منهجي في دراسة أدب العصر كن أول من يقيّم
منهجي في دراسة أدب العصر: خلاصة رأيي أن الأدب العربي في هذا العصر لم يلق بعدُ حقَّه العلميَّ الأكاديميَّ من البحث والدراسة؛ فهو نتاج يمثل فرصة عظيمة لشباب الباحثين والدارسين للتعمق في أدب عربي بكر لم تمسه نظرة الناظرين إلا لمامًا و شذرًا. نتاج تجاهله المؤرخون في بداية نهضتنا الأدبية الحديثة تحت طائلة وهم فارغ، هو أنه أدب ينتمي إلى عصر الركود السياسي، وكأن الركود الفكري والأدبي والفني مرهون بالركود السياسي وتبَع له، وتلك رؤية قابلة للأخذ والرد، وليست ثابتةً أو مسلمة منطقية معقولة أو مقبولة. ولو سلَّمْنا جدلاً بأن الأدب الرسمي قد أصابه شيء من العقم والجمود، فهو ـ شئنا أو أبينا ـ جزء ضخم من تراثنا الفني وتاريخنا الأدبي، يجب أن يخضع للدراسة الأكاديمية أو المنهجية؛ وذلك لسبر غوره والوقوف على ملامحه ومعرفة مؤثراته وتأثيراته، هذا التراث الذي ما زال مخطوطاً قابعًا وضائعًا أو تائهًا في مكتبات شتى بأنحاء العالم. والحق أن أدب هذه الفترة لم يكن ضعيفًا أو راكدًا أو خامدًا أو معطلًا، وإنما كان ثابتًا مستقرًّا محافظًا على حاله التي ورثها من أخريات العصر العباسي. وبالتحديد بعد عصر أبي العلاء المعري (ت449هـ) وأمثاله ممَّن كان سببًا في اهتمام خالفيه بالشكل على حساب المضمون اهتمامًا واضحًا، ظهر في زخارفهم و أشكالهم الهندسية اللفظية التي لجأ إليها بعضهم ممَّن حاولوا تقليد المعري بالجمع بين العلم والأدب جمعًا مقصودًا لذاته، لم يعد على الإبداع الأدبي بفائدة كبيرة. إنه عصر المحافظة على الموروث العباسي وتقليده، وذلك بدافع الاحتفاظ بالشخصية العربية وما تملك من فكر وإبداع أمام أعدائها المغيرين من التتار الوحشيين أو الصليبيين الحاقدين، وذلك حتى لا تضعف هذه الشخصية أو تضمحلّ أو يصيبها وهن من شأنه أن يؤثر على قوانا أو ينال من روحنا. إنه عصر فكري وأدبي جاء ردَّ فعلٍ إيجابي محمود ضد الغزاة المعتدين لم يتغير، وينتقل من دور المحافظة والتقليد إلى دور التجديد والإبداع إلا بزوال هؤلاء الغزاة المعتدين. وذلك كان عند رحيل الإنجليز والفرنسيين وغيرهم من المستعمرين ـ بل المستدمرين ـ الغربيين عن بلاد العرب والإسلام في العصر الحديث، حيث كانت النهضة الفكرية والأدبية في القرن العشرين الميلادي. إن من الواجب علينا ـ كباحثين و دارسين وطلاب علم ـ أن نقرر أن أدب هذه الفترة محتاج إلى جهود جمعية مؤسسية جبارة؛ لأنه لا يزال في الأغلب الأعم مخطوطًا بِكْرًا، لم يُحَقَّق تحقيقًا علميًّا في صورته المقبولة، ولم يُنظَر فيه بنظرة موضوعية تقيسه بمقاييس ملائمة له زمانًا ومكانًا، رؤية وتعبيرًا، ولذلك فهو مجال واسع لدراسات كثيرة متنوعة في كمِّها وكيفها، حتى نصل إلى الرؤية المنطقية الصائبة عن حال الأدب العربي في هذه الفترة. وذلك يكون بدرس الحَيَوَات السياسية والاجتماعية والثقافية دراسة موجزة مكثفة، تركز على مدى تأثير هذه الحيوات في مسيرة الأدباء واتجاهاتهم، ومدى تصوير الأدباء لأهم معالمها. ثم بدرس معالم الحياة الأدبية في العصرين دراسة مفصلة، ناهلة من المصادر الأصلية من مجاميع الأدب ودواوين الشعراء، مع الحرص على بيان إيجابيات أدب العصر وسلبياتهم، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات لنخرج بحكم نقدي سليم منطقيًّا. وذلك جهد علمي كبير وُجد في كثير من الرسائل الجامعية التي تخصصت في أدب هذا العصر، ولكنها مالت إلى الرؤية المتخصصة، والنظرة الجزئية في الحكم، مبتعدة عن الحكم الكلي على أدب العصر.... |