رائحة الحب والألفة     ( من قبل 2 أعضاء ) قيّم
رأي الوراق :     
وفي ذلك البيت العبق برائحة الحب والألفة والفقد نشأنا، تسعة أطفال وأمهم، وسيد البيت بدأ مشواره ثم سكت مودعاً.. الأخ الأكبر في الصف الثاني الثانوي، والأصغر عمره ستة شهور، وبينهما بنين وبنات لكل طلبات وحاجيات لا يعلمها إلا ربنا، وهذه العجوز التي لم تكن عجوزاً حينها. كبرنا وتعلمنا واجتزنا العواصف بقدرة قادر على رغم النكسات، يحملنا ساعدا امرأة لا تشبه النساء إلا قليلاً.. فتحت تلك الأم كفيها، وضمت أصابعها، ورفعت يديها المرتعشتين إلى خالق السموات والأرض، رازق البشر والحيوان والشجر، ملهم القوة للضعيف، وجابر كسر المكسور, أن يعينها على التركة الثقيلة التي أورثها إياها أبي، ذلك الذي لا أعرف منه سوى اسمه، وأحاديث عن ذكريات جميلة، ترافقها توأمها الحزينة، وهذه الصورة المعلقة على الجدار، تحملها الأيدي اليتيمة كل حين لتنفض عنها مزيج غبار الزمن والتعب، ثم تعود إلى مكانها بخليط الوهم والحقيقة، وهو ينظر لنا ويحنو علينا ويشتاق إلينا كما نشتاق إليه. وعلى مدى سنوات الصغر.. شيء أفتقده ولا أدري كنهه، لا ألمسه ولا أشمه ولا أراه، أتذوقه فقط، مرارة تدور في فلك كل خلية من خلاياي. طفلاً ضعيفاً أرى نفسي، يرفع رفاقي رؤوسهم بعيون الثقة والجرأة والظهر المسنود بذي شاربين، وأنا كما أنا، لا أرفع رأسي كثيراً، وإن رفعته لا يدوم طويلاً، وإن دام أتعب بإرهاق وإرهاب. وعلى مدى سنوات الكبر.. أحمد الله مليون مرة، أن اجتاز الصغار صغرهم إلى بر الأمان والأماني، والشهادات العليا، وإلى البيوت العامرة، وإلى المنارة التي بنتها الأم داخل البيت، وأولئك الأحفاد الذين يملؤون الأمكنة شغباً ولعباً.. ويتجدد البيت العبق برائحة الألفة بهم.. تنظر العجوز إليهم حاملة عصاها، ليس عليهم، بل على كل من تسول له نفسه أن يزعجهم.. وفي ذلك الركن من حديقة الدار.. ما زالت شجرة الياسمين.. تربض ساكنة.. هادئة.. مطمئنة.. تكبر كل عام.. وتزداد فروعها الخضراء كل عام.. وتزهر ورودها البيضاء كل عام. |