مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث


يوميات دير العاقول

صلب الحلاج   

تاريخ النص : 921 ب.م
المكان : [ بغداد ]
أَنا  مَن  أَهوى وَمَن أَهوى أَنا   نَحنُ    روحانِ    حَلَنا    iiبَدَنا
نَحنُ مُذكُنّا عَلى عَهدِ الهَوى   تُضرَبُ   الأَمثالُ   لِلناسِ  iiبِنا
فَإِذا       أَبصَرتَني      أَبصَرتَهُ   وَإِذا        أَبصَرتَهُ       iiأَبصَرتَنا
أَيُّها    السائِلُ    عَن   قِصَّتِنا   لَو    تَرانا   لَم   تُفَرِّق   iiبَينَنا
روحُهُ  روحي  وَروحي  iiروحُهُ   مَن  رَأى  روحَينِ  حَلَّت  بَدَنا
'

في هذه السنة قُتل الحسين بن منصور الحلاّج الصوفيُّ وأُحرق، وكان قدم من خُراسان إلى العراق وسار إلى مكّة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظلّ تحت سقف شتاءً ولا صيفاً، وكان يصوم الدهر، فإذا جاء العشاء أحضر له القوّام كوز ماء، وقرصاً، فيشربه، وبعض من القرص ثلاث عضّات من جوانبه، فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئاً آخر إلى الغد آخر النهار.
وكان شيخ الصوفيّة يومئذ بمكّة عبدالله المغربيّ، فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاّج، فلم يجده في الحجر، وقيل له: قد صعد إلى جبل أبي قُبَيس؛ فصعد إليه، فرآه على صخرة حافياً، مكشوف الرأس، والعرق يجري منه إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلّمه، فقال: هذا يتصبّر ويتقوّى على قضاء الله، سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته؛ وعاد الحسين إلى بغداد.
وأمّا سبب قتله فإنّه أتّهم بالربوبيّة وقابلوا الحلاّج على ذلك، فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادّعي الربوبيّة، أو النّبّوة، وإنّما أنا رجل أعبد الله، عزّ وجلّ! فأحضر الوزير حامد بن العبّاس القاضي أبا عمرو محمد بن يوسف والقاضي أبا جعفر أحمد بن إسحق البهلول، وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود، فاستفتاهم، فقالوا: لا يفتى في أمره بشيء، إلاّ أن يصحّ عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول مَن يدّعي عليه ما ادعاه إلا ببيّنة إقرار.
وكان حامد يخرج الحلاّج إلى مجلسه، ويستنطقه، فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة.
ثمّ أنّ الوزير رأى له كتاباً حكى فيه أنّ الإنسان إذا أراد الحجّ، ولم يمكنه، أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شيء من النجاسات، ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيّام الحجّ طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاجّ بمكّة، ثمّ يجمع ثلاثين يتيماً، ويعمل أجود طَعامٍ يمكنه، ويُطعمُهُم في ذلك البيت، ويَخدُمهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم، وأعطى كلّ واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمَنْ حجّ.
فلمّا قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاّج: من أين لك هذا ? قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصريّ؛ قال له القاضي: كذبتَ يا حلالَ الدم ! قد سمعناه بمكّة وليس فيه هذا؛ فلمّا قال له: يا حَلالَ الدمِ، وسمعها الوزير قال له: اكتب بهذا؛ فدافعه أبو عمرو، فألزمه حامد، فكتب بإباحة دمه، وكتب بعده من حضر المجلس.
ولّما سمع الحلاّج ذلك قال: ما يحلّ لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السُّنّة، ولي فيها كتب موجودة، فالله الله في دمي ! وتفرّق الناس.
وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوى إليه، فأذن في قتله، فسلّمه الوزير إلى صاحب الشّرطة، فضربه ألف سوط فما تأوّه، ثمّ قطع يده، ثم رجله، ثم يده، ثمّ رجله، ثمّ قُتل وأُحرق بالنار، فلمّا صار رماداً أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل بعدها إلى خُراسان لأنّه كان له بها أصحاب.
وقيل أنّه استغوى نصراً القشوري، من طريق الصلاح والدين، لا مما كان يدعو إليه، فخوف نصر الخيزران أم المقتدر.
من قتله، وقال: لا آمن أن يلحق ابنك - يعني المقتدر - عقوبة هذا الشيخ الصالح، فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامداً بأن يقتله، فحم المقتدر يومه ذاك، فازداد نصر والسيدة افتتاناً، وتشكك المقتدر فيه، فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله، فتأخر ذلك أياماً، إلى أن زال عن المقتدر ما كان يجد من العلة، فاستأذن حامد في قتله، فضعف الكلام فيه، فقال له حامد: يا أمير المؤمنين، إن بقي، قلب الشريعة، وارتد خلق على يده، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء، فاقتلني، فأذن له في قتله، فعاد، فقتله من يومه، لئلا يتلون المقتدر.

اذهب إلى صفحة اليوميات