البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات اسماعيل نوري الربيعي

 1  2 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
ابن خلدون الحاضر في العقل العربي    كن أول من يقيّم

ابن خلدون؛ الحاضر في العقل العربي

د.إسماعيل نوري الربيعي

1

 

 

يقترن اسم ابن خلدون بمسألة إعادة الاكتشاف، والإعادة هنا لا تتعلق بحالة الاكتشاف المباشر لمقدمته ،الذي جاء أوربيا في أعقاب الغزو الفرنسي للجزائر عام 1830.أو عربيا حين توجه الشيخ محمد عبده لتدريس المقدمة في دار العلوم، ولا في طباعتها في العام 1858 في باريس و القاهرة. بقدر ما يقوم الأمر على القيمة المعرفية التي تنطوي عليها، وحالة التجديد الكامن فيها ، من حيث طبيعة المعالجة الفكرية، المستندة إلى النقد والتحليل وإحكام العقل فيها ، حتى لتتبدى كجهد عقلي فيه التنوع والفاعلية والحراك المعرفي الدقيق، القابل للاستجابة من مختلف زوايا النظر،  ومن واقع التفعيل لمفاهيم العصبية وتعاقب الدول والعمران والتطور التاريخي، تكون المقدمة بمثابة الجهد البشري الخارق، والتي عمد المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي إلى وصفها قائلا: ((إن  ابن خلدون قدم للفكر البشري فلسفة للتاريخ تعد أعظم عمل لم يسبق أن أنجزه عقل بشري، في أي زمن وأي مكان من قبل.)). والواقع أن المقدمة تبقى متجددة فيها من التكيف الشيء الكثير بالنسبة لعنصري الزمان والمكان، حتى ليكاد القارئ ، يستشعر فيها قوة الحجة ورصانة الجملة واكتمال الفكرة، بل أن حالة التماهي بين النص والقارئ يكاد يكون بمثابة الثيمة البارزة للمقدمة ، تلك التي يكون لها القدرة على التسلل اليسير والسهل في نفس المتلقي، من دون أن يبرز ثقل الفاصل الزماني، بل أن الأسلوب والمنهج الذي اختطه ابن خلدون يكاد يكون متوافقا، مع مشغلات التفكير المعاصر.حتى برزت العديد من الدراسات المعاصرة التي راحت تقدم رؤاها المعرفية المكينة استنادا إلى الدرس الخلدوني العميق والفريد، والذي راح يتبدى حاضرا في المجمل من الدراسات الإنسانية العميقة ، والتي اجتهد في تقديمها أساطين الفكر العالمي الحديث والمعاصر.

2

تنطوي الرؤية التاريخية الخلدونية على القدرة النابهة والواضحة في طريقة المعالجة ، والمستندة إلى الفصل الواضح لقراءة الحدث التاريخي، وتمييزه ، والسعي الجاد والعميق نحو بلورة تفاعلاته مع مجمل العلوم في المجال العربي الإسلامي، إن كان على صعيد علوم الحديث، أم على صعيد تأثير السياسة في التاريخ، ومن هذا الفصل قيض لابن خلدون الوقوف على حالة الإفصاح البين الخالي من التداخل بين المفاهيم السائدة ، وعلى هذا نراه يقف وبثقة غير قابلة للبس أو التشابك بين المصطلحات، ليقف على تحديد أبرز المصطلحات التي زينت مقدمته والقائمة على تحديد سمات مفاهيم من نوع الخلافة والملك والسلطان والدولة والأمة، ومن واقع التوظيف العميق والدال ، للمزج بين الاجتماعي والتاريخي، موضحا مدى العلاقة الراسخة والعميقة بين التاريخ بوصفه وعيا والعمران البشري بوصفه الفاعل والمنتج والمؤثر الأهم في الصنع والتكوين والتراكم وتحديد مسار التجربة. ومن هذا فإن السمة المنهجية المميزة لعلم التاريخ، إنما تبرز على يد هذا المؤرخ الذي قيض له أن يحدد للتاريخ مقوماته الخاصة ، والتي تفصله عن بقية العلوم السائدة والمتداولة.لكن الملفت في التجربة الخلدونية تبقى مستندة إلى طغيان العنصر الزماني، الذي راح يتفاعل في مسارين ، تمثلا في ؛ بروز حركة فكرية واضحة المعالم والقسمات خلال القرن الرابع عشر الميلادي ، ومن روادها ابن منظور في علوم اللغة وابن بطوطة في الجغرافيا والبلدانيات وابن خلدون في علم التاريخ. وحالة التوقف الممض الذي أعقب تلك الحقبة حتى لحظة الاكتشاف الذي تم في القرن التاسع عشر.

3

تكمن القيمة المعرفية للجهد الذي قدمه ابن خلدون، في توجهه العميق نحو إبراز ملامح علم التاريخ والسعي نحو تمييزه عن باقي العلوم التي ارتبط بها، والواقع أن التمييز هذا جاء عبر منظومة منهجية دقيقة ، تم له من خلالها الوقوف على المقارنات والتحليلات والنقد والفحص والعناية بالخبر التاريخي،. ومن هذا كان الوقوف على جملة من القوانين التاريخية، والتي أبرز المدى والقدرة المميزة التي تحصل عليها ابن خلدون، هذا بحساب قدرته على ربط العلاقات من خلال توظيفه البارع بين التجربة والبرهان، ومن هذا فإنه تمكن من تفعيل التاريخ بزخم التجربة الواعية ودمجه مع طبائع العمران، بوصف هذا الأخير موضوع التاريخ الأصيل. وعلى هذا كان تطلعه نحو استقلال التاريخ وتمييزه بوصفه حقلا خاصا له مقايساته وشروطه واجتهاداته البعيدة عن شروط واجتهادات وبراهين العلوم الأخرى.فالتاريخ بهذا المعنى يكون بمثابة المرصد للاجتماع البشري ومجمل الأحوال والأوضاع التي تمر على الموجودات والعمران من تطور وتأخر، عمران وخراب، ازدهار وانحطاط، أقوام ومجتمعات، دول وملوك وأمراء وسلاطين، حضارات ونظم وفعاليات اقتصادية وأنشطة حرفية وتجارية وعلوم وثقافة وعادات وتقاليد وطبائع. فالتاريخ هنا يمثل الكل الموضوعي الذي يميز هذه المجموعة البشرية عن تلك.

4

يبقى ابن خلدون ممثلا للثقافة العربية الإسلامية، تلك الحاضنة والوعاء الثقافي الذي وفرت له القدرة على التمييز والعطاء، حيث الخبرة المعرفية والإنسانية التي هيأت له المعطيات التي استند إليها في بحثه العلمي الدقيق والنابه. ومن هذا فإنه وفق للتماهي مع هذه المعطيات عبر الاستيعاب الواعي للدرس المنهجي العربي الإسلامي والذي تمثل في نقد الأخبار والتحقق من الأسانيد، والتمييز في مجال العلوم العقلية والنقلية ، تلك التي كانت بمثابة المهاد الذي استوعب المنهجية الخلدونية ، عبر الاندراج في التوظيف العميق والدال، لمنظومة النقل من خلال شرط العقل، والعمل على نقد الخبر التاريخي ، من خلال وضعه تحت مشرط العقل ومحاولة مقارنته مع الواقع ومدى مطابقته له.والواقع أن الدربة المنهجية تلك لم تأت عبر مصادفة عرضية ، بقدر ما ارتبطت بطبيعة النشأة وتراكم الخبرات التي توفرت لهذا الرجل الذي عمل في الحقل السياسي والسفارات والقضاء والعلوم الشرعية.، بل أن المساهمة تبرز عبر طبيعة الأحداث والظروف والوقائع التي أحاطت به.وهكذا يكون ابن خلدون نتاجا واقعيا لطبيعة الظرف التاريخي الذي أحاط به، من حيث المكونات السياسية التي برزت في المغرب العربي، وحالة الشقاق والصراع بين الإمارات المتصارعة والمتطاحنة بحثا عن الملك والسطوة والجاه، وحالة الفصل الفاضح التي استشرت في توزيع الكيانات السياسية في المنطقة، حتى كان الحديث يترى عن الخلافة والإمامة والملك والسلطنة.، وبالقدر الذي كان فيه ابن خلدون قد تماهى مع هذا القدر من الصراع السياسي المرير الذي طبع المنطقة ، فإن عزلته التي اختارها بنفسه من أجل كتابة سفره المعرفي، تأتي عبر قرار واع ، شديد التحديد، حيث التصميم والإرادة نحو الفهم والتفسير النابع من عمق التجربة الشخصية، حتى كان قرار الحياد، والذي يمكن توصيفه (( بالتصوف المعرفي)) حتى راح ينظر إلى الموجودات والحالات والظواهر بعين الرقيب المحايد المتطلع نحو رصد الظواهر والعمل على فهمها وبالتالي تفسيرها.بل أن الفسحة التي توفرت له ، قيضت له التمييز بين الحقول ، حتى كانت سياحته المعرفية المستندة إلى توسيع مجال الرصد ، الذي وفر له مجال  الترقب لمجمل الحقول المؤثرة والفاعلة في التاريخ.

imseer@yahoo.com

 

29 - أبريل - 2006
تخليدا للذكرى 600 لوفاته
فكرة لامعة    كن أول من يقيّم

نعم آن الأوان أن يتم تفعيل هذها الفكرة وبجدية ، ومن دون الوقوع تحت طائلة التبريرات، ولم لا تكون ورقية?!أؤيد فكرة الأستاذ يوسف، مع العمل على استقطاب أبرز الأسماء الفكرية في الوطن العربي، تقبلوا تقديري

9 - يوليو - 2006
انشاء مجلة أدبية بحتة لسراة الوراق
بين الصراع والحوار    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

بين الصراع والحوار الحضاري، في العواقب واللوازم

د.إسماعيل نوري الربيعي

بين النهاية والصدام ، يقف العالم على واقع مرتبك ، شديد التوتر حيث القتل والعنف والتصفيات، والتسمر في لحظة الترصد والترقب الحذر.عالم بات واقفا على رأسه حيث الانقلاب في العلاقات ، بعد أن تصدرت المشهد جملة من العوالق التي طفت على السطح، بعد أن تحول الحوار إلى صدام ، والتقدم المطرد للتاريخ إلى مجرد نهاية ، لا يتبين فيها غير الصراع.

تفسيرات الأزمة

في ضوء الأحادية القطبية التي أفردت للولايات المتحدة ، حضورها الكثيف نحو إقامة النظام العالمي الجديد، راحت الحاجة الملحة تستدعي الاتكاء على معين تنظيري، يمكن من خلاله التأسيس لرؤية عامة وشاملة ، يكون القوام فيها الخروج من لبوس الأزمة والطارئية ، والتي لطالما كانت الحافز الأبرز في موجهات السلوك السياسي الأمريكي.وإذا كانت الجامعات ومراكز البحث العلمي والمعاهد السياسية والاستراتيجية التي تعج بها الولايات المتحدة ، قد اجتهدت في وضع رؤاها وتصوراتها حول طبيعة وسمات العلاقات الدولية، فإن التمسك والإصرار من قبل الجهاز والمؤسسة السياسية ، بات متعلقا بالنزعة التاريخية المرتبطة بالتقدم الذي ما انفك الغرب من تحقيقه، من خلال اعتناق الليبرالية الديمقراطية(( فوكوياما ، نهاية التاريخ)) ، أو بالتفسير الثقافي الساعي نحو ترصد ملامح الفروقات بين الحضارات الإنسانية والتوقف عند فكرة الصدام.(( هنتنغتون، صدام الحضارات)).وبالقدر الذي ارتبطت به هاتين المقولتين ، بترابط العاملين؛ العسكري الذي تمثلت بحرب الخليج الأولى، السياسي حيث سقوط الاتحاد السوفيتي. فإن الطابع الصدامي الذي تبدى في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001، يبقى مشيرا إلى المزيد من الانفتاح على القراءات المتعددة ، لا سيما حول طبيعة العلاقة الممكنة بين الغرب باعتباره المركز الذي تدور من حوله المجمل من فعاليات العالم، والآخر الذي راح يتم اختزاله من قبل الغرب في تصميم النظرة حول العالم الإسلامي، والذي لم يعد التوصيف فيه يقوم على التحديد المكاني فقط ، كأن تكون الإشارة المباشرة إلى الدول التي تعتنق الإسلام دينا رسميا لها ، من المغرب العربي غربا وحتى إندونيسيا في أقصى الشرق، بقدر ما راحت الموجهات الداخلية نؤدي دورها في ترصد أجيال المهاجرين الذين ولدوا وترعرعوا في الغرب، حيث التفجيرات والعمليات التي راحت تتوالى على أيديهم بدءا من الولايات المتحدة مرورا بأسبانيا وهولندا وبريطانيا، أو أحداث الشغب التي راحت تنتشر في ضواحي باريس في ظل الأوضاع المزرية والبائسة التي يعيش تحت وطأتها المهاجرون.
حدود الصدام
كيف يمكن تحديد مجال النظر نحو هذا الغرب، الذي يبادر وينّظر ويفّعل ، هل يكمن في الوحدة الواحدة ، والتي يحاول المنظرون الغربيون إدماجها في الكل الحضاري الموصول بالإرث الحضاري الإغريقي والروماني، أو في الجذور الدينية اليهودية والمسيحية.هذا مع أهمية النظر في واقع العلاقة القائمة بين الأصول هذه.فالانقسامية والصراع المرير ما انفك حاضرا بين اللاتين والإغريق، حتى كانت حقبة الحروب الصليبية قد أشارت وبجلاء إلى حدة الصدام بين الطرفين، فيما يبقى الإرث الديني محملا بالمزيد من حالة العداء السافر ، بين اليهودية والمسيحية، والمسيحية ذاتها إن كان على صعيد الفصل الفاضح بين الأرثوذكسية والكاثوليكية، أو حركة الإصلاح الديني وما رافقها من ظهور للبروتستانتية. وإذا كان الحديث عن الأصول ومرجعيات الصراع على المستوى التاريخي، فإن الموجهات الراهنة لهذا التوزيع تبقى حاضرة وفي قلب أوربا الراهنة ، على الرغم من مجموع القيم والمنجزات، بل والتضحيات التي قدمت في سبيل بلوغ أوربا إلى قيم الحرية والعدالة والدستور والبرلمان والليبرالية والفردية والمساواتية وسيادة القانون والمجتمع المدني. حيث الأرثوذكسية التي يتحصن بها الصرب، والتي لم تتوان روسيا الاتحادية من إعلان دعمها لها، أو الاقتتال الطائفي في قلب الجزيرة البريطانية، أو الصراع القومي والعرقي بين ثوار الباسك والحكومة الأسبانية ، أو حتى التمييز العنصري الذي يعاني منه المهاجرون، وعودة حركات النازية الجديدة في البعض من بلدان أوربا.
لا يذكر الغرب حتى تتداعى أمامنا صورة الحروب الصليبية، وحصار المسلمين في الأندلس، ومطاردتهم في الشمال الأفريقي والتنكيل بهم، والغزو الاستعماري للبلاد العربية، وحصار الدولة العثمانية واستنزاف قواها، والصراع العربي الصهيوني وموقف القوى الغربية المتحيز، ومغالطات المستشرقين المتأدلجين . فيما تكون الموجهات التنظيرية وقد ترسخت عند مكنون التراث الديني والحاضر العلماني للغرب،انطلاقا من الخضوع الملفت للمسلمات والبديهيات والتي تعمد نحو تكريس صورة الإسلام في الموقف الصارم من فكرة التحول والتغير ، من خلال تكريس الصورة الانتقائية لمفهوم الأصول والسلف.، بل أن الخلط  القائم الذي يتسرب في العقل الغربي الراهن ، إنما يعيش لحظة ازدواج مفهومي العداء والتكيف، من خلال الخضوع لآنية الحدث وطريقة التعبير التي تولاها فريق بعينه، ليتم من خلاله التعميم على صورة الإسلام ووصمه بالإرهاب والكراهية والعداء لمحيطه ، من خلال الخوض في ترصد مجال التوتر في العلاقات مع الآخر ، بل أن قياس درجة الكراهية والتي تسير بانتقائية ملفتة ، يتم تدبرها عبر التأكيد على التوترات الحاصلة بين العرب واليهود في فلسطين ، والمسلمين والهندوس في الهند، والبوسنة والصرب الأرثوذكس، بل وحتى الاختلاف الطائفي الذي يتم العمل على المبالغة فيه وتقديمه في صورة الصدام والصراع الذي لا يعرف الانقطاع أو التوقف.
imseer@yahoo.com
 
 
 
 

13 - يوليو - 2006
صراع حضارات أم حوار ثقافات....??
الاستشراق والخصومة الثقافية    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

الاستشراق؛ تجليات الخصومة الثقافية

             "الآخر المفترى عليه دائماً"

د.إسماعيل نوري الربيعي

 

 
 
 
"الأفكار وحدها لا تصنع التاريخ فالقوى الاجتماعية والاقتصادية تؤثر هي أيضاً؛ لكن الأفكار ليست في الوقت نفسه نتيجة سلبية. إنها في البدء تجعل الأفعال ممكنة، ومن ثم تسمح بأن تجعلها تقبل"
                                                                                             تودوروف    
 في لجة الانقسام
تمثل ظاهرة الاستشراق هماً قديم الحضور في الذهنية العربية والإسلامية، ولعل حضورية هذا الهمّ، تتبدى ملامحه، في صدور خطابه عن الغرب المزدحمة صورته بالتآمر والهيمنة والسيطرة، وجميع ما يمكن إدراجه من مكامن الخشية والحذر، بل والخوف أيضاً. لعل الجاهزية الانقسامية في تحديد مواقف الآخر، تعد الثيمة  البارزة والأكثر ملمحاً في تحديد طبيعة العلاقة الصراعية في جدلية "الذات والآخر". وبقدر مكامن القدرة العالية التي تحظى بها المدرسة الغربية في تطلعها نحو رصد الظواهر المختلفة، هذا على صعيد جهاز اشتغالها في المجال الذهني والفكري. فإن حالة النفور، وتحديد المواقف المسبقة، ونظرة التشكيك، كانت تمثل المفاصل الرئيسة في الموقف من الظاهرة الاستشراقية، حتى كانت الرواسب قد تبدت في تبديد مواطن القوة المفترضة ومناشط التفعيل داخل البيئة المعرفية التي تقدمها. ولا بد من التأكيد هنا "ومن دون الشعور بارتعاد الفرائص إزاء تحديدات الانضواء" على أهمية موضوعة "التجاوز"، والتوقف ملياً عند حالة "التجاور" المفضية إلى تفعيل حالة الحوار الجاد والبحث الهادئ، في المضامين المعرفية التي يحتويها الخطاب حيث المكونات الذهنية والعقلية.
على أية حال لا يمكن التغافل عن حالة التقابل التي تفرضها الوقائع بين مكونين معرفيين، الأول ويجسده الخطاب الاستشراقي الغربي بكل ما يحمله من مضامين واتجاهات عقلية وذهنية. فيما يتشكل الثاني من خلال المعطيات التي تقدمها العروبة والإسلام بجميع الحيثيات واللوازم الفكرية الكامنة فيهما. وإذا ما كانت الموجهات بين الشرق والغرب قد خضعت في الكثير من اللحظات التاريخية، لمفصل المواجهة المباشرة والصراعات العسكرية والحربية(1). فإن وجهة الديمومة فيها، إنما تخضع لطبيعة الخطاب الذهني الصادر عن كلا الطرفين، بل أن هذا الخطاب يعّد الموّجه الأهم في تحديد حالة الهياج والهدوء في مفصلية التقابل القائمة. ومن دون الاتكاء على المعطيات الذاتية، لا بد من الإقرار بأن المبادرة والتص
والتصدّر في موضوعة القراءة والفحص، إنما تصدر عادة عن الغرب، وعلى هذا وسمت الظاهرة بعمومها "بالاستشراق"، انطلاقاً من العناية بفحص وتبصّر يصدر عن جهة بعينها، تمثلت بالغرب الذي قيّضت له الأدوات والوسائل من الإمساك بلحظة الإنجاز، باعتبار ما تحصلت عليه من إمكانات ضبط معرفي ومنهجي، ساهم في بلوّرة نقلتها الحضارية من الظلامية التي كانت تسود عموم الغرب خلال العصور الوسطى، إلى فضاءات من الانفتاح عبر عصور؛ النهضة والأنوار(2) والحداثة. متكئة في هذا على الثورات المعرفية الكبرى، التي تجلّت في عمق البنية الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية. لتتمظهر في ثورة المخترعات العلمية التي تركزت أنشطتها في الجزر البريطانية، وحركة الكشوفات الجغرافية التي أسهمت في إنجازها أسبانيا والبرتغال وحركة الاحتجاج الديني "البروتستانت" على يد مارتن لوثر في ألمانيا، وتميز قسمات حركة الأنوار الفلسفية، والمؤثرات والاستتباعات التي أفرزتها الثورة الفرنسية. وعبر هذه المدركات وفق الغرب لاستجلاء ملامح منهج ذهني وفكري بارز، قوامه المعالجات العلمية الواضحة، لكن هذا القوام لم يكن ليخل من التعاليات المركزية، وشيوع نظرة الدونية والتخلف إلى الآخر، بل وتماهيه في إرادة التطلع نحو الهيمنة والسيطرة وفرض الحضور في الكثير من الحالات واللحظات.
في الطرف المقابل، كان العرب المسلمون يدورون في فلك المقولات التقليدية، المستندة إلى العاطفة والشغف بالحماس والتتطع  بالمقولات المكرورة عن الماضي التليد والأمجاد القديمة، فيما توجه الكثير منهم إلى الإعراض عن قراءة النصوص الاستشراقية دامغينها بالكفر والإلحاد والشذوذ. ومن هنا تحديداً تم ابتناء التصور الجاهز حول الإنجاز الاستشراقي، حيث عمومية النظرة إليه، باعتباره سياقاً معرفياً "آخر" غايته انتزاع مكنون الأصالة، وهدم المحتوى الداخلي للنسق(3) المعرفي داخل بنية الثقافة العربية الإسلامية وتشكلاتها الذهنية.
المرجعية التي يستقي منها خطاب الاستشراق مكنونه المنهجي، يندرج في سياقات ورهانات ومعاني وارادات ذات طبيعة واحدة. لكن هذا التوصيف لا يمثل الحالة بعمومها، إذ تشير القراءة المتأنية والمدققة إلى الكثير من الفواصل والتقاطعات في آليات المشتغلين من المستشرقين، كل حسب رؤاه وتصوراته ومنطلقاته النظرية. وإذا ما كانت الوجهة واحدة، فإن الوسائل والطرائق مختلفة ومتعددة، يحفزها في هذا الحراكية الفكرية العالية التي عاش في كنفها العقل داخل النطاق الغربي، وحالة القطائع المعرفية التي دشنها المفكرون والفلاسفة داخل البنية المعرفية. حتى كان تاريخ الفكر الغربي عبارة عن فسيفساء معرفية، تجلت فيها الكثير من المدركات والتبصرات من؛ مادية ومنطقية وتاريخية، وصولاً إلى الحداثة، وحتى مرحلة ما بعد الحداثة، والخوض في مضامين اللامركز والاختلاف والبنيوية والتفكيك. والواقع أن التنوع المنهجي هذا الذي يطبع الغرب، يمثل مكنوناً جوهرياً في ترسيمة  تحديد الموقف إزاء الاستشراق. ولعل عمق الإشكالية تتبدى في استجلاء ملامح العلاقات والروابط التي تقوم عليها المناهج الغربية. فليس الأمر منوطاً بحالة الانبهار حول المناهج الحديثة واعتناقها وتحميلها الجوهر المطلق واعتبارها الحامل الموضوعي للحقيقة الواحدة، بقدر أهمية الخوض في كنهها واستشراقاتها، للوقوف على بلورة موضوعية لتحيناتها وافتراضاتها المنهجية وطبيعة المواقف الصادرة عنها، عبر دراسة الحامل المعرفي الذي تخوض فيه، فعلى سبيل المثال يتوقف المنهج البنيوي، عند تركيبات بالغة الاستقرار والسكونية في مجال النطاق الذي يغور فيه، اعتماداً على اعتناق المقولة المغلقة؛ حول العقل العربي والإسلامي، هذا إذا ما تم أخذها نظيراً لظاهرة التأخر في هذا النطاق، في حين أن المنهج السوسيو_تاريخي تكون دالة الانفتاح فيه أوسع، باعتبار تعامله الموضوعي مع حالة التغير الحادث في الظواهر، فإذا ما زالت الظواهر المرتبطة بالتأخر، يكون الانفتاح نحو التغيير وبالتالي التحويل بالمعاني(4) وصولاً إلى الحالة المثلى والأفضل، حيث الارتباط بالظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية.

15 - يوليو - 2006
الإستشراق الإحالة و الإحالة المضادة
الأنساق والمكونات    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

 

الأنساق والمكونات

د.إسماعيل نوري الربيعي

ساهمت جملة من العوامل في إظهار التصورات الاستشراقية وتركيز محتواها في المجال العربي الإسلامي، باعتبار أن المبادرة تكون لدى "الغالب" الذي تهيئ له قدراته وإمكاناته من تعزيز رؤاه وتصوراته. فيما كان للمحتوى الفكري الذي ساد الغرب خلال القرن التاسع عشر، أثره في تعميق حدة الفواصل وتثبيت العوامل العرقية كأساس في توجيه النظرة وتحديدها نحو الآخر. وعلى الرغم من جميع التحولات التي طرأت على الغرب، والتي كان لها الأثر المباشر في خلخلة المرتكزات الذهنية والفكرية السابقة، إلا أن حالة التعالي الغربي بقيت ماثلة وحاضرة في الواقع الموضوعي. ليعزز من رصيدها التوجهات الحثيثة والمستمرة من لدن الآخر لاعتناق جميع ما يجود به الغرب من مناهج وأفكار ومفاهيم. بل أن الأمر يبلغ مداه حين يكون الغرب بمثابة الحامل الأوحد للحقيقة العلمية، باعتبار ريادته وأسبقيته في المجال. ومن دون تحميل هذه الظاهرة جميع المثالب، لا بد من التوقف عند مسألية التطبيقات المنهجية. فالغرب وبحكم التحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية، قيض له من تعزيز انتشار خطابه الذاتي لدى المنظومة المعرفية للآخر. بل أن مبدأ المقايسة الذاتية لدى الآخر، صار جل اهتمامه يتطلع نحو النهل من هذا الغرب. ولعل الواقع الذي تعيش في كنفه الجامعات العربية، يفصح عن تدبيج شروط جديدة لإتاحة فرص العمل فيها أمام حملة المؤهلات العالية، يكون البند الأول؛ أهمية الحصول على الشهادة من جامعة غربية معترف بها. ولا يقف الأمر عند هذه الحدود، بل يعمد الكثير من الأكاديميين العرب من المدافعين عن أصالة الحضارة العربية والمنبهين إلى خطر المناهج الغربية، إلى التنافح والتباهي أمام زملاءهم، على أنهم من خريجي السوربون وأوكسفورد وهارفارد، وأن المساواة مع خريجي الجامعات الأخرى، ما هي إلا قسمة ضيزى!

تبقى القيمة التي تقدمها المناهج العلمية، كامنة في هدم محتوى التصورات السابقة، وحفز الذهن والعقل نحو الانفتاح برؤية جديدة قوامها ديناميكيا الموضوع. وإذا ما سادت في الوسط الثقافي العربي اعتبار التحولات في المعاني مثلبة ومثار غمز ولمز، فإن الغرب استند في بناء مدركاته المعرفية على هدم مرتكز اليقينيات الفكرية، وانطلق في فضاءات متجددة من التحليل والتنظير والحفر المعرفي والتفكيك والثورات المنهجية التي لا تنقطع ولا تتوقف. حيث شملت جميع العلوم والمعارف، وراحت تؤسس لمفاهيم جديدة. وعبر كل هذا برزت ملامح التبدل في مكنون الخطاب الغربي، حيث لم يعد شرط التقدم مرهوناً بالمقايسة مع خطوط التجربة الغربية، بل صار الارتباط بعاملي الفاعل الاجتماعي والتحولات السياسية، الذي تقدمه فرضيات المنهج "الاجتماعي – التاريخي" وسياقاته، حيث الارتباط العميق بعنصر المبادرة الاجتماعية، وما يحمله من مضامين تحدد ملامح "الهوية"، ومدى الفاعلية الاجتماعية على التعامل مع المعاني في سياقاتها ورهاناتها والقدرة على تحليل العلاقات من خلال التأويل وصولاً إلى فهم أدق لخصوصية(5) الظاهرة.
وكان القرنان التاسع عشر والعشرون قد شهدا تطلعاً حثيثاً من قبل العرب والمسلمين للنهل من معين التجربة الغربية، والتي تمثلت في بروز حركة الإصلاحات العثمانية، حيث عمد السلطان محمود الثاني إلى إصدار "خطي شريف كولخانة" الإصلاحات الخيرية عام 1839، والتي أفصحت عن النوايا الغربية في مسألة المعتقدات الدينية، حيث أشار مرسوم الإصلاح إلى كفالة حرية الأقليات داخل حدود السلطنة، لتبدأ سلسلة التدخلات في الشؤون الخاصة للإمبراطورية العثمانية. أما "خطي شريف همايون" والصادر عام 1856 فقد جعل من هذه الإمبراطورية مرتعاً للمصالح الرأسمالية الغربية. والواقع أن ملامح التغريب، كانت قد تبدت منذ بواكير القرن الثامن عشر حين تطلع السلطان أحمد الثالث لتقليد النموذج الأوروبي في تحديث المؤسسة الحكومية. وإذا ما ركنا عامل الفاعل الاجتماعي جانباً، وتوقفنا عند عامل التحولات السياسية، لوجدنا أن "التنافس"(6) يأخذ مداه في سياق بروز الفعل السياسي وتوجيه المعاني. فالقناعات الداخلية شيء، والواقع شيء آخر، ولعل مقولة السلطان عبد الحميد الثاني تفصح عن هذا المكنون بقدرٍ وافٍ حين يقول: "إن الإسلام لا يعادي التطور والرقي، لكنه يرفض التطور المستند إلى مبادئ غريبة عنه، فلا بد أن تكون مبادئ تطورنا من صميمنا وواقعنا"(7). ومن هذا يمكن الوقوف على عمق الأزمة التي كانت تعتلج داخل المكنون الذهني لدى أعلى سلطة في العالم الإسلامي ممثلة بالسلطان عبد الحميد، حين تتقاطع مدركات الهوية الاجتماعية والتاريخية، لحالة التجاوب التي تعكسها مدركات النقل والتحويل حيث الارتباط الحميم بالاستراتيجيات والمصالح الدائرة في فلك الغالب.
خضع الفاعل الاجتماعي لمكنونات النقل والاقتباس المباشر. حيث تطلعت النخبة العربية للنهل من تيار "التحديث" الذي يمثل شرط الإصلاح للأوضاع المرتبكة والمضطربة التي عانت منها الولايات العثمانية. فيما غدا "التغريب" هاجساً شديد النجزية، حتى لدى المنورين، لاعتبارات تتعلق بسكونية العلاقات الاجتماعية وارتباط حركة الإصلاح بالمركزية العثمانية، فيما بقي الغرب يمثل دار الحرب المحمل بالأطماع وسوء النوايا والوريث الطبيعي للقوى الصليبية.
وعلى ذات الوتيرة يتصدر عامل "التحولات السياسية" الواجهة في السياق التاريخي – الاجتماعي للعلاقة بين الإسلام والغرب، عندما عمدت جمعية الاتحاد والترقي ذات التطلع العلماني، إلى قيادة ما يعرف بـ"الانقلاب العثماني عام 1908". والمعتنقة لأهداف الثورة الفرنسية "حرية، إخاء، مساواة"، حيث عملت على إعادة العمل بالدستور وأعلنت عن حرصها على تطهير الجهاز الإداري والحكومي من الفساد(8) والترهل الذي عم السلطنة.
تداخل الأنساق والرهانات
وجدت النخبة العربية الإسلامية نفسها في لجة من التطلعّات المنقسمة، غير محددة الأبعاد والملامح. حيث الاتجاه نحو اللامركزية والتي طبعت محمد علي بك في مصر وحمودة باشا في تونس والرايات في الجزائر وداود باشا في العراق والمقر منليون في ليبيا. والواقع أن القياد كان يشير إلى استحكامه بيد العناصر غير العربية حيث المماليك الذين قيّض لهم السيطرة على مقاليد الأمور، فيما وقع العبء الأكبر على العنصر العربي. لكن هذا القوى لا يعني إغماط خصوصية تجربة التحديث في مصر والتي تم القضاء عليها بتحالف بريطاني _ عثماني عام 1840. لينجم عن هذا توّجه الحكام اللاحقون لاعتناق تيار "التغريب"، والذي جعل من مصر سوقاً لتصريف البضائع البريطانية وحقلاً واسعاً لإدامة زخم مصانع النسيج في إنكلترا. وبقدر ما برزت سمات المقاومة والرفض للتدخل الأجنبي الاستعماري، من قبل النخبة الوطنية، فإن هذه السمات بقيت غير واضحة المعالم، لاعتبارات تتعلق بالواقع الاجتماعي الذي كانت تعيش في كنفه. وعليه غدا الرفض مجرد معرفة غائبة عنها الإرادة والسلطة. ولعل عمق المأزق الذي وقعت فيه النخبة العربية يتبدّى ماثلاً، في توّجه القوميين العرب(9) نحو الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، بل وإعلان الثورة العربية الكبرى عام 1916 ضد العثمانيين بدعم ومباركة بريطانية. وهاهي ذي التحوّلات السياسية تقصي مرة أخرى عامل الفاعل الاجتماعي. والتي أثمرت عن ولادة الدولة القطرية والتي كانت من النتائج المباشرة للسيطرة الاستعمارية المباشرة على الوطن العربي.
مثلت مرحلة ما بين الحربين العظميين مخاضاً فكرياً له حضوره الواضح في ترسية الوعي العربي، حيث الارتباط بظهور تشكيلات اجتماعية جديدة تمثلت بالدور الذي لعبته البورجوازية الصغيرة، والتي قيّض لها قطف ثمار النهضة التعليمية، وحاجة الدولة القطرية إلى الكوادر الوسطى. لتشهد هذه المرحلة ضمور فعاليات الطبقات القديمة من تجار وحرفيين ورجال دين، فيما تعزز الاتجاه نحو النزعة القومية من قبل هذه الفئة "البورجوازية الصغيرة"، حيث وجدت أن مكمن إرادتها المعرفية يقوم على "مطلب الوحدة العربية" في حين أن إرادة السلطة كانت تتقاطع مع هذا الاتجاه في الواقع الفعلي. وهكذا بقي صراع الإرادات يتخذ من الخطاب السياسي أداة للمراوغة والالتفاف من قبل الدولة القطرية والتي لم تتورع عن إعلان شعار الوحدة العربية في مطالع ديباجاتها السياسية. فيما أغرقت البورجوازية الوطنية الناهضة نفسها في اعتناق المقولات(10) الأيديولوجية الجاهزة ذات المرجعية الغربية.

15 - يوليو - 2006
الإستشراق الإحالة و الإحالة المضادة
التركيب والتكوين    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

استراتيجيات الخطاب الغربي
د.إسماعيل نوري الربيعي
أفرزت مراحل تطور العقل الغربي، عن ظهور حالة من التحديد والتنميط إزاء الآخر. وهذا الأمر لم يكن وليد ممارسة فردية صدرت عن جهة أو فريق عمل، بقدر ما تماثلت فيه المكنونات الخاصة داخل البنية المعرفية الغربية. فالأمر لا يرتبط بعناية متوجهة نحو الشرق فقط، بل أن التطلّع يحور في داخله الكثير والعديد من التطلّعات. والأمر كما يشير في ذلك د. عبد الله إبراهيم(11)، إلى أنه لا يرتبط بجعل الموضوع غريباً، بقدر ما هو تجلّ فكريّ اقتضته مكّونات العقل الغربي، حيث السياقات الكلّية التي تجعل من الغرب نازعاً لاحتواء جميع الموضوعات ودرجها تحت عباءته، استناداً إلى تراث عقلي وفكري ضارب الجذور في الفعاليات والممارسات التاريخية. يعود في أصوله إلى الإغريق الذين اعتبروا الحضارة اختراعاً شديد الخصوصية، فيما اعتبروا ما دونهم مجرد برابرة يأكلهم التخلف ويعبث في مصائرهم الانحطاط. وعبر الممارسة العقلية حيث الرافد الأصيل لها، والمتمثل بالفلسفة حقق الغرب خطوته اللاحقة للتوافق مع المعطى الديني بنظام عقلاني، أفضى إلى تحقيق نوع من الموازنة داخل العالم الطبيعي. ومن هنا برزت حالة التوافق ما بين التصورات التي يقدمها العقل، والالتزامات التي يفرضها الدين، لتتبلور بالتالي المكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأثرها في ظهور التكييفات التي تساهم وبشكل مباشر في صياغة حركة التطور الاجتماعي والثقافي عبر الحامل التشريعي والقانوني. والواقع أن الفعاليات هذه وإن تصدرت مكنون الحياة الغربية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فإنما يعود الفضل فيها، إلى حالة الاتصال مع الشرق العربي الإسلامي، عبر منافذ متعددة كان الأبرز منها؛ الأندلس، الحروب الصليبية 1095-1291، سعة الاتصال التجاري في البحر المتوسط. وهكذا تم إعادة اكتشاف التراث الفلسفي اليوناني عن طريق الجهود التي بذلها العرب المسلمون "ترجمة وبناء معرفيا"، لتبدأ ملامح النهضة في الغرب، من خلال ظهور الجامعات والمدارس وإنشاط الحياة المدنية وتفعيلها، عبر العناية بالدراسات الفلسفية والدينية والقانونية والعلمية.
في خضم التحولات الاقتصادية التي شهدتها أوروبا، حيث زيادة حجم التبادل السلعي. برزت التربة الخصبة لتلامح الاتجاهات وتجاوبها، عبر تصدّر النشاطات والفاعلية لبعث التشريع الروماني القديم والاتجاهات الجديدة التي ظهرت من لدن رجال الدين المسيحي. فيما كان الحامل الفلسفي "الإفلاطوني" تحديداً، من أهم العوامل التي ساهمت في تكريس واقع الفعل العقلاني ما بين الطبيعة وما بعد الطبيعة. لكن هذا الفصل قام على علاقة الانسجام ما بين الروحي والمادي عبر فكرة التلازم.
استجاب الغرب الأوروبي خلال القرن الثاني عشر الميلادي، إلى قانون السببية المستند إلى "العلة والمعلول"، وفقاً للمدركات التي وضعها "أفلاطون". وهكذا صار مجال البحث يقوم على أهمية استنباط العلّة وصولاً إلى سبب الوجود إن كان في المجال الطبيعي أو ما وراء الطبيعة، ومن هنا تحديداً أتيح المجال لأهمية دور الفيلسوف في استقراء الروابط والأنساق والعلل الكامنة في الطبيعة. وعبر هذه التجلّيات لم يتردد فلاسفة الغرب في تغليب عامل "العقل" لفهم أوسع للنظام الكوني، بل أن الكثير منهم أشار صراحة إلى تحديد أهمية الكتاب المقدس في تحديد الواجب والالتزام. في حين أن وظيفة التفسير والتركيب، قد أنيطت بالعقل الذي يمنح الإنسان القدرة على التكيّف والتفاعل داخل النطاق الطبيعي. فيما برزت مساهمات رجال الدين في تحديد الاتجاهات داخل نطاق البحث العلمي، حتى غدت التوصيفات تتعلق بأهمية العقل في قراءة جديدة للطبيعة، وضرورة الاعتماد على التقنيات المنهجية المتنوعة، مع التأصيل لحرية البحث العلمي واستقلاله عن كل سلطة أو تأثير، بل يكون الخضوع للعقل. ومن خلال كل هذا(12) فإن عمليات التفكير والشك المنهجي، غدت بمثابة الأساس الذي تحرك فيه العلم وصولاً إلى الروح الجديدة.
في مجال تكوين العقل العلمي يعمد "غاستون باشلار" إلى تحديد ثلاث مراحل مر بها ذلك العقل، ممثلة في الحالة الما قبل علمية والتي تبدأ من العصور القديمة حتى القرن الثامن عشر، والحالة العلمية والتي تبدأ من أواخر القرن الثامن عشر من بداية القرن العشرين، والقول العلمي الجديد الذي يبدأ تحديداً من ظهور نظرية آينشتاين عام 1905. لكن هذه المراحل لا يمكن الوقوف عندها بشكل إنهائي، فهي لا تخلو من تسرب المقايسات الداخلية والخارجية. وعلى هذا يعمد "باشلار"(13) للإفادة من قانون الحالات الثلاث "الذي وضعه أوغست كونت" حيث؛ الحالة الملموسة والمستندة إلى المظاهر الأولى التي يلتقي بها العقل، والحالة الملموسة –المجردة حيث يكون العقل واقعاً ما بين التجريد والحدس، والحالة المجردة حيث يكون الحدس الأداة الأولى للعقل.
الغرب من التكوينية إلى المحافظة
نهل العقل الغربي وبغزارة من المعين الفلسفي، حيث التيارات والاتجاهات والمدارس. إلا أن هذا المنهل لم يكن يمثل حالة الخضوع المطلق، بقدر ما أنتج العديد من الممارسات المصرفية، التي كان لها الإسهام المباشر في توظيب المناهج وتحديد تطلعاتها في أفق رحب واسع من المعطيات المتجددة. ولم يتركز "الكمون" في معرفة واحدة، فقد كانت الساحة تقدم التطلّعات الفكرية في قوام لا يعرف السكونية. وعبر هذا القوام لم يتردد "جون ستيوارت مل" ت 1873 من الإفصاح عن مكنون فلسفة التاريخ الأوروبي وخضوعه المتناوب للحقب "العضوية" و"النقدية" حيث الأثر المباشر لحدوث التقدم. وباعتبار الرسوخ العقيدي الذي يوحد مجموعة بشرية بعينها، كانت الإشارة إلى أن الحقب "العضوية" التي مرت بها أوروبا قد تمثلت في؛ "اليونان والرومان، المسيحية والقرون الوسطى، عصر الأنوار وروح الابتكار العلمي"(14). إلا أن حالة الرسوخ العضوي ما كان لها أن تتبدى ملامحها واضحة، لولا تداول مؤثرات الحقب النقدية المتطلعة إلى تحليل العوامل، فالحقبة العضوية الثالثة التي مرت بها أوروبا، ما كان لها أن ترى النور لولا مؤثرات العديد من الحقب النقدية والممثلة في حركة الإصلاح الديني، الكشوفات الجغرافية، الإصلاح القانوني، المخترعات العلمية، الثورة الفرنسية. وعبر تلاقح النقدي بالعضوي، تهيأ لأوروبا من الوقوف على تكوينها المعرفي والعقلي الذي بدا عليه ملامح التشظي والتعددية. فالتكوينية شديدة الحراك والفاعلية، باتت نهباً لظهور ملامح الإيغال في ظهور النزوع الذاتي والانقسامية داخل الكيانات الأوروبية. وغدت العلوم موزعة في تفريعات جديدة، هذا مع أهمية الملاحظة بأن التصدر بات للعلوم على حساب اللاهوت والفلسفة.
كان الفرز الأهم قد تبدّى في ملامح الفكر السياسي والتاريخي، حيث التحول من الكلياني إلى النسبي، حيث الاتجاه للعناية بالجزئيات. وبقدر التنوع والتعدد في الأفكار، برزت ملامح الانقسام والتعارض وسط هذا الاختلاف. لينزوي التأمّل جانباً في ظل الأهداف والغايات المتعددة التي نادت بها الفردية في ظل الليبرالية. ليتم تعزيز الاتجاه نحو الانقسام والتعدد في النظرة إلى العالم، حيث النظريات(15) التي ظهرت في مجال القومية والحضارة والسياسة. وهكذا صار الغرب الأوروبي خاضعاً لعاداته الفكرية، باعتبار الإجابات التي قدمتها تجربته المعرفية، ومن هنا تعرض "السؤال" للضمور، مقابل حضورية واضحة القسمات لجاهزية الأجوبة، لتتبدى ملامح المحافظة في الفكر الغربي.
الخصومة الثقافية
ما يميز الاستشراق؛ تلك الحراكية الفائقة في توظيب معالم الاتصال مع الآخر، وهنا تحديداً الشرق الإسلامي. هذا بخضوع الموضوع لطبيعة اللقاء التاريخي التي تم بين الطرفين. ويوضح العديد من المؤرخين إلى أن الفعاليات الاستشراقية كانت قد بدأت منذ القرن السابع الميلادي، باعتبار الظهورية التي بدا عليها الإسلام في تلك الحقبة، وحالة النشاط الدافق، والذي تمثل في الانتصار الإسلامي الساحق على القوات البيزنطية في معركة اليرموك. هذا باعتبار لحظة التنبيه إلى التزاحف الجديد الذي لا تملك المقومات الحربية والعسكرية فقط، بقدر ما يحتوي على القيم والاتجاهات الواضحة والمتمثلة في الثقافة والحضارة ذات المعطى الواضح. والتي تجلّت في الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وتوجّه العديد من طلاب العلم الأوربيين للدراسة في المعاهد العلمية التي انتشرت في تلك الربوع. حتى غدت اللغة العربية الوعاء الذي يستوعب المادة العلمية. ومن هنا تحديداً كان التطلع لتعلّم هذه اللغة، والتي بلغت مداها حين تم ترجمة معاني القرآن الكريم على يد مجموعة من رجال الدين المسيحي، خلال القرن الثاني(16) عشر الميلادي.
فعالية الاستشراق كانت تبديّاً واضحاً للانتقال من محور العلاقات بين الغرب والشرق، إلى محور العمليات، حيث الاتجاه المركّز والمكثّف نحو صياغة المعنى. من خلال الغور في مجال تصنيف المعطيات الموضوعية داخل النموذج، ومحاولة استنطاق وتوليد قيم وأنساق مرتبطة بالمعنى الداخلي الذي تستبطنه الذات، من خلال التركيز على إنتاج أنماط خاصة من الخطاب. للوقوف على بنية دلالية بعينها، يتم عن طريقها تحديد مكوّنات الموضوع. حيث التطلّع نحو الكشف عن الموجّهات الثقافية والأيديولوجية بأشكال مختلفة ومتنوّعة. وموضوع الدلالة التي ينشغل بها الاستشراق يرتبط بالمكونات الذاتية داخل نطاق الغرب، حيث آليات الاشتغال المتوجّهة نحو نقل المفاهيم من بعدها التجريدي إلى بنية محسوسة ذات بعد تركيبي، وصولاً إلى المعنى الذي تقدّمه جهة بعينها، عبر الحامل اللغوي والفكري المتمثل بالخطاب والشروط المحددة لاتجاهاته ورهاناته ضمن مجموعة ثقافية خاصة، استناداً إلى القواعد المبرزة لجملة من المنطوقات المنظوية تحت لواء هذا الحامل، المتمثل بالخطاب(17) الجامع للمواضيع وتوزيعاتها والمقولات والمفاهيم والمضامين التي تشكل وحدتها العبارات.
في علاقة التحويل التي نسعى نحوها في مجال درس الاستشراق، يكون الوقوف على معطيين، يتمثّل الأول بالانفصال حيث تحوّلات النفي، فيما يكون الثاني اتصالاً حيث تحوّلات الإثبات. وعبر علاقة الانتقال بين هذه العمليات يتم تحديد السمات الخاصة بتركيبة العلاقات القائمة بين العوامل، وصولاً إلى فسحة الدلالات وإنتاج المعنى الذي يمكن أن تقف عليه الذات. لا بد من الإشارة هنا إلى علاقة التناقض التي تقدمها عملية النفي والإثبات، ستؤدي إلى إبراز ذاتين يقوم بينهما الصراع من أجل الوقوف على موضوع محدد لكل منهما. وهذا بالضبط ما تعاني منه الدراسات الاستشراقية. حيث يتجه قسم منها لتوكيد النزعة الانقسامية وتعزيز روح العداء تجاه الشرق، فيما يحاول قسم آخر أن يتسم بالموضوعية والحياء عند التعامل مع موضوع هوية الشرق ولكن في أضيق الحدود.
المرسل " الغرب"
الموضوع " هوية الشرق"
المرسل إليه " الشرق"
المعيق " الإسلام
الذات "الاستشراق"
المساعد "العلمانية"
 
 
 
 
 

العوامل التركيبية لبنية الخطاب الاستشراقي
في محور الرغبة تبدو العلاقة وطيدة جداً، بين عاملي الذات والموضوع. حيث تتوجه الذات "الاستشراق" لإثبات أو نفي حالة بعينها. من خلال توطيد علاقتها بموضوع "هوية الشرق" لإثبات فاعليتها وتوكيد حضورها. كذلك الأمر بالنسبة للموضوع الذي لا يمكن الوقوف على محدداته وتجلياته من دون العلاقة بـ "ذات". ولا بد من الوعي هنا، بأن المبادرة ومصدرية الفعل ترتبط بفعل الذات الذي يمنح العلاقة حالة من التقابل في المفاهيم من خلال عمليات التحوّل. فعلاقة مثل؛ "التخلّف – التحضّر" تعكس حالة التحوّلات في النفي والإثبات. فالتحضّر يمثل الصورة الأفضل إذا ما قورن بالتخلف، وباعتبار القدرة على توزيع العلاقات، فإن عنصر التحريك يكمن في الذات باعتبار الغاية التي تكتنز بها.

15 - يوليو - 2006
الإستشراق الإحالة و الإحالة المضادة
المواجهة المباشرة    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

في محور الإبلاغ تكمن العلاقة بين المرسل "الغرب" والمرسل إليه "الشرق" لكن هذه العلاقة لا يمكن لها أن تتم من دون الارتباط بالذات "الاستشراق" الذي يمثل الدافع للفعل، والموضوع "هوية الشرق" الذي غاية الفعل. وعبر هذه العلاقة التكوينية، يقوم الغرب بتقديم موضوع هوية الشرق، ليقوم الاستشراق بتبنيه والبحث في مداركه وفرضياته. لكن تكويناً كهذا لا يعد توزيعاً إنهائياً، إذ لا يمكن الوثوق بمصدرية أحادية الجانب على حساب الجانب الآخر. هذا إذا ما أخذنا بالاعتبار أن كل محور يحتوي في داخله عناصر التضاد والتناقض. بالإضافة إلى تركيب العناصر في هذا النموذج يرتبط بعلاقات ثقافية يسودها التداخل في المعطيات والقيم. وعبر هذا المنطق يكون موقع الغرب، بمثابة نقطة قياس يتم من خلالها دراسة أنماط التحوّلات وليس مصدراً لإنتاج القيّم والمفاهيم.
في محور الصراع تتبدى العلاقة بين المساعد "العلمانية" والمعيق "الإسلام". وإذا كانت العلمانية تعدّ ثمرة عن رسوخ العلاقة مع الغرب، فإن عامل الإسلام بمعطياته الثقافية والحضارية يحدد مكامن وملامح الصراع في وجه الذات الاستشراقية، لكن هذا الأمر لا يخلو من مكونات التفاعل الداخلي. إذ يظهر المعيق في الكثير من الحالات معيقاً لنفسه، هذا باعتبار الفهم السلبي للقيّم الإسلامية، ومن خلال هذه العلاقة، تمكن الاستشراق من الانسلال والتسرب داخل منظومة الشرق المعرفية، ليؤسس مقولاته من خلال الحضور المكثّف وامتلاك المبادرة في صياغة خطابه وممارساته.

15 - يوليو - 2006
الإستشراق الإحالة و الإحالة المضادة
العراق بين الروافض والنواصب!!!!!    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

العراق بين الروافض والنواصب
د.إسماعيل نوري الربيعي
ذكر لي بعض إخواني أن رجلاً من العامة بمدينة السلام رفع إلى بعض الولاة الطالبين لأصحاب الكلام عَلَى جار له أنه يتزندق، فسأله الوالي عن مذهب الرجل، فقال: إنه مُرْجىء قَدَرِيّ ناصبي رافضي، فلما قصهُ عن ذلك قال: إنه يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل علَيّ بن العاص، فقال له الوالي: ما أدري عَلَى أي شيء أحسدك: أعلى علمك بالمقالات، أو على بصرك بالأنساب? (المسعودي، ص 362)، هل هو النزوع نحو تكريس الطائفية، إذا ما اتجه مدار الكلام عن التقسيمات المشحونة بالتجزئة والتقسيم والتناحر? وما الطبيعي والمعتدل والسليم والصحيح? أيكمن في السكوت الذي يتجلى تارة ذهبا وفي أخرى فضة، أم في الكلام والفضح وكشف المستور، والذي لا يختلف عن صفات نقيضه المباشر? يتنافح البعض ويغضب بحرقة ويشدد على أهمية الوحدة، تلك التي تبقى في صميم العقيدة والانتماء والوجود والحضور الإنساني، ويكون التركيز على هذا العراق الواحد الموحد، الذي لا يقربه الباطل، فهو العريق والعزيز والأثير والقريب الى الروح، الممسك بنياط القلب. لكن الواقع يبقى فيصلاً شديد الأثر في الفرز والفصل للظواهر التي تعلن على المواطن، هذا الذي يعيش التناقضات والالتباسات الى الحد الذي راح ينادي هل من مغيث، وسط لوثة الاحترابات والاحتدامات، التي راحت تطول كل ما هو عزيز وأثير وقيم ونفيس.
نكوص المعنى
الى أي طرف يمكن للعراقي أن يختار، وما الأساس الذي يمكن أن يستند إليه في سبيل قطع دابر الشك، وصولاً الى اليقين المغيب والضائع، حيث القتل الذي راح يطول الناس على الهوية? من يحكم من ومن يسوس من? ومن يهيمن على من? سيغضب هذا وسيزعل ذاك، وهذا أمر مفروغ منه باعتبار ما هو قائم وكائن، فنحن أمة قيض لها أن يكون قدرها مستنداً الى حضور الجواب بإفراط عجيب يدعو للدهشة والتندر، فيما ضمر السؤال وراح يعيش الخجل والوجل والخشية والحذر والاستحياء. ومن هذا ينشأ فينا المرء وهو العارف والعالم بكل شيء، والفاهم بإسرار كل شيء، ولنا في ذلك نموذجنا: القائد والمناضل والمفكر والشجاع والمؤمن والتقي والهمام والمقدام، والذي تربص به ذات يوم المرحوم نزار قباني هاجياً في أعقاب هزيمته النكراء في أم المعارك. والتي كانت الخيط الذي حاول الطاغية الإمساك به من أجل اللعب في حقل الطائفية والعنصرية البغيض.
في تحليل لإذاعة الـ
BBC البريطانية، أشارت الى أن ليبيا تحاول استبدال الأساتذة العرب العاملين لديها من الجنسيات السودانية والجزائرية، بأساتذة من العراق باعتبار ما عرف عنهم من نزوع علماني.كان هذا في منتصف التسعينيات من القرن المنصرم، في أعقاب بروز الشتات العراقي بطريقة ما عرفها العراقي على مدى تاريخه الطويل، المتخم والمزدحم بالأحزان الكثيرة والمسرات القليلة. وكان الرهان على هذا العراق، الذي يفخر بتجربته المؤسساتية المميزة، وخبراته العلمية وكفاءاته الوطنية، واجتهاد أبنائه وصبرهم وإخلاصهم.ترى أين يقف الحال بالعراق اليوم، وهو يعيش لوثة العصاب الطائفي الذي يؤججه الملثمون، الذين ما ترددوا في سحل وتشويه جثث العراقيين الستة في مدينة الفلوجة، تحت ذريعة اتهامهم بالرافضة، الى الحد الذي فقد المساكين أعمارهم وهم لا يعون معنى هذه المفردة المستمدة من بطون الكتب القديمة. واي حظ منحوس هذا الذي أتى بالرجل الذي تم ذبحه على يد ثلة من القتلة، الذين ما ترددوا من إضافة مفردة الرافضي، لقائمة الاتهام التي وجهت إليه. فيما يبقى السؤال الملح، من قتل هؤلاء? هل يعقل ان أهل الفلوجة قاموا بهذه الفعلة? الفلوجيون أصحاب المراجل والنخوة، العرب الأقحاح، (صاحبو الصاحب)، وأهل الكرم والمنزلة الرفيعة، والذين يشهد التاريخ على طيب أصلهم ومنبتهم. الرافضون بالمطلق لمنطق الغدر والطعن بالظهر. الفلوجة التي فيها جمال وقاسم وطعمة وعبد الفتاح ومحمد وعبد الكريم، يتم فيها ذبح عراقي من دمكم ولحمكم، أنتم يا من وقفتم بوجه الطاغية بكل شجاعة، يسرق الظلاميون القادمون من وراء الحدود حضوركم التاريخي في بناء العراق المأمول والمرتجى?!
القبيلة الطائفية
يغضب العراقي كثيراً عندما يكون الحديث عن التوزيعات الطائفية، فهو يمقتها بالسليقة، ولكن تبقى التداولات الجانبية والفرعية، مليئة بالنزعات الخاصة والتي تتم على صعيد المنادمة والمسامرة، والراحة القصوى في التعبير، والواقع أن ميلا من هذا النوع نجده في التوزيعات الجغرافية الصغيرة، حيث الانتماءات الفرعية تكون في أقصاها، فيما تخف حدتها على صعيد الحاضرة والمدينة، ولكنها تظهر على استحياء هنا أو هناك. وإذا كان الشوق الى إبراز معالم الوحدة الوطنية يعن على الجمع الأغلب من العراقيين، فإن الطائفية ظلت تعيش في صدور البعض من النخب والوجهاء والسراة والقيادات السياسية، لاعتبارات تتعلق بالأمن الذاتي ومحاولة الحفاظ على المصالح الشخصية.
تغلب النزعة التوفيقية وبشكل مريع، عندما يكون الحديث عن طريقة استخدام وتوظيف هذين المصطلحين، باعتبار أن الرافضي نال هذا الوسم لرفضه خلافة الشيخين، وإصراره على ولاية الإمام علي بن أبي طالب. فيما يتبدى الناصبي، في مناصبته العداء لآل البيت. فريقان متقابلان متحصنان بالشواهد والأدلة، بينما تبقى دعوات التقريب والتوحيد مجرد كلمات وأهداف نبيلة. ولكن تظل طريقة التوظيف للمصطلح قائمة على مستوى الموجه الأيديولوجي الذي يعمل عليه صاحب النص، فهذا الغزالي يقول: (وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرق الإجماع، وذلك مما لا يستجرئ على اختراعه إلا الروافض، واعتاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنياً على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة؛ إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب، وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك. وقد قال أفاضل العلماء: كل مجتهد مصيب)، (أبو حامد الغزالي، إحياء علو الدين، ص124) من الواضح أن الغزالي يكتب نصاً حدياً، قائماً على التوزيعات المباشرة والتقسيمات المحددة الملامح، حيث الانحياز الذي تكشف عنه طريقة تمثل توصيف الروافض الذي يجثم وبثقل فاضح على النص. بينما لا يخلو هذا الموضوع على الرغم من صرامته والجفوة الماثلة فيه من الطرف والملح، حيث يورد ابن الأثير: (وقيل: حضر عند (محمد بن زيد العلوي، صاحب طبرستان والديلم) خصمان أحدهما اسمه معاوية والآخر اسمه علي، فقال: الحكم بينكما ظاهر، فقال معاوية: إن تحت هذين الاسمين خبر إن قال محمد: وما هو? قال: إن أبي كان من صادقي الشيعة، فسماني معاوية لينفي شر النواصب، وإن أبا هذا كان ناصبياً فسماه علياً خوفاً من العلوية والشيعة، فتبسم إليه محمد، واحسن إليه وقربه). (ابن الأثير،ص1357).
الغايات السوداء
من أي قتامة وجهامة جاء هؤلاء القوم، الذين لا يتورعون من فصل رأس إنسان عن جسده، تحت دعوى انتمائه الى طائفة ما. ولماذا يكون الانتقاء للعراقيين من أجل قتلهم، كأنها الفتنة تشخص واضحة لدى هؤلاء القتلة، فبعد الادعاء بمقاومة الأجنبي، راحت هذه المقاومة تطول العراقيين تحت مسميات العمالة والتجسس، لتتبدى الأهداف والمرام السود في أشد حالاتها فضحا، حيث الغاية المقيتة التي تستهدف العراق ووحدته وهواءه وترابه وأبناءه ومستقبله. فما بين نكوصي يدعي التفسير الديني الواحد، الذي لا يقربه الشك أو الباطل، الى البقية الباقية من شراذم النظام المقبور، يتم الدأب نحو رسم ملامح الخراب، على هذه البلاد التي ما عرفت طعم السلام أو الراحة. فما أحرانا أن نتمثل ونعي صوت العقل، في زمن تطفل الأغيار على الديار، ولنا أن نتساءل وبالفم الملآن، عن هذا الناصبي المتخيل أو الرافضي المتصور، الذي تحاول العقول الظلامية أن تضعه قسراً وزوراً وبهتاناً على سدة الواقع العراقي، ولنا أن نقرأ ما تركه إخوان الصفا قائلين: (فهكذا أمور الدنيا، وأهلها الأشرار أعداء الأخيار، والفقراء أعداء الأغنياء، يتمنون لهم المصائب، وإذا قدموا على شيء من أموالهم أخذوه ونهبوه. وكذلك أهل الشرائع المختلفة يقتل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، كما يفعل النواصب
والروافض والجبرية والقدرية والخوارج والأشاعرة وغير ذلك. وكذلك في الملة العبرانية مثل العينية والسمعية، وفي الملة السريانية كالنسطورية واليعقوبية وما بينهما من الخلاف، وكذلك الملة الصابئية. وكذلك تجد المختلفين في اللغات يستوحش بعضهم من بعض، ويثقل على كل واحد منهم ما لم يألفه من لغة. وهذا لا يخفى على من تأمل وتفكر فيه). (رسائل إخوان الصفا، ص 439).

24 - يوليو - 2006
العراق محاولة للفهم- المسألة الطائفية
صدقت والله    كن أول من يقيّم

الأستاذ محمد الحديثي، كلامك نابع من القلب، كلام يعي جيدا تلك التراجيديا التي صنعها الأغراب لنا،، والخوف كل الخوف أن نقع في الفخ الذي أعده لنا الآخرون، صدقت والله ما ذنب العراقيين أن يكونوا عرضة للقتل ، تحت مبررات ثقل التاريخ

28 - يوليو - 2006
العراق محاولة للفهم- المسألة الطائفية
التاريخ والممارسة الاجتماعية    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :


التاريخ والممارسة الاجتماعية

 
 
 
 
 د.إسماعيل نوري الربيعي
imseer@yahoo.com
 

توظيب العلاقات

لعل الظاهرة الأكثر إلفاتا في عالمنا المعاصر،تقوم على حالة التبدل البارز في المضامين السائدة على صعيد الواقع.فبعد أن كان التنظير الذي طبع اتجاهات أصحاب الفكر قد توقف طويلاً عند قضايا واشكالات الحرية والسلام الاجتماعي والعمل على تحديد وترسيم معالم النظام الاجتماعي.نجد الانتقال وقد تبدى واضحا عند المعطى السياسي والاجتماعي هذا باعتبار توجيه الجهود نحو تكثيف مجال الإرادة الجماعية.وبقدر ما كان البروز لفلسفة التنوير التي طغت بتفصيلاتها الفكرية على سدة الواقع،فإن فكرة التقدم إنما جاءت بمثابة التعبير المباشر والجاد عن مضمون التنوير وإدراجه بكل قوة في مضمون تفاعلات الواقع لا سيما على الصعيد السياسي.
لم يكن تركيز الاتجاهات نحو تفعيل الواقع،قد توجه نحو إقصاء دور العقل،بقدر ما كان الاتجاه الرئيس وقد تطلع بكل ما يملك من قوة من أجل توسيع مجال الفعل الذاتي داخل المجتمع والعمل على جعل المبادرة نابعة من صميم التفاعلات وليس من منطلقات وتجليات التنظير الذي يطرحها العقل.إلا أن العلاقة القوية والوشائج العميقة بقيت تفرد بحضورها ما بين توجهات الفعل الإنساني والقوانين التي تفرضها الطبيعة وما يتضمنه من وعي تجربة التاريخ.لا سيما وأن مجال التعبير في المضمون السياسي والاجتماعي إنما يكون قوامه مستندا الى توظيب معالم العلاقة ما بين الإنسان والطبيعة التي يعيش في كنفها من خلال الرابط الذي ينظمه العقل العلمي.حيث المخاض الذي تبلور في الثورة الصناعية والنتائج المترتبة عنها،إن كان على مستوى التنظيم والتقانة وما أثمر عنها من وفرة في الإنتاج وتقدم واضح الاقتصاد أم في التحول الصريح الذي نال من طبيعة العلاقة بين الأفراد والسلطة.ولم يكن من اليسير إغفال دور التوجهات السياسية والاجتماعية التي برزت في تلك الحقبة،ومدى التأثير البالغ الذي أدته في حفز مجال التطور العلمي وقدرته على تبؤ مكانته الأثيرة والمهمة في صميم الواقع.وهكذا تكون فكرة التقدم وقد حضرت في صلب التفعيل التاريخي،من خلال تنامي الأطوار وانطلاقها من مجال الفكرة الى محور الإرادة باعتبارها الحافز الأصل في استيعاب لحظة الانتقال وتمثله العميق.
الجاذبية التي تبدت عليه النزعة العلمية والنجاحات البارزة والمميزة التي تحققت لها،جعلت منها في أشد حالات الوثوقية حول استنباط قوانين التطور التاريخي،هذا بحساب القدرة الكامنة فيها على ترصد الوقائع وإخضاعها لمنطق التحليل والبحث الدقيق الصارم.إلا أن هذه الثقة المفرطة سرعان ما اصطدمت بالنزعة النقدية التي شرع بتفصيلها رواد النظرية الاجتماعية،والذين لم يترددوا لحظة من توجيه أسهم نقدهم اللاذع والشديد الى هذه التكاملية الشاملة التي تبدت عليها النزعة العلمية،باعتبار الادعاء بالاكتمال المكتسب من واقع النجاحات السابقة.

المضمون الجماعي

لا يمكن الركون الى أحادية الطابع التي يمكن أن تفرض تأثيرها على نمط التفكير،ومن هنا يمكن القول إن مجال الانفتاح العقلي يمكن أن يكون له حضوره على صعيد الاستجابة للمضامين الجديدة النابذة للركود والوقوع تحت إسار التقليد والاتباع.فنشدان الخلاص من المؤثرات الثابتة باعتبار الاحتكام الى دور العقل،والتطلع نحو إفساح المجال لحضورية التنظيم الاجتماعي المستند الى العدالة والمساواة،يمكن أن يستمد من المحتوى العميق الذي تكتنز به المكونات التاريخية والثقافية للأمة.وعليه فإن التطلع نحو توظيب ملامح العلاقة ما بين التنظيم المأمول على صعيد المجتمع والأنشطة الإنسانية داخل البيئة والمحيط،يمكن أن يثمر عنه نزوعا نحو وحدة اجتماعية فاعلة ومؤثرة،قوامها توجيه النظر نحو المستقبل بثقة وتصميم.
الكلام عن التنظيم ومحاولة التوافق مع الأنشطة السائدة،لا يمكن له أن يحظى بالتأثير أو حتى شرعية الحضور ما لم يكن مستندا الى بنية ارتكازية،يمكن من خلالها أن يتم التوصيف لأي مظهر فاعل ومؤثر في الحياة الاجتماعية.ومن هذا المعطى يبرز العامل المرتبط بالإمكانات والموارد التي يمكن من خلالها الوقوف على المستوى الحقيقي والصميم لهذا المجتمع أو ذاك.ومن دون الاندراج في توزيعات الأغنى والأفقر،بحساب مقايسة التراكم والكم التي تظهر عليه الموارد المتاحة.يبرز دور الوعي التاريخي في تجسيد المعنى لطبيعة الرؤية المتداولة حول المضمون الجماعي وطريقة إنتاج النزعات والإرادات فردانية كانت أم جماعية.
يكشف التاريخي عن العلاقة الوثقى ما بين السعي الى الحداثة كمضمون تجديدي قوامه التفاعل مع المدركات التي يفرضها الواقع،وقوام الأهمية التي ينطوي عليها العقل لا بحساب التجريد أو المعيارية الكامنة فيه،بقدر ما يكون الاتجاه نحو التنمية والتعزيز لدوره والانتصار لمجالاته،لا سيما في مجال موضوعة الانفتاح والتنوّع والاختلاف،ومحاولة الخروج من التنميطات التي هيمنت من خلالها فورة الانتصار الذي تحقق للعقل في حقبة تاريخية معينة.ومن دون الوقوع في لوثة الإغراء الذي يفرضه الحضور القوي أو التمكن من ملامح الهيمنة،يكون من المهم أن يتقدم السؤال حول الأنساق الفاعلة في صلب الواقع الاجتماعي،وطبيعة العلاقة الحاكمة لهذه الأنساق إن كان على الصعيد الديني أم السياسي أم الجوانب الرئيسة الأخرى التي ينطوي عليها مضمون التفاعل الاجتماعي وتنظيماته.ومن هذا المعطى يكون البحث عن ملامح التأثير والتوجيه وطريقة التأثير الصادر عن هذا النسق أم ذاك.الى الحد الذي يكون فيه مجال الاندراج في متوالية العلاقة الحاكمة ما بين الأنساق،ليكون السؤال منن يفرض ملامح الرؤى والتصورات على من ? ومن دون السقوط في دوامة فعل الفرض والقسر،لا بد من التنويه هنا الى أن هذا الفعل يبقى طارئاً وعارضاً،هذا بحساب أهمية المبادرة الصادرة عن المجتمع وطريقة الهضم والتمثل الفاعل لنظامه الخاص.

اتجاه التاريخ

طغيان الفكر الشمولي لم يتوقف عند اتجاه بعينه،بل نجد التوجهات وقد تراوحت ما بين الرأسمالي الذي استحكم نطاق الفعل فيه نحو محاولة الاتجاه نحو تحقيق الأرباح.والاشتراكي الذي حفز مجمل مدركاته من أجل الخروج من إسار هيمنة الرأسمالي على علاقات الإنتاج.وما بين تنوع الاتجاهات تبرز النزعة التاريخية في أشد حضورها عند تيار فكري دونا عن غيره،حيث طبيعة الرؤية التي يتم توظيبها حول المجتمع بصورته العامة،وطريقة الترصد في صلب الممارسات وطبيعة التناقض الذي يحكم العلاقة ما بين المحددات العقلية وأنماط الإنتاج النازعة نحو الربح.وبقدر ما يحضر الذاتي وما تفرضه المصالح الخاصة يكون العائق الشديد الحضور حول مسألة الإيمان بالتطور التاريخي وخطه المرسوم الذي لا يحيد عنه.خصوصاً وأن مجال الإخضاع لمنطق التاريخ الواحد،يجعل من الفعل الاجتماعي في أشد حالاته اندراجا في هذه الكلية التي تفرض بتفاصيلها على دور المؤسسة التي كان لها الدور في توظيب معالم العلاقة ما بين المجتمع والسلطة،حيث المحددات واضحة غير قابلة للفرض والقسر.فيما تكون الكليانية في أشد حضورها عند مجمل التفاصيل من العلاقات الى الحد الذي يتفاعل هذا الحضور في صلب مضمون التقدم.
من واقع التحولات التاريخية التي فرضت بتفاصيلها على الواقع،يبرز التطلع نحو الانفتاح على واقع الفعل الذي تفرضه الوقائع.وإذا كان التقدم قد تم تداوله على صعيد الأفكار فإن التغيرات اللاحقة جعلت من الإنتاج صاحب السبق والأهمية على ما دونه.هذا بحساب التطورات التي فرضته التفصيلات المتعلقة بالثورة الصناعية،وما أفرزته من توجهات جديدة على مختلف الصعد الاجتماعية والتنظيمية والتوسع في عمران المدن.ومن هذا المعطى توسع مجال الحداثة حتى انطبعت في ترسيم معالم الرؤية التاريخية،حيث توجيه المضامين نحو حفز مجال التفاعل المستند الى الإرادة الجماعية،النابذ لهيمنة وسلطة التراث الذي غدا بمثابة المعيق لتوجهات التقدم.
الأصول المعرفية للتاريخانية جعلت من أطوارها وتحولاتها،خاضعة للمزيد من الملاحظات المتعلقة بمنطق التبرير لهيمنة السلطة وتوسيع مجال حظوتها على حساب الأفراد.وإذا كان الجانب الديني قد تعلق بترسيم معالم التاريخانية باعتبار النزعة الموجهة والمستندة الى الخط الواصل ما بين البداية المرسومة وصولاً الى النهاية المحددة التي لا تقبل الحياد أو التبدل،فإن الطور الجديد كان قد ترسم معالم حضوره استنادا الى العامل الاقتصادي،حيث الوثوق باتجاه التاريخ استناداً الى تطابق الذات في تفصيلاته.وطريقة الاندماج ما بين تيارات فكرية كان من العسير أن تلتقي كالمادية والمثالية،لولا تكون اتجاهات الحداثة بمثابة الأرضية لهذا اللقاء،لا سيما في إطار وحدة الأمة وتوجيه رؤاها وتصوراتها في الممارسة الإنسانية النازعة نحو الحداثة،وجعل هذه  الأخيرة طريقة وأسلوبا نحو تقريب موجهات الوعي في المعنى التاريخي،الذي عانى من سطوة التوجيه.

العقل والإرادة

المخاض الفكري الذي انطوت عليه العقلية الحديثة،كان القوام فيه يستند الى فكرة التقدم والتي تجلت في بروز الدور والأهمية للفاعل التاريخي الذي تصدر المشهد الجماعي. ومن دون الانحناء أو حتى الانضواء في تراتبيات الهيمنة التقليدية التي عملت على الإعلاء من شأن الخضوع لقوة التراث،كانت مغالية التثوير في العقل والخروج من دوامة التدجين التي تفرضها هيمنة سلطة بعينها. هذا باعتبار الاستناد الى روح الانفتاح على العالم ومحاولة الخلاص من الرؤية المحلية، حيث توثيق عرى العلاقة بالمستقبل الذي وضعت فيه الآمال والطموحات، انطلاقا من توظيب ملامح الإنجاز في صلب المعرفي والسياسي.باعتبار توجيه جميع الإمكانات نحو الإنجاز المادي المباشر الذي تقوم السياسة بالإشراف عليه، وتحديد معالم الرؤى والتصورات حول العالم انطلاقا من الممارسة والمنجز العقلي. ومن هذا المعطى يمكن الوقوف على تبلور مفهوم الضرورة التاريخية والذي يتم تفعيله من خلال حفز مجال الإرادة.
توجيه النظر نحو المستقبل لم يكن نابذا لأهمية العناية بأمر الماضي، وطريقة الوعي بإمكان الصراع المحتدم فيما بينهما، هذا باعتبار الالتفات الى طبيعة التفاعلات الاجتماعية وما يمكن أن ينجم عنها من صراعات وتداخلات. ومن دون الاعتماد على العامل الأحادي في تفعيل التاريخ، يبرز مكنون التقدم الذي يستمد حضوره من جملة عوامل يكون الأبرز فيها العقل والاقتصاد والإرادة الجمعية، حيث الترابط الجدلي الذي يمكن أن يصوغ ملمح الانسجام والتناسق، المستند الى دور العامل الصناعي في توسيع مجال الإنتاج وتطوير منافذ الاستثمار وصولا الى تحقيق الأهداف التي يترسمها الأفراد والجماعات داخل المجتمع.فيما يضطلع العامل السياسي بدور الحفز والحث للقدرات، من اجل تمكين فكرة التحديث وجعلها في صميم الواقع المعاش.
الانتصار الذي تحقق للعقل في تدبيج فكرة الحداثة، بقي يعاني من التموضع والمحدودية،حيث المجال الذي تخوض في النخبة وكأنه حكرا عليها. إلا أن الدفع بالعوامل الأخرى من اقتصاد وفعل جمعي، كان له الإسهام البارز في توضيح معالم العلاقة داخل مفهوم الاندماج في الوطن، والترفع عن لوثة الانتماءات الفرعية أو الخضوع لسطوة التراث وهيمنة القوى التقليدية داخل البنية الاجتماعية. ومن هذا التوزيع العلائقي المستند الى الربط الصارم بين (( العقل والإرادة)) يكون المنجز الإنساني وقد تبدى حاضرا بقوة في صلب التاريخ، انطلاقا من مستوى الترصد في مجال التوسع عند دور الفاعل الاجتماعي الذي تعمقت وتوطدت علاقته داخل المجتمع، لينجم عن هذا تحديد الدور والغاية والهدف الذي تبدى في صلب مضمون المجتمع الحديث، حيث الوثوق بأهمية التناسق والتدعيم ما بين الدعامة الاقتصادية بمجمل فعالياتها الإنتاجية وقدرة الدولة على التنظيم والإدارة وصولا الى توسيع مجال الحراك الجماعي

نظام التفاعل

في التوسّط الذي يحتلانه ((الذات والعقل)) داخل العلاقة القائمة بين العناصر الرئيسة التي تمثل الواقع الاجتماعي.يبرز السؤال المباشر حول مفهومي النظام والتغيّر اللذيّن بقيا يمثلان نقطة التوتر في توجيه التصورات إزاء المجتمع وطبيعة التفاعلات القائمة فيه.هذا بحساب التطلّع الجديد نحو توسيع مجال الوعي وتفعيل نطاق التفكير،من خلال الاستناد الى الرؤية المنفتحة القائمة على اشتراطات مجال نقد الظواهر والإفلات من هيمنة الثوابت والمسلمات التي تفرضها سطوة القوى القديمة.ومهما كانت ملامح الكبت والثبات الذي تفرضه ملامح التطابق،حيث الاستناد الى فكرة النظام الاجتماعي،وأهمية الاندراج في تفصيلاته وفروضه القائمة على الشروط وهيمنتها التي لا تقبل الإزاحة أو حتى الحركة.يتبدى مضمون الفعل حاضراً بكل وضوح في انقسامية ملفتة،يكتنفه المزيد من حالات التقاطع والفورة العارمة،والت تصدر عن أو حتى ذوات،يرتكز هدفها في كسر الثابت والراسخ،والعمل بحدة نحو الإفلات والخلاص،بطريقة تتجاوز المكنون العقلي،الى الحد الذي ينطوي على الإضرار بالذات وإلحاق الأذى بها.
ما بين الاتحاد الذي يصل حد الاندماج،والفصل الذي يثير النزعة الارتيابية،يكون هذان العنصران ((الذات والعقل)) في أشد حالات الاحتدام حول الظواهر التي تفرد بحضورها على صعيد الواقع الاجتماعي.ومن دون الوقوع في دوامة تقديم عنصر على آخر،أو الاندراج في التراتبيات التي تفرضها حظوة عنصر ما،ورسوخ تأثيره في الواقع.يكون من المجدي توجيه مجال النظر نحو ملامح ترسيم الوعي بالتاريخ،والذي ظل على مدى طويل يقوم عند مجال ((النظام)) الذي استحكم على مجمل النشاط العقلي الإنساني،حيث الوثوق بالعناصر المؤثرة وأهمية اتحادها.ومن أحوال التطور والأوضاع التي فرضتها التغيرات التي طرأت على الواقع الاجتماعي،بحساب تنامي الفعاليات التي ارتبطت بوثوق بترسمات الحداثة،برزت ملامح الفصل ما بين الذات والعقل.لتكون النتيجة وقد تواشجت عند مضمون التغير،الذي غدا الحافز الأبرز في توجيه مسار الوعي لدى المجتمع.وإذا كان الفرض قد توقف طويلاً عند مجال الغاية الثابتة التي توجه مسار التاريخ،باعتبار الالتحام بالفرضيات التي قدمتها المزيد من الجدليات،أو الرسوخ عند مجال الغاية المحددة الذي ترسمته الأديان.فغن نظام التفاعل مع الحداثة قام على النهل من فكرة التغير،حيث توجيه مسار الفعل وحشده في صلب الفعل الاجتماعي،والإقرار بأهمية انبثاق الوعي من صلب العلاقات والأنساق التي تميز المجتمع،من دون الخضوع للمؤثرات الخارجة عنه،ليتبلور مفهوم الفاعلية التاريخية.المنطوي على الوعي الجاد والعميق في أهمية توجيه الإمكانات والفعل نحو المضامين،التي تبرزها الإرادات والتحديات والرؤى والتصوّرات في المجال الخاص،من دون الوقوع تحت إسار التنميطات العقلية،المستمدة من مصدرية أخرى لا كرامة لها سوى سطوة العقلي على حساب الذاتي.

الوعي بالظواهر

ما بين التاريخي وغير التاريخي تبرز المعضلة الأشد حضوراً حول توصيف الوعي المتداول إزاء القضايا الأساسية،التي تواجه مجتمع ما.بل أن الحدود الفاصلة ما بين الحديث والتقليدي تكاد مرتكزاتها تحضر بكل قوة،لا سيما وأن سطوة القديم لا تتوقف عند التوجيه والحث،بقدر ما تكون رواسبها كامنة في اللاوعي الجمعي،الى الحد الذي تستقر مستويات التحليل للظواهر،عند المؤثرات القديمة.وعلى هذا الأساس يحضر الجانب الصوري الموغل في السطحية في تفسير العديد من الظواهر الكبرى،ذات الأثر البارز في تحول المجتمعات،حتى أن التمثل هنا يبقى يعاني من النقص الفاضح،حول ترصد الآليات والفعاليات الرئيسة.خصوصا وأن الاتباع والنقل والاستيراد المباشر،يكون له الأثر البالغ في ترسيم التصوّر المشوه،الذي يكون بمثابة القاعدة التي لا يمكن الاستغناء عنها أو حتى الخلاص من سطوتها وحضورها الكثيف.
القصور والاضطراب في الوعي بالظواهر،بقي يمثل الدالة الأشد حضورا في المجتمعات التقليدية،حتى كان الالتباس وقد أفرد بأثره في صلب مسألة الحداثة،والتي بقيت تمثل السؤال المفجع الذي يثير المزيد من المواجع والأسى في الذات العربية.حتى أن الكثير من المنظرين العرب باتوا أسرى السؤال المقارنة الذي تم عقده ما بين التجربة العربية في التحديث التي بقيت على حالها الأولى الجنينية،والتجربة اليابانية التي استطاعت أن تشق طريقها بثقة وحضور ملفت.بل أن مجال الإشعاع صار يصدر عنها كقوام قابل للنهل والأخذ بعينها باعتبار الرسوخ والنضج الذي تبدّت عليه في الوسيط الحضاري الدولي.
الفصل الذي بقي يعاني منه العقل العربي في تفسير الحداثة،جعل منهم رهن لثبات الأنماط والسياقات القديمة،حتى أن مكنونات التحليل لهذه الظاهرة بقيت تشرع بأسئلتها نحو الإمساك بشرط التوصيف القديم  بقي يدور في فلك الانتقال من نظام الى آخر.وكأن القضية تتعلق بتحقيب مرحلي،قوامه الخلاص من وضع والإقبال على وضع آخر،من دون الارتقاء الى مكنونات التحول والتي تفرض تقديم الرؤى والتصورات حول الحادث وأثر الفاعل الاجتماعي فيه.بل أن مضمون التلقي يبقى الحاضر الأهم على اعتبار غياب الإمكانات الذاتية وضمور الإرادة الحرة،باعتبار واقع الهيمنة الأجنبية التي فرضت بحضورها على الكيان السياسي العربي،إبان بدء تجربة التحديث،والتي تم النظر إليها باعتبارها حتمية تاريخية،لا يمكن الإفلات من تأثيرها،بعد أن جاء الغازي الأوربي بسفنه ومدافعه ليهدد عقر دار الإسلام في أعقاب اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح،أو أن اللقاء الأشد وثوقا جاء متلازماً مع الغزو البونابارتي في نهاية القرن الثامن عشر.ومن الوعي المجزوء الواقع في التفسير اللاحق للظواهر،يكون معنى التاريخ في أشد حالات الالتباس والتداخل،حيث الخضوع للتفسير الجاهز،والذي يتم إلحاقه بالروح تارة أو بالعقل تارة أخرى،حتى كان التشظي في أقصاه.
 طويل.

 

14 - سبتمبر - 2006
التاريخ والايدولوجيا
 1  2