في تاريخنا عبرة لأولي الأبصار في هذا الملف أحاول استخلاص بعض العبر من تاريخنا السياسي وما حفل به من أحداث. أما المصادر والمراجع التي اعتمدتها فسوف أذكرها في الآخر: أبو مسلم الخراساني، الذي كان وفيا لبني العباس أيما وفاء، وكان داعية إليهم، والذي قام بتوطيد أركان الخلافة العباسية في خراسان وغيرها ؛ مرتكبا الكثير من الجرائم في سبيل ذلك، انتهى أمره إلى القتل على أيدي من كان وفيا لهم. إن في قصة مقتل أبي مسلم وفي قصص الكثير من القادة ؛ من خلفاء ، وأمراء، ووزراء، والعديد من العلماء... مما ورد ذكره في كتب التراث العربي الإسلامي ، ومما حفل به التاريخ الحديث أيضا من أحداث، لعبرة نستخلص منها أن منهج القادة السياسي لا يقوم على الأخلاق الكريمة ورعاية الذمم، وإنما يقوم على المصالح والشهوات والمنافع الدنيوية، وعلى رأسها شهوة الحكم والسيطرة. لقد كان أحرى بالسياسة وأصحابها أن يكون فيهم وفيها للدين وما يحث عليه من خلق قويم النصيب الأكبر؛ ولكن الواقع التاريخي؛ ماضيا وحاضرا، ينبئنا أن السياسة لم تكن في يوم من الأيام كذلك، خلا سياسة الأنبياء والرسل والثلة التي سارت على نهجهم. لقد تسلط المستبدون برأيهم على الشعوب باسم الدين، فأوّلوا أحكامه وفقا لمصالحهم ولما تمليه عليهم أهواؤهم ونزواتهم، وكأن الدين ارتضاه الله لنصرة الظلمة المستبدين ، ولم يرتضه لنصرة المستضعفين المقهورين! وكأني بأبي مسلم، وقد ساهم في إنشاء الدولة العباسية مساهمة فعالة، قد ظن أن مساهمته تلك تنفعه عند أبي جعفر المنصور، فتحميه من القتل؛ ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماما. فبعيد وفاة السفاح زادت أحوال أبي مسلم مع المنصور سوءاً، وآلت إلى نهاية مفجعة. لقد ذكرت كتب التراث إن أبا مسلم لم يكن يعبأ بالمنصور في حياة السفاح ولم يكن يطيع له أمرا ، وكان ينافسه أحيانا في بعض الأمور، وإن أبا مسلم ادعى النسبة لبني العباس، وانه تجرأ على أن يخطب عمة المنصور لنفسه؛ ولكن هذا كله ربما لم يكن سببا رئيسيا ووحيدا، وإن كان مهما، لنقمة المنصور عليه.. كان أبو جعفر المنصور يخشى على دولة بني العباس الفتية من أن ينقض قواعدها أبو مسلم، الذي ذاع صيته واشتهر أيام أبي العباس السفاح حتى قصده الناس من كل صوب، ودانت له خراسان بعد أن فتك بالأمويين ولم يدع فيها لسانا ينطق بالعربية ، وتشبه بالملوك، وهابه القادة الكبار . كان أبو مسلم يشعر بخشية المنصور منه ؛ ولكنه مع ذلك لم يتمكن من مخالفة أمر المنصور بالقدوم إليه ليتخلص المنصور منه وبالتالي من نفوذه . لقد وفد الخراساني على المنصور لما أرسل إليه بالرغم من النصائح التي أسداها إليه صحبه ومن تحت إمرته بأن لا يلتقي المنصور، فالمنصور قاتله لا محالة. لم يستطع الخراساني الاستجابة لتلك النصائح. فالعباسيون عشيرة حكمت الناس مستندة إلى قرابتها للنبي صلوات الله عليه، وليس من السهل أبدا على أبي مسلم الخراساني أو غيره الإطاحة ببني العباس أو حتى مخالفة أوامرهم إلا أن يدعو إلى طاعة غيرهم من أقرباء النبي وحفدته من العلويين ، وهذا ما يمكن أن يكون المنصور الفقيه الداهية قد حسب له كل حساب، واهتم منه كل اهتمام ، بل لحقه منه غم عظيم لم يزل عنه إلا بزوال أبي مسلم من الوجود. فالدعوة إلى العلويين تهمة لحقت بأبي سلمة الخلال، منافس أبي مسلم، والذي كان من أهم دعاة العباسيين ثم وزيرا للسفاح، وقد تنكر له السفاح لما بلغه عنه ذلك .. قُتل الخلال غيلة، ويقال إن أبا مسلم الخراساني دبر مقتله، وإن السفاح لما علم بقتله أنشد: | إلى النار فليذهب ومن كان مثله | | على أي شيء فاتنا منه iiنأسف! | إن سبب مقتل أبي سلمة الخلال يعد مؤشرا واضحا على خشية المنصور من انتقال الخلافة من بني العباس(ر) إلى بني علي بن أبي طالب(ر). البقية تأتي.. |