البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات زهير ظاظا

 160  161  162  163  164 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
رضيع الأحزان    كن أول من يقيّم

كان لي أخت في الثانية عشرة من عمرها شاء أبي ألا تستمر في البيت من غير عمل فأرسلها إلى معلمة تتعلم عندها الخياطة والتفصيل والتطريز، وقامت يوما تعد القهوة لضيوف المعلمة، فهبت النار فيها واشتعل شعرها وجسمها، وحاولت أن تطفئ نفسها أول الأمر فلم تنجح، فصرخت ولكن لم يدركوها إلا وهي شعلة نار، ثم فارقت الحياة بعد ساعات. وكان ذلك وأنا حمل في بطن امي، فتغذيت دما حزينا، واستقبلت عند ولادتي استقبالا حزينا، فهل كان لذلك أثر فيما غلب علي من الحزن في حياتي، فلا أفرح كما يفرح الناس، ولا أبتهج بالحياة كما يبتهجون ? علمُ ذلك عند الله والراسخين في العلم. (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 19) (وكان مولد أحمد أمين يوم 1/ اكتوبر/ 1886هـ) وهو يذكر في الكتاب أيضا (ص 122) قصة موت اخيه بحمى التوفوئيد وهو في السادسة عشرة من عمره، بعد إصرار أبيه على عدم إدخاله المشفى ?  ولم تمض إلا سنة وبضعة أشهر حتى توفي أخوه الثاني بعد شلل في المخ، وهو أيضا في الخامسة والثلاثين من عمره، وبقي أحمد أمين هو الشاب الوحيد لأبويه وأختيه.

5 - أكتوبر - 2006
أحاديث الوطن والزمن المتحول
السقا    كن أول من يقيّم

لم تكن المدينة قد غزت البيوت، وخاصة بيوت الطبقة الوسطى أمثالنا، فلا ماء يجري في البيوت، وإنما هو سقاء يحمل القربة على ظهره ويقذف ماءها في زير البيت، تملأ منه القلل وتغسل المواعين، وكلما فرغت قربة احضر قربة. والسقا دائم المناداة في الحارة، وحسابه لكل بيت عسير، إذ هو يأخذ ثمن مائة قربة في كل أسبوع، فتارة يتبع طريقة أن يخط خطا على الباب كلما أحضر قربة، ولكن بعض الشياطين يغالطون فيمسحون خطا أو خطين، ولذلك لجأ السقا إلى طريقة (الخرز) فيعطي البيت عشرين خرزة، وكلما أحضر قربة أخذ خرزة، فإذا نفذت كلها حاسب أهل البيت. وأخيرا وأنا فتى رأيت الحارة تحفر والأنابيب تمد، والمواسير والحنفيات تركب في البيوت، وإذا الماء في متناولنا وتحت أمرنا، وإذا صوت السقا يختفي من الحارة. (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 22)
 
أقول أنا زهير: كلام أحمد أمين هذا أواخر القرن التاسع عشر، ولكنني أنا شهدت ذلك في دمشق عام 1963م وكنت أرى السقا إثر السقا يمشي من أمام بيتنا مائة مرة في اليوم، وسبب ذلك أن عددا هائلا من أهل فلسطين تديروا المنطقة الواقعة سفح جبل قاسيون، ولم تكن انابيب المياه قد وصلت إلى تلك المنطقة بعد، وكان الحمار الواحد يحمل قربتين فقط، بل كانت القربتان تتخذ شكل الخرج (الحمل).

5 - أكتوبر - 2006
أحاديث الوطن والزمن المتحول
شيخ الحارة    كن أول من يقيّم

قال المرحوم أحمد أمين: (وكانت حارتنا تشمل نحو ثلاثين بيتا، يغلق عليها في الليل باب ضخم كبير، في وسطه باب صغير، وراءه بواب.. وكان شيخ الحارة شيخا معمما، يدل مظهره على أنه من أصل تركي، وجهه أبيض مشرب بحمرة، طويل عريض، وقور ذو لحية بيضاء، مهيب الطلعة، له عربة بجوادين، يدقان بأرجلهما فتدق معها قلوب أهل الحارة، هو نائب المحكمة العليا الشرعية وسيد الحارة، إذا حضر من عمله تأدب أهلها، فلا يرفع نساء الطبقة الدنيا أصواتهن، وإذا جلس في فناء بيته تأدب الداخل والخارج، وإذا تجرأت امرأة على رفع صوتها أتى خادمه الأسود فأحضرها أمام الشيخ وزجرها زجرة لم تعد لمثلها. وعلى ألسنتنا نحن الأطفال: (جاء الشيخ، الشيخ خرج). وبيته الواسع الكبير لا يشمل إلا سيدة تركية، وخدما من الجواري السود اللاتي كن مملوكات، وعبيدا سودا، فقد كان في القاهرة أسواق وبيوت لبيع الجواري البيض والسود، يذهب من أراد الشراء فيقلب العبد أو الجارية، ويكشف عن جسدها ليرى إن كان هناك عيب، ثم يساوم في ثمن من أعجبه فيشتريه ويكون ملكا له، وظل هذا الحال إلى عهد إسماعيل، فتدخلت الدول الأوربية ووضعت معاهدة لإلغاء الرقيق، وأعتق كل مالك رقيقه، ومع ذلك بقي كثير من العبيد والجواري في بيوت أسيادهم للخدمة ونحوها. وكان يشيع بيننا أن الشيخ يملك ذهبا كثيرا وأنه يضعه في خزائن حديدية...إلخ) (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 25)

5 - أكتوبر - 2006
أحاديث الوطن والزمن المتحول
البرنامج اليومي    كن أول من يقيّم

قال المرحوم أحمد أمين: (وقد وضع لي أبي يرنامجا مرهقا لا أدري كيف احتملته. كان يوقظني في الفجر فأصلي معه، ثم أقرأ جزءا من القرآن، وأحفظ متنا من المتون الأزهرية، كألفية ابن مالك في النحو، حتى إذا طلعت الشمس أفطرت ولبست ملابسي وذهبت إلى المدرسة أحضر دروسها إلى الظهر، وفي فسحة الظهر أتغدى في المدرسة على عجل وأذهب إلى كتاب بمسجد شيخون، قريب من المدرسة، وقد اتفق أبي مع فقيه الكتاب أن يسمع مني جزءا من القرآن، حتى إذا ما أتمتته سمعت جرس المدرسة فذهبت إلى الفصل، ثم أحضر حصص المدرسة بعد الظهر، فإذا دق الجرس النهائي خرجت إلى البيت، وخلعت ملابسي المدرسية ولبست جلبابا، وذهبت إلى المسجد الذي أبي إمامه، فمكثت معه من قبيل المغرب حتى يصلي العشاء، أستمع لدرسه الذي يلقيه في المسجد بين المغرب والعشاء، ثم أعود معه إلى البيت، وفي أثناء الطريق يحفظني بيتا من الشعر أو بيتين، ثم يسألني إعرابه فأعربه، ويصحح لي خطئي، وكل ذلك ونحن سائران في الطريق، ثم أتعشى وأنام. وإذا كان علي واجب من المدرسة اتممته على عجل قبل أن أذهب إلى أبي في المسجد، وليس لي من الراحة إلا عصر يوم الخميس ويوم الجمعة، على أنني كثيرا ما كنت أحرم من صبح يوم الجمعة لعمل واجبي المدرسي أو القراءة مع أبي .... وكنت في هذه السن متدينا شديد التدين، وكان في المدرسة مسجد صغير أعد إعدادا حسنا، فكنت أصلي فيه الصلوات لأوقاتها، وكنت أقوم الليل، وأتهجد، وأحب الله وأخشاه، وتنحدر الدموع من عيني أحيانا في ابتهالاتي، وأسجد فأطيل السجود والدعاء، ومن شدة فكري بالله رأيته في منافي مرة على شكل نور يغمر الغرفة ويخاطبني قائلا: اطلب ما أدلك به على قدرتي، فطلبت ان يعمل من قطعة حديد سكينا ومن قطعة خشب شباكا ففعل، فآمنت بقدرته، وحكيت المنام لأهلي ففرحوا به فرحا عظيما وزادوا في محبتي ) (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 52 ـ 57)

5 - أكتوبر - 2006
أحاديث الوطن والزمن المتحول
من المدرسة إلى الأزهر    كن أول من يقيّم

استمريت في دراستي في المدرسة فانتقلت من السنة الثانية إلى الثالثة، ومن الثالثة إلى الرابعة، وأبي لا يهدأ من التفكرير أيتركني أكمل دراستي أم يخرجني من المدرسة ويدخلني الأزهر، ويسألني فأجيبه: (أحب أن أبقى في المدرسة) ويسأل من يعرفه من موظفي الحكومة فيوصونه ببقائي في المدرسة، ويسأل من يعرفه من مشليخ الأزهر فيوصونه بإدخالي الأزهر، ويتردد ويتردد، ثم يستخير الله، ويخرجني من المدرسة إلى الأزهر. وها أنا ذا في سن الرابعة عشرة تقريبا يلبسني أبي القباء والجبة والعمة والمركوب، بدل البدلة والطربوش والجزمة، ويكون منظري غريبا على من رآني في الحارة أو الشارع. فقد عهدوا أن العمامة لا يلبسها إلا الشاب الكبير أو الشيخ الوقور. ولذلك كانوا كثيرا ما يتضاحكون علي إذا رأوني بالعمة، وكثير ا ما أرى الأولاد في الشارع يتغامزون علي فأحس ضيقا أو خجلا، او أتلمس الحارات الخالية من الناس لأمرّ بها. والمصيبة الكبرى كانت حين يراني من كان معي في المدرسة، فقد كان يظن أني مسخت مسخا وتبديت بعد حضارة، وكأن الذي يربط بيني وبينهم هو وحده لبسي ولبسهم لا طفولتي وطفولتهم ولا زمالتي وزمالتهم، فنفروا مني، مع حنيني إليهم وسرعان ما انقطعت الصلة بيني وبينهم. فانقبض صدري لأني فقدت اصدقائي القدامى ولم أستعض عنهم أصدقاء جدداً. وتضرعت لوالدي أن يرجعني إلى المدرسة فلم يسمع، أو يعفيني من العمة فلم يقبل. ومما آلمني اني أحسست العمامة تقيدني فلا أستطيع أن أجري كما يجري الأطفال، ولا أمرح كما يمرح الفتيان، فشخت قبل الأوان، والطفل إذا تشايخ كالشيخ إذا تصابى، كلا المنظرين ثقيل بغيض، كم يضحك في مأتم أو يبكي في عرس (ثم حكي أحمد أمين قصة دخوله إلى الأزهر لأول مرة، ورؤيته طلبة الأزهر وهو يبيعون خبزهم امام الجامع، وهي قصة طويلة، جديرة بالقراءة والمراجعة ? ) وختمها بقوله: (فعدت إلى بيتي والهم يملأ قلبي، ولكن الزمن بلسم الهموم)
 (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 57ـ 60)

5 - أكتوبر - 2006
أحاديث الوطن والزمن المتحول
أحمد أمين والشيعة    كن أول من يقيّم

لم يكن المرحوم ليعلم أن ما كتبه في (فجر الإسلام) عن الشيعة سوف يجعله في رأس قائمة المغضوب عليهم بعد (محب الدين الخطيب) وقد تكلم بإسهاب في كتابه (حياتي) عن مغبة كلماته، وما وُجّه نحو كتابه من سهام النقد. ولا أدري أيضا كيف رضي بعد كل هذا أن يكون مشرفا على بعثة كلية الآداب التي زارت العراق في صيف 1931م قال (ص264): (وقد حدث وأنا في بغداد حادث خطير، فقد دعينا لنشاهد مجلسا من مجالس العزاء ... وخطب بعض الخطباء لتهنئتنا، ورد عليهم الأستاذ عبد الوهاب عزام التحية بمثلها، ثم قام خطيب الليلة الأستاذ كاظم الكاظمي، وهو خطيب طلق اللسان حسن التأثير، فرحب بالوفد وبأحمد أمين، ولكنه عرج من ذلك على كتاب (فجر الإسلام) وما فيه من تجن على الشيعة، وأكثر الحاضرين من عوام الشيعة الذين تؤلمهم هذه الأقوال أشد الألم، ولا يمنعهم مانع أن يفتكوا بكل من يعتدي على عقيدتهم، ولكن الخطيب ماهر، وإذ أحس هياج الجمهور وتحفزهم اقتبس جملة من (فجر الإسلام) فيها مدح للشيعة، وهكذا ظل الرجل يلعب بعواطف الناس بين مد وجزر، وتهييج علي وتهدئة، فلما طال هذا وخشي بعض الحاضرين سوء العاقبة نصحنا ناصح أن ننسل من باب خلفي ففعلنا ونجونا بأنفسنا. وقد علمنا أن الأمر بلغ الملك فيصل فغضب على الخطيب وشاء أن يعاقبه، ولكنا طلبنا من ناقل الخبر إلينا أن يرجوه ألا يفعل فقد انتهى الأمر بسلام)

5 - أكتوبر - 2006
أحاديث الوطن والزمن المتحول
أحمد أمين ومصابه في نظره    كن أول من يقيّم

نشرت في ملف (كلمات اعجبتني) قطعة من الكتاب يقارن فيها أحمد أمين بينه وبين طه حسين، ولكنه نسي فيما يبدو ان يذكر في المقارنة ما ابتلي به من ضعف النظر، وكيف كان ضعف الرؤية في عينيه سببا لحرمانه من كثير من الوظائف التي كان يستحقها بجدارة، وتكلم عن ذلك في صفحات كثيرة في كتابه (حياتي) وكيف كان يذهب إلى الموعد مع اصدقائه في المقهى فلا يراهم إذا هم لم يروه، وأنه لم يكن يذهب إلى السينما ولا إلى المسرح بسبب أنه لو حدث فحضر عرضا فإنه لن يرى شيئا، وانتهى به قصور نظره إلى أن فقدت إحدى عينيه نعمة البصر، وصار يرى بعين واحدة، فصارت أصدقاؤه تقرأ له وتكتب ما يريد ان يكتب، إلى أن توفي يوم  الأحد 27/ رمضان/ 1373هـ الموافق 30/ 5/ 1954م  ومولده كما سبق وذكرنا يوم 1/ 10/ 1886م

5 - أكتوبر - 2006
أحاديث الوطن والزمن المتحول
سؤال عن الكران    كن أول من يقيّم

مولانا لحسن بنلفقيه: ذكر المرحوم أحمد امين في كتابه (حياتي) (ص145) نبتة تستخدم في علاج الربو اسمها الكران، وأنه لما كان يعمل قاضيا في واحات الخارجة رأى يوم 31/ مايو/ 1913م اوروبيا ومعه رجل من أهل الخارجة، قال: (وقد علمت أنه يأتي كل سنة لتجارة في نوع من النبات ينبت حول الخارجة وفي بعض جبالها واسمه "الكران" يجمعه له بعض الناس ويبيعونه له، كل قنطار بعشرين قرشا، وهو يصدره إلى الخارج لاستعماله في بعض الأدوية "لعلاج الربو" ) ثم إنني بحثت عن هذه الكلمة في ملفكم فلم أعثر عليها، فما هو اسمها العلمي يا أستاذنا، وهل كلام المرحوم صحيح ?

5 - أكتوبر - 2006
النبات الطبي عند العرب
أبي    ( من قبل 9 أعضاء )    قيّم

أقـسى من اللوم في نجواك iiموقفُهُ وحُـقَّ والله لـلـدنـيـا iiتـعنّفهُ
تـلـومني فيك عذالي وما iiعرفت شـوق المساء إذا استعصى iiتلهفه
ومـن أقـاسـم حزني في iiدقائقه وعـالـم الـدمع في خدي iiأكفكفه
دمـشق  يا (شجر الكينا) وخط iiأبي عـلـى جذوعك أشعاري iiوأحرفه
دمـشق يا (شجر النارنج) ثوب أبي وريـح حـاراتـها يرويه iiمعطفه
دمشق يا بردى في غوطتيك جرى طـفـلا وحبك مثل السيل iiيجرفه
وكـل ورقـاء قـامت في iiمآذنها والجوز والحور والصفصاف هُتفه
جـيرون  قامته من قاسيون  iiترى وقـبـة الـنسر في كفيه مصحفه
شـوقي إلى صبح شاذروانها iiمعه شـوقـي إلى ياسمين الشام أقطفه
يـا وجه أحمد عين الشام مرهفة مـن غـمـد بوابةالميدان iiمرهفه
أبـوفـريد على (نشر البشام) iiبها والـورد أول مـا تـلـقاه iiتعرفه
ولـيس يشبع من بدو ومن iiحضر خـلـيـلـه  في بواديها iiويوسفه
وجـده فـي بني القصاب من iiيده غدير  عصر صلاح الدين iiيرشفه
أبـي ونور عيوني في الحياة iiأبي فـمن  سيدخل في عيني iiويخطفه
مـا زلت طفلك في عينيك أسئلتي وفـي إجـابـتها ما سوف أعرفه
زنـداك دمّـرُهُ كـفـاك iiهـامتُه عـيـنـاك جـامعه خداك iiمتحفه
يـحـصي  لياليك مرتاعا iiلفرقتها ولـيس  تحصي الليالي ما iiيشرفه
أبـي هـنـاك إذااهتزالسرير iiبه فـراشـه مـن عذاباتي iiوشرشفه
وما  حُسدت على شيء كمثل iiأبي ولا  رأيـت نـظـيرا فيه iiيخلفه
بـحـسـنه  كان سحرا أم iiبرقته وظـرفـه كـان أحلى أم iiتصوفه
ولـم تـضـيعه أصحابي بأعينها تـحميه  إن جارت الدنيا iiوتنصفه
أبـي  وأمـي ونهر الشعر iiبينهما عـمـري  وأجمل ما فيه وأشرفه

7 - أكتوبر - 2006
نشر البشام فيما هو مكتوب على قبور أهل الشام من رقائق الشعر ولطائف الكلام
البنت التي تبلبلت (مس بور)    كن أول من يقيّم

بدأت وقائع هذه القصة في القاهرة: في خريف عام (1913م) ولكن يبدو أن أحمد أمين أخطأ إذ قال: (وهكذا لازمتها أربع سنوات) لأنه بعدما ختم قصة (مس بور) تحدث عن معلمته الإنجليزية الثالثة التي كانت في ريعان الشباب (جميلة الطلعة لها عينان تبعثان في النفس معنى الصفاء والطهارة والثقة، وكانت مولعة بركوب الخيل) وهو يذكر أنه التقى بها عام (1914م)? (1)
 وأما (مس بور) فكانت المرأة الثانية التي تتلمذ لها أحمد أمين لما كان مدرسا في مدرسة القضاء، لتعلمه اللغة الإنجليزية، بعدما اكتشف أن معلمته الأولى غير ملمة بتاريخ الأدب الإنكليزي، قال:
(ووُفّقت إلى سيدة إنجليزية كان لها أثر عظيم في عقلي ونفسي: (مس بور) سيدة في نحو الخامسة والخمسين من عمرها، ضخمة الجسم، مستديرة الوجه، يوحي مظهرها بالقوة والسيطرة، بسيطة في ملبسها وزينتها، مثقفة ثقافة واسعة، تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ذات رأي تعتد به (جريدة التيمس) فترحب بمقالاتها. عرفت الدنيا من الكتب ومن الواقع، أقامت في فرسنا سنين، وفي ألمانيا سنين، وفي أمريكا سنين، فكملت تجاربها واتسع أفقها. حضرت إلى مصر ووافقها جوها فأقامت فيها، ولكن ليس لها من المال ما يكفيها للإقامة طويلا، فهي تستأجر بيتا خاليا في ميدان الأزهر، وتفرش حجراته، وتؤجرها للراغبين، فتكسب من ذلك نحو ثلاثين جنيها في الشهر، تكون أساس عيشتها.
ثم هي رسامة فنانة، تأخذ أدواتها إلى سفح الهرم فترسم الصور الزيتية لمنظر الأهرام والفيضان، وما يحيط بهما من منظر جميل، أو نحو ذلك، من مناظر طبيعية جميلة، ترسمها بالزيت، وتتأنق فيها، وتقضي في رسمها الأيام والأشهر، وتبيعها بثمن كبير. ثم هي تدرّس الرسم والتصوير لبنات رئيس وزارة (هو المرحوم عبد الخالق باشا ثروت) ثم هي تقبل أن تدرس لي درسا في اللغة الإنجليزية بجنيهين كل شهر، ولا تعاملني معاملة مدرسة لتلميذ، بل معاملة أم قوية لابن فيه عيوب من تربية عتيقة.
ابتدأت أدرس معها الجزء الثالث من سلسلة كتب (بيرليتز) أقرأ فيه وتفسر لي ما غمض، وتصلح لي ما أخطأت. ثم أضع الكتاب وأحدثها وتحدثني في أي موضوع  آخر يعرض لنا. ولا أدري لماذا لا يعجبها مني أن أضع العمامة بجانبي إذا اشتد الحر، بل تلزمني دائما بوضعها فوق رأسي، ونستمر على ذلك نحو الساعتين، أتكلم قليلا وتتكلم كثيرا، وتنفق أكثر ما تأخذه مني في أشكال مختلفة لنفعي. فهي تدعو بعض أصحابها من الإنجليز رجالا ونساء إلى الشاي، وتدعوني معهم لأتحدث إليهم ويتحدثوا إلي، فأسمع لهجاتهم ويتعود سمعي نطقهم، وأصغي إلى آرائهم وأفكارهم وأقف على تقاليدهم. ومرة ترسلني إلى سيدة إنجليزية صديقة لها، أكبر منها سنا، قد عدا عليها المرض فألزمها سريرها لأتحدث إليها، تقصد بذلك أن هذه المريضة تجد فيّ تسلية لعزائها وفرجا من كربتها، وأنا أجد فيها ثرثارة لا تنقطع عن الكلام، فأستمع إلى قولها الإنجليزي الكثير رغم أنفي.
وتوثقت الصلة بيننا فكأنني كنت من أسرتها. وهي لا تعنى بي من ناحية اللغة الإنجليزية وآدابها فحسب، بل هي تشرف على سلوكي وأخلاقي. لاحظت فيّ عيبين كبيرين فعملت على إصلاحهما، ووضعت لي مبدأين تكررهما عليّ في كل مناسبة: رأتني شابا في السابعة والعشرين أتحرك حركة الشيوخ، وأمشي في جلال ووقار، وأتزمت في حياتي، فلا موسيقى ولا تمثيل، ولا شيئا حتى من اللهو البريء، وأصرف حياتي بين دروس أحضرها ودروس ألقيها ولغة أتعلمها، ورأتني مكتئب النفس منقبض الصدر، ينطوي قلبي على حزن عميق، ورأتني لا أبتهج بالحياة ولا يتفتح صدري للسرور، فوضعت لي مبدأ هو: (تذكر أنك شاب) تقوله لي في كل مناسبة، وتذكرني به من حين إلى حين.
والثاني أنها رأت عينا مغمضة لا تلتفت إلى جمال زهرة ولا جمال صورة ولا جمال طبيعة ولا جمال انسجام وترتيب، فوضعت لي المبدأ الآخر (يجب أن يكون لك عين فنية) فكنت إذا دخلت عليها في حجرتها وبدأت آخذ الدرس وأتكلم في موضوعه صاحت فيّ: (ألم تر في الحجرة أزهارا جميلة تلفت نظرك، وتثير إعجابك فتتحدث عنها) وكانت مغرمة بالأزهار تعنى بشرائها وتنسيقها كل حين، وتفرقها في أركان الحجرة وفي وسطها، ويؤلمها أشد الألم أن أدخل على هذه الأزهار فلا أحييها ولا أبدي إعجابي بها، وإعجابي بفنها في تصفيفها.
ويوما آخر أدخل الحجرة فأتذكر الدرس الذي أخذته في غزل الزهور، فأحيي وردها وبنفسجها وياسمينها وكل ما أحضرت من أزهار، فتلتفت إلى وتقول: (أليست لك عين فنية ?) وأعجب من هذا الاستنكار، وقد حييت الأزهار، فتقول: (ألم تلحظ شيئا?) وأجيل عيني في الحجرة فلا أرى شيئا جديدا غير الزهر الجديد، فتقول: (ألم تلحظ الحجرة قد غيّر وضع أثاثها ? لقد كان الكرسي هنا فصار هناك، وكانت الأريكة هنا فصارت ها هنا) وتقول: قد سئمتُ الوضع القديم، وتعبت عيني من رؤيته، فغيرت وضعه لتستريح عيني.
وهكذا لازمتها أربع سنوات، استفدت فيها كثيرا من عقلها وفنها، ولكني لا أظن أنني استفدت كثيرا من تكرارها على سمعي أن أتذكر دائما أني شاب.
انتهيت من الجزء الثالث واخترت أن أقرأ معها كتبا أخرى، في الأخلاق أحيانا، وفي الاجتماع أحيانا، وفي آخر المرحلة قرأت معها فصولا كثيرة من جمهورية أفلاطون بالإنجليزية، فكان هذا الكتاب مظهر سعة عقلها وكثرة تجاربها، فكنت أقرأ الفصل فتشرحه لي، وتبين ما طرأ على فكرة أفلاطون من التغير وما بقي من آرائه إلى اليوم، وكيف طبق هذا المبدأ في المدنية الحديثة في الأمم المختلفة.
ولا أدري ما الذي انتابها فقد رأيتها تكثر من القراءة في كتب الأرواح، ثم تمعن في قراءتها، ثم تذكر لي أنها خصصت ساعتين تغلق عليها حجرتها وترخي ستائرها وتغمض عينها وتركز روحها في مريض تعالجه وهو في داره وهي في دارها، أو تجرب تجربة أخرى أن ترسل من روحها إشارة لاسلكية لصاحب لها تنبئه أن يحضر أو لا يحضر، وأن يعدّ كذا أو لا يعدّ، وهكذا. وقد نجحت في بعض الأحوال دون بعض، فلم تشأ أن تعتقد أن هذا مصادفة، ولكنها اعتقدت أن ما نجحت فيه فإنما نجحت لأن الأمر قد استوفى شروطه، وما لم تنجح فيه لم تستكمل عدته. فزاد اجتهادها، وطالت ساعات عزلتها، وأمعنت في تركيز روحها. كل ذلك وأنا أنصحها ألا تفرط في هذا خشية عليها فلا تسمع، لأنها تأمل أن تصل من ذلك إلى نجاح باهر.
وذهبت إليها يوما فرأيتها مصفرة الوجه، مضطربة الأعصاب خفاقة العينين، فسألتها عما بها ? فأخبرتني أنها ذهبت اليوم صباحا إلى كوبري قصر النيل وهمت أن ترمي نفسها في النيل، ثم رأيتها تذكر لي أنها أخفقت هذه المرة في الانتحار ولكنها ستنجح في مرة أخرى، فخرجت من عندها آسفا باكيا، واتصلتُ بطبيب للأمراض العقلية فحضر ورآها، وأخبرني أنه لابد من إرسالها فورا إلى مستشفى المجاذيب، وكذلك كان. وكنت أعودها من حين إلى حين. فإذا جلست إليها تحدثت كعادتها حديثا هادئا معقولا. وسألتها مرة: ماذا بها? فقالت: لا شيء بي إلا أنني فقدت الإرادة، فإذا أطلق سراحي الآن لا أدري أين اتجه.
ثم تولت أمرها القنصلية الإنجليزية فأسفرتها إلى بلدها، وأخيرا وبعد نحو سنتين جاءني خطاب بعنواني بمدرسة القضاء عليه طابع إيطالي، ففضته فإذا هو من (مس بور) تخبرني أنها شفيت من مرضها، وأنها الآن في روما تتمع بجمال مناظرها ودقة فنونها وروعة كنائسها، فرددت عليها فرحا بشفائها، ثم  انقطعت عني أخبارها إلى اليوم. رحمها الله (أحمد أمين: "حياتي" طبعة دار الكتاب العربي بيروت  1971م ص 154) (نشرة مكتبة النهضة في القاهرة ط6 ص 153)
________________
(1) عاد أحمد أمين وذكر  تاريخ شروعه في تعلم الإنجليزية (ص186) أثناء حديثه عن زواجه الذي تم عقده يوم 13/ أبريل/ 1916م قال: (فقد بدأت بتعلمها في يناير 1914، فلي الآن نحو السنتين ونصف سنة وهي مدة لم تكف في التبحر بها. قال: (وأحببت المدرسة الإنجليزية الشابة حبا ضنيت به ولم تشعر به ... ولكنه كان حبا يائسا فهي متزوجة مخلصة لزوجها سعيدة بزواجها)

9 - أكتوبر - 2006
البنت التي تبلبلت
 160  161  162  163  164