ما اخطأ فيه من شرحه. وهو ممن عاصر ابن جني؛ وألف الإيضاح لبهاء الدولة بن بويه. قال: "وقد بدأت بذكر المتنبي ومنشئه ومغتربه، وما دل عليه شعره من معتقده إلى مختتم أمره، ومقدمه على الملك - نضر الله وجهه - بشيراز وانصرافه عنه، إلى أن وقعت مقتلته بين دير قنة والنعمانية واقتسام عقائله وصفاياه .. حدثني ابن النجار ببغداد: أن مولد المتنبي كان بالكوفة في محلةٍ تعرف بكندة، بها ثلاثة آلاف بيت، من بين رواء ونساج. واختلف إلى كتاب فيه أولاد أشراف الكوفة، فكان يتعلم دروس العلوية شعراً ولغةً وإعراباً؛ فنشأ في خير حاضرة. وقال الشعر صبياً. ثم وقع إلى خير بادية، بادية اللاذقية وحصل في بيوت العرب، فادعى الفضول الذي نبذ به، فنمى خيره إلى أمير بعض أطرافها - فأشخص إليه من قيده وسار به إلى محبسه، فبقي يعتذر إليه ويتبرأ مما وسم به، في كلمته التي يقول فيها: فما لك تقبل زور الكلام وقدر الشهادة قدر الشهود وفي جود كفك ما جدت لي بنفسي ولو كنت أشقى ثمود ..... انظر بقية الترجمة التي نقلها البغدادي عن صاحب (إيضاح المشكل) منها قوله:
وهو في الجملة خبيث الإعتقاد. وكان في صغره وقع إلى واحدٍ يكنى أبا الفضل بالكوفة من المتفلسفة، فهوسه وأضله كما ضل. وأما ما يدل عليه شعره فمتلون. وقوله: هون على بصرٍ ما شق منظره فإنما يقظات العين كالحلم مذهب السوفسطائية. وقوله: تمتع من سهادٍ أو رقادٍ ولا تأمل كرى تحت الرجام فإن لثالث الحالين معنى سوى معنى انتباهك والمنام مذهب التناسخ. وقوله: نحن بنو الدنيا فما بالنا نعاف ما لابد من شربه فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجسام من تربه مذهب الفضائية. وقوله في أبي الفضل بن العميد: فإن يكن المهدي من قد بان هديه فهذا، وإلا فالهدي ذا فما المهدي مذهب الشيعة. وقوله: تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجبٍ، والخلف في الشجب فقيل: تخلد نفس المرء باقية وقيل: تشرك جسم المرء في العطب فهذا من يقول بالنفس الناطقة؛ ويتشعب بعضه إلى قول الحشيشية. والإنسان إذا خلع ربقة الإسلام من عنقه، وأسلمه الله عز وجل إلى حوله وقوته، وجد في الضلالات مجالاً واسعاً، وفي البدع والجهالات مناديح وفسحاً. ثم جئنا إلى حديثه وانتجاعه، ومفارقته الكوفة أصلاً، وتطوافه في أطراف الشام، واستقرائه بلاد العرب ومقاساته للضر وسوء الحال، ونزارة كسبه، وحقارة ما يوصل به؛ حتى انه أخبرني أبو الحسن الطرائفي ببغداد - وكان لقي المتنبي دفعات في حال عسره ويسره -: أن المتنبي قد مدح بدون العشرة والخمسة من الدراهم.... إلخ |