حكاية إنّ     ( من قبل 2 أعضاء ) قيّم
هذه قصة أخرى علّها تقرّب المطلب أكثر، وتكون تمهيدا لحوار أشدّ سخونة! هي قصة معروفة ومتداولة في كتب الادب لاسيّما كتب البلاغة والنقد الادبي.
تقول الرواية ان الفيلسوف الكندي دخل على المبرّد، اللغوي الشهير صاحب كتاب الكامل في اللغة والادب فقال له:إني لاجد في كلام العرب حشوا، فقال أبو العباس: في اي موضع وجدت ذلك. فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إنّ عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم. فالالفاظ متكرّر والمعني واحد. فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الالفاظ، فالاول إخبار عن قيامه، والثاني جواب عن سؤال سائل، والثالث جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الالفاظ لتكرر المعاني. فما أحار المتفلسف جوابا)
ولا يهمنا الآن صحة هذه الرواية من عدمها مادام المغزى هو الغاية. لم يكن الكندي ملتفتا الى ان زيادة المبنى له أثر في المعنى واختلاف دلالته. هو يعتقد أن القول: محمد قائم يفي بالغرض ويفهم منه مراد المتكلم. وما زاد على ذلك فهو من فضول الكلام. الفيلسوف كان يرى وجها من الصورة، والاديب كانت عينه على الوجه الآخر.
لو اتفق الطرفان على الوجهين لحسم الامر ولما سُقط في يد الفيلسوف. الاديب كان يحكم بذوقه الادبي، وما يعرفه من قواعد البلاغة والبيان، ولو عرف الفيلسوف حرقة الاديب لعذره.
وهذه أخرى:
اجتمع الجاحظ ويوحنّا بن ماسويه على مائدة اسماعيل بن بلبل الوزير، وكان في جملة ماقدم مضيرة بعد سمك، فامتنع يوحنّا من الجمع بينهما، فقال له ابوعثمان: أيها الشيخ، لا يخلو أن يكون السمك من طبع اللبن أو مضاد له، فإن كان أحدهما ضد الآخر فهو دواء له، وإن كان من طبع واحد فلنحسب أنا قد أكلنا من أحدهما الى ان اكتفينا.فقال يوحنّا: والله مالي خبرة بالكلام -هذا دأب العالم المحصِّل- ولكن كل يا أبا عثمان وانظر ما يكون في الغد. فأكل أبو عثمان نصرة لدعوته، ففلج في ليلته، فقال: هذه والله نتيجة القياس المحال.) وبقيت هذه العلة الخبيثة ملازمة للجاحظ، فمكث في بيته وانقطع عن الناس، فكان اذا زاره أحد قال للخادم قل للزائر: ما تصنع بشقّ مائل، ولعاب سائل، ولون حائل، وما زال في علته تلك حتى قتلته الكتب!
والكلام لم ينته بعد.....
|