الخبز الإلكتروني     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
عندما تلتقي بالناس إلكترونياً يبدأ التعارف على حذر.. ومع ازدياد النقاش وازدياد الأيام.. ومع ذوبان الثلوج وتقارب الأفكار والتفكير.. تحس أن من يجلس خلف الشاشة البعيدة قريباً منك.. تشكو له ما تعانيه.. وتعاني معه ما يشكو.. تحن إليه إذا سكتْ.. ويحن إليك إذا سكتَّ.. تفتح ذراعيك إذا شكا.. ويفتح ذراعيه إذا اشتكيت.. تقاسمه هموماً لازمته ويقاسمك هموماً لازمتك.. حتى يعز عليك الفراق.. فقد أوجدتما أحد المستحيلات الثلاثة مرتين: أنت وهو. ومع زوال الحدود الإلكترونية تزول الحدود الطبيعية والأسوار والأسلاك الشائكة والسواتر والمصدات.. تصبح المسافات أقرب من حبل الوريد.. تسمع دقات القلب البعيد.. معجزة لا تفسير لها ولا منطق.. فهي خارج المحسوس وخارج المرئي. عندما تأكل مع شخص غريب في مناسبة عابرة فإن شيئاً خفياً يربط بينكما.. تلتقيه فيما بعد.. تقول له: (لا تنس أن بيننا خبزاً وملحاً).. يصير الطعام رابطاً من الصعب أن ينسى.. لأن الطعام نفسه يدخل إلى الخلايا وليس إلى المعدة فحسب. في القرية الإلكترونية خبز وملح نتقاسمه.. نحس أن هنالك صداقة حقيقية ونخوة وحباً وزمالة من الصعب أن تضيع بين ليلة وضحاها.. وهنا تقاسم الخبز والملح ودخولهما ليس إلى الخلايا المعروفة وإنما إلى خلايا الأرواح والنفوس. ما يحصل في الجلسات عن بعد شيء جميل نفتقده كثيراً في جلساتنا عن قرب.. والسليم عقلاً وروحاً من الصعب جداً أن ينساها.. لكن ماذا لو أن أحد الأطراف أُجبر على تناول جرعة زائدة من الملح؟.. ربما حاسة التذوق تصاب بخلل.. وهنا تكمن المشكلة ويحضر خوفنا سريعاً مباغتاً.. فليس سهلاً أن نفقد حاسة التذوق.. أو الذوق.. ومع ازدياد الرعشة في الجهة اليسرى من صدورنا يزداد صمتنا إلى أن يذوب الملح.. فلا نفقد من نحب.. وتزداد (تمتماتنا).. ونبقى.. ويبقى الـ(أمل).. ويبقى من هو أكبر من الـ(أمل).. |