الحيوان في صوره الإنسانية، واليهود في صورهم الحيوانية. كن أول من يقيّم
كان العقاد – رحمه الله – من الأدباء المولعين بمراقبة السلوك الإنساني والسلوك الحيواني ، والمقارنة بينهما ، وهو يؤكد أن الإنسان حيوان عاقل ناطق فصيح ، ولكنه تعلم أن يخفيَ مشاعره ، وأن الحيوان إنسان بلا عقل ولا نُطق (أعجم ) ، ولكنه لا يقدِرعلى إخفاء رغَباته فتظهر في سلوكه ، وتتحكم في طبائعه ، ويدل تأقلمه مع محيطه على مقدار ذكائه . ( في صالون العقاد لأنيس منصور : 115 و 159 ) ، كما تدل محاولاته أحياناً للسيطرة على ميوله ونوازعه ورغباته وأهوائه على حسن تصرفه ؛ لكسب رِضا مَن حوله ، وتآلفه مع الظروف المحيطة به ، ولكن الغريزة غلابة ، والطباع الأصيلة لا يمكن إخفاؤها طويلاً ، فيتبدّى السلوك الحيواني على علاته دون أقنعةٍ لأعين المراقبين والدارسين ، وقد حاول الإنسان منذ بعيد أن يتسلل إلى داخل الحيوان ؛ ليحلل نفسيته ويدرك الدوافع الباطنية التي تُحرّك نوازعه وتحكم طباعه وتُملي عليه تصرفاته ، وكتاب ( الحيوان ) لأرسطو يرصد فيه المعلم الأول كثيراً من طبائع الحيوان عن مشاهدة ومعاينة ، وكتاب (الحيوان ) للجاحظ يُظهرنا على مراقبته الطويلة بنفسه لأصنافٍ من الحيوان ؛ لمعرفة طبائعها واكتشاف ميولها وتحليل غرائزها ، وتصوير أخلاقها ....كالخيول والكلاب والسنانير (القطط) ، وما سجله الدميري .... وما كتبه الروائي الأميركي وليَم فولكنر (1897-1962) عن ذكاء هذه الحيوانات نفسها في صفحات ثلاث من روايته (اللصوص ) التي نُشرت بعد وفاته .... في أدبنا القديم بعض المشاهد التي حاولت وصف الحيوان وصفاً داخلياً ، وفيها نرى الإنسان يخلع على الحيوان مشاعره ، ويُعِيره عواطفه ويكاد يدفعه إلى التعبير عن أعماقه ، فيُنطقه بما في طوايا نفسه ، لو كان الحيوان قادراً على النطق ، وفي معلقة عنترة العبسي أبيات عجيبة نابضة بالتآلف الوجداني بين الفارس العربي وفرسه ، وهو يخوض به معركة طاحنة ، وقد تكاثر عليه الإعداء ، وأثخنوا جبهة الفرس وصدره بالجراح ( حتى تسربل بالدم) فراح يصهل صهيلاً متقطعاً ، ويُحمحم حمحمة تضج بالشكوى ، والعبرات تسيل على خديه ، ولو كان الفرس قادراًعلى النطق والكلام لَحاور فارسه ، ولَناشده عن مواصلة الكَرّ والإقدام ، والانصراف عن مواجهة الموت ؛ إبقاءً على حياتهما ، ولكن عنترة لا يعرف الفرّ والإحجام ، ولا يلوي وجه فرسه في ميدان القتال إلا بعد أن يحقق النصر ، ويقضي على أعدائه .... |