البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 99  100  101  102  103 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
عين الموضوع    كن أول من يقيّم

صباح الخير أستاذ محمد هشام : أشكر لك متابعتك لهذا الملف وأهلاً ومرحباً بك . لن يكون من السهل قراءة كل الأفكار الفلسفية الواردة في سياق العرض لأنني أنتقي منها حصرياً ما يضيئ موضوع البحث . أعترف مثلاً بأننا لن نفهم موقف سبينوزا في مسألة علاقة الفكر بالجسد دون العودة إلى فلسفته العامة غير أن الدخول في عرض فلسفته سيشتت الموضوع ويضخمه بدون فائدة ويستهلك مجهوداتي في هدف جانبي في حين أن من يريد يتعمق في فهم سبينوزا أو ديكارت أو غيرهما يستطيع أن يفعل هذا بمجهوده الشخصي .
 
وأما الجواب على سؤالك عن الشراكة بين " العقلين " اللذين هما وجهان لذات واحدة ، لكنني اضطررت للتعبير بهذا الشكل لتقريب الصورة من الذهن ، فهو عين الموضوع الذي نبحث فيه . أظن بأن الإجابة على سؤالك ستتنوع بحسب اختلاف الأفراد والشخصيات والتجارب المعاشة ، ولم يكن هدفي من تقديم الموضوع على هذه الصورة الحديث عن نفسي ، بل كان الهدف هو إخراج هذا المجهول ، الذي هو العقل الأسطوري ، من الظل إلى النور ، ومناقشة بعض الأفكار المهمة التي سوف ترد لاحقاً والمتعلقة بعلم النفس الفيزيولوجي الذي يحاول تفسير السلوك ، حتى في جانبه العاطفي ، من وجهة نظر علمية ومادية بحتة . سوف تتبدى لنا أشياء مذهلة خلال العرض لأن هذا العلم الجديد نسبياً ، قفز قفزات هائلة في العشرين سنة الأخيرة حتى أنه ، كأي مراهق ، ظنَّ بأنه استغنى عن أمه " الفلسفة " ، إنما هيهات .
 
كل ما أرجوه هو القليل من الصبر لأنني أكتب على إيقاع زمني الشخصي ، وهو بطيء جداً ولا يناسب إيقاع العصر الذي نعيشه والفرق بينهما كالفرق بين الميجانا وأم الزلف وأغاني عمرو دياب ، ولك مني كل التحية والشكر .
 

23 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
في طريق البحث عن العقل (3 )    كن أول من يقيّم

قبل فرويد ، كان أفلاطون هو أول من طرح السؤال حول ذلك النشاط الخفي للنفس الذي يجهله الإنسان لأن المعرفة عند أفلاطون هي تذكر وعودة إلى الداخل وتدرج في طبقات الوعي ( الداخلي ) بغاية الوصول إلى الأصل الذي جئنا منه ، إلى المعارف البديهية ، فكل إنسان يعرف لكنه لا يعرف بأنه يعرف ولا يرى من الحقيقة إلا ظلالها لأنه مكبل بالسلاسل التي هي الشهوات والرغبات .
 
 وكان لايبنز ( 1646 ـ 1716 ) قد تحدث عن التأثير الواضح لمجموعة من الإدراكات التي أسماها  ب " الانطباعات الخفية " تكون بمنتهى البساطة لكنها تؤثر على قرارتنا وبأن مجموعها هو ما يشكل قرارنا الواعي . لكن عبارة " اللاوعي " ظهرت لأول مرة ، قبل فرويد بزمن قليل ، لدى الفيلسوف الألماني نيقولاي هارتمان عام 1867 لدى صدور كتابه الذي يحمل عنوان " فلسفة اللاوعي " . حتى ذلك الحين ، لم تكن تلك الفكرة تنتمي إلى مجال الفلسفة بل إلى مجال الفيزياء الطبيعية حيث أن " اللاوعي " هو الذكاء الأعلى للطبيعة وهو مبدأ من مبادىء الفيزياء التي تفسر السلوك الحيواني والطريقة التي يتحرك بها الجسد بمعزل عن العقل والإرادة  والتي تدرس ردود الفعل الغريزية والمباشرة للجهاز العصبي بمعزل عن التفكير .
 

24 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
في طريق البحث عن العقل (4 )    كن أول من يقيّم

 

اللاوعي كفرضية علمية وفلسفية : 
 
لم يكن فرويد فيلسوفاً بل طبيباً متخصصاً بعلم الأعصاب ومعالجاً للأمراض النفسية ، وبالتحديد منها حالات الهيستيريا الشديدة ، ولم تكن أبحاثه وليدة التأمل النظري بل حصيلة تجاربه الطويلة
في هذا المجال . كان فرويد قد لاحظ الأمر المحير لدى بعض مرضاه العصبيين فتتبع سلوكهم وردود فعلهم واستنتج منها بأنهم ، على العموم ، لا يدركون دوافع أعمالهم ، وبأن هذه الدوافع مغيبة عن وعيهم لا إرادياً وأنها في الغالب سبب عدم توازنهم النفسي ، فلماذا يعاني هذا المريض مثلاً من هذا القلق القاتل في حالات عادية جداً لا تستدعي القلق ؟ فكان أن لاحظ وجود مجموعة من العوامل اللاواعية التي تشترك فيما بينها لتقوده لمثل هذا السلوك ، وكان عليه كطبيب فهم هذا العوامل وإيضاحها لتحرير المريض من خوفه وقلقه هذا هو ما دفعه إلى افتراض وجود نشاط عقلي لا واع وغير إرادي في الدماغ يؤثر على سلوك الإنسان .
 
على المستوى الفلسفي ، كانت هذه الفكرة تستتبع افتراض وجود كائن آخر داخل النفس يؤثر على الإنسان ويملي عليه سلوكه ، أو حيزاً مظلماً وحيوياً داخل النفس غير خاضع لسلطان العقل .
 
إن افتراض وجود إرادة لا واعية في المجال النفسي تؤثر على السلوك بنفس القوة التي يؤثر بها الوعي هدم كل الرؤية الميتافيزيقية التي جاء بها ديكارت ، الذي جعل من الوعي بالذات محور الوجود وبالإضافة إلى تعارضه مع فكرة الوعي والإرادة التي يرتكز عليها مبدأ الثواب والعقاب الدينيين ، وجد علم النفس نفسه بمواجهة " الأخلاق " ، أو " الأنا الأعلى الاجتماعية ، لأنه وجه إليها أصابع الاتهام كونها مسؤولة عن تكوين الشخصية وتعزيز حالة الشعور بالذنب  والعصاب النفسي .
 
واللاوعي عند فرويد هو مجموعة الحوافز والدوافع الغريزية التي تم كبتها وتغييبها في أعماق النفس لأنها تتعارض مع التربية والأخلاق الأسرية والاجتماعية . فالعقل الباطن لدى فرويد هو غيره لدى أفلاطون بل هو عكسه تماماً : إنه البؤرة المظلمة التي نخزن فيها كل ما هو مرذول وما لسنا بحاجة إليه لكي نحيا بل هو معيق ونخجل منه ويمكن أن يتسبب لنا بالمشاكل في حياتنا العائلية والاجتماعية لأنه يتعارض مع الأخلاق العامة بل ويتعارض مع المثال الأعلى الذي نتوق لكي نكونه . ومن هذه الغرائز يركز فرويد على الليبيدو الجنسي ( الإيروس ) الذي يشكل الطاقة الحيوية الأولى الفاعلة في حياة الإنسان ، لأنها الطاقة المجددة للحياة ، والذي هو محور أساسي في تشكل الشخصية ، وفي تشكيل المجموعات وتنظيمها ، لذلك جرى كبته غالباً لدى الفرد لحساب الجماعة ، ولذلك سعت كل الأخلاق والشرائع إلى السيطرة على هذه الطاقة ومن ثم تنظيمها وتقنين استخدامها  بما يتناسب مع المشروع الحضاري لكل مجموعة .
 
تنحو هذه الطاقة ، بالطبيعة ، إلى السيطرة على الآخر أو امتلاكه بغاية تحقيق الرغبة الجنسية ( المواضيع الجنسية متعددة جداً ولا تقتصر على المرأة والرجل البالغين جنسياً وغالباً ما تشمل المحرمات الدينية والاجتماعية ) وتتحول إلى طاقة عدوانية لا واعية بسبب الكبت أو الحظر على الموضوع الجنسي :" ليس الإنسان بذلك الكائن الطيب السمح ذي القلب الظمآن إلى الحب الذي يزعم الزاعمون بأنه لا يدافع عن نفسه إلا إذا هوجم ، وإنما على العكس كائن تنطوي معطياته الغريزية على قدر لا يستهان به من العدوانية . وعليه ، ليس القريب بالنسبة إليه مجرد مساعد وموضوع جنسي ممكنين وإنما أيضاء موضوع إغراء وإغواء . وبالفعل ، الإنسان نزَّاع إلى تلبية حاجاته العدوانية على حساب قريبه ، وإلى استغلال عمله بلا تعويض ، وإلى استخدامه جنسياً بدون مشيئته ، وإلى وضع اليد على أملاكه وإذلاله ، وإلى إنزال الألم به وقتله . من يجرؤ إزاء تعاليم الحياة والتاريخ أن يكذب المثل السائر ؟ .... الأهواء الغريزية للإنسان أقوى من الاهتمامات العقلية ... وجميع الجهود التي بذلتها الحضارة لم تجد حتى الآن فتيلاً ، وتحسب هذه الحضارة أن في مستطاعها أن تتلافى الشطط الفظ للقوة الغاشمة باحتفاظها لنفسها بالحق في الاحتكام إلى هذه القوة الموجهة عينها للمجرمين ، لكن القانون لا يستطيع أن يطال التظاهرات الأعظم حذراً وإرهاقاً وصفاء للعدوانية البشرية ... "(ص 73 ـ 74 ) " قلق في الحضارة" سيغموند فرويد ، ترجمة جورج طرابيشي ( دار الطليعة ، بيروت 1996 ) .
 
يقول الفيلسوف الألماني شيللر : " إن الجوع والحب ينظمان حركة عجلات هذا العالم " . فالجوع هو ممثل لتلك الدوافع الغريزية التي تريد الحفاظ على الفرد بينما ينزع الحب صوب " المواضيع " ووظيفته المحافظة على النوع البشري .
 
 

25 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
المعرفة والحكمة    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

تعرضت نظرية التحليل النفسي للكثير من النقد منذ ظهورها وحتى اليوم ، مع ذلك بقيت الأكثر شيوعاً لأنها ، كما يبدو ، الأكثر تعبيراً عن روح العصر بحيث أن تفسير السلوك بالوعي الباطن طال كل الحقول الثقافية والمعرفية حتى الفنون والسينما والأدب . وإذا كانت الفكرة التي بنى عليها علم التحليل النفسي فرضياته عظيمة الفائدة لناحية إخراج المكبوت والمهمش من العواطف والانفعالات إلى حيز الوعي بغاية تأطيره والتخفف من تأثيراته السلبية على النفس ، إلا أن هذا التركيز على العواطف السلبية والرغبات المتطرفة في جنوحها الغريزي كان يجب أن يقتصر على مجالات علم النفس العلاجي ، وان يتوقف دوره على التخفيف من معاناة بعض المرضى ، وأن لا يتحول إلى إيديولوجيا ناسفاً كل المجهودات السابقة للفكر الفلسفي والنظري الذي يبحث عن جوهر الإنسان ويحترم نفسه وكرامته وإنسانيته .
 
ففي العصر الذي نعيش فيه والذي يتميز ب " علميته " الشديدة ، يجنح التحليل النفسي إلى تفسيرات ميكانيكية للعمليات العقلية والفكر والسلوك على حساب المنهج التأويلي المنفتح على فهم الإنسان بكليته . بالعودة إلى التاريخ يتبين لنا بأن الفصل بين العلم والفلسفة هو طارىء على الفكر الإنساني فأرسطو وأفلاطون وديموقريطس وطاليس والفارابي وابن سينا وديكارت ونيوتن وحتى كانت ... ، كلهم كانوا علماء وفلاسفة في الوقت عينه ، ولم تتأكد هذه القطيعة ( وهي غير تامة بنظري ) التي بدأت في عصر النهضة إلا في عصرنا الحالي .
 
يبذل " العلم " حالياً قصارى جهده في محاولة تفسير العلاقة بين " الفكر " و " الدماغ " وتصنيف المستويات التي تتقاطع فيها العلوم مع الفلسفة في الدماغ البشري وهي محاولة تبدو بريئة المقصد ظاهرياً إلا أنها في الحقيقة تجنح إلى إعادة تقييم دور الأخلاق من خلال إعادة إنتاج العلاقة بين ما هو " وضعي " وما هو " معياري " أي العلاقة بين المعرفة العلمية والمعايير الأخلاقية .
 
على مستوى الدعاية اليومية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، تطالعنا الصحف والمجلات بشكل شبه منتظم ، تحت عناوين صغيرة منتثرة هنا وهناك ، بتفسيرات لبعض الظواهر النفسية والسلوكية تنشرها على أنها اكتشافات ، أو نتائج أبحاث مخبرية ( أكثرها أميريكية ) تتعلق بالهرمونات والأنزيمات والجينات الوراثية ، وعن مسؤوليتها في تفسير بعض المظاهر الحياتية التي تتعلق بالنوم واليقظة ، الحب والبغض ، الميل التعليمي أو الموسيقي أو المهني أو تفسير بعض الأمراض ...  وتركز على الفروقات بين المرأة والرجل كهاجس أصبح كالوسواس . هذه " المعلومات " المبعثرة والمتضاربة أحياناً ، لأنها تكذب بعضها البعض من حين لآخر ، والتي ترد على شكل خبطات القصد منها الإبهار أكثر مما هو الإخبار ، تجد تفسيرات لكل الظواهر ، المناخية والسلوكية والنباتية والحيوانية منها : كقرقرة القط وذكاء الدلافين والذبذبات التي تطلقها الحشرات ... ، والتي  لا أرى فيها فائدة علمية أو " إخبارية " عندما نتلقاها على هذه الصورة لأننا غالباً ما ننساها خلال دقائق ، ولا أجد لها هدفاً سوى التوجيه الإيديولوجي الذي يطمح إلى الإيحاء بأن " العلم " هو سمة " العصر الحديث " وبأنه في تطور مذهل يتجاوز طاقة الإنسان " العادي " على اللحاق به ، وبأنه سوف يتمكن يوماً من تفسير كل الظواهر . أنا لا أنكر أبداً بأن التكنولوجيا تتطور في كل يوم ، وأما " العلم "  فهو موضوع آخر لا يتعلق فقط بالتراكم المعرفي على المستوى التقني والمادي وإنما هو معني أيضاً بسعادة البشر وحمايتهم من هذا التعالي الفظ الذي يخفي في جوهره بذور دماره .
 

3 - مارس - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
استراحة مع الشعر (1 )    كن أول من يقيّم

يبقى الشعر أكثر الأنواع الأدبية التصاقاً بذات الشاعر الدفينة والأكثر تعبيراً عما يختزن في عمقه من تجربة وجودية وصور وألوان وموسيقى وجدل . يجهد الشاعر غالباً في تصوير انفعالاته والكشف عنها للتخفف منها ومشاركة الآخرين رؤيته ومشاعره وهلوساته ، وحتى في الأحايين التي يتقصد فيها أغراضاً أخرى لقصيدته فإننا غالباً ما نراه أو نلمح ظله في خلفية المشهد وهذا يعني بأننا غالباً ما نجلس قبالة الشاعر لنتأمله ونسمعه يتحدث عن نفسه أو من خلالها فقطب وجود الشاعر هو ذاته وما يفيض عنها . لكننا سنعاين ، في هذه المرة ، مجموعة من القصائد القصيرة بعنوان " تلميحات " كتبها الشاعر اليوناني الأشهر في عصرنا الحديث " يانيس رتسوس " ما بين عامي 1970 و 1971 أهم ما فيها هو أن الشاعر لا يحتل فيها صفة المركز ونكاد لا نراه في خلفية الصورة لأنه يتحول هنا إلى مجرد مشاهد ، مثلنا تماماً ، يراقب هذا العالم ويلتقط من تفاصيله جزئيات لا معنى لها في الظاهر لكن عيون الشاعر تلتقطها على أنها إشارات خفية لا تستدعي التأمل الميتافيزيقي بقدر ما تعني وجود طبقات أخرى من الوجود لا يدركها الوعي في سباقه اللاهث والمنهمك دائماً بما هو ضروري وعاجل وملح .
 
تَلمِيحَــات
فِي جَيْبِكَ الْخَاوِي قِطْعَةُ عُمْلَةٍ قَدِيمَة، مَنْسِيَّة-
لَمْسَتُكَ تَتَعَرَّفُ عَلَى نَحْوٍ أَعْمَى عَلَى أَعْضَاءِ الإِلَهِ الْعَارِيَة.
********
الشَّجَرَةُ، وَالتِّمْثَالُ، وَالْحَدِيقَةُ، وَالْمَرْأَةُ الْعَجُوز-
فِيمَا تُؤْمِنُ بِدَيْمُومَةِ الْكَلِمَاتِ، فِيمَا تَمْضِي
خَارِجَ الزَّمَنِ، خَارِجَ مَدْخَلِ الْقَصِيدَة.
************
يَبْتَسِمُ رَجُلٌ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي الظَّلاَم،
رُبَّمَا لأَنَّه يَسْتَطِيعُ الرُّؤْيَةَ فِي الظَّلاَم،
رُبَّمَا لأَنَّه يَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ الظَّلاَم.
***********
دَعْكَ مِنَ التَّفْسِيرَات - فَمَا قِيمَتُهَا؟ فَهيَ، عَلَى الْعَكْسِ،
تُؤَدِّي إِلَى تَشْوِيشٍ أَكْبَرَ لِلأَشْيَاء - طَالَمَا أَنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ الشِّعْر،
الْعَارِي، وَالْمُتَوَاضِعَ وَالْمُتَكَبِّرَ، لَيْسَ أَكْثَرَ مِن
التَّحْقِيقَ الْمُدْهِشَ لِمَا يَسْتَعْصِي عَلَى التَّفْسِير.
***********
قَطَعَت الْفَتَاةُ غُصْنَ صَفْصَاف، بَعِيدًا
وَتَشَمَّمَت أَصَابِعَهَا - حَرَكُتُهَا هَذِه
كَانَت إِسْقَاطًا لِلزَّمَنِ دَاخِلَ الْعَبِير.
**************
وَرَاءَ أَزْهَارِ عَبَّادِ الشَّمْسِ الْكَبِيرَةِ، كَانَ الْجِدَار،
وَرَاءَ الْجِدَارِ، الطَّرِيق - لاَ يُمْكِنُ رُؤْيَتُه أَبَدًا.
ثُمَّ الْمَنَازِلُ، وَالأَشْجَارُ، وَالتِّلاَلُ، وَالْجَرَائِم. فِي الظَّهِيرَة
يَذْهَبُ عُمَّالُ وَرْشَةِ الأَخْشَابِ إِلَى هُنَاكَ لِيَبُولُوا.
فِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ الْمَوْتَى لِيَطْلُوا الْجِدَار.
***********
لاَ تَحُم حَوْلَ الْمَوْضُوع، فَلْتَتَكَلَّم بِفَظَاظَةٍ، بَل بِلُهَاث،
(التَّضْمِينَاتُ وَالْمَحْذُوفَاتُ الْجَمِيلَةُ - يَقُول - هِيَ مِنْ أَجْلِ اللَّيَاقَة)-
فَحَتَّى تَهْشِيمُ الْقَصِيدَةِ قَد يُوَلِّدُ قَصِيدَة.
**********
فَلْتَتْرُكِ الْحَرْبَةَ دَائِمًا فِي رُكْنِ الْغُرْفَة،
وَلْتَتْرُكِ الدِّرْعَ مَقْلُوبًا لِيَمْتَلِئَ بِالْمَاء
فَقَد تَأتِي الطُّيُورُ لِتَشْرَبَ وَأَنْتَ تَنْظُرُ عَبْرَ زُجَاجِ النَّافِذَة،
وَأَنْتَ تُشَاهِدُ الأَرَانِبَ تَمْضُغُ أَوْرَاقَ الْكُرُوم
بِصَرِيرِ ذَيْلِ طَائِرَةٍ وَرَقِيَّةٍ وَهوَ يَغُوصُ فِي الزُّرْقَة.
******************
مَعْنَى الْفَنِّ - قَالَ - قَد يَتِمُّ الْعُثُورُ عَلَيْه
فِيمَا تَمَّ حَذْفُه، عَن قَصْدٍ أَو غَيْرِ قَصْد،
شَأنَ تِلْكَ السِّكِّينِ الْوَامِضَةِ الْمَخْفِيَّةِ تَمَامًا فِي السَّلَّة
تَحْتَ الْعِنَبِ الأَحْمَرَ، الذَّهَبِيِّ، الأُرْجُوَانِي.
********************
أَيًّا كَانَ مَا تُرَاكِمُه فِي صُنْدُوقِكَ فَهوَ يَتَّخِذُ طَرِيقَ الْمَوْت.
أَيًّا كَانَ مَا تَهبُه فَهوَ يَتَّخِذُ طَرِيقَ الْحَيَاة. الأَعْمَى الْعَجُوز
يَتَعَرَّفُ عَلَى الْعُمْلاَتِ الْمُزَيَّفَةِ بِاللَّمْس. يَلْمَسُ بِأَصَابِعِه
كُلَّ شَيْءٍ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، يُسَمِّيهَا وَاحِدًا وَاحِدًا،
وَلاَ يَهمُّ كَم تُخْفِي فِي الرُّكْنِ أَو وَرَاءَ السِّتَارَة.
********************
يَزْدَادُونَ ابْتِعَادًا، الْوَاحِدُ عَنِ الآخَر؛ لَم يَعُودُوا يُؤْمِنُونَ بِالْبَرَاءَةِ؛ لَم يَعُودُوا يُؤْمِنُون
بِالأَفْكَارِ، بِالْكَلِمَاتِ، بِالزُّهُور. وَهُم يَنْفَصِلُون
كَانَ كُلٌّ مِنهُم يَبْدُو أَنَّه يَحْمِلُ جَبَلَه عَلَى ظَهْرِه.
*********************


لاَ تَسَل كَم سَيَسْتَمِرُّ ذَلِك - لَن يَسْتَمِر؛ الآخَرُونَ يَتَّخِذُونَ الْقَرَارَات.
فَلْتَقْلِبِ الْمِنْضَدَةَ رَأسًا عَلَى عَقِب؛ فَلْتُطْفِئ الْمِصْبَاح.
الْمِرْآةُ مَلِيئَةٌ بِثُقُوبِ الرَّصَاص. لاَ تَنْظُر إِلَى الدَّاخِل.
سَأَنْظُر - قَالَ الآخَرُ - خِلاَلَ هَذِهِ الثُّقُوب.
كُلَّ مَرَّةٍ أَرَى وَجْهِيَ الْمَسْرُوقَ مِنْ جَدِيدٍ، لَم يُمَس.
******************
السَّفِينَةُ رَحَلَت. الأَضْوَاءُ ذَوَت. عَلَى رَصِيفِ الْمِينَاء
ظَلَّت الأَكْيَاسُ الْمُمْتِلَئَةُ بِالدِّينَامِيتِ مُكَدَّسَةً فِي صُفُوف.
وَفِي الْمَيْدَانِ الْعَامِ، أَمْسَكَ التِّمْثَالُ بِالثِّقَاب.
******************
طُوَالَ وَقْتٍ مَا أَنْهَكَ الْكَلِمَات. وَمَعَ ذَلِك،
فَهوَ دَائِمًا يَنْتَظِر، وَمِصْبَاحُهُ مُضَاء،
خَشْيَةَ أَنْ يَلْتَقِي مُصَادَفَةً بِالْقَصِيدَةِ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْل.
***************
دَائِمًا مَا يُرَاقِبُ التِّرمُومِتر عَلَى الْحَائِط.
حَسْبَ الدَّرَجَاتِ، يَزْدَادُ سُخُونَةً أَو بُرُودَة.
وَعِنْدَمَا انْكَسَرَ التِّرْمُومِتْرَ ذَاتَ يَوْمٍ، ارْتَبَك -
لَم يَعُد يَدْرِي مَتَى يُدْفِئُ نَفْسَه أَو يَبْتَرِد.
قَطَرَاتُ الزِّئْبَقِ انْسَابَت عَلَى الأَرْضِيَّة
مَعَ حُرِّيَّةٍ مُبَدَّدَةٍ، غَيْرِ مَقْبُولَةٍ، مُرْعِبَة.
 
 

6 - مارس - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
استراحة مع الشعر ( 2 )    كن أول من يقيّم

 

يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ التِّمْثَالَ التِّذْكَارِيَّ لِضُفْدَعَةٍ صَغِيرَة -
لاَ الضُّفْدَعَةَ نَفْسَهَا - إِنَّهَا النُّعُومَةُ مَا يُرِيد،
الْمِيكَانِيكِيَّةُ الْمُرَكَّبَةُ لِلْقَفَزَاتِ الْوِرَاثِيَّة
فِي الْحَدِيقَةِ الْمَرْوِيَّةِ فِي اللَّيْلِ تَحْتَ الدُّبَّيْن
لَحْظَةَ أَن كَانَت هِيلِين تَخْلَعُ ثِيَابَهَا خَلْفَ الْبَابِ الزُّجَاجِي.
*************
سَأُغَادِر ُ- يَقُولُ - أَصْوَاتَ السُّوقِ، وَالثَّلاَّجَاتِ، وَالسِّلاَل،
الْمُنْتَجَاتِ الْمُتَنَوِّعَةَ، التَّافِهَةَ، وَالإِعْلاَنَاتِ الْجَدِيدَة؛
سَأَذْهَبُ إِلَى الْمَنْزِلِ، أُغْلِقُ الْبَابَ، أَجْلِسُ فِي مِقْعَدِي،
أَبْرِي سِنَّ قَلَمِي الرَّصَاصِ بِأَدَبٍ، بِعِنَايَةٍ، وَأَصْرُخ.
************
شَرِيحَةُ بَطِّيخٍ أَحْمَرَ فِي الطَّبَق.
الْكِتَابُ الَّذِي أَعَرْتَه لِي كَانَ جَمِيلاً.
أُفَكِّرُ الآنَ فِي كِتَابَةِ قَصِيدَة.
فِيهَا، لَن يَتَحَادَثَ سِوَى الطُّيُور.
************
كُلُّ مُعْتَقَدٍ - يَقُول ُ- إِمَّا سَذَاجَةٌ أَو جُبْنٌ أَو ذَرِيعَةٌ مَاكِرَة.
أُدَخِّنُ سِيجَارَتِي بِسَكِينَةٍ تَحْتَ أَنْفِ الْمَوْت؛
أُزَرِّرُ قَمِيصِي أَو أَفْتَحُه؛ أُغَادِرُ أَوَّلاً
قَبْلَ أَن يَتَمَكَّنُوا مِنْ مُطَالَبَتِي بِالْمُغَادَرَةِ أَو طَرْدِي.
فِي اللَّيْلِ أَجْلِسُ نُقْطَةً مَيِّتَةً فِي الْفَرَاغِ، أَعْقِدُ ذِرَاعَيَّ،
أَتَظَاهَرُ بِأَنِّي جُثَّتِي أَمَامَ الْمِرْآةِ وَأَمْضِي لأَنَام.
***************
طُوَالَ أَيَّامٍ بِلاَ انْقِطَاعٍ تَتَلَمَّسُ يَدُه فِي جَيْبِه
عِظَامَ الْخَدِّ النَّاتِئَةَ لِلْفَرَاغ. ثُمَّ فَجْأَةً
يُخْرِجُ دُمْيَةً عَمْيَاءَ، يُضِيفُ لَهَا عَيْنَيْن،
وَيُعْطِيهَا لابْنَةِ مُتَعَهِّدِ الأَشْيَاءِ الْمُسْتَعْمَلَة.
تُعَرِّيهَا بِاسْتِمْتَاعٍ، وَتُخْرِجُ عَيْنَيْهَا مِنْ جَدِيد.
************
كَانَ الشِّعْرُ مِنْ جَدِيدٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَعَ حُدُوسٍ بِاحْتِمَالاَتٍ مُعْجِزَة. كَانَت خُطَى
الْمَرْأَةِ الآثِمَةِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي تُلاَزِمُ الْجِدَار،
وَحَفِيفُ ثَوْبِهَا أَعْلَى الزَّعْرُورِ الْكَبِيرِ فِي حَقْلِ الْكِلاَب؛
أَضِيئَت رَائِحَةُ إِبِطَيْهَا فَجْأَةً بِمِصْبَاحِ الشَّارِعِ فِي مَيْدَانِ الْمَدِينَة
لَحْظَةَ أَن كَانَت يَدُ الْمَوْتِ تَخْتَبِئُ خَلْفَ هَذَا الْمِصْبَاحِ بِالذَّات.
****************
لاَ يَهُمُّ كَم يَكُونُ الْمَرْءُ وَحِيدًا فِي خَوْفِهِ وَأَلَمِه،
مَعَ الطَّحَالِبِ وَزُجَاجِ النَّوَافِذِ، مَعَ ظِلاَلٍ مَجْهُولَةٍ عَلى السَّقْفِ الْوَاطِئ،
الخَطُّ الأَحْمَرُ لِنَارِكَ مِنْ الْفُرْجَة تَحْتَ الْبَاب
يُخْبِرُنَا مِنْ جَدِيدٍ عَن أَبْجَدِيَّة الْحَيَاةِ، التَّلاَحُمِ، وَالامْتِيَازِ، وَالْكِبْرِيَاء،
اللَّحْظَةِ الْجَمِيلَةِ عِنْدَمَا تُغَادِرُ الْمَنْزِلَ وَتَلْتَقِي بِشَجَرَة،
عِنْدَمَا تُصْبِحُ وَرَقَةَ شَجَرٍ وَسْطَ الأَوْرَاق، فِي نَفْسِ الأُغْنِيَة،
يَا أَنْتَ الَّذِي تَنْبَثِقُ مِنَ التَّمَاثِيلِ وَأَشْجَارِ السِّرْوِ الطَّوِيلَة.
*****************
فِي الْحَقْلِ الْمُقْفِرِ نُحْرِقُ ظِلاَلَنَا فِي اللَّيْل.
تَوَهَّجَت النَّار. وَسْطَ اللَّهِيب
انْتَصَبَ عُكَّازٌ ضَخْمٌ نَحْوَ السَّمَاء
مِثْلَ نَجْمَةِ الدَّيْنُونَة.
أَسْفَلَ ذَلِكَ السُّلَّم
هَبَطَ الْمَلاَكُ الْمُحْتَرِقُ، مُحْتَضِنًا جَنَاحَيْهِ إِلَى قَلْبِهِ كَفَتَاتَيْن مَيِّتَتَيْن.
******************
سُئِلُوا عَن رَغْبَتِهِم الأَخِيرَة.
«حَقَائِبُ وَرَقِيَّة»، قَالُوا. جِيءَ لَهُم بِهَا.
نَفَخُوهَا، اسْتَدَارُوا،
فَجَّرُوهَا عَلَى الْجِدَارِ، وَسَقَطُوا.
*****************
مُنْذُ أَن عَرِفَ أَنَّهُم يُرَاقِبُونَه مِنَ النَّافِذَة،
كَيْفَ يُمْكِنُ لَه أَن يَتَحَرَّكَ بِبَسَاطَةٍ، بِجَمَال؟
أُرِيدُ مَعْرِفَةَ مِيكَانِيكِيَّةِ هَذِهِ الْبَسَاطَة.
أُغْلِقُ الْمَصَارِيعَ، أَنْظُرُ إِلَى نَفْسِي فِي الْمِرْآة.
يُحْبِطُنِي ثُقْبٌ فِي جَبِينِي.
                                   ترجمة رفعت سلام

6 - مارس - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
الفلسفة وعلم الأحياء     كن أول من يقيّم

تجهد علوم الجهاز العصبي في عصرنا الحالي ، كما قلنا سابقاً ، في تفسير العلاقة القائمة بين الدماغ والتفكير . هو مشروع هائل ينضوي تحت سقف نظرية النشوء والارتقاء ( نظرية داروين في تطور النوع ) ولا يقل هدفه طموحاً عن رغبة القدماء في العثور على حجر الفلاسفة أو إكسير الحياة الذي نشأت بسببه علوم الكيمياء التطبيقية كلها، وهو علم شاسع جليل الفائدة قدم ولا يزال يقدم خدمات عظيمة للإنسانية . فبقدر ما تبدو العلاقة واضحة وبديهية بين الفكر والدماغ بقدر ما سيتبين لنا بأنه من الصعب إخضاعها لمفهومي الزمان والمكان التي هي من مسلمات أي علم وضعي .
 
أين يفكر الإنسان ( اكتشاف مراكز القدرات في الدماغ )؟ ومنذ متى يفكر ( أي في أي مرحلة من مراحل تطوره بدأ يفكر ) ؟ ذلك هو السؤال الذي يطرحه علم الأحياء العصبي .
 
أما الفلسفة فهي تسأل عن وجهة هذا التفكير ( الذي هو من ضرورات حفظ النوع بحسب نظرية التطور )  وهو سؤال الكينونة : الغاية من وجود الإنسان في " العالم "  بالمعنى الميتافيزيقي الديني الثقافي والأخلاقي .
 
ولتوضيح هذا التناقض الصريح والمعلن بين وجهتي النظر سأعرض في فقرات لاحقة تلخيصاً لكتاب هو عبارة عن نقاش أو مواجهة تم تسجيلها على نحو مكتوب للمحاورة التي جرت وجهاً لوجه بين عالم في مجال الدراسات العصبية هو جان ـ بول شانجو ( Jean - Paul Changeux) والفيلسوف الفرنسي المعاصر ( Paul Ricoeur ) والكتاب يحمل اسم :
 " الدافع للتفكير : الطبيعة والقانون  " ( Ce qui nous fait penser . La nature et la règle )
éditions Odile Jacob , Paris 1998
 
إنما يبدو لي من الملائم أن نبدأ بالتعرف أولاً إلى وجهة نظر علم البيولوجيا العصبية ، ولو بالحد الأدنى الممكن الذي يتناسب وإمكانياتنا المتواضعة في هذا المجال ، وذلك للتمكن من متابعة النقاش لاحقاً .
 
 

9 - مارس - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
لفتة كريمة من أخ كريم    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

عافاك الله وسلمك يا أستاذ أحمد ، أو يا أحمد بك كما يطيب لي أن أسميك في هذه اللحظة ، وأنا أشكر لك لطفك ودماثتك وسؤالك عنا. أتيت لأتفقد المكان فوجدت تعليقاتك الجميلة وسررت بها . سلامي لك وللأولاد ، كذلك للوالدة الكريمة  ولصفاء ، وتصبحون على خير جميعاً . 
 
 

12 - مارس - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
سؤال المسافة بين الفطرة والثقافة    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

كل الشكر والتحية للأديب الفاضل الأستاذ إدريس القري :
 
إن كل سؤال فلسفي هو لا بد تعبير عن أزمة وجودية بالعلاقة مع المعرفة بمصادرها وأدواتها . أظن بأننا نعيش حالياً حالة اغتراب ثقافي ووجداني حولتنا إلى دمى مسلوبة الإرادة تتحكم بها خيوط غير مرئية . والخيوط الغير مرئية كثيرة سأذكر منها الأن واحداً ليس أوحداً : المعرفة التي ورثناها مثلاً من الماضي تعبر عن وعي أجدادنا بواقعهم وشروط حياتهم وهي تجربة أكيدة لا تقدر بثمن على المستوى الإنساني لو عرفنا كيف ننزع عنها بعدها الأسطوري . وأما المعرفة التي نتلقاها اليوم ويتم أنتاجها في الغرب فهي تعبر عن وعي الغرب بنفسه وبمركزيته التي كرسها عبر قرون طويلة والتي أنتجت وتنتج ثقافة تشبهه ولا مكان لنا فيها على المدى المنظور ، مع هذا هي ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها . نحن نمتلك إذن : من جهة وعياً أسطورياً بالماضي أي أننا نرتبط به بعلاقة عاطفية فيها نوع من التماهي الوجداني غيبنا عنها العقل ( مع أن هذه المعرفة موجودة في الذاكرة والذاكرة من أهم وظائف العقل ) ، ووعياً اغترابياً بالحاضر الذي لم نعد ننتجه ولا نمتلك من أدوات التعامل معه إلا حدها الأدنى . تتعايش هاتان المعرفتان القاصرتان في ذواتنا على مستوى الإدراك ويتسبب لنا هذا المزيج المتنافر بالإعاقة المعرفية والسلوكية التي تمنعنا من التفكير السليم وتوجيه حياتنا بطريقة منطقية واعية .
 
نحن بحاجة لفهم ذواتنا وآلية تفكيرنا . فالعقل الذي نمتلكه هو آلة هائلة القدرات ما فتأ الإنسان يستخدمها منذ أقدم العصور لحماية وجوده وهي لم تكشف لنا عن كل أسرارها بعد . نحن بحاجة لإعادة تشريح آلتنا الخاصة بنا لكي نتمكن من استخدامها بطريقة مفيدة وناجعة ، ولن يكون ذلك الأمر ممكناً إلا عبر معاينة  التجارب التي مرَّ بها العقل الإنساني خلال بحثه الطويل عن طبيعة وجوده . 
 
إنه سؤال الثقافة وأدواتها ومدى ارتباطها بضرورات الواقع ، وطبيعة الإنسان ، ومدى قربها أو بعدها عن الحقيقة التي نطمح للوصول إليها .
أرجو أن اكون قد تمكنت من تقديم إضافة جديدة لتوضيح الفكرة وأتمنى أن تشاركوني بتقديم وجهات نظركم وكل الشكر والتحية لك مجدداً .
 
 

15 - مارس - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
ما هي الثقافة ؟ ( 1 )    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

 

 

الثقافة بالعربية من ثقف . وثقف الشيء تعني حذقه ، احتواه . الثقاف هو ما تسّوى به الرمح وتثقيفها يعني تسويتها ، وكان العرب يستخدمون عبارة " غلام ثقف " للتدليل على نباهته وسرعة بديهته .
الجذر اللاتيني لكلمة ثقافة ، الذي تبنته أكثر اللغات الأوروبية ،هو كلمة " Cultura » والفعل منها " Cultio «  يفيد معنى العناية بالشيء وتهذيبه ورعايته ، ثم أصبحت هذه الكلمة مرادفة لكلمة زراعة التي تستدعى العناية  والرعاية والتشذيب بقصد النماء ثم تعدتها إلى معنى التبجيل الطقسي والعبادة الدينية .

الثقافي والفطري :

عندما وجد الإنسان نفسه عارياً في الطبيعة لأول مرة ، ولم يكن له من وجوده سوى ذلك الجسد الثقيل بغريزته وطاقاته وفطرته الأولى كان عليه أن يتدبر أمره : أن يبحث عن قوته ، أن يحمي جسده ويعتني به ، وأن يتابع مراحل نمو ذلك الجسد وتغيراته وحاجاته منذ الولادة وحتى الموت . لم يكتف الإنسان بالفطرة والغريزة لفهم ومرافقة تطورات حياته في نموها وتبدلها بل أخذ يضيف إليها مما استنبطه بذكائه، فكان المسكن والملبس والطعام والعناية بالبدن وطرق تدبير الولادة والدفن والصيد والحرب … ثم عمد إلى تخزين هذه المعارف وحفظها في الذاكرة عن طريق المشاركة والتعلم والطقوس والحكايات والأساطير . هذه الإضافة التي نشأت بفعل الحاجة ، وتمحورت حولها ، هي معطى وجودي آخر ضروري مواز ومرافق لوجود الإنسان في البيئة والزمن ووسط غيره من أفراد المجموعة التي ينتمي إليها . بردنا الثقافة إلى عناصرها الأولى التي استلزمت نشأتها يمكننا تعريفها على أنها : المعرفة الغير فطرية التي استنبطها الإنسان بعقله المفكرأو اكتسبها عن غيره تلبية لحاجات وجوده الاجتماعي .
الثقافي هو إذن ما ليس غريزياً أو طبيعياً في حياة البشر ، بل هو الوعاء الذي يحتوي الفطري ويرعاه ثم يترجمه عبر سلوك وأفكار وكلمات هي صور عن الحقيقي المعاش في الداخل أو صدى لحاجاته . يخرج الفطري والطبيعي عن صمته باللغة والثقافة التي تؤطره وتحكمه وتوجهه في وجهة معينة تكون غالباً مصلحة المجموعة كوحدة وجودية ، العائلة والعشيرة والقبيلة أو الحي والمدينة أو الزمرة والطائفة … ، والتي تسعى إلى توظيفه وتطويره في منحى جمالي ونفعي ما فتأ يتغير ويتنامى الوعي به يوماً بعد يوم ، وعلى مر العصور . تكون الثقافة ، بهذا المعنى ، مظهراً من مظاهر تكيف الإنسان الاجتماعي من أجل حفظ وجوده وتحسين شروط حياته على حساب طبيعته الأولى ، حريته وحقيقته الجوهرية وطاقته الحيوية الخفية الكامنة فيه ، التي هي أصل وجوده ، والتي يتم التنازل عنها ، بشكل جزئي أو كلي ، وتوظيفها في مشروع عام . نقصد بهذا أن الثقافة هي التسوية الضمنية والرابط القائم بين حاجات الإنسان الفردية اليومية والوجدانية الحميمة من جهة ، وحاجات الاجتماع الإنساني الذي تعبر عنه شبكة من العلاقات الاقتصادية والعائلية المتشابكة ، تديرها وتؤطرها النخبة الدينية والسياسية الحاكمة فيه . إنها شكل ووعاء لهذا الرابط الموجود بين الحاجات الخاصة والحاجات العامة والتوافق الضمني الحاصل بين الأفراد الذين يعيشون في مجتمع ما وأولي أمره .
الثقافة والهوية :
فإذا أضفنا إلى كون الثقافة عملية تطوير لبعض القدرات الفكرية الخاصة بالإنسان بواسطة التعلم والقراءة واكتساب المعارف وممارسة النشاطات الذهنية ، هذه المعارف التي تمكنه من اكتساب أنماط من السلوك الخاصة بالاجتماع والتي تحدد شخصيته وتدلل على بيئته ومنشئه ، يمكننا أن نفهم في عصرنا الحالي كلمة " ثقافة " على أنها أيضاً : مجموعة ما تنتجه حضارة ما من آثار فكرية ومادية تؤطر حياة الإنسان وتؤثر في سلوكه وتقوده في اتجاه محدد .
من الناحية السلوكية ، تعبر الثقافة إذن في منحاها الظاهر عن شكل العلاقات وقنوات التواصل ، المادية والمعرفية ، التي تربط بين أبناء المجتمع الواحد الذين تجمع فيما بينهم أصول مشتركة وضرورات ومصالح العيش المشترك ، سواء كان مصدرها تشريعات دينية أو عرفية أو قانونية وضعية أو تاريخية متوارثة، وتتعداها إلى كونها تشكل النسيج الحميم لهذا المجتمع الذي يلحم بين أجزائه لأنها تطال جميع مستويات الحياة ، الفردية والجماعية ، بدءاً من السلوك اليومي الخاص بالعادات والتقاليد والعبادات المتبعة في كل مجتمع وحتى مستويات الحياة الأكثر حميمية كالعلاقات داخل البيت وبين أفراد الأسرة والدائرة الخاصة بكل مجموعة من البشرفتجعل منها جميعاً بنياناً واحداً مشتركاً لأن هذا التشابه في المرجعية والسلوك هو الشكل الاجتماعي للهوية .
بهذا المعنى أيضاً تكون الثقافة ذاتاً فاعلة ومنفعلة في المحيط الذي تقيم فيه وتعبر عنه ، غايتها : المحافظة على هذه الروابط وتطويرها أو تعديلها أو تبديلها بما يخدم العلاقة المتوازنة بين الحاجات الشخصية الخاصة بكل فرد من أفراد الجماعة والنسيج العام للمجتمع المقنن لهذه العلاقة ، وبحيث يكون التأثر والتأثير متفاعلاً ومتبادلاً وهو ما تعبر عنه حركة المجتمع بكل مظاهرها . إن مظاهر العنف والتوتر الاجتماعي ما هي إلا دليل على وجود شرخ في البنية الثقافية ، وليس التفكك الاجتماعي وفقدان الشعور بالهوية سوى مظهر من مظاهر انفراط هذه العلاقة الضمنية بين النخبة الحاكمة وبقية أجزاء المجتمع ، أو بين المجموعات المكونة للمجتمع الواحد ، وانفصال عراها بسبب فقدان هذا الإطار السياسي الاقتصادي والاجتماعي الذي تعبر عنه الثقافة ، او فقدانه للشرعية المؤسسة لهذه العلاقة ، أو تحوله لمجرد شكل فارغ دون مضمون حقيقي .
.

16 - مارس - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
 99  100  101  102  103