أنشر هنا كلام الجاحظ في ذم إهمال النساخين وعظيم جنايتهم على التراث لكي أنشر في تعليق لاحق ما وعدت به في التعريف بكتابه (الوكلاء) من إثبات الزيادة التي وصلتنا عن طريق كتاب (الأوائل) لأبي هلال العسكري. تاركا القول الفصل في تحقيق اختلاف الألفاظ إلى وقت لاحق، مكتفيا فقط بالتنبيه عليها. قال في الحيوان (ج1 ص 79 ط البابي الحلبي) في صدد كلامه عن آفات الترجمة والنسخ: ثمّ يصير (أي الكتاب) إلى ما يعرض من الآفات لأصناف الناسخين، وذلك أن نسختَه لا يَعدَمها الخطأ، ثمَّ ينسخُ له من تلك النسخة مَن يزيده من الخطأ الذي يجده في النسخة، ثمّ لا ينقص منه؛ ثم يعارِض بذلك مَن يترك ذلك المقدار من الخطأ على حاله، إذا كان ليس من طاقته إصلاحُ السَّقَط الذي لا يجدُه في نسخته. ولربَّما أراد مؤلِّف الكتاب أن يصلِح تصحيفاً، أو كلمةً ساقطة، فيكون إنشاء عشرِ ورقاتِ من حرِّ اللفظ وشريفِ المعاني، أيسَرَ عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يردَّه إلى موضعه من اتِّصال الكلام ، فكيف يُطيق ذلك المعرض المستأجَر، والحكيمُ نفسهُ قد أعجزه هذا الباب وأعجب من ذلك أنَّه يأخذ بأمرَين: قد أصلحَ الفاسدَ وزاد الصالحَ صَلاحاً، ثم يصير هذا الكتاب بعد ذلك نسخةً لإنسان آخَرَ، فيسير فيه الورَّاقُ الثاني سيرَةَ الوَرَّاقَ الأوَّل؛ ولا يزال الكتابُ تتداوله الأيدي الجانية، والأعْرَاض المفسِدة، حتَّى يصير غَلَطاً صِرفاً، وكذِباً مصَمتاً، فما ظنُّكم بكتابٍ تتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاوره الخُطَّاط بشرٍّ من ذلك أو بمثله، كتابٍ متقادِم الميلاد، دُهْرِيّ الصنعة.
|