الرواية والتحليل الاجتماعي كن أول من يقيّم
حاولت رواية القرن التاسع عشر رسم شخصية الفرد الواقع تحت تأثير بيئته الاجتماعية وذلك من خلال تقديم نماذج ذات ملامح محددة تتطابق مع رموز الشخصيات التي تشكل مختلف الفئات الاجتماعية . قدم فلوبير في روايته " التربية العاطفية " Education Sentimentale فريدريك مورو ، بطل الرواية ، على أنه شخصية تتطابق في سلوكها الاجتماعي مع الحقبة التي عاشتها فرنسا خلال السنوات العشر الواقعة ما بين 1840 ـ 1850 وهي الفترة التي كانت لا تزال فيها موزعة الأهواء بين العصر الملكي والعصر الجمهوري . هذه الشخصية تشبهه تماماً لأنها تنتمي إلى البرجوازية المثقفة التي فقدت امتيازاتها المادية والاجتماعية لكنها عادت وتبنت أفكار العهد الجديد . كان موباسان وآميل زولا ، اللذان حفرا عميقا في بنية العلاقات الاجتماعية ، يعتبران هذه الرواية مرجعاً لأن بنيتها متكاملة من الناحية الفنية ، ويعتبران فلوبير الأب الروحي للقصة الاجتماعية .
لكن روايات بلزاك أيضاً كان طابعها اجتماعياً بامتياز لأنها تعج بالرموز الاجتماعية وخصوصاً في مجموعته التي تحمل اسم " الكوميديا الإنسانية " Comédie Humaine التي تحتوي على 91 مؤلفاً وفيها 2000 شخصية مختلفة . والهدف منها كان " المنافسة مع سجلات الأحوال الشخصية " ، يقول بلزاك مازحاً ، ثم يضيف : " الصدفة هي أكبر منتج للقصص في العالم ، ولكي تبدع ، ما عليك إلا أن تدرس . المجتمع الفرنسي هو المؤرخ وانا لست سوى سكرتيره ، وذلك عندما أضع لائحة بأصناف الفضائل والرذائل ، أو عندما أحاول رسم الخطوط العامة للعاطفة ، أو عندما أؤلف شخصية أحاول أن أجمع فيها مواصفات عديدة ومختلفة متناسبة فيما بينها . ربما أستطيع بهذه الطريقة كتابة التاريخ الذي نسي كل المؤرخين أن يكتبوه ويكون سجلاً للسلوك والعادات الاجتماعية . بالكثير من الصبر ، سيكون باستطاعتي أن اكتب عن فرنسا في القرن التاسع عشر ما أسفنا كون ، روما وأثينا وصور وممفيس وفارس والهند ، لم تكتبه عن حضاراتها . "
ومن الضروري الإشارة إلى أن رواية القرن التاسع عشر حرصت على أن لا يقتصر دورها على رصد أسلوب حياة الطبقات الثرية ، بل لأن يشمل كل طبقات المجتمع . تحدث بلزاك عن باريس بقدر ما تحدث عن الريف ، كذلك روى عن حياة النبلاء وعامة الشعب ، الأغنياء والفقراء ، العرائس والعوانس ، الشباب والعجائز ... وظل ينافس سجلات الأحوال الشخصية ويستلهمها حتى النهاية .
|