تربية القطيع كن أول من يقيّم
رأي الوراق :     
يذكر طه حسين في كتابه الأيام عن بعض شيوخه- كان يدرسهم المنطق كما أظن- أنه كان يسأل الطلبة، وعندما لا يجد الإجابة يقول: ردوا يا غنم، ردوا يابهائم، ردوا يا خنازير. موروث ينتقل كالعدوى بين مجتمعاتنا على الصعيد السياسي والإجتماعي وفي داخل الإسرة بين الزوج المتسلّط، والزوجة الضعيفة المغلوبة على أمرها، بين الأب وأبنائه، والأخ الأكبر عندما يتسلط على أخواته أو اخوته الصغار. حتى ننتهي بقمة الهرم السلطوي، الحاكم المستبد وأزلامه الميامين! لايزال الى الآن يُعرّف الأنسان أنّه حيوان ناطق. هذه المقولة التي أخذناها من التراث اليوناني تجعل الوجود في شجرة قمتها الجوهر، وفي نهايتها الإنسان. كيف كان شيوخنا وهم من أشد أعداء فرضية أو نظرية الإنتخاب الطبيعي، يعلموننا أن الإنسان نوع جنسه الحيوان. وفصله بالنطق أو الفكر لا يغيّر من المسألة شيئا، لأن القائلين بالتطور يقرّون أيضا أن الإنسان كائن عاقل مفكر يمتاز عن جده الحوان غير العاقل بالفكر وأن الأنواع لاتتداخل. فإن أذكى قرد، هو أدنى ذكاءا من صبيّ متخلف عقليّا. إن تعريف اليونان للإنسان لا يختلف في جوهره عن نظرية دارون. وهي مخالفة صريحة لما ذكرته الكتب السماوية ومنها القرآن الكريم، أن الله قد خلق الإنسان قبل خلق الحيوان الأعجم، وكرّمه بإمور أخصّها: أن الله تعالى نفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له تكريما وتشريفا... والجدير بالذكر أن العلماء القائلين بالنشوء والإرتقاء، قد جعلوا المشترك الأول لجميع الكائنات الحية على الارض، كائنا وحيد الخلية يسمى الأمبيبا. وهي كتلة عديمة الشكل كما يصفونها. وإذا عدنا الى الجوهر الذي وضعه المناطقة والفلاسفة في قمة الهرم المنحدر منه الحيوان المنفصل منه الكائن البشري بالفكر أو النطق، لا نجد فرقا يُذكر بين من يقول: أن الإنسان والقرد ينحدران من أصل واحد، وبين من يقول: أن الإنسان والقرد من جنس واحد. فكيف نكفر بالأول ونؤمن بالثاني؟ وكلاهما أجنبيّان مستوردان؟ أم أن هناك فرقا جوهريا نجهله ويعرفه أهل الإختصاص أعمق بكثير من ذلك الشبه في الصياغة والتعبير. ولطالما سقط الناس ضحايا التعبير، وأساء آخرون التفسير لهوى في النفس أو قناعة مشفوعة بالتعليم في الصغر، وما ثبت في الصغر تحجّر! نعود لحديث الشيخ الذي أغرانا بالتفلسف، وقصة الغنم. من حلقة هذا الشيخ تخرج واحد من أعلام الثقافة والفكر. وكم تخرج من حلقة أمثال هؤلاء الشيوخ من كانت لهم وظائف وأدوار في الحياة الثقافية والسياسية والإجتماعية. والعدوى تنتقل لا تعرف إن كان مصدرها الأول هو البيت أم المدرسة أم الحارة والزقاق.. وعن طريق التكرار والسماع اليومي نألف الأشياء في خبثها وقسوتها، وتصبح سلوكا وعادة وممارسة يومية لتنتهي بمرور الأيام والسنين الى مداعبة لانستحي منها. كنت في أحد الأسواق، فسمعت أحدهم يصرخ في وجه ابنه: ولك ابن ال... قلت له: ألا يكفي أننا أنجبنا أولادنا في هذه البلاد التي تتطلب منا مضاعفة الجهد في تربيتهم، فنكون نحن والبيئة الرديئة أعوانا في إفسادهم. قال: كلنا تربينا هكذا. أبي كان يشتمني ويضربني، وكذلك كان يفعل المعلم... تريد أن تغيّر الدنيا! فليذهب الجميع الى جهنّم! ولا أظن الزمان قد سرّ بنيه في ماض كان المتنبي يتوهمه بقوله: أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرّهم وأتيناه على الهرم وما بكائنا على الأمس الغابر إلا لأننا لم نكن شهودا على ضحاياه. وللماضي سحره الذي لا يبطل. يخفي مرارته ما استطاع، ويظهر حلاوته لمن يتّبع أثره. ذكروا أن مصعب ابن الزبير لقي عبد الله بن عمر فسلم عليه وقال له: أنا ابن أخيك مصعب. فقال له ابن عمر: أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة. فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة فجرة. فقال: والله لو قتلت عدتهم غنماً من تراث أبيك لكان ذلك سرفاً. |