موجز رؤية المنصفين: كن أول من يقيّم
موجز رؤية المنصفين: مؤدَّى رأي الباحثين المنصفين لأدب هذا العصر، أنه مهما يكن من أمر الأدب في هذا العهد، فإننا لا نستطيع أن نضرب عنه صفحًا أو نهمله. وذلك للأسباب الآتية: *أننا بذلك الجحود لأدب العصر نهمل جانبًا من حياتنا، ونقتطع حلقةً من حلقات تطورنا الفكري والفني، بل والاجتماعي أيضًا؛ ذلك أن حياتنا المعاصرة متصلة ـ دون شك ـ بآصرة شديدة بحياتنا في هذا العصر، بل ربما خلَّف في حياتنا المعاصرة ما لم تخلفه العصور العربية الإسلامية السابقة مجتمعة. وعلى هذا فلا ينبغي لنا حين نعرض لآدابنا المعاصرة ـ فصيحة أو شعبية ـ أن نهمله، بل ينبغي أن نعيه وعيًا صحيحًا، وأن ندرسه درسًا منهجيًّا، نحلل عناصره ونبرز جوهره، ونعرض عن خبَثه، إذا كان ثمَّة جوهر وخبَث في الحياة والأدب . فهؤلاء يتجهون في حرصهم على الأدب العربي إبان هذا العصر من قيمة إنسانية خالدة تتمثل في احترام الماضي وتقديره ـ لا تقديسه ـ باعتبار الماضي عنصرًا فعالًا يسهم في تكوين الحاضر، وفي التهيئة للمستقبل؛ فهو حبل غير منقطع يشد حاضرنا، ويعيننا على الاتصال بمستقبلنا؛ فيربطنا ـ هذا الأدب ـ بما سبق وما سلف، مهما كانت درجته أو قيمته: علوًّا أو تسفلًا، تحضرًا أو تخلفًا، تقدمًا أو رجعية، التزامًا أو إسفافًا، فوقيةً أو دونيةً . و ينحو آخرون منحًى منهجيًّا في تفسير دعوتهم إلى الاهتمام بدرس الأدب العربي في هذا العصر، إذ لم تكتمل الدراسات في الأدب العربي المتعلقة به، على الرغم من تعدد الباحثين والدارسين في تاريخ الأدب لدى العرب والمستشرقين، بل وكثرتهم!!! وما زال هذا العصر المظلوم يشكو من ندرة الدراسات وقلة الأبحاث، بلهَ الجور الذي لحقه في الأحكام النقدية والتقويمية، وحتى بعض هذه الدراسات التي صدرت أخيرًا ليست إلا لمحات خاطفة، أو نظرات عابرة من المهتمين عامة بتاريخ الأدب العربي، لم تعطِ الصورة الحقيقية لهذا العصر من طرف قريب أو بعيد. حقًّا لقد وقع الأدب العربي عصرئذٍ ضحية لأحكام سابقة وآراء سالفة، أطلقها المستشرقون وتابعوهم العرب المستغربون، إذ نعتوه بأنه أدب العقم والجمود والانحطاط وأدب الماضي والذكرى، وأدب الجهل والظلام والانحلال والانحدار والانهيار....إلخ وهي نعوت ظالمة، قائمة على أحكام مبتسرة وآراء هشة، إذ لم يعتمد أصحابها على مصادر أصلية أساسية من دواوين أو مجاميع أدبية أُلفت عصرئذ، ولم يكونوا متخصصين تخصصًا دقيقًا في البحث في مدونات هذه الفترة ـ المخطوط منها و هو كثير جدًّا، والمطبوع وهو قليل جدًّا!!! ـ ومن ثم كان استقراؤهم ناقصًا، واطلاعهم قاصرًا، و نماذجهم معدودة مكرورة في كل دراساتهم، وهي نماذج لا تعبر عن الحالة العامة للإبداع الأدبي في هذه الفترة، وإنما تعبر عن تيار واحد فقط من الإبداع، وهو التيار الشعبي العامي، والتيار الفكري الجاف. *كما أن في دراسة أدب هذا العصر، دراسة مفصلة عميقة، ما يساعد على فقه وسائل مواجهة أسلافنا لهاتين الهجمتين الشرستين الآتيتين من الشرق حيث المغول، والغرب حيث الصليبيون. فقد صور أدب العصرين آلام الأمة وآمالها، وجهادها وكفاحها حتى تخلصت من الهجمتين، بل وسعت رقعة الدولة الإسلامية، وأوصلت كلمة الإسلام في بقاع جديدة بأوروبا، لم تكن تعرف عن العروبة والإسلام شيئًا. * كما أن هذا العصر شهدا حركة حماية التراث العربي من التدمير الكامل الذي خطط له أعداء الأمة خلال الغارات العسكرية المتتالية، وذلك بالاتجاه نحو تأليف دوائر المعارف الكبرى في العلم الواحد أو العلوم المختلفة، وهذا ما سيُجلَّى في قادم الصفحات بإذن الله تعالى. [راجع في ذلك تاريخ الأدب العربي في العصر المملوكي، للأستاذ الدكتور عمر موسى باشا، بارك الله فيه]. |