دور المكون العاطفي الوجداني :
يتوفر السياسي على مؤسسات ذات طابع استراتيجي تمكنه من إدارة اللعبة الثقافية على المدى الطويل إدراكاً منه لأهميتها ودورها ، فالمناخ الثقافي السائد في كل مجتمع ودولة يعكس بالضرورة طبيعة ومستوى العلاقات القائمة بين السلطة ونخبتها الاجتماعية التي تتولى أمور الثقافة . تتوفر معظم الحكومات في العالم على وزارات للثقافة وتعتمد في بناء سلطتها هذه على المدارس والمعاهد الدراسية والجامعات ومؤسسات الدراسات والأبحاث والمؤسسات الإعلامية من صحافة وإذاعة وتلفزيون وتتعداها إلى المعارض والجوائز والمهرجانات وإلى آخر ما هنالك من نشاطات ثقافية والتي لا تتم مباشرة بإشراف الحكومات في كل الأحيان إلا أنها غالباً ما تحظى بمباركتها ورعايتها . لا زال دور الثقافة هو الامتداد والشكل المتطور لدور شاعر القبيلة : الإشادة بالشرعي الذي هو الشكل المادي للقانون المتعارف عليه والذي يمثل السلطة السياسية الحاكمة ، وتأمين عناصر القوة التي تلحم بين أبناء المجتمع إلى جانب الدور الفني والجمالي والتعبير عن الوجداني والخاص والحميم . من هنا تأتي أهمية التوافق والانسجام بين هذه العناصر كافة وضرورة البحث الدائم عن الإطار الفكري والجمالي وتطويره بالشكل الذي يسمح بتعايش هذه العناصر مجتمعة
فالإنسان ليس مجرد كائن فيزيولوجي مادي تسيره غريزته ومكوناته الطبيعية الكامنة فيه والتي تتشابه لديه مع غيره من المجتمعات الحيوانية ، ولا يمكننا أن نفصل لدى الإنسان بين نشاطه ونتاجه المادي ، ونتاجه ونشاطه الذهني والعقلي . من الصعب كذلك أن نفصل ما بين الإنتاج الفكري والذهني من جهة ، والمكون العاطفي الوجداني في الذات المفكرة من جهة أخرى لأن الحالة الانفعالية كالإحساس بالجوع أو الخطر أو الحب أو الغضب كانت الدافع والمحرض الأول على التفكير ، وهي في غالب الأحيان موجهة للتفكير . هذه المجموعة المتكاملة من النشاطات الذهنية والمادية والعاطفية الانفعالية لمجموعة من الأفراد يعيشون حياة مشتركة في بيئة محددة ، تحرك وجدانهم فيها عاطفة مشتركة ، دينية عقائدية أو قومية عرقية ، هي جوهر الثقافة وهويتها الضمنية .
في رحلة التسويات المعرفية هذه التي رافقت حركة المجتمعات وتبدلاتها وصراعاتها فيما بينها وداخل المجتمع الواحد ، ما فتئت الثقافة تهدم أساطير لتشيد مكانها أساطير أخرى أكثر تكيفاً وملائمة للواقع الراهن . لكن هذه التسويات لا تحصل دائماً بطريقة واعية ومقصودة لأن الكثير من مما تفرزه الثقافة من منتجات أدبية وفكرية وفنية تحتوي على عناصر تم استجلابها بطريقة عفوية وتلقائية من خيال الفنان أو الشاعر أو الكاتب . إنها تجليات تعبر عن شخصيته وخياله وعن المؤثرات التي خضع لها من تربية وتجربة ذاتية . هذا التوغل نحو الداخلي والحميم الذي يتم بواسطة العمل والتعبير في الإطار الثقافي هو ما يتيح للشاعر أو الأديب أو الفنان ممارسة حريته الداخلية ، وإنشاء أسطورته الخاصة به من خلال الصياغة الواعية أو غير الواعية لتلك المشاعر والخلجات الحميمة التي يحاول فهمها وترجمتها وتحويلها إلى أصوات وكلمات ، أو إلى عمل فني تشكيلي من خلال لغة العصر وأدواته وتقنياته . مجموعة هذه التجارب هي الثقافة التي نتكلم عنها والتي يجب أن يكون منوطاً بها مهمة تكوين الفضاء المعرفي الذي تنضوي تحت سقفه رغبة العيش المشترك والتلاحم بين ما هو موجه للمصلحة العامة وما هو خاص وحميم ، بين مستوى الوعي العام السياسي والنفعي ، والذائقة الفنية والشعورية الخاصة بكل مجموعة ثقافية
أزمة الثقافة العربية المعاصرة :
هذا التوازن بين العقل النفعي المنطقي والعقل العاطفي الغريزي هو من أهم محددات الثقافة كما تجلت وعرفناها في مراحل تاريخية تميزت بها الحضارات الكبرى التي تمكنت من خلال الثورات الفكرية والعقائدية والتشريعية ، وبفضل الأطر الدينية والثقافية التي شكلتها من تحرير طاقات الإنسان الفكرية والوجدانية الحية القابعة في عمقه التاريخي الخاص وتوظيفها في مشروع حضاري إنساني عام .هذا المعطى البديهي والحميم للثقافة هو الحلقة المفقودة في واقعنا الثقافي الراهن .
تعيش الأمة العربية منذ ما يزيد على ثلاثة قرون من الزمن حالة من المواجهة والحراك الدائم وعدم الاستقرار التي طرأت وتطرأ على بنيته مجتمعاتها السياسية والاجتماعية ، نتيجة للهجمة الإستعمارية عليها منذ حملة نابليون بونابرت الأولى وما حملته في جعبتها من العلوم و " الحداثة " التي وصلتنا محملة على مدافع الجيوش الغازية ومطامعها، إلى الحروب والصراعات الداخلية والخارجية الدائرة على أرضها منذ ذلك الحين والتي أدخلت تعديلات جوهرية في الخارطة السياسية وفي بينة المجتمعات وشكل المؤسسات الحاكمة فيها
في هذا المخاض العسير الذي اتخذ ولا يزال يتخذ شكلاً عنيفاً من المقاومة والممانعة على التغيير رغم ما عرفته هذه المجتمعات من محاولات جدية للخروج من أزمتها في عصر النهضة ، ومروراً بمرحلة التحرر من الاستعمار التي تمت بمساعدة منظومة الدول الاشتراكية والتي أجهضت مكتسبات النهضة الأولى ، وحتى الفصل الأخير من هجمات " الحداثة " المعولمة الذي تكلل بالحرب الأميركية الأخيرة على العراق والتي أعادتنا إلى خانة الصفر . ورغم التضحيات الهائلة التي قدمتها الأمة ولا تزال عبر قوافل لم تنته بعد من الشهداء والأجيال المتعاقبة من الأدباء والعلماء والمثقفين والمناضلين وبسطاء الناس من الغيورين والحريصين على عدم قبول هذه المجتمعات للذل والاستكانة والأوضاع المزرية التي آلت إليها ، وعن رفض هذه المجتمعات ربط مصيرها بأنظمة خارجية غريبة عن ثقافتها ومكوناتها التاريخية ، إلا أنها تبدو اليوم عاجزة ، وأكثر من أي وقت مضى ، على مواجهة التحديات التي يفرضها عليها الواقع الذي يربض فوقها بكل ثقله ، محملاً بالقواعد العسكرية الأجنبية ، والاتفاقيات المذلة ،والمسيطر اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً ، محملاً فوق هذا كله بترسانة من العلوم والأفكار التي بنى عليها حضارته وقوته وتفوقه التكنولوجي .
الخروج من هذا الأزمة لن يكون بتمرير الحلول الجاهزة سلفاً والمعدة لاستيعاب ما لم يعد بالإمكان استيعابه ، بل بإعادة قراءة نقدية جدية للتجارب السابقة في محاولة مواجهة حقيقية مع الذات لإعادة وصل ما انفصل بطريقة واعية وصادقة وجريئة ، تحترم خصوصية المكون العاطفي والوجداني لهذه المجتمعات التي ما زالت تستعصي على التغيير وتتمسك بولائها التاريخي الضمني الذي يوحد بين سلوكها وقناعاتها الدينية والقومية .