سورة الأعراف

سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان
بين يدي السورة
سورة الأعراف من أطول السور المكية ، وهي أول سورة عرضت للتفصيل في قصص الأنبياء ، ومهمتها كمهمة السور المكية ، تقرير (أصول الدعوة) الإسلامية من توحيد الله جل وعلا ، وتقرير البعث والجزاء ، وتقرير الوحي والرسالة . - ، فعرضت السورة الكريمة في بدء آياتها للقرآن العظيم " معجزة محمد " الخالدة ، وقررت أن هذا القرآن نعمة من الرحمن ، على الإنسانية جمعاء ، فعليهم أن يستمسكوا بتوجيهاته وإرشاداته ، ليفوزوا بسعادة الدارين .
* ولفتت الأنظار إلى نعمة خلقهم من أب واحد ، وإلى تكريم الله لهذا النوع الإنساني ، ممثلا في أب البشر آدم عليه السلام ، الذي أمر الله الملائكة بالسجود له ، ثم حذرت من كيد (الشيطان ) ذلك العدو المتربص ، الذي قعد على طريق الناس ، ليصدهم عن الهدى ويبعدهم عن خالقهم .
* وقد ذكرتعالى قصة (آدم ) مع إبليس وخروجه من الجنة ، وهبوطه إلى الأرض ، كنموذج للصراع بين الخير والشر ، والحق والباطل ، وبيان لكيد إبليس لآدم وذريته ، ولهذا وجه الله إلى أبناء آدم - بعد أن بين لهم عداوة إبليس لأبيهم - أربعة نداءات متتالية ، بوصف البنوة لآدم [ يا بني آدم ] وهو نداء خاص بهذه السورة ، يحذرهم بها من عدوهم ، الذي نشأ على عداوتهم من قديم الزمن ، حين وسوس لأبيهم آدم ، حتى أوقعه في الزلة والمخالفة لأمر الله [ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما . . ] . ، كما تعرضت السورة الكريمة لمشهد من المشاهد الواقعة يوم القيامة ، مشهد الفرق الثلاثة وما يدور بينهم من محاورة ومناظرة : فرقة المؤمنين (أصحاب الجنة) وفرقة الكافرين (أصحاب النار) وفرقة ثالثة لم يتحدث عنها القرآن إلا في هذه السورة ، وهي الفرقة التي سميت ب (أصحاب الأعراف ) وسميت باسمها السورة (سورة الأعراف ) مشهد سوف يشهده العالم يوم البعث والجزاء ، على الحقيقة دون تمثيل ولا تخييل ، تبين ما يكون فيه من شماتة أهل الحق (أصحاب الجنة) بالمبطلين (أصحاب النار) ، وينطلق صوت علوي يسجل عليهم اللعنة والطرد والحرمان ، وقد ضرب بين الفريقين بحجاب ، ووقف عليه رجال يعرفون كلا بسيماهم ، يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه ونضرتها ، ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وقترتها .
* وتناولت السورة قصص الأنبياء بإسهاب (نوح ، هود ، صالح ، لوط ، شعيب ، موسى " وقد ابتدأت بشيخ الأنبياء " نوح " عليه السلام ، وما لاقاه من قومه من جحود وعناد ، وتكذيب وإعراض ، وقد ذكرت بالتفصيل قصة الكليم موسى عليه السلام مع فرعون الطاغية ، وتحدثت عما نال بني إسرائيل من بلاء وشدة ، ثم من أمن ورخاء ، وكيف لما بدلوا نعمة الله ، وخالفوا أمره ، عاقبهم الله تعالى بالمسخ إلى قردة وخنازير .
* وتناولت السورة كذلك المثل المخزي لعلماء السوء ، وصورتهم بأشنع وأقبح ما يمكن للخيال ان يتصوره ، صورة الكلب اللاهث الذي لا يكف عن اللهث ، ولا ينفك عن التمرغ في الطين والأوحال [ ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ] وتلك لعمر الحق اقبح صورة مزرية ، لمن رزقه الله العلم النافع فاستعمله لجمع الحطام الفاني ، وكان العلم خزيا ووبالا عليه ، لأنه لم ينتفع بهذا العلم ، ولم يستقم على طريق الإيمان وانسلخ من النعمة ، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين .


* وقد ختمت السورة الكريمة بإثبات التوحيد ، والتهكم بمن عبدوا ما لا يضر ولا ينفع ، ولا يبصر ولا يسمع ، من أحجار وأصنام اتخذوها شركاء مع الله ، وهو جل وعلا وحده الذي خلقهم وصورهم ، ويعلم متقلبهم ومثواهم ، وهكذا ختمت السورة الكريمة بالتوحيد كما بدأت بالتوحيد ، فكانت الدعوة إلى الإيمان بوحدانية الرب المعبود في البدء والختام .
التسمية :
سميت هذه السورة بسورة الأعراف لورود ذكر اسم (الأعراف ) فيها ، وهو سور مضروب بين الجنة والنار يحول بين أهلهما ، روى ابن جرير عن حذيفة انه سئل عن أصحاب الأعراف فقال : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فقعدت بهم سيئاتهم عن دخول الجنة ، وتخلفت بهم حسناتهم عن دخول النار ، فوقفوا هنالك على السور ، حتى يقضي الله فيهم بحكمه العادل . التفسيرسورة الأعراف
قال الله تعالى : [ المص كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه . . إلى . . ويحسبون أنهم مهتدون ] من آية ( 1 ) إلى نهاية آية ( 30) .
اللغة :
[ حرج ] ضيق يقال : حرج المكان أو الصدر إذا ضاق
[ بياتا ] قال الراغب : البيات والتبييت : قصد العدو ليلا
[ قائلون ] من القيلولة وهو النوم وسط النهار ، والقائلة : الظهيرة
[ مذءوما ] مذموما يقال ذأمه أى ذمه وحقره
[ مدحورا ] مطرودا يقال دحره أى طرده وأبعده
[ سوآتهما ] السوأة : العورة سميت بذلك لأن الإنسان يسوءه ظهورها
[ طفقا ] شرعا وأخذا يقال : طفق يطفق إذا ابتدأ وأخذ
[ يخصفان ] يرقعان ويلزقان
[ ريشا ] لباسا تتجملون به ، وأصل الريش : المال والجمال ومنه ريش الطير لأنه زينة له وجمال
[ قبيله ] جنوده ، وأصل القبيل : الجماعة سواء كانوا من أصل أو أصول شتى
[ فاحشة ] الفاحشة هي الشيء الذي تناهى قبحه ، والمراد بها هنا الطواف حول البيت (عراة) وكل أمر قبيح يسمى فاحشة ، والفحشاء ما اشتد قبحه من الذنوب كالفاحشة.
التفسير :
[ المص ] تقدم في أول سورة البقرة الكلام عن الحروف المقطعة وأن الحكمة في ذكرها بيان " إعجاز القرآن " وذلك للتنبيه والإشارة إلى أنه مركب من أمثال هذه الحروف ، ومع ذلك فقد عجز بلغاؤهم وفصحاؤهم وعباقرتهم عن الإتيان بمثله ، وروي عن ابن عباس ان معناه : أنا الله أعلم وأفصل ، وقال أبو العالية : الألف مفتاح اسمه الله ، واللام مفتاح اسمه لطيف ، والميم مفتاح اسمه مجيد ، والصاد مفتاح اسمه صادق
[ كتاب أنزل إليك ] أى هذا كتاب أنزله الله إليك يا محمد وهو القرآن
[ فلا يكن في صدرك حرج منه ] أى لا يضق صدرك من تبليغه ، خوفا من تكذيب قومك لك
[ لتنذر به وذكرى للمؤمنين ] أى لتنذر بالقرآن من يخاف الرحمن ، ولتنذر وتعظ به المؤمنين لأنهم المنتفعون به
[ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ] أى اتبعوا أيها الناس القرآن ، الذي فيه الهدى والنور والبيان ، المنزل إليكم من ربكم
[ ولا تتبعوا من دونه أولياء ] أى لا تتخذوا أولياء من دون الرحمن ، كالأوثان والرهبان والكهان ، تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يشرعون لكم
[ قليلا ما تذكرون ] أى تتذكرون تذكرا قليلا ، قال الخازن : أى ما تتعظون إلا قليلا
[ وكم من قرية أهلكناها ] أى وكثير من القرى أهلكناها ، والمراد بالقرية أهلها
[ فجاءها بأسنا بياتا ] أى جاءها عذابنا ليلا
[ أو هم قائلون ] أى جاءهم العذاب في وقت القيلولة ، وهي النوم في وسط النهار ، قال أبو حيان : وخص مجيء البأس بهذين الوقتين ، لأنهما وقتان للسكون والدعة والاستراحة ، فمجيء العذاب فيهما أشق وأفظع ، لأنه يكون على غفلة من المهلكين
[ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا ] أى ما كان دعاؤهم واستغاثتهم حين شاهدوا العذاب ورأوا أماراته
[ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ] أى إلا اعترافهم بظلمهم ، تحسرا وندامة ، وهيهات ان ينفع الندم


[ فلنسألن الذين أرسل إليهم ] أى لنسألن الأمم قاطبة : هل بلغكم الرسل وماذا أجبتم ؟ والمقصود من هذا السؤال التقريع ، والتوبيخ للكفار
[ ولنسألن المرسلين ] أى ولنسألن الرسل أيضا هل بلغوا الرسالة وأدوا الامانة ؟ قال في البحر : وسؤال الأمم تقرير وتوبيخ يعقب الكفار والعصاة نكالا وعذابا ، وسؤال الرسل تأنيس يعقب الأنبياء كرامة وثوابا
[ فلنقصن عليهم بعلم ] أى فلنخبرنهم بما فعلوا عن علم منا ، قال ابن عباس : يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون
[ وما كنا غائبين ] أى ما كنا غائبين عنهم حتى يخفى علينا شيء من أحوالهم ، قال ابن كثير : يخبر تعالى عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا ، من قليل وكثير ، وجليل وحقير ، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء ، لا يغيب عنه شيء ، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور
[ والوزن يومئذ الحق ] أى والوزن للأعمال يوم القيامة كائن بالعدل ، ولا يظلم ربك أحدا
[ فمن ثقلت موازينه ] أى فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان وكثرة الحسنات
[ فأولئك هم المفلحون ] أى الناجون غدا من العذاب ، الفائزون بجزيل الثواب
[ ومن خفت موازينه ] أى ومن خفت موازين أعماله بسبب الكفر واجتراح السيئات
[ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ] أى خسروا أنفسهم وسعادتهم
[ بما كانوا بآياتنا يظلمون ] أى بسبب كفرهم وجحودهم بآيات الله ، قال ابن كثير : والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل : الأعمال وإن كانت إعراضا ، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما ، يروى هذا عن ابن عباس ، وقيل : يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة ، وقيل : يوزن صاحب العمل كما في الحديث (يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة) والكل صحيح فتارة توزن الأعمال ، وتارة محالها ، وتارة يوزن فاعلها والله أعلم أقول : لا غرابة في وزن الأعمال ، ووزن الحسنات والسيئات بالذات ، فإذا كان العلم الحديث قد كشف لنا عن موازين للحر ، والبرد ، واتجاه الرياح ، والأمطار ، أفيعجز القادر على كل شيء ، عن وضع (موازين ) لأعمال البشر ؟
[ ولقد مكناكم في الأرض ] أى جعلنا لكم أيها الناس في الأرض مكانا وقرارا ، قال البيضاوي : أى مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها
[ وجعلنا لكم فيها معايش ] أى ما تعيشون به وتحيون ، من المطاعم والمشارب وسائر ما تكون به الحياة
[ قليلا ما تشكرون ] أى ومع هذا الفضل والإنعام ، قليل منكم من يشكر ربه كقوله [ وقليل من عبادي الشكور ]
[ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ] أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ، ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم ، وإنما ذكر بلفظ الجمع [ صورناكم ] تعظيما له لأنه أبو البشر
[ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ] أى ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم تكريما له ولذريته
[ فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ] أى سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس امتنع من السجود تكبرا وعنادا ، والاستثناء منقطع لأنه استثناء من غير الجنس ، وقد تقدم قول الحسن البصري : لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين
[ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ] أى قال تعالى لإبليس : أى شىء منعك أن تدع السجود لآدم ؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ
[ قال أنا خير منه ] أي قال إبليس اللعين أنا أفضل من آدم وأشرف منه ، فكيف يسجد الفاضل للمفضول ؟ ثم ذكر اللعين العلة في الامتناع فقال


[ خلقتنى من نار وخلقته من طين ] أى أنا أشرف منه لشرف عنصري على عنصره ، لأنني مخلوق من نار ، والنار أشرف من الطين ؟ ! ولم ينظر المسكين لأمر من أمره بالسجود ، وهو الله تعالى ، قال ابن كثير : نظر اللعين إلى أصل العنصر ، ولم ينظر إلى التشريف والتعظيم ، وهو أن الله خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وقاس قياسا فاسدا ، فأخطأ - قبحه الله - في قياسه في دعواه أن النار أشرف من الطين ، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم ، والنار من شأنها الإحراق والطيش ، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح ، والنار محل العذاب ، ولهذا خان إبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار ، قال ابن سيرين : أول من قاس إبليس فأخطأ ، فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس
[ قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ] أى اهبط من الجنة فما يصح لك ولا يستقيم ، ولا ينبغي أن تستكبر عن طاعتى وأمري ، وتسكن دار قدسي
[ فاخرج إنك من الصاغرين ] أى الذليلين الحقيرين ، قال الزمخشري : وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ، ألبسه الله الذل والصغار ، فمن تواضع لله رفعه ، ومن تكبر على الله وضعه
[ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ] استدرك اللعين قطلب من الله الإمهال إلى يوم البعث ، لينجو من الموت ، لأن يوم البعث لا موت بعده ، فأجابه تعالى بقوله
[ قال إنك من المنظرين ] قال ابن عباس : أنظره تعالى إلى (النفخة الأولى) حيث يموت الخلق كلهم ، وكان طلب الإنظار إلى (النفخة الثانية) حيث يقوم الناس لرب العالمين ، فأبى الله ذلك عليه ويؤيده الآية الأخرى [ قال فإنك من المنظربن إلى يوم الوقت المعلوم ]
[ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ] أى فبسبب إغوائك وإضلالك لي ، لأقعدن لآدم وذريته على طريق الحق ، وسبيل النجاة الموصل للجنة ، كما يقعد القطاع للسابلة
[ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ] أى آتي عبادك من كل جهة من الجهات الأربع لأصدنهم عن دينك ، قال الطبري : معناه لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل ، فأصدهم عن الحق ، وأحسن لهم الباطل ، قال ابن عباس : ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم ، لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى
[ ثم لا تجد أكثرهم شاكرين ] أى لا تجدهم مؤمنين مطيعين ، شاكرين لنعمك
[ قال اخرج منها مذءوما مدحورا ] أى اخرج من ملكوت السماء ، مذموما معيبا ، مطرودا من رحمتي
[ لمن تبعك منهم لأملان جهنم منكم أجمعبن ] اللام موطئة للقسم أى لمن أطاعك من الإنس والجن ، لأملان جهنم من الأتباع الغاوين أجمعين ، وهو وعيد بالعذاب لكل من انقاد للشيطان ، وترك أمر الرحمن
[ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ] أى وقلنا يا آدم اسكن مع زوجك حواء الجنة ، بعد أن أهبط منها إبليس وأخرج وطرد
[ فكلا من حيث شئتما ] أى كلا من ثمارها من أى مكان شئتما
[ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ] أباح لهما الأكل من جميع ثمارها ، إلا شجرة واحدة عينها لهما ، ونهاهما عن الأكل منها ابتلاء وامتحانا ، فعند ذلك حسدهما الشيطان ، وسعى في الوسوسة والمكر والخديعة
[ فوسوس لهما الشيطان ] أى ألقى لهما بصوت خفي ، لإغرائهما بالأكل من الشجرة
[ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ] أى ليظهر لهما ما كان مستورا من العورات التي يغبح كشفها
[ وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ] وهذا توضيح لوسوسة اللعين ، أى قال في وسوسته لهما : ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية ان تكونا ملكين ، أو تصبحا من المخلدين في الجنة
[ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ] أى حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن بالله


[ فدلاهما بغرور ] أى خدعهما بما غرهما به من القسم بالله ، قال ابن عباس : غرهما باليمين ، وكان آدم يظن أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا ، فغرهما بوسوسته وقسمه لهما
[ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ] أى فلما أكلا من الشجرة ظهرت عوراتهما ، قال الكلبي : تهافت - أى سقط - عنهما لباسهما ، فأبصر كل منهما عورة صاحبه فاستحيا
[ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ] أي أخذا وشرعا يلصقان ورقة على ورقة ليستترا به ، بعد أن كانت كسوتهما من حلل الجنة . قال القرطبي : أي جعلا يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ، ومنه خصف النعل . وقال وهب ابن منبه : كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه ، ولا هذه عورة هذا ، فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما)
[ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ] أي ناداهما الله بطريق العتاب والتوبيخ قائلا : ألم أحذركما من الأكل من هذه الشجرة ، وأخبركما بعداوة الشيطان اللعين ؟ روى أنه تعالى قال لآدم : ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة ؟ فقال : بلى وعزتك ، ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا قال : فوعزتي لأهبطنك إلى الأرض ، ثم لا تنال العيش إلا كدا
[ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ] اعترفا بالخطيئة وتابا من الذنب ، وطلبا من الله المغفرة والرحمة ، قال الطبري : وهذه الآية هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه
[ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ] الخطاب (لآدم ، وحواء ، وإبليس ) ولهذا جاء بصيغة الجمع أى اهبطوا من سماء القدس إلى الأرض ، حال كون بعضكم عدوا لبعض ، فالشيطان عدو للإنسان ، والإنسان عدو للشيطان ، كقوله سبحانه [ إن الشيطان لكم عدو فأتخذوه عدوا ]
[ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ] أى لكم في الأرض موضع استقرار وتمتع ، وانتفاع إلى حين انقضاء آجالكم
[ قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ] أى في الأرض تعيشون ، وفيها تقبرون ومنها تخرجون يوم القيامة للجزاء ، كقوله تعالى [ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ] ثم ذكر تعالى ما امتن به على ذرية آدم من اللباس والرياش والمتاع فقال سبحانه
[ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ورشيا ] أى أنزلنا عليكم لباسين : لباسا يستر عوراتكم ، ولباسا يزينكم وتتجملون به ، قال الزمخشري : الريش (لباس الزينة) استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته
[ ولباس التقوى ذلك خير ] أى ولباس الورع والخشية من الله تعالى ، خير ما يتزين به المرء ، فإن طهارة الباطن أهم من جمال الظاهر ، قال الشاعر : وخير لباس المرء طاعة ربه ولاخيرفيمن كان لله عاصيا
[ ذلك من آيات الله ] أى إنزال اللباس من الآيات العظيمة الدالة على فضل الله ورحمته على عباده
[ لعلهم يذكرون ] أى لعلهم يذكرون هذه النعم فيشكرون الله عليها
[ با بني آدم لا يفتننكم الشيطان ] أي لا يغوينكم الشيطان بإضلاله وفتنته
[ كما أخرج أبويكم من الجنة ] أى كما أغوى أبويكم بالأكل من الشجرة حتى أخرجهما من الجنة
[ ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ] أى ينزع عنهما اللباس لتظهر العورات ، ونسب النزع إليه لأنه المتسبب ، وهذا هدف اللعين أن يهتك الستر عن الإنسان ، ويعريه من جميع الفضائل الحسية والمعنوية
[ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ] أى إن الشيطان يبصركم هو وجنوده ، من الجهة التي لا تبصرونه منها ، فهو لكم بالمرصاد ، فاحذروا كيده ومكره ، لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى ، كان أشد وأخوف
[ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ] أى جعلنا الشياطين أعوانا وقرناء للكافرين


[ وإذا فعلوا فاحشة ] أى وإذا فعل المشركون فاحشة وهي الفعلة المتناهية في القبح كالطواف حول البيت عراة
[ قالوا وجدنا عليها أباءنا ] أى اعتذروا عن ذلك الفعل القبيح بتقليد الاباء
[ والله أمرنا بها ] أى أمرنا بالتجرد من الثياب ، إذ كيف نطوف فى ثياب عصينا فيها الله ! وهذا إفتراء على ذي الجلال ، قال البيضاوي : احتجوا بأمرين : تقليد الآباء ، والإفتراء على الله سبحانه ، فأعرض عن الأول لظهور فساده ، ورد الثاني بقوله
[ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ] أى قل لهم يا محمد : الله منزه عن النقص ، لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوىء الخصال
[ أتقولون على الله ما لا تعلمون ] الاستفهام للإنكار والتوبيخ أى أتكذبون على الله وتنسبون إليه القبيح ؟ دون علم ونظر صحيح ؟
[ قل أمر ربي بالقسط ] أى بالعدل والاستقامة
[ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ] أى توجهوا بكليتكم إليه عند كل سجود
[ وادعوه مخلصين له الدين ] أى واعبدوه مخلصين له العبادة والطاعة ، قال ابن كثير : أى أمركم بالاستقامة في عبادته وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات ، وبالإخلاص لله في العبادة ، فإن الله تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين : أن يكون صوابا موافقا للشريعة ، وأن يكون خالصا من الشرك
[ كما بدأكم تعودون ] أي كما بدأكم من الأرض تعودون إليها
[ فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ] أى هدى فريقا وأضل فريقا منكم ، وهو الفعال لما يريد لا يسأل عما يفعل
[ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ] هذا تعليل للفريق الذين حقت عليهم الضلالة أى اتخذوا الشياطين نصراء من دون الله
[ ويحسبون أنهم مهتدون ] أى يظنون أنهم على بصيرة وهداية من أمرهم .
البلاغة :
1 - [ حرج منه ] أى ضيق من تبليغه فهو على حذف مضاف مثل [ واسأل القرية ] .
2 - [ من ربكم ] التعرض لوصف الربوببة مع الاضافة لضمير المخاطبين لمزيد اللطف بهم وترغيبهم في إمتثال الأوامر .
3 - [ فمن ثقلت موازينه ] بين [ ثقلت ] و[ خفت ] طباق وكذلك بين [ بياتا ] و[ قائلون ] لأن البيات معناه ليلا و[ قائلون ] معناه نهارا وقت الظهيرة .
4 - [ خلقناكم ثم صورناكم ] هو على حذف مضاف أى خلقنا أباكم وصورنا أباكم .
5 - [ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ] استعار (الصراط المستقيم ) لطريق الهداية الموصل إلى جنان النعيم .
6 - [ ويا آدم ] فيه ايجاز بالحذف أى وقلنا يا آدم .
7 - [ ولا تقربا هذه الشجرة ] عبر عن الأكل بالقرب مبالغة في النهي عن الأكل منها . .
8 - [ وقاسمهما إنى لكما ] أكد الخبر بالقسم وبإن واللام لدفع شبهة الكذب وهو من الضرب الذي يسمى " إنكاريا " لأن السامع شاك في الخبر .
9 - [ فيها تحيون وفيها تموتون ] بين الجملتين طباق وهو من المحسنات البديعية .
تنبيه :
سميت العورة سوأة لأن كشفها يسوء صاحبها ، قال العلماء : في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور ، وأنه مستهجن في الطباع ولذلك سميت (سوأة) أقول : إن الآية قد أوضحمت هدف إبليس اللعين [ ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ] فمن دعا إلى تعري المرأة ، وشجع على ذلك كما هو حال من يزعم التقدمية ، ويدعو المرأة إلى نزع الحجاب بدعوى الحرية والمساواة ، فإنما هو عدو للمرأة ، ومن أنصار وأعوان (إبليس ) اللعين ، لأن الهدف واحد ، وهي دعوة مكشوفة غايتها التفسخ والإنحلال الخلقي ، وليست التقدمية بالتكشف والتعري ، وإنما هي بصيانة الشرف والعفاف ، ولله در القائل : يا ابنتي إن أردت آية حسن وجمالا يزين جسما وعقلا فانبذي عادة التبرج نبذا فجمال النفوس أسمى وأغلى يصنع الصانعون وردا ولكن وردة الروض لا تضارع شكلا


قال الله تعالى : [ با بني آدم خذوا زينتكم . . إلى . . وما كانوا بآياتنا يجحدون ] من آية (31) إلى نهاية آية ( 51) .
المناسبة :
لما ذكر تعالى قصة آدم عليه السلام ، وذكر ما امتن به على بنيه ، وما أنعم به عليهم من اللباس الذي يستر العورات ، أمر هنا بأخذ الزينة والتجمل في المناسبات ، وعند إرادة الصلاة ، ثم ذكر أحوال الآخرة وانقسام الناس إلى طوائف ثلاث : (أهل الجنة ، وأهل النار ، وأهل الأعراف ) ومال كل فريق من سعادة أو شقاء ، في دار العدل والجزاء
اللغة :
[ زينتكم ] الزينة : ما يتزين به المرء ويتجمل من ثياب وغيرها
[ الفواحش ] جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحه من المعاصى
[ البغى ] الظلم والاستطالة على الناس
[ سلطانا ] حجة وبرهانا
[ سم الخياط ] ثقب الإبرة
[ مهاد ] فراش يمتهده الإنسان
[ غواش ] أغطية جمع غاشية ، قال ابن عباس : هي اللحف
[ الأعراف ] الجسر المضروب بين الجنة والنار ، مستعار من عرف الديك
[ بسيماهم ] بعلامتهم .
سبب النزول :
عن ابن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة وتقول : من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول : اليوم يبدو بعضه أوكله فما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية [ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ] وأذن مؤذن رسول الله (ص) : " ألا يطوف بالبيت عريان " .
التفسير :
[ با بني أدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ] أى البسوا أفخر ثيابكم وأطهرها ، عند كل صلاة أو طواف
[ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ] أى لا تسرفوا في الزينة والأكل والشرب ، بما يضر بالنفس والمال
[ إنه لا يحب المسرفين ] أى المتعدين حدود الله فيما أحل وحرم
[ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ] أى قل يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب ، الذين يطوفون بالبيت عراة ، ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من الطيبات : من حرم عليكم التجمل بالثياب التى خلقها الله لنفعكم من القطن والصوف ، والمستلذات من المآكل والمشارب ؟ ! والاستفهام للإنكار والتوبيخ
[ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ] أى هذه الزينة والطيبات في الدنيا مخلوقة للمؤمنين ، وإن شاركهم فيها الكفار ، وستكون خالصة لهم يوم القيامة ، لا يشركهم فيها أحد ، لأن الله حرم الجنة على الكافرين
[ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ] أى نبين ونوضح الآيات التشريعية ، لقوم يتدبرون حكمة الله ويفقهون تشريعه ! !
[ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ] أى قل لهم يا محمد : ما حرم الله إلا القبائح من الأشياء ، التي تفاحش قبحها وتناهى ضررها ، سواء ما كان منها في السر أو في العلن
[ والإثم والبغي بغير الحق ] أى وحرم المعاصى كلها والعدوان على الناس
[ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ] أى تجعلوا له شركاء في عبادته بدون حجة أو برهان
[ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ] أى تفتروا على الله الكذب في التحليل والتحريم
[ ولكل أمة أجل ] أى لكل أمة كذبت رسلها مدة مضروبة لهلاكها ، قال في البحر : هذا وعيد للمشركين بالعذاب اذا خالفوا أمر ربهم
[ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ] أى فإذا جاء وقت هلاكهم المقدر لهم ، لا يتأخر عنهم برهة من الزمن ولا يتقدم ، لقوله [ وجعلنا لمهلكهم موعدا ] والساعة مثل في غاية القلة من الزمان
[ با بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ] المراد ببني آدم جميع الأمم ، والمعنى : أن يجئكم رسلي الذين أرسلتهم إليكم ، يبينون لكم الأحكام والشرائع
[ فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ] أى فمن اتقى منكم ربه ، بفعل الطاعات وترك المحرمات ، فلا خوف عليهم فى الآخرة ولا هم ولا حزن


[ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ] أى وأما من كذب واستكبر عن الإيمان بما جاء به الرسل ، فأولئك في نار جهنم ، ماكثون لا يخرجون منها أبدا
[ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ] الاستفهام للإنكار أى من أقبح وأشنع ممن تعقد الكذب على الله ؟ أو كذب بآياته المنزلة ؟
[ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ] أى يصيبهم حظهم في الدنيا مما كتب لهم وقدر ، من الأرزاق والآجال ، وما وعدوا به من خير أو شر
[ حتى اذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ] أي جاءت ملائكة الموت تقبض أرواحهم
[ قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ] أى أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله ؟ ادعوهم ليخلصوكم من العذاب ، والسؤال للتبكيت والتوبيخ
[ قالوا ضلوا عنا ] أى قال الأشقياء المكذبون : لقد غابوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا شفاعتهم
[ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ] أى أقروا واعترفوا على أنفسهم بالكفر والضلال ، وإنما قالوا ذلك على سبيل التحسر ، والإعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران
[ قال ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ] أى يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء المكذبين بآياته : ادخلوا مع أمم أمثالكم من الفجرة في نار جهنم ، من كفار الأمم الماضية من الإنس والجن
[ كلما دخلت أمة لعنت أختها ] أى كلما دخلت طائفة النار ، لعنت التي قبلها ، لضلالها بها ، قال الألوسي : يلعن الأتباع القادة يقولون : أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله تعالى ، كما قال تعالى [ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ]
[ حتى إذا أداركوا فيها جميعا ] أى تلاحقوا واجتمعوا في النار كلهم
[ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ] أى قال الأتباع للقادة والرؤساء الذين أضلوهم : ياربنا هؤلاء هم الذين أضلونا عن سبيلك وزينوا لنا طاعة الشيطان
[ فآتهم عذابا ضعفا من النار ] أى أذقهم العذاب مضاعفا لأنهم تسببوا في كفرنا ، ونظير هذه الآية [ ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا . ربنا آتهم ضعفين من العذاب ]
[ قال لكل ضعف ] أى لكل من القادة والأتباع عذاب مضاعف ، أما القادة فلضلالهم وإضلالهم ، وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم
[ ولكن لا تعلمون ] أى لا تعلمون هوله ، ولهذا تسألون لهم مضاعفة العذاب
[ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ] أى قال القادة للأتباع : لا فضل لكم علينا في تخفيف العذاب ، فنحن متساوون معكم في الضلال وفي استحقاق العذاب الأليم
[ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ] أي فذوقوا عذاب جهنم بسبب إجرامكم ، قالوه لهم على سبيل التشفي ، لأنهم دعوا عليهم بمضاعفة العذاب ((ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله {فذوقوا العذاب} من كلام الله للفريقين على سبيل التوبيخ وهو اختيار الطبري ، والظاهر أنه من كلام القادة للأتباع كما في البحر المحيط ، يقولونه لهم على سبيل التشفي ، والله أعلم ))
[ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ] أى كذبوا بآياتنا مع وضوحها ، واستكبروا عن الإيمان بها ، والعمل بمقتضاها
[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] أى لا يصعد لهم عمل صالح إلى السماء ، كقوله تعالى [ إليه يصعد الكلم الطيب ] قال ابن عباس : لا يرفع لهم منها عمل صالح ، ولا دعاء ، وقيل : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا قبضت أرواحهم ، ويؤيده حديث (إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا يجيئه ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب ، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة ، فلا يمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة ؟ حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له ) الحديث


[ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ] أى لا يدخلون يوم القيامة الجنة ، حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة ، وهذا تمثيل لإستحالة دخول الكفار الجنة ، كإستحالة دخول الجمل على ضخامنه في ثقب الإبرة على دقته ، مبالغة في التصوير
[ وكذلك نجزي المجرمين ] أى ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي أهل العصيان والإجرام
[ لهم من جهنم مهاد ] أى لهم فراش من النار من تحتهم
[ ومن فوقهم غواش ] أي ومن فوقهم أغطية من النار
[ وكذلك نجزي الظالمين ] أى ومثل ذلك الجزاء الشديد ، نجزي كل من ظلم وتعدى حدود الله . . ولما ذكر تعالى وعيد الكافرين وما أعده لهم في الآخرة أتبعه بذكر وعد المؤمنين وما أعد لهم فقال سبحانه
[ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ] أى والذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمرهم به ربهم
[ لا نكلف نفسا إلا وسعها ] أى لا نكلف أحدا إلا بما يسهل عليه ، وفي حدود طاقته ، والجملة اعتراضية بين المبتدأ والخبر قال في البحر : وفائدته التنبيه على أن ذلك العمل في وسعهم ، وغير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم ما فيها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة
[ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ] أى هؤلاء المؤمنون السعداء هم المستحقون للخلود الأبدي في جنات النعيم لا يخرجون منها أبدا
[ ونزعنا ما في صدورهم من غل ] أى طهرنا قلوبهم من الحسد والبغضاء ، حتى لا يكون بينهم إلا المحبة والتعاطف كما ورد في الحديث (يدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل ) وصيغة الماضي تفيد التحقق والتثبت
[ تجري من تحتهم الانهار ] أي تجري أنهار الجنة من تحت قصورهم ، زيادة في نعيمهم
[ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ] أى الحمد لله الذي وفقنا لتحصيل هذا النعيم العظيم ، ولولا هداية الله تعالى وتوفيقه ، لما وصلنا إلى هذه السعادة
[ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ] أى والله لقد صدقنا الرسل فيما أخبرونا به عن الله عز وجل
[ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ] أى وتناديهم الملائكة : أن هذه الجنة هي التي أعطيتموها ، بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا ، قال القرطبي : ورثتم منازلها بعملكم ، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله ، وفي الحديث " لن يدخل أحد الجنة بعمله . . )ومعنى الحديث الشريف : أن دخول الجنة إنما يكون بفضل الله ورحمته ، وأما تقاسم الدرجات فيها ، فيكون بحسب الأعمال الصالحة
[ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم ] هذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، وعبر بالماضى عن المستقبل لتحقق وقوعه أى ينادي أهل الجنة أهل النار يقولون : إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله ، من النعيم والكرامة حقا ، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من الخزي والهوان حقا ؟ فيجيبونهم : نعم وجدنا ذلك حقا ، قال الزمخشرى : وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطا بحالهم ، وشماتة بأهل النار ، وزيادة فى غمهم)
[ فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ] أي أعلن معلن ونادى مناد بين الفريقين ، بأن لعنة الله على كل ظالم بالله ، ثم وصفهم تعالى بقوله
[ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ] أى الذين كانوا فى الدنيا يمنعون الناس عن اتباع دين الله ، ويبغون أن تكون السبيل معوجة ، غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد
[ وهم بالآخرة كافرون ] أى وهم بلقاء الله في الدار الآخرة مكذبون جاحدون


[ وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ] أى بين الفريقين حجاب ، وهو السور الذي ذكره تعالى بقوله [ فضرب بينهم بسور له باب ] يمنع من وصول أهل النار للجنة ، وعلى هذا السور ، رجال يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار ، بسيماهم أى بعلامتهم التي ميزهم الله بها ، قال قتادة : يعرفون أهل النار بسواد وجوههم ، وأهل الجنة ببياض وجوههم
[ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ] أى ونادى أصحاب الأعراف أهل الجنة : أن سلام عليكم فهنيئا لكم ، على ما وصلتم إليه ، قال تعالى
[ لم يدخلوها وهم يطمعون ] أى لم يدخل أصحاب الأعراف الجنة وهم يطمعون في دخولها
[ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمبن ] قال المفسرون : أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فليسوا من أهل الجنة ولا من أهل النار ، يحبسون هناك على السور ، حتى يقضي الله فيهم ، فإذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا عليهم ، وإذا نظروا إلى أهل النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ، سألوا الله ألا يجعلهم معهم ، قال أبو حيان : وفي التعبير بقوله [ صرفت ] دليل على أن أكثر أحوالهم النظر إلى أهل الجنة ، وأن نظرهم إلى أصحاب النار ليس من قبلهم ، بل هم محمولون عليه ، والمعنى : أنهم إذا حملوا على صرف أبصارهم ، ورأوا ما عليه أهل النار من العذاب ، استغاثوا بربهم من أن يجعلهم معهم
[ ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ] أى من أهل النار وهم رؤساء الكفرة
[ قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ] أى أى شيء نفعكم جمعكم للمال ، واستكباركم عن الإيمان ؟ والاستفهام للتوبيخ
[ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ] أى أهؤلاء المؤمنون الضعفاء ، الذين كنتم في الدنيا تسخرون منهم ، وتحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة ؟ والاستفهام استفهام تقرير وتوبيخ وشماتة ، يوبخونهم بذلك
[ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ] أى يقولون للمؤمنين ادخلوا الجنة رغم أنوف الكافرين ، قال الألوسي : هذا من كلام أصحاب الأعراف يقولون لأهل الجنة المشار إليهم : دوموا في الجنة غير خائفين ولا محزونين ، على أكمل سرور وأتم كرامة
[ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ] هذه المحاورة بين أهل النار وأهل الجنة ، إنما تكون بعد أن يستقر بكل من الفريقين القرار ، ينادونهم يوم القيامة أغيثونا بشيء من الماء ، لنسكن به حرارة النار والعطش ، أو أعطونا مما رزقكم الله من غيره من الأشربة ، فقد قتلنا العطش
[ قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ] أى منع الله الكافرين شراب الجنة وطعامها ، قال ابن عباس : ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول : قد احترقت فأفض على من الماء فيقال لهم أجيبوهم فيقولون : إن الله حرمهما على الكافرين ، ثم وصف تعالى الكافرين بقوله
[ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ] أى هزءوا من دين الله ، وجعلوا الدين سخرية ولعبا
[ وغرتهم الحياة الدنيا ] أى خدعتهم بزخارقها العاجلة وشهواتها القابلة ، وهذا شأنها مع أهلها تغر وتضر ، وتخدع ثم تصرع
[ فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ] أى ففي هذا اليوم نتركهم في العذاب ، كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، فلم يخطر ببالهم ولم يهتموا به ، قال الألوسي : الكلام خارخ مخرج التمثيل أى نتركهم في النار ، وننساهم مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم ، الذي ينبغي أا ينسى وقال ابن كثير : أى يعاملهم معاملة من نسيهم ، لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شئ : ولا ينساه
[ وما كانوا بآياتنا يجحدون ] أى وكما كانوا منكرين لآيات الله في الدنيا ، يكذبون بها ويستهزءون ، ننساهم في العذاب ، كما نسوا هذا اليوم العظيم ، والجزاء من جنس العمل .


البلاغة :
1 - [ عند كل مسجد ] مجاز مرسل علاقته المحلية لأن المراد بالمسجد هنا الصلاة والطواف ، ولما كان المسجد مكان الصلاة أطلق ذلك عليه .
2 - [ لا تفتح لهم أبواب السماء ] كناية عن عدم قبول العمل ، فلا يقبل لهم دعاء أو عمل
3 - [ حتى يلج الجمل في سم الخياط ] فيه تشبيه ضمني أى لا يدخلون الجنة بحال من الأحوال ، إلا إذا أمكن دخول الجمل فى ثقب الإبرة ، وهو تمثيل للاستحالة .
4 - [ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ] قال صاحب البحر : هذه استعارة لما يحيط بهم من النار من كل جانب كقوله [ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ] .
5 - [ ما ظهر منها وما بطن ] بين " ظهر " و " بطن " طباق ، وهو من المحسنات البديعية .
فائدة :
يروى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ، فقال ذلك الطبيب لأحد العلماء بحضرة الخليفة : ليس في كتابكم من علم الطب شىء ! ؟ والعلم علمان : (علم الأبدان ) و(علم الأديان ) فقال له العالم : قد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابنا !! قال : وما هي ؟ قال : قوله تعالى [ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ] فقال النصراني : ولا يؤثر عن رسولكم شيء فى الطب ؟ فقال العالم : قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة! ! قالى : وما هي ؟ قال : قوله ، : (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ) الحديث ، فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا .
قال الله تعالى : [ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم . . إلى . . وما كانوا مؤمنين ] من آية (52) إلى نهاية آية (72) .
المناسبة :
لما ذكر تعالى حال الكفار الأشقياء وخسارتهم الفادحة في الآخرة ، ذكر هنا أنه لا حجة لأحد ، فقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لهداية البشرية ، ثم ذكر قصص بعض الأنبياء ، فبدأ بنوح عليه السلام شيخ الأنبياء ، ثم أعقبه بذكر هود عليه السلام ، وموقف المشركين من دعوة الرسل الكرام .
اللغة :
[ تأويله ] عاقبة أمره وما يئول إليه ، من آل يئول إذا صار إليه
[ استوى ] الاستواء : العلو والاستقرار ، قال الجوهري : استوى على ظهر الدابة استقر ، واستوى إلى السماء قصد ، واستوى الشيء !ذا اعتدل
[ يغشي ] يغطى
[ حثيثا ] سريعا والحث : الإعجال والسرعة
[ تبارك ] تفاعل من البركة وهي الكثرة والإتساع ، قال الازهري : تبارك أى تعالى وتعاظم وأرتفع
[ تضرعا ] تذللا واستكانة ، وهو إظهار الذل الذي في النفس مع الخشوع
[ وخفية ] سرا
[ بشرا ] مبشرة بالمطر
[ أقلت ] حملت
[ نكدا ] النكد : العسر القليل
[ آلاء ] الآلاء النعم واحدها " إلى " كمعى .
التفسير :
[ ولقد جئناهم بكتاب ] أى ولقد جئنا أهل مكة بكتاب هو القرآن العظيم
[ فصلناه على علم ] أى بينا معانيه ووضحنا أحكامه على علم منا ، حتى جاء قيما غير ذي عوج
[ هدى ورحمة لقوم يؤمنون ] أى هداية ورحمة وسعادة لمن آمن به
[ هل ينظرون إلا تأويله ] أى ما ينتظر أهل مكة إلا عاقبة ما وعدوا به من العذاب والنكال ، قال قتادة : تأويله عاقبته
[ يوم يأتي تأويله ] هو يوم القيامة
[ يقول الذين نسوه من قبل ] أى يقول الذين ضيعوا وتركوا العمل به في الدنيا
[ قد جاءت رسل ربنا بالحق ] أى جاءتنا الرسل بالأخبار الصادقة وتحقق لنا صدقهم ، فلم نؤمن بهم ولم نتبعهم ! ! قال الطبري : أقسم المساكين حين حل بهم العقاب ، أن رسل الله قد بلغتهم الرسالة ونصحت لهم وصدقتهم ، حين لا ينفعهم ولا ينجيهم من سخط الله كثرة القيل والقال
[ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ] أى هل لنا اليوم شفيع ، يخلصنا من هذا العذاب ؟ استفهام فيه معنى التمني
[ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ] أو هل لنا من عودة إلى الدنيا ، لنعمل صالحا غير ما كنا نعمله من المعاصي وقبيح الأعمال ؟ قال تعالى ردا عليهم


[ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ] أى خسروا أنفسهم حيث ابتاعوا الخسيس الفاني من الدنيا ، بالنفيس الباقي من الآخرة ، وبطل عنهم ما كانوا يزعمونه من شفاعة الآلهة والأصنام ، ثم ذكر تعالى دلائل القدرة والوحدانية فقال سبحانه
[ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ] أى أن معبودكم وخالقكم الذي تعبدونه هو المنفرد بقدرة الإيجاد ، الذي خلق السموات والأرض ، في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا ، قال القرطبي : لو أراد لخلقها في لحظة ، ولكنه أراد أن يعلم العباد التثبت في الأمور
[ ثم استوى على العرش ] أى استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ، ولا تمثيل ، ولا تعطيل ، ولا تحريف ، كما هو مذهب السلف ، وكما قال الإمام مالك رحمه الله : (الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة) ، وقال الإمام أحمد رحمه الله : أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل ، فلا يقال : كيف ؟ ولم ؟ نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء ، وكما شاء ، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف ، أو يحدها حاد ، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما ، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل ) ، وقال القرطبي : لم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته
[ يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ] أى يغطى الليل على النهار فيذهب بضوئه ، ويطلبه سريعا حتى يدركه ، والتعبير جاء في روعة الإبداع الفنى ، كأن الليل والنهار فارسان يتسابقان ، كل واحد منهما يريد سبق الآخر ، وهو تعبير مدهش عن تعاقب الليل والنهار ، بطريق التمثيل الرابع
[ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ] أى الجميع تحت قهره ومشيئته وتسخيره
[ ألا له الخلق والأمر ] أى له الملك والتصرف التام في الكائنات
[ تبارك الله رب العالمين ] أى تعظم وتمجد الخالق المبدع رب العالمين
[ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ] أى أدعو الله تذللا وسرا ، بخشوع وخضوع
[ إنه لا يحب المعتدبن ] أى لا يحب المعتدين في الدعاء ، بالتشدق ورفع الصوت ، وفي الحديث " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا "
[ ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها ] أي لا تفسدوا في الأرض بالعدوان والمعاصي ، بعد أن أصلحها الله ببعثه الأنبياء والمرسلين
[ وادعوه خوفا وطمعا ] أى ادعوا ربكم وتضرعوا إليه ، خوفا من عذابه ، وطمعا في رحمته
[ إن رحمة الله قريب من المحسنين ] أى رحمته تعالى قريبة من المطيعين ، الذين يمتثلون أوامره ويتركون زواجره
[ وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته ] أى يرسل الرياح مبشرة بالمطر ، ومعنى [ بين يدي رحمته ] أى أمام نعمته وهو المطر الذي هو من أجل النعم ، وأحسنها أثرا على الإنسان
[ حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ] أى حتى إذا حملت الرياح سحابا مثقلا بالماء
[ سقناه لبلد ميت ] أى سقنا السحاب إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها
[ فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ] أى أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء العذب الفرات ، فأخرجنا بذلك الماء من كل أنواع الثمرات
[ كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ] أى مثل هذا الإخراج نخرج الموتى من قبورهم ، لعلكم تعتبرون وتؤمنون ، قال ابن كثير : وهذا المعنى كثير في القرآن ، يضرب الله المثل ليوم القيامة ، بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال : [ لعلكم تذكرون )
[ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ] أى الأرض الكريمة التربة ، يخرج النبات فيها وافيا حسنا ، غزير النفع بمشيئة الله وتيسيره ، وهذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها


[ والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ] أى والأرض إذا كانت خبيثة التربة ، كالحرة أو السبخة ((الحرة : الأرض ذات الحجارة السود ، والسبخة : الأرض ذات الملح)) لا يخرج النبات فيها إلا بعسر ومشقة ، ويكون قليلا لا خير فيه ، وهذا مثل للكافر الذي لا ينتفع بالموعظة ، قال ابن عباس : هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فالمؤمن طيب وعمله طيب ، كالأرض الطيبة ثمرها طيب ، والكافر خبيث ، وعمله خبيث ، كالأرض السبخة المالحة لا ينتفع بها )
[ كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ] أى كما ضربنا هذا المثل ، كذلك نبين وجوه الحجج ونكررها ، آية بعد آية ، وحجة بعد حجة ، لقوم يشكرون الله على نعمه ، وإنما خص الشاكرين بالذكر ، لأنهم المنتفعون بسماع القرآن ، قال الألوسي : أى مثل هذا التصريف البديع ، نردد الآيات الدالة على القدرة الباهرة ، ونكررها لقوم يشكرون نعم الله تعالى ، وشكرها بالتفكير والاعتبار بها
[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ] اللام جواب قسم محذوف ، أى والله لقد أرسلنا نوحا ، ونوح شيخ الأنبياء ، لأنه أطولهم عمرا ، وهو أول نبي بعثه الله بعد إدريس ، ولم يلق نبى من الأذى مثل نوح ، وهذه أول قصص الأنبياء في هذه السورة الكريمة ، بعد قصة خلق آدم
[ فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ] أى وحدوا الله ولا تشركوا به ، فما لكم إله مستحق للعبادة غيره
[ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ] أى إن أشركتم به ولم تؤمنوا ، فأنا أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ، هو يوم القيامة
[ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ] أى قال الأشراف والسادة من قومه : إنا لنراك يا نوح في ذهاب عن طريق الحق والصواب ، واضح جلي ، قال ابو حيان : ولم يجبه من قومه إلا أشرافهم وسادتهم ، وهم الذين يتعاصون على الرسل ، لإنغماس عقولهم بالدنيا وطلب الرياسه ) ، وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة
[ قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين ] (( لم يأت التركيب : لست في ضلال مبين ؟ بل جاء في غاية الحسن {ليس بي ضلالة} لنفى أن يلتبس أو يختلط به ضلالة ما ، وهذا أبلغ من الانتفاء من الضلال إذ لم يتعلق به ولا ضلالة واحدة ، فهو نفى للضلال بالكلية . أفاده صاحب البحر )) أى ما أنا بضال ، ولكن أنا مرسل إليكم من عند ربكم المالك لأموركم ، الناظر لكم بالمصلحة
[ أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ] أي أنا أبلغكم ما أرسلني الله به إليكم ، وأقصد صلاحكم وخيركم ، وأعلم من الأمور الغيبية أشياء ، لا علم لكم بها أنتم ، قال ابن كثير : وهذا شأن الرسول ، أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما ، لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات
[ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ] ؟ أى لا تعجبوا من هذا ، فإن هذا ليس بعجيب ، أن يوحي الله إلى رجل منكم من البشر ، رحمة بكم ، ولطفا واحسانا إليكم
[ لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ] أى ليخوفكم هذا الرسول من العذاب إن لم تومنوا ، ولتتقوا ربكم وتنالكم الرحمة بتقواه
[ فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك ] أى كذبوا نوحا مع طول مدة اقامته فيهم ، فأنجاه الله والمؤمنين معه في السفينة
[ وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ] أى أهلكنا المكذبين لرسولنا نوح بالغرق
[ أنهم كانوا قوما عمين ] أى عميت قلوبهم عن الحق ، فهم لا يبصرونه ولا يهتدون له ، قال ابن عباس : عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد
[ وإلى عاد أخاهم هودا ] أي وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودا ، وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن
[ فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ] أى قال لهم رسولهم : وحدوا الله ، فليس لكم إله غيره
[ أفلا تتقون ] أى أفلا تخافون عذابه ؟


[ قال الملأ الذي كفروا من قومه ] أى قال السادة والقادة منهم
[ إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ] أى نراك في خفة حلم ، وسخافة عقل ، وإننا لنظنك من الكاذبين في ادعائك الرسالة
[ قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ] أى ليس بي كما تزعمون نقص في العقل ، ولكني مرسل إليكم بالهداية من رب العالمين
[ أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ] أى أبلغكم أوامر الله ، وأنا ناصح لكم فيما أدعوكم إليه ، أمين على ما أقول لا أكذب فيه ، قال الزمخشري : وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام ، ممن نسبهم إلى السفاهة والضلالة - بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم وترك المقابلة - أدب حسن ، وخلق عظيم ، وتعليم للعباد كيف يخاطبون السفهاء ، ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم ،
[ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ] أى لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم ، لينذركم لقاء الله ويخوفكم عذابه
[ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ] أى اذكروا نعمة الله عليكم ، حين استخلفكم في الأرض ، بعد إهلاك قوم نوح
[ وزادكم في الخلق بسطة ] أى زاد في أجسامكم قوة وضخامة
[ فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ] أي اذكروا نعم الله عليكم ، كي تفلحوا وتفوزوا بالسعادة
[ قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد أباؤنا ] أى أجئتنا يا هود تتوعدنا بالعذاب ؟ كي نعبد الله وحده ؟ ونهجر عبادة الآلهة والأصنام ، ونتبرا منها ؟ وهذه منهم منتهى السفاهة والغلاظة لمن يريد بهم الخير والسعادة
[ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ] أى فأتنا بما تعدنا به من العذاب ، فلن نؤمن لك إن كنت من الصادقين في قولك
[ قال قد وقع عليكم من ربكم رجز وغضب ] أي قد حل بكم عذاب وغضب من الله
[ أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ] أى أتخاصمونني في أصنام لا تضر ولا تنفع ؟ ما أنزل الله بعبادتها من حجة أو برهان ؟
[ فانتظروا إنى معكم من المنتظرين ] أى فانتظروا نزول العذاب ، إني من المنتظرين لما يحل بكم ، وهذا غاية الوعيد والتهديد
[ فأنجيناه والذين معه برحمة منا ] أى أنجينا هودا والذين معه من المؤمنين رحمة منا لهم
[ وقطعنا دابر الذين كذبوا بايآتنا ] أى استأصلناهم بالكلية ودمرناهم عن آخرهم
[ وما كانوا مؤمنين ] أى كذبوا ولم يؤمنوا فاستحقوا العذاب ، قال ابو السعود : أى اصروا على الكفر والتكذيب ولم يرعووا عن ذلك أبدا ، فأهلكهم الله بالريح العقيم .
البلاغة :
1 - [ ألا له الخلق والأمر ] الآية على قلة ألفاظها جمعت معاني كثيرة ، استوعبت جميع الأشياء على وجه الاستقصاء ، حتى قال ابن عمر : من بقي له شيء فليطلبه ، وهذا الاسلوب البليغ ، الجامع المانع ، مداره على جمع الالفاظ القليلة ، للمعانى الكثيرة ، فقد جمع شئون الكون كله بهذه الآية .
2 - [ سقناه لبلد ميت ] وصف البلد بالموت (استعارة حسنة) استعار الموت لجدبه وعدم نباته ، بتصويره كالجسد الذي لا روح فيه ، من حيث عدم الانتفاع به .
3 - [ كذلك نخرج الموتى ] أى مثل إخراج النبات من الأرض ، نخرج الموتى من قبورهم فهو تشبيه (مرسل مجمل ) ذكرت الأداة ولم يذكر وجه الشبه .
4 - [ وقطعنا دابر ] قطع الدابر (كناية لطيفة) عن استئصالهم جميعا بالهلاك .
تنبيه :


ذكر العلامة الألوسي عند قوله تعالى : [ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ] عن الحسن البصري أنه قال : (لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم ، وذلك أنه تعالى يقول : [ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ] وأنه سبحانه ذكر عبدا صالحا فقال : [ إذ نادى ربه نداء خفيا ] ثم قال الألوسي : وذكروا للدعاء آدابا كثيرة منها : أن يكون على طهارة ، وأن يستقبل القبلة ، وتخلية القلب من الشواغل ، وافتتاحه واختتامه بالصلاة على النبي ، ورفع اليدين نحو السماء ، وإشراك المؤمنين فيه ، وتحري ساعات الإجابة ، كثلث الليل الأخير ، ووقت إفطار الصائم ، ويوم الجمعة وغير ذلك )
قال الله تعالى : [ وإلى ثمود أخاهم صالحا . . إلى . . فكيف آسى على قوم كافرين ] . من آية (73) إلى نهاية آية (93) .
المناسبه :
لما ذكر تعالى في أول السورة قصة آدم ، وما أتصل بها من آثار قدرته ، وغرائب صنعته ، الدالة على توحيده وربوبيته ، وأقام الحجة الدامغة على صحة البعث بعد الموت ، أتبع ذلك بقصص الأنبياء ، وما جرى لهم مع أممهم ، فذكر (نوحا وهودا) ، ثم أعقبه هنا بذكر قصة (صالح وشعيب ) ، وموقف المعاندين للرسل الكرام .
اللغه :
[ ناقة ] الناقة : الأنثى من الجمال ، وعقر الناقة ضرب قوائمها بالسيف
[ عتوا ] استكبروا عتا عتوا أى إستكبر ، والليل العاتي : الشديد الظلمة
[ جاثمين ] لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم ، كما يجثم الطائر
[ الرجفة ] الطامة التي يرجف لها الإنسان أى يتزعزع ويضطرب ، وأصل الرجف الاضطراب رجفت الأرض اضطربت
[ الغابرين ] الباقين في عذاب الله ، والغابر بمعنى الباقي ، وبجيء بمعنى الماضي والذاهب ، فهو من الأضداد كما في الصحاح
[ يغنوا ] يقيموا يقال غنى بالمكان إذا أقام به دهرا طويلا
[ عفوا ] كثروا ونموا من عفا النبات إذا كثر .
التفسير :
[ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ] أى وحدوا الله ولا تشركوا به
[ قد جاءتكم آية من ربكم ] أى جاءتكم معجزة ظاهرة جلية ، تدل على صحة نبوتي
[ هذه ناقة الله لكم آية ] هذا بيان للمعجزة أى هذه الناقة معجزتي إليكم ، وإضافتها إلى (الله ) للتشريف والتعظيم لأنها خلقت بغير واسطة ، قال القرطبى : أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد
[ فذروها تأكل في أرض الله ] أي اتركوها تأكل من رزق ربها
[ ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ] أى لا تتعرضوا لها بشئ من السوء أصلا إكراما لها لأنها آية الله ، والعذاب الأليم : هو الهلاك الذي حل بهم حين عقروها
[ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ] أى خلفاء في الأرض ، قال الشهاب : لم يقل (خلفاء عاد) إشارة إلي أن بينهما زمانا طويلا
[ وبؤاكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ] أى أسكنكم في أرض (الحجر) تبنون في سهولها قصورا رفيعة
[ وتنحتون الجبال بيوتا ] أى تنحتون الجبال لسكناكم ، قال القرطبي : اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم ، فإن الأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم
[ فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدبن ] أى اذكروا نعم الله عليكم واشكروه على ما تفضل به ، ولا تعيثوا في الأرض فسادا
[ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ] أى قال الأشراف المستكبرون من قوم صالح ، للمؤمنين المستضعفين من أتباعه
[ أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ] أى أن الله أرسله إلينا وإليكم ، وهذا قالوه على سبيل السخرية والاستهزاء


[ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ] أى أجابوهم بالأسلوب الحكيم بالإيمان برسالته ، قال أبو حيان : وعدولهم عن قولهم " هو مرسل " إلى قولهم [ إنا بما أرسل به مؤمنون ] في غاية الحسن ، إذ أمر رسالته معلوم ، واضح مسلم ، لا يدخله ريب ، لما أتى به من هذا المعجز الخارق العظيم ، فلا يحتاج أن يسأل عن رسالته
[ قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ] أى قال المستكبرون : نحن كافرون بما صدقتم به ، من نبوة صالح ، وإنما لم يقولوا (إنا بما أرسل به كافرون ) إظهارا لمخالفتهم إياهم وردا لمقالتهم
[ فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ] أى نحروا الناقة ، واستكبروا عن إمتثال أمر الله
[ وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ] أى جئنا يا صالح بما تعدنا من العذاب الذي تخوفنا به ، إن كنت حقا رسولا! ! قالوا ذلك استهزاء به وتعجيزا
[ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ] أخذتهم الزلزلة الشديدة ، فصاروا في منازلهم هامدين موتى ، لا حراك بهم ، قال في البحر : أخذتهم صيحة من السماء ، فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض ، فقطعت قلوبهم وهلكوا
[ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ] أى أدبر عنهم صالح بعد هلاكهم ، ومشاهدة ما جرى عليهم ، وقال على سبيل التفجع والتحسر عليهم : لقد بلغتكم الرسالة وحذرتكم عذاب الله ، وبذلت وسعي في نصيحتكم ، ولكن شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم ، قال الزمخشري : [ ولكن لا تحبون الناصحين ] حكاية حال ماضية كما يقول الرجل لصاحبه وهو ميت - وكان قد نصحه حيا فلم يسمع منه - : يا أخي كم نصحتك ؟ وكم قلت لك فلم تقبل مني ؟
[ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ] أى واذكر حين قال لوط لقومه على سبيل الإنكار والتوبيخ : أتفعلون تلك الفعلة الشنيعة المتناهية في القبح ، التى ما عملها أحد قبلكم في زمن من الازمان ؟ والفاحشة هي إتيان الذكور في الأدبار ، أنكر عليهم أولا فعلها ، ثم وبخهم بأنهم أول من فعلها . قال أبو حيان : ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه ، ومركوزا في العقول فحشه أتى به معرفا بالألف واللام [ الفاحشة ] بخلاف الزنى ، فإنه قال فيه [ إنه كان فاحشة ] فأتى به منكرا ، والجملة المنفية [ ما سبقكم ] بدل على أنهم أول من فعل هذه الفعلة القبيحة ، وأنهم مبتكروها ، والمبالغة في [ من أحد ] حيث زيدت من لتأكيد نفي .الجنس ، وفي الإتيان بعموم [ العالمين ] بلفظ الجمع ، قال عمرو ابن دينار : ما رؤي ذكر على ذكر قبل قوم لوط
[ إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ] هذا بيان للفاحشة وهو توبيخ آخر ، اشنع مما سبق لتأكيده بإن وباللام ، أى إنكم أيها القوم لتأتون الرجال في أدبارهم شهوة منكم لذلك الفعل الخبيث المكروه ، دون ما أحله الله لكم من النساء ، ثم أضرب عن الإنكار عليهم ، إلى الإخبار عنهم بالإيغال في ارتكاب القبائح واتباع الشهوات ، فقال
[ بل أنتم قوم مسرفون ] أى لا عذر لكم ، بل أنتم عادتكم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء ، قال ابو السعود : وفي التقييد بقوله [ شهوة ] وصف لهم بالبهيمية الصرفة ، وتنبيه على أن العاقل ، ينبغى أن يكون الداعي له إلى المباشرة (طلب الولد) وبقاء النسل ، لا قضاء الشهوة


[ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ] أي ما كان جوابهم لنبيهم (لوط ) إذ وبخهم على فعلهم القبيح ، إلا أن قال بعضهم لبعض : أخرجوا لوطا وأتباعه المؤمنين من بلدتكم ، لأنهم أناس يتنزهون عما نفعله نحن ، من إتيان الرجال في الأدبار ، قال ابن عباس : [ إنهم أناس يتطهرون ] أى يتقذرون عن إتيان أدبار الرجال والنساء ، قالوا ذلك سخرية واستهزاء بلوط وقومه ، وعابوهم بما يمدح به الإنسان
[ فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ] أى أنجيناه من العذاب الذي حل بقومه وأهله المؤمنين ، إلا امرإته فلم تنج ، وكانت من الهالكين ، قال الطبري : أي أنجينا لوطا وأهله المؤمنين به إلا امرأته ، فإنها كانت للوط خائنة ، وبالله كافرة ، فهلكت مع من هلك من قوم لوط ، حين جاءهم العذاب
[ وأمطرنا عليهم مطرا ] أى أرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا ، هو حجارة من سجيل كما فى الآية الأخرى [ وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ] وشبه العذاب بالمطر المدرار لكثرته حيث أرسل إرسال المطر
[ فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ] أى أنظر أيها السامع نظر تفكر وإعتبار ، إلى عاقبة هؤلاء المجرمين كيف كانت ؟ وإلى أى شئ صارت ؟ هل كانت إلا البوار والهلاك ؟ ا
[ وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ] أى وأرسلنا إلى أهل مدين (شعيبا) داعيا لهم إلى توحيد الله وعبادته ، قال ابن كثير : ومدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة ، وهي التي بقرب " معان " من طريق الحجاز وهم (أصحاب الأيكة) كما سنذكره ((مختصر ابن كثير ، أشار إلى قوله تعالى {كذب أصحاب الأيكة المرسلين ، إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } فأهل مدين هم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير الملتف ))
[ قد جاءتكم بينة من ربكم ] أى معجزة تدل على صدقي
[ فأوفوا الكيل والميزان ] أي أتموا للناس حقوقهم ، بالكيل الذي تكيلون به ، والوزن الذي تزنون به
[ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ] أى لا تظلموا الناس حقوقهم ، ولا تنقصوهم إياها
[ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ] أى لا تعملوا بالمعاصى بعد إصلاحها ببعثة الرسل
[ ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ] أى ما أمرتكم به من اخلاص العبادة لله وايفاء الناس حقوقهم ، وترك الفساد في الأرض ، خير لكم إن كنتم مصدقين لي في قولي
[ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ] أى لا تجلسوا بكل طريق ، تخوفون من آمن بالقتل ، قال ابن عباس : كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب ، فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون : إنه كذاب فلا تذهب اليه ! ! على نحو ما كانت تفعله قريش مع رسول الله (ص)
[ وتبغونها عوجا ] أي تريدون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة ، كما يقول الضالون في هذا الزمان : " هذا الدين لا ينطبق مع العقل ، لأنه لا يتمشى مع أهوائهم الفاجرة
[ واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ] أى كنتم قلة مستضعفين ، فأصبحتم كثرة أعزة ، فأشكروا الله على نعمته
[ وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ] هذا تهديد لهم ، أي انظروا ما حل بالأمم السابقة ، حين عصوا الرسل ؟ كيف إنتقم الله منهم ، واعتبروا بهم ؟
[ وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ] أى إذا كان فريق صدقوني فيما جئتهم به ، وفريق لم يصدقوني ، فاصبروا حتى يفصل الله بحكمه العادل بيننا ، وهو خير الفاصلين ، قال ابو حيان : هذا الكلام من أحسن ما تلطف به في المحاورة ، إذ أبرز (المتحقق ) في صورة (المشكوك ) وهو من بارع التقسيم ، فيكون وعدا للمؤمنين بالنصر ، ووعيدا للكافرين بالعقوبة والخسار


[ قال الملأ الذين استكبروا من قومه ] أى قال أشراف قومه المستكبرين عن الإيمان بالله ورسله
[ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ] أقسموا على أحد الأمرين : إما إخراج شعيب وأتباعه من الوطن ، وإما العودة إلى ملتهم إلى الكفر ، والمعنى : لنخرجنك يا شعيب ومن آمن بك من بين أظهرنا ، أو لترجعن أنت وهم إلى ديننا ، قال شعيب مجيبا لهم
[ قال أولو كنا كارهين ] أي أتجبروننا على الخروج من الوطن ، أو العودة في ملتكم ولو كنا كارهين لذلك ؟ والاستفهام للإنكار
[ قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ] أى إن عدنا إلى دينكم ، بعد أن أنقذنا الله منه بالإيمان ، وبصرنا بالهدى ، نكون مختلقين على الله أعظم أنواع الكذب ! ! وهذا تيئيس للكفار من العودة إلى دينهم
[ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ] أى لا ينبغى ولا يصح لنا أن نعود إلى ملتكم ودينكم ، إلا إذا شاء الله لنا الانتكاس والخذلان ، فيمضى فينا قضاؤه
[ وسع ربنا كل شيء علما ] أى وسع علمه كل الأشياء
[ على الله توكلنا ] أى اعتمادنا على الله وهو الكافي لمن توكل عليه
[ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ] أى أحكم بيننا وبينهم بحكمك الحق ، الذي لا جور فيه ولا ظلم وأنت خير الحاكمين
[ وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ] أى قال الأشراف من قومه روساء الكفر والضلال : إذا اتبعتم شعيبا وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه ، إنكم إذا لخاسرون ، لترككم دين أبائكم وأجدادكم ، وما كانوا عليه من الهدى والرشاد ! ! جعل الأشقياء اتباع شعيب عليه السلام ضلالا ، وما هم عليه هو الهدى والاستقامة ، قال تعالى
[ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ] أى فأخذتهم الزلزلة العظيمة ، فأصبحوا ميتين جاثمين على الركب
[ الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ] أى أهلك الله المكذبين ، كأنهم لم يقيموا في ديارهم منعمين
[ الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ] إخبار عنهم بالخسار بعد الهلاك والدمار
[ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ] قاله تأسفا لشدة حزنه عليهم ، لأنهم لم يتبعوا نصحه
[ فكيف آسى على قوم كافرين ] أى كيف أحزن على من لا يستحق أن يحزن عليه ا ؟ قال الطبري : أي كيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله ، وكذبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم ؟
البلاغة :
1 - [ هذه ناقة الله ] الإضافة للتشريف والتكريم.
2 - [ ولا تمسوها بسوء ] التنكير للتقليل والتحقير أى لا تمسوها بأدنى سوء ولو كان قليلا يسيرا.
3 - [ أتأتون الفاحشة ] الاستفهام للإنكار والتوبيخ والتشنيع .
4 - [ إنهم أناس يتطهرون ] يسمى هذا النوع في علم البديع (المدح بما يوهم الذم ) ولذلك قال ابن عباس : عابوهم بما يمدح به الإنسان .
5 - [ على الله توكلنا ] إظهار الاسم الجليل للمبالغة في التضرع ، وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر .
6 - بين لفظ [ مؤمنون ] و[ كافرون ] طباق ، وهو من المحسنات البديعية .
فائدة :
الذي عقر الناقة هو " قدار بن سالف " وإنما نسب الفعل إليهم جميعا في قوله تعالى [ فعقروا الناقة ] لأنه كان برضاهم وأمرهم ، والراضي بالعمل القبيح ، شريك في الجريمة للفاعل ، كما أن الرضى بالكفر كفر .
قال الله تعالى : [ وما أرسلنا في قرية من نبي . . . إلى . . فينظر كيف تعملون ] من آية (94) إلى نهاية آية (129 ) .
المناسبة :


لما ذكر تعالى قصص الأنبياء (نوح ، هود ، صالح ، لوط ، شعيب ) وما حل بأقوامهم من العذاب والنكال ، حين لم تجد فيهم الموعظة ، ذكر تعالى هنا سنته الإلهية في الإنتقام ممن كذب أنبياءه ، وذلك بالتدرج معهم بالبأساء والضراء ، ثم بالنعمة والرخاء ، ثم بالبطش بهم إن لم يؤمنوا ، ثم عقب ذلك بقصة (موسى) مع الطاغية (فرعون ) وفيها كثير من العبر والعظات .
اللغة :
[ الباسأء ] شدة الفقر
[ الضراء ] الضر والمرض
[ عفوا ] كثروا ونموا
[ بغتة ] فجأة
[ ملأيه ] أشراف قومه
[ أرجه ] أخر
[ صاغرين ] أذلاء
[ تلقف ] تبتلع وتلتقم
[ يأفكون ] الإفك : الكذب
[ أفرغ ] الإفراغ : الصب أى أصببه علينا .
التفسير :
[ وما أرسلنا في قرية من نبي ] في الكلام حذف أى وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه أهلها
[ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ] أى عاقبناهم بالبؤس والفقر ، والمرض وسوء الحال
[ لعلهم يضرعون ] أى كي يتضرعوا ويخضعوا ويتوبوا من ذنوبهم
[ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ] أى ثم أبدلناهم بالفقر والمرض ، الغنى والصحة
[ حتى عفوا ] أى حتى كثروا ونموا
[ وقالوا قد مس أباءنا الضراء والسراء ] أى أبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا كفرانا لها : هذه عادة الدهر ، وقد مس أباءنا من المصائب ومن الرخاء مثل ذلك ، وليست بعقوبة من الله ، فلنبق على ديننا ، والغرض أن الله ابتلاهم بالسيئة لينيبوا إليه فما فعلوا ، ثم بالحسنة ليشكروا فما فعلوا ، فلم يبق إلا أن يأخذهم الله بالعذاب ، ولهذا قال تعالى :
[ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ] أي أخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة ، من حيث لا يعلمون ولا يدرون
[ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ] أى ولو أن أهل تلك القرى ، الذين كذبوا وأهلكوا ، آمنوا بالله ورسله ، واتقوا الكفر والمعاصي
[ لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ] أى لوسعنا عليهم الخير من كل جانب خيرات السماء ، وخير الأرض ، فبركات السماء المطر ، وبركات الأرض : الثمار ، قال السدي : فتحنا عليهم أبواب السماء والأرض بالرزق
[ ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ] أى ولكن كذبوا الرسل ، فعاقبناهم بالهلاك بسوء كسبهم
[ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ] الهمزة للإنكار أى هل أمن هؤلاء المكذبون ، أن يأتيهم عذابنا ليلا وهم نائمون غافلون عنه ؟
[ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ] ؟ أم هل أمنوا ان يأتيهم عذابنا ونكالنا نهارا جهارا ، وهم يلهون ويشتغلون بما لا يفيد ولا ينفع كأنهم يلعبون ؟
[ أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ] أى أفأمنوا استدراجه إياهم بالنعمة ، حتى يهلكوا في غفلتهم ؟ فإنه لا يأمن ذلك إلا القوم الذين خسروا إنسانيتهم ، فصاروا أخس من البهائم ، قال الحسن البصري : المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق خائف وجل ، والفاجر يعمل بالمعاصى وهو مطمئن آمن
[ أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ] أي أولم يتضح ويتبين للذين يخلفون الأرض ، بعد هلاك أهلها الذين كانوا يعمرونها قبلهم ، والمراد بهم (كفار مكة) ومن حولهم
[ أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ] أى لو أردنا لأهلكناهم بسبب ذنوبهم ، كما أهلكنا من قبلهم ، قال في البحر : أى قد علمتم ما حل بهم ، أفما تحذرون أن يحل بكم ما حل بهم ؟ فذلك ليس بممتنع علينا لو شئنا
[ ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ] أى ونختم على قلوبهم فلا يقبلون موعظة ولا تذكيرا ، ولا يسمعون سماع منتفع بهما
[ تلك القرى نقص عليك من أنبائها ] أى تلك القرى المذكورة نقص عليك يا أيها الرسول بعض أخبارها ، وما حصل لأهلها ، من الخسف والرجفة والرجم بالحجارة ، ليعتبر بذلك من يسمع ، وما حديث أهول وأفظع
[ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ] أى جاءتهم بالمعجزات والحجج القاطعات


[ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ] أى ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل ، لتكذيبهم لهم قبل مجيئهم بالمعجزات ، وبعد مجيئهم بها ، فحالهم واحد في العتو والضلال ، قال الزمخشري : أى استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل اليهم ، إلى أن ماتوا مصرين على الكفر ، لا يرعوون مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات
[ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ] أى مثل ذلك الطبع الشديد المحكم ، نطبع على قلوب الكافرين ، فلا تكاد تؤثر فيهم تلك النذر والآيات ! ! وفي هذا تحذير للسامعين
[ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ] أى ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء للعهد ، بل وجدناهم خارجين عن الطاعة والإمتثال ، قال ابن كثير : والعهد الذي أخذه هو ما فطرهم عليه وأخذه عليهم في الاصلاب ، أنه ربهم ومليكهم فخالفوه وعبدوا مع الله غيره ، بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع
[ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا ] أى ثم بعثنا من بعد الرسل المتقدم ذكرهم (موسى بن عمران ) بالمعجزات الباهرات ، والحجج الساطعات
[ إلى فرعون وملئه ] أى أرسلناه إلى فرعون - ملك مصر - الطاغية الجبار ، وإلى أشراف قومه
[ قظلموا بها ] أى كفروا وجحدوا بها ظلما وعنادا
[ فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ] أي انظر أيها السامع ما آل إليه أمر الفجرة المفسدين ، كيف أغرقناهم عن أخرهم ، بمرأى من موسى وقومه ؟ ! وهذا أبلغ في النكال لأعداء الله ، وأشفى لقلوب أولياء الله
[ وقال موسى يا فرعون إنى رسول من رب العالمين ] أى إنى رسول إليك من الخالق العظيم ، رب كل شيء ، وخالقه ومليكه
[ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ] أى جديربي وحق على أن لا أخبر عن الله إلا بما هو حق وصدق ، لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه
[ قد جئتكم بآية من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ] أى جئتكم بحجة قاطعة من الله تشهد على صدقي ، فخل واترك سبيل بني إسرائيل ، حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هى وطن آبائهم (( قال المفسرون : كان سبب سكنى بني إسرائيل بمصر مع أن أباهم كان بالأرض المقدسة ، أن الأسباط - أولاد يعقوب - جاءوا مصر إلى أخيهم يوسف فمكثوا وتناسلوا في مصر ، فلما ظهر فرعون استعبدهم واستعملهم في الأعمال الشاقة فأحب موسى أن يخلصهم من هذا الأسر ، ويذهب بهم إلى الأرض المقدسة وطن ابائهم )) قال ابو حيان : ولما كان فرعون قد ادعى الربوبية فاتحه موسى بقوله [ إني رسول من رب العالمين ] لينبهه على الوصف الذي ادعاه وأنه فيه مبطل لا محق ، ولما كان قوله [ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ] أردفها بما يدل على صحتها وهو قوله [ قد جئتكم ببينة من ربكم ] ولما قرر رسالته ، فرع عليها تبليغ الحكم وهو قوله [ فأرسل معي بني إسرائيل ]
[ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ] أى قال فرعون لموسى : إن كنت جئت بآية من ربك كما تدعي ، فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك ، قال ذلك على سبيل التعجيز لموسى
[ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ] أى فإذا بها حية ضخمة طويلة ، قال ابن عباس : تحولت إلى حية عظيمة ، فاغرة فاها ، مسرعة نحو فرعون و[ مبين ] أى ظاهر لا متخيل!
[ ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ] أى أخرجها من جيبه ، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا عجيبا ، يغلب نورها نور الشمس ، قال ابن عباس : كان ليده نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض
[ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ] أى قال الأشراف منهم - وهم أصحاب مشورته - إن هذا عالم بالسحر ماهر فيه ، وقولهم [ عليم ] أى بالغ الغاية في علم السحر ، وخدعه وفنونه
[ يريد أن يخرجكم من أرضكم ] أى يخرجكم من أرض مصر بسحره


[ فماذا تأمرون ] أي بأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره ؟ وبأي شيء تشيرون فيه ؟ قال القرطبي : قال فرعون : فماذا تأمرون ؟ وقيل : هو من قول الملأ أى قالوا لفرعون وحده [ فماذا تأمرون ] كما يخاطب الجبارون والرؤساء : ما ترون في كذا ،
[ قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ] أى أخر أمرهما حتى ترى رأيك فيهما ، وأرسل في أنحاء البلاد من يجمع لك السحرة
[ يأتوك بكل ساحر عليم ] أى يأتوك بكل ساحر مثله ، ماهر في السحر ، وكان رؤساء السحرة بأقصى صعيد مصر
[ وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ] في الكلام محذوف يدل عليه السياق ، وهو : أنه بعث إلى السحرة ، وطلب أن يجمعوا له ، فلما جاءوا فرعون قالوا : إن لنا لأجرا عظيما ، إن نحن غلبنا موسى ؟ وهزمناه وأبطلنا سحره ؟
[ قال نعم وإنكم لمن المقربين ] أى قال فرعون : نعم لكم الأجر ، وأزيدكم على ذلك ، بأن أجعلكم من المقربين أى من أعز خاصتي وأهل مشورتي ، قال القرطبي : زادهم على ما طلبوا
[ قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ] أى قال السحرة لموسى : اختر إما أن تلقي عصاك ، أو نلقى نحن عصينا ، قال الزمخشري : تخييرهم إياه أدب حسن ، كما يفعل أهل الصناعات ، إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يخوضوا في الجدال) هذا ما قاله الزمخشري ، والأظهر أنهم قالوا ذلك من باب (الاعتزاز بالنفس ) وتوهم الغلبة ، وعدم الاكتراث بأمر موسى كما يقول المعتد بنفسه : أبدأ أو تبدأ ؟
[ قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس ] أى قال لهم موسى : ألقوا ما انتم ملقون ، فلما ألقوا العصي والحبال ، سحروا أعين الناس ، أى خيلوا إليهم ما لا حقيقة له ، كما قال تعالى [ يخيل إليهم من سحرهم انها تسعى ]
[ واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ] أى أفزعوهم وأرهبوهم إرهابا شديدا ، حيث خيلوها حيات تسعى وجاءوا بسحر عظيم يهابه من رآه ، قال ابن اسحاق : صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه ، وفرعون في مجلسه ، مع أشراف مملكته ، فكان أول ما اختفوا بسحرهم ، بصر (موسى) وبصر (فرعون ) ، ثم أبصار الناس بعد ، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يديه من العصي والحبال ، فإذا هي حيات كأمثال الجبال ، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا
[ واوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ] أى أوحينا إليه بأن الق عصاك فألقاها ، فإذا هي تبتلع بسرعة ما يزورونه من الكذب ، قال ابن عباس : [ تلقف ما يأفكون ] لا تمر بشيء من حبالهم وخشبهم التي ألقوها إلا التقمته
[ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ] أى ثبت وظهر الحق لمن شهده وحضره ، وبطل إفك السحر وكذبه ومخايله
[ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ] أى غلب فرعون وقومه في ذلك المجمع العظيم وصاروا ذليلين
[ وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ] أى خروا ساجدين معلنين إيمانهم برب العالمين ، لأن الحق بهرهم ، قال قتادة : كانوا أول النهار كفارا سحرة ، وفي أخره شهداء بررة
[ قال فرعون آمنتم به قبل أن أذن لكم ] أى قال فرعون الجبار للسحرة آمنتم بموسى قبل أن تستأذنوني ؟ والمقصود من كلامه التوبيخ لهم والتهديد
[ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ] أى صنيعكم هذا حيلة احتلتموها انتم وموسى في مصر ، قبل أن تخرجوا إلى الميعاد ، لتخرجوا منها القبط ، وتسكنوا بني إسرائيل ! ! قال هذا تمويها على الناس ، لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان
[ فسوف تعلمون ] أى فسوف تعلمون ما يحل بكم ، وهذا وعيد وتهديد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ، ثم عقبه بالتفصيل فقال


[ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ] أى لأقطعن من كل واحد منكم يده ورجله من خلاف ، قال الطبري : ومعنى [ من خلاف ] هو أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى ، أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى ، فيخالف بين العضوين في القطع
[ ثم لأصلبنكم أجمعين ] أى ثم أصلبكم جميعا تنكيلا لكم ولأمثالكم ، والصلب التعليق على الخشب حتى . الموت
[ قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ] أى إنا راجعون إلى الله بالموت لا محالة ، فلا نخاف مما تتوعدنا به ، ولا نبالي بالموت ، وحبذا الموت في سبيل الله ! ؟
[ وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ] أي ما تكره منا ولا تعيب علينا ، إلا إيماننا بالله وآياته ! ! كقوله سبحانه [ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ] قال الزمخشري : أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها ، وهو الإيمان
[ ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ] أى افض يا رب علينا صبرا يغمرنا ، عند تعذيب فرعون لنا ، وتوفنا على ملة الإسلام غير مفتونين
[ وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ] أى قال الأشراف لفرعون : أتترك موسى وجماعته ليفسدوا في الأرض ، بالخروج عن دينك وترك عبادة آلهتك ! ! وفي هذا إغراء لفرعون بموسى وقومه ، وتحريض له على قتلهم وتعذيبهم
[ قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ] أى قال فرعون مجيبا لهم : سنقتل أبناءهم الذكور ، ونستبقي نساءهم للاستخدام ، كما كنا نفعل بهم ذلك ، وإنا عالون فوقهم بالقهر والسلطان
[ قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ] أى قال موسى لقومه تسلية لهم ، حين تضجروا مما سمعوا : استعينوا بالله على فرعون وقومه ، فيما ينالكم من أذاهم ، واصبروا على حكم الله
[ إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده ] أى الأرض كلها لله يعطيها من أراد من عباده ، أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر
[ والعاقبة للمتقين ] أى النتيجة المحمودة لمن اتقى الله
[ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ] أى أوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة ، ومن بعد ما جئتنا بها! ! يعنون أن المحنة لم تفارقهم ، فهم في العذاب والبلاء ، قبل بعثة موسى وبعد بعثته
[ قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ] أى لعل ربكم أن يهلك فرعون وقومه ، ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم ، وينظر كيف تعملون من الإصلاح أو الإفساد ، والغرض تحريضهم على طاعة الله ! ! وقد حقق الله رجاء موسى ، فأغرق فرعون وقومه ، وملك بنى إسرائيل أرض مصر ، قال في البحر : سلك موسى طريق الأدب مع الله ، وساق الكلام مساق الرجاء.
البلاغة :
1 - [ بدلنا مكان السيئة الحسنة ] بين لفظ (الحسنة) و(السيئة) طباق ، وكذلك بين لفظ [ الضراء والسراء ] .
2 - [ لفتحنا عليهم بركات من السماء ] شبه تيسير البركات عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول فهو من (باب الاستعارة) أى وسعنا عليهم الخير من جميع الأطراف .
3 - [ أفأمن أهل القرى ] تكررت الجملة والغرض منها الإنذار ، ويسمى هذا في علم البلاغة الإطناب ومثلها [ أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ] قال ابو السعود : تكرير للنكير لزيادة التقرير ، ومكر الله (استعارة) لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب .
4 - [ وإنكم لمن المقربين ] أكد الجملة بإن واللام لإزالة الشك من نفوس السحرة ، ويسمى هذا النوع من أضرب الخبر إنكاريا .
5 - [ فوقع الحق ] فيه استعارة ، استعار الوقع للثبوت والحصول ، والله أعلم.
تنبيه :
لما عجز فرعون عن دفع الحجة بالبرهان ، عدل إلى البطش والفتك بالسنان ، وهكذا حال كل ضال مبتدع ، إذا أعيته الحجة مال إلى التهديد والوعيد .


قال الله تعالى : [ ولقد أخدنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات . . إلى . . لنكونن من الخاسرين ] من آية ( 130 ) إلى نهاي آية ( 149 ) .
المناسبة :
لما كانت قصة الكليم مع الطاغية فرعون ، مملوءة بالعبر والعظات ، لذلك استطردت الآبات في الحديث عنهم ، فتحدثت عما حل بقوم فرعون من البلايا والنكبات ، وما ابتلاهم الله به من القحط والجدب ، والطوفان والجراد ، وغير ذلك من المصائب ، نتيجة إصرارهم على الكفر وتكذيبهم بآيات الله ، ثم ذكرت أنواع النعم ، التي أنعم الله بها على بني إسرائيل ومن أعظمها إهلاك عدوهم ، وقطعهم البحر مع السلامة والأمان .
اللغة :
[ السنين ] جمع سنة وهي الجدب والقحط
[ يطيروا ] يتشاءموا والأصل يتطيروا مأخوذ من الطيرة وهي زجر الطير ثم استعمل في التشاوم
[ الطوفان ] السيل المتلف المدمر
[ القمل ] السوس وهي حشرات صغيرة تكون في الحنطة وغيرها تفسد الحبوب
[ الرجز ] العذاب ، والرجس بالسين : النجس ، وقد يستعمل بمعنى العذاب
[ اليم ] البحر
[ يعكفون ] عكف على الشيء أقام عليه ولزمه
[ متبر ] مهلك والتبار : الهلاك
[ صعقا ] مغشيا عليها يقال : صعق الرجل إذا أغمى عليه .
التفسير :
[ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ] اللام موطئة لقسم محذوف أى : والله لقد ابتلينا واختبرنا فرعون وأتباعه ، بالجدب والقحط
[ ونقص من الثمرات ] أى وابتليناهم بإذهاب الثمار من كثرة الآفات ، فكانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة ،
[ لعلهم يذكرون ] أى لعلهم يتعظون وترق قلوبهم ، فإن الشدة تجلب الإنابة والخشية ، ورقة القلب . . ثم بين تعالى أنهم مع تلك المحن والشدائد ، لم يزدادوا إلا تمردا وكفرا ، فقال سبحانه
[ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ] أى إذا جاءهم الخصب والرخاء ، قالوا هذه لنا وبسعدنا ونحن مستحقون لذلك
[ وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ] أي إذا جاءهم الجدب والشدة ، تشاءموا بموسى ومن معه من المؤمنين ، أى قالوا : هذا بشؤمهم ، قال تعالى ردا عليهم
[ ألا إنما طائرهم عند الله ] أى إن ما يصيبهم من خير أو شر بتقدير الله ، وليس بشؤم موسى ، قال ابن عباس : الأمر من قبل الله ، ليس شؤمهم إلا من قبله وحكمه)
[ ولكن أكثرهم لا يعلمون ] أي لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط والشدائد والبلايا ، من عند الله بسبب معاصيهم ، لا من عند موسى
[ وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ] أى قال قوم فرعون لموسى : أى شيء تأتينا به يا موسى من المعجزات ، لتصرفنا عما نحن عليه فلن نؤمن لك ! ؟ قال الزمخشري : فإن قلت : كيف سموها آية ، ثم قالوا [ لتسحرنا بها ] ؟ قلت : ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية ، وإنما قصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي قال تعالى
[ فأرسلنا عليهم الطوفان ] أى أرسلنا عليهم المطر الشديد ، حتى كادوا يهلكون ، قال ابن عباس : الطوفان كثرة الأمطار المغرقة ، المتلفة للزروع والثمار
[ والجراد ] أي وأرسلنا عليهم كذلك الجراد ، فأكل زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم
[ والقمل ] وهو السوس حتى نخر حبوبهم ، وتتبع ما تركه الجراد ، وقيل : هو القمل المشهور كان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه
[ والضفادع ] جمع ضفدع حتى ملأت بيوتهم وطعامهم ، وإذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إلى فمه
[ والدم ] أى صارت مياههم دما ، فما يستقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه دما
[ آيات مفصلات ] أى علامات فيها عبر وعظات ، ومع ذلك استكبروا عن الإيمان
[ فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ] اي استكبروا عن الإيمان بها لغلوهم في الإجرام
[ ولما وقع عليهم الرجز ] أى وحين نزل بهم العذاب المذكور


[ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ] أى ادع لنا ربك ليكشف عنا البلاء ، بحق ما أكرمك به من النبوة! ! قال الزمخشري : أى اسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا ، بحق ما عندك من عهد الله وكرامته لك بالنبوة ،
[ لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ] اللام لام القسم ، أى والله لئن رفعت عنا العذاب الذي نحن فيه يا موسى ، لنصدقن بما جئت به ولنطلقن سراح بني إسرائيل ، وقد كانوا يستخدمونهم في أرذل الأعمال
[ فلما كشفنا عنهم العذاب إلى اجل هم بالغوه ] أي فلما كشفنا بدعاء موسى عنهم العذاب ، إلى وقت من الزمان هم واصلون اليه ولابد ، قال ابن عباس : هو وقت الغرق
[ إذا هم ينكثون ] أى إذا هم ينقضون عهودهم ، ويصرون على الكفر
[ فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ] أى فانتقمنا منهم بالإغراق في البحر
[ بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ] أي بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها ، وعدم مبالاتهم بها
[ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ] أى وأورثنا بني إسرائيل الذين كانوا يستذلون بالخدمة أرض الشام ، وملكناهم جميع جهاتها ونواحيها : مشارقها ومغاربها
[ التي باركنا فيها ] بالخيرات وكثرة الثمرات
[ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل ] أى تم وعد الله الصادق بالتمكين لبنى إسرائيل في الأرض ، ونصره إياهم على عدوهم ، قال الطبري : وكلمته الحسنى هي قوله جل ثناؤه [ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة . . فى الآية
[ بما صبروا ] أى بسبب صبرهم على الأذى
[ ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ] أى خزينا ودمرنا القصور والعمارات ، التي كان يشيدها فرعون وجماعته [ وما كانوا يعرشون ] من الجنات والمزارع . . وإلى هنا تنتهي قصة فرعون وقومه ، ويبتدىء الحديث عن بني إسرائيل وما أغدق الله عليهم من النعم الجسام ، وأراهم من الآيات العظام ، تسلية لرسوله عليه الصلاة والسلام مما رأه من اليهود ، قال تعالى
[ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ] أي عبرنا ببني إسرائيل البحر وهو (بحر القلزم ) عند خليج السويس الآن
[ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ] أى مروا على قوم يلازمون العكوف على عبادة أصنام لهم
[ قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ] أى اجعل لنا صنما نعبده كما لهم أصنام يعبدونها ، وهذا منهم منتهى السفه والجهل ، ولذلك نسبهم نبيهم إلى الجهالة ، قال ابن عطية : الظاهر أنهم استحسنوا ما رأوا ، فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى ، وفي جملة ما يتقرب به إلى الله ، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى اجعل لنا صنما نفرده بالعبادة ونكفر بربك
[ قال إنكم قوم تجهلون ] أى إنكم قوم تجهلون عظمة الله ، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والنظير ، قال الزمخشري : تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى ، والمعجزة الكبرى ، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده ، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع
[ ان هؤلاء متبر ما هم فيه ] أى هالك مدمر ما هم فيه من الدين الباطل وهو عبادة الأصنام
[ وباطل ما كانوا يعملون ] أي باطل عملهم مضمحل بالكلية ، لأنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة
[ قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ] أى أأطلب لكم معبودا غير الله المستحق للعبادة ؟ والحال أن الله فضلكم على غيركم بالنعم الجليلة! ! قال الطبري : فضلكم على عالمي دهركم وزمانكم
[ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ] أى واذكروا يا بني إسرائيل النعم التي سلفت مني إليكم ، حين أنجيتكم من قوم فرعون ، يذيقونكم أفظع أنواع العذاب وأسوأه ، ثم فسره بقوله
[ يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم ] أي يذبحون الذكور ويستبقون الإناث لامتهانهن في الخدمة


[ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ] أى وفي هذا العذاب اختبار وابتلاء من الله لكم عظيم ، فنجاكم منه أفلا تشكرونه ؟
[ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ، وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ] أى وعدنا موسى لمناجاتنا بعد مضى ثلاثين ليلة ، وأكملناها بعشر ليالي فتمت المناجاة بعد أربعين ليلة ، قال الزمخشري : روي أن موسى وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم ، أنه سيأتيهم بكتاب من عند الله ، فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة ، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه (تغير رائحته ) فتسوك فأوحى الله تعالى إليه : أما علمت أن خلوف فم الصائم ، أطيب عندي من ريح المسك ! فأمره تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة
[ وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي ] أى كن خليفتي فيهم إلى أن أرجع
[ وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ] أى وأصلح أمرهم ، ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض بمعصيتهم لله
[ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ] اي ولما جاء موسى للوقت الذي وعدناه فيه ، وناجاه ربه وكلمه من غير واسطة
[ قال ربى أرني أنظر إليك ] أى أرني ذاتك المقدسة أنظر اليها ، قال القرطبي : اشتاق إلى روية ربه ، لما اسمعه كلامه فسأل النظر إليه
[ قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى ] أى أجابه ربه لن تستطيع رؤيتي في الدنيا ، فإن هذه البنية البشرية لا طاقة لها بذلك ، ولكن سإتجلى لما هو أقوى منك وهو الجبل ، فإن ثبت الجبل مكانه ولم يتزلزل فسوف تراني أى فبإمكانك ان تراني ، وإلا فلا طاقة لك
[ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ] أى فلما ظهر من نور الله قدر نصف أنملة الخنصر ، اندك الجبل وتفتت ، وسقط موسى مغشيا عليه من هول الموقف ، قال ابن عباس : ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر ، فصار ترابا وخر موسى مغشيا عليه وفي الحديث : فساخ الجبل
[ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ] أى فلما صحا من غشيته قال : تنزيها لك يا رب ، وتبرئة أن يراك أحد في الدنيا ، تبت إليك من سؤالي رؤيتك في الدنيا ، وأنا أول المؤمنين بعظمتك وجلالك
[ قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ] أى اخترتك على أهل زمانك بالرسالة الإلهية ، وبتكليمي إياك بدون واسطة
[ فخذ ما آتيتك ] أى خذ ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة
[ وكن من الشاكرين ] واشكر ربك على ما أعطاك من جلائل النعم ، قال ابو السعود : والآية مسوقة لتسليته عليه السلام من عدم الإجابة إلى سؤال الرؤية كأنه قيل : إن منعتك الرؤية ، فقد أعطيتك من النعم العظام ، ما لم أعط أحدا من العالمين ، فأغتنمها وثابرعلى شكرها
[ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ] أى كتبنا له كل شىء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم ، من المواعظ وتفصيل الأحكام ، مبينة للحلال والحرام ، كل ذلك في ألواح التوراة
[ موعظة وتفصيلا لكل شيء ] أى ليتعظوا بها ويزدجروا وتفصيلا لكل التكاليف الشرعية
[ فخذها بقوة ] أى خذ التوراة بجد واجتهاد شأن أولي العزم
[ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ] أى وأمر بني إسرائيل بالحث على اختيار الأفضل ، كالأخذ بالعزائم دون الرخص ، فالعفو أفضل من القصاص ، والصبر أفضل من الانتصار ، كما قال تعالى
[ ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ] قال ابن عباس : أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه
[ سأريكم دار الفاسقين ] أي سترون منازل الفاسقين - فرعون وقومه - كيف أقفرت منهم الديار ، ودمروا أنفسهم ، لتعتبروا فلا تكونوا مثلهم ، فإن رؤيتها وهى خالية عن أهلها موجبة للاعتبار والانزجار


[ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ] أى سأمنع المتكبرين عن فهم آياتى ، فلا يتفكرون ولا يتدبرون بما فيها ، وأطمس على قلوبهم ، عقوبة لهم على تكبرهم ، قال الزمخشري : وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن آيات الله ، لتكبرهم وكفرهم بها ، لئلا . يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم
[ وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ] أى وإن يشاهدوا كل آية قرآنية ، من الآيات المنزلة عليهم ، أو يروا كل معجزة ربانية لا يصذقوا بها
[ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ] أى وإن يروا طريق الهدى والفلاح لا يسلكوه
[ وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ] أى وإن يروا طريق الضلال والفساد سلكوه ، والآية كقول سبحانه [ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ]
[ ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ] أى ذلك الانحراف عن هدي الله وشرعه ، بسبب تكذيبهم بآيات الله
[ وكانوا عنها غافلين ] أى وغفلتهم عن الآيات التي بها سعادتهم ، حيث لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون
[ والذين كذبوا بآياتنا ] أى جحدوا بما أنزل الله
[ ولقاء الآخرة ] أى وكذبوا بلقاء الله في الآخرة أى لم يؤمنوا بالبعث بعد الموت
[ حبطت أعمالهم ] أى بطلت أعمالهم الخيرية التي عملوها في الدئيا ، من إحسان ، وصلة رحم ، وصدقة وأمثالها ، وذهب ثوابها لعدم الإيمان
[ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ] أى هل يعاقبون إلا بما عملوا في الدنيا ؟
[ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ] قال الحافظ ابن كثير : يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل ، الذي اتخذه لهم السامر من الحلي ، فشكل لهم منه عجلا جسدا لا روح فيه ، وقد احتال بإدخال الريح فيه حتى صار يسمع له خوار أى صوت كصوت البقر ومعنى [ من بعده ] أى من بعد ذهاب موسى إلى الطور لمناجاة ربه
[ ألم يروا انه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ] الاستفهام للتقريع والتوبيخ أى كيف عبدوا العجل واتخذوه إلها ، مع أنه ليس فيه شيء من صفات الخالق الرازق ؟ فإنه لا يملك قدرة الكلام ، ولا قدرة هدايتهم الى سبيل السعادة ، فكيف يتخذ إلها ؟
[ اتخذوه وكانوا ظالمين ] أى عبدوا العجل واتخذوه إلها ، قكانوا ظالمين لأنفسهم ، حيث وضعوا الأشياء في غير موضعها ، وتكرير لفظ [ اتخذوا ] لمزيد التشنيع عليهم
[ ولما سقط في أيديهم ] أى ندموا على جنايتهم ، واشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل
[ ورأوا أنهم قد ضلوا ] أى تبينوا ضلالهم تبينا جليا كأنهم أبصروه بعيونهم
[ قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ] أى لئن لم يتداركنا الله برحمته ومغفرته
[ لنكونن من الخاسرين ] أى لنكونن من الهالكين ، فنخسر حياتنا وسعادتنا ، قال ابن كثير : وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجافى إلى الله عز وجل
البلاغة :
1 - [ فإذا جاءتهم الحسنة ] بين لفظ (الحسنة) و(السيئة) طباق كما أن بين لفظ طائرهم [ يطيروا ] جناس الاشتقاق وكلاهما من المحسنات البديعية .
2 - [ ودمرنا ما كان يصنع ] عدل عن الماضى إلى المضارع لاستحضار الصورة في ذهن المخاطب ، ومثله [ وما كانوا يعرشون ] والأصل ما صنعوا وما عرشوا .
3 - [ إنكم قوم تجهلون ] أتى بلفظ تجهلون ولم يقل : جهلتم اشعارا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة ، لا ينتقلون عنه في ماضبى ولا مستقبل .
4 - [ سأريكم دار الفاسقين ] فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، للمبالغة في الحض على نهج سبيل الصالحين ، والأصل ان يقال : سأريهم .
5 - [ ولما سقط في ايديهم ] كناية عن شدة الندم لأن النادم يعض على يده غما .
6 - بين لفظ [ مشارق ] و[ مغارب ] طباق وهو من المحسنات البديعية .
تنبيه :


مذهب أهل السنة قاطبة على ان المؤمنين يرون ربهم في الآخرة وانكرت المعتزلة ذلك ، واستدلوا بالآية الكريمة [ لن تراني ] وليس لهم في هذه الآية متمسك ، بل هي دليل لأهل السنة والجماعة على (امكان الرؤية) لأنها لو كانت محالا لم يسألها موسى ، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل ، ولو كانت (الرؤية) مستحيلة لكان في الجواب زجر وإغلاظ كما قال تعالى لنوح [ فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين ] فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا ، لضعف البنية البشرية عن ذلك ، قال مجاهد : ان الله قال لموسى : لن تراني ، لأنك لا تطيق ذلك ، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد ، فإن استقر واطاق الصبر لهيبتي أمكن أن ترانى أنت ، وان لم يطق الجبل فأحرى ألا تطيق أنت فعلى هذا جعل الله الجبل مثالا لموسى ، ولم يجعل الرؤية مستحيلة على الإطلاق ، وقد صرح بوقوع الرؤية في الآخرة كتاب الله [ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ] فلا ينكرها إلا مبتدع
فائدة :
لما سمع الكليم موسى كلام الله اشتاق إلى رويته ، لأن التلذذ بسماع كلام الحبيب ، يزيد في الشوق اليه والحنين ، وقد أحسن من قال : وأفرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت الديار من الديار
لطيفة :
السعادة والشقاوة بيد الله ، فموسى بن عمران رباه فرعون فكان مؤمنا ، وموسى السامري رباه جبريل وكان كافرا ، فلم تنفع تربية جبريل الأمين لموسى السامري ، ولم تضر تربية اللعين لموسى الكليم عليه السلام ، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى : إذا المرء لم يخلق سعيدا من الأزل فقذ خاب من ربى وخاب المؤمل فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرزعون مرسل
قال الله تعالى : [ ولما رجع موسى إلى قومه . . إلى . . إنا لا نضيع أجر المصلحين ] من آية ( 150 ) إلى نهاية آية (170) .
المناسبة :
لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل ، وما أغدق الله عليهم من النعم ، وما قابلوها به من الجحود والعصيان ، وقد ذكرت الآيات قصة [ أصحاب القرية ] واعتداءهم يوم السبت بالاصطياد فيه ، وكيف أن الله تعالى مسخهم قردة! ؟ وفي ذلك عبرة للمعتبرين .
اللغة :
[ أسفا ] الاسف : شدة الحزن أو الغضب يقال هو أسف واسيف
[ ابن أم ] أصلها ابن أمي وهي استعطاف ولين
[ تشمت ] الشماتة : السرور بما يصيب الإنسان من مكروه وفي الحديث فى وأعوذ بك من شماتة الاعداء "
[ الرجفة ] الزلزلة الشديدة
[ هدنا ] تبنا يقال : هاد يهود إذا تاب ورجع فهو هائد ، قال الشاعر : إنى امرؤ مما جنيت هائد
[ إصرهم ] التكاليف الشاقة ، وأصل الإصر : الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك
[ الأغلال ] جمع غل وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد
[ عزروه ] وفروه ونصروه
[ أسباطا ] جمع سبط وهو ولد الولد أو ولد البنت ، ثم أطلق على كل قبيلة من بنى إسرائيل
[ تأذن ] آذن من الإيذان بمعنى الإعلام
[ يسومهم ] يذيقهم
[ خلف ] بسكون اللام من يخلف غيره بالسوء والشر ، وأما بفتح اللام فهو من يخلف غيره بالخير ، ومنه قولهم : " جعلك الله خير خلف لخير سلف " .
التفسير :
[ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ] أى ولما رجع موسى من المناجاة [ غضبان ] مما فعلوه من عبادة العجل [ أسفا ] أى شديد الحزن
[ قال بئسما خلفتموني من بعدي ] أى بئس ما فعلتموه بعد غيبتي ، حيث عبدتم العجل
[ أعجلتم أمر ربكم ] أى أعجلتم عن أمر ربكم ، وهو انتظار نبيكم موسى حتى يرجع من الطور ؟ والاستفهام للإنكار


[ وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ] أي طرح الألواح لما عراه من شدة الغضب ، وفرط الضجر ، غضبا لله من عبادة العجل ، وأخذ بشعر رأس أخيه هارون يجره إليه ، ظنا منه أنه قصر في كفهم عن ذلك ، وكان عليه السلام شديد الغضب لله سبحانه ، قال ابن عباس : لما عاين قومه وقد عكفوا على العجل ، ألقى الألواح فكسرها غضبا لله ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه )
[ قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ] أى قال هارون يا ابن أمي - وهو نداء استعطاف وترفق - (( قال ابن كثير : وانما قال " ابن أم " ليكون أرق وأنجع عنده والا فهو شقيقه لأبيه وأمه )) إن القوم استذلوني وقهروني ، وقاربوا قتلي حين نهيتهم عن ذلك ، فأنا لم أقصر في نصحهم
[ فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ] أى لا تسىء إلي حتى يسر الأعداء بي ، ويشمتوا بإهانتك إلى ، ولا تجعلني في عداد الظالمين ، بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير ، قال مجاهد : [ الظالمين ] أى الذين عبدوا العجل
[ قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ] لما تحقق لموسى براءة ساحة هارون عليه السلام من التقصير ، طلب عند ذلك المغفرة له ولأخيه ، ققال : [ اغفر لي ولأخي ] الآية ، قال الزمخشري : استغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه ، ولأخيه مما عسى أن يكون فرط منه في حين الخلافة ، وطلب ألا يتفرقا عن رحمته ، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة
[ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ] أي إن الذين عبدوا العجل - ذكر البقر - واتخذوه إلها سيصيبهم غضب شديد من الرحمن ، وينالهم في الدنيا الذل والهوان ، قال ابن كثير : أما الغضب الذي نال بني إسرائيل ، فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة ، حتى قتل بعضهم بعضا ، وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلا وصغارا في الحياة الدنيا
[ وكذلك نجزي المفترين ] أى كما جازينا هؤلاء بإحلال الغضب والإذلال ، كذلك نجزي كل من افترى الكذب على الله ، قال سفيان بن عيينة : كل صاحب بدعة ذليل
[ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ] أى عملوا القبائح والمعاصي ، ثم تابوا ورجعوا إلى الله من بعد اقترافها ، وداموا على إيمانهم وأخلصوا فيه
[ إن ربك من بعدها لغفوز رحيم ] أى إن ربك يا محمد من بعد تلك التوبة ، لغفور لذنوبهم رحيم بهم ، قال الألوسي : وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن جلت وعظمت ، فإن عفو الله بعالى وكرمه أعظم وأجل ، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له : يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأان عفوك أعظم إن كان لايرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم ؟
[ ولما سكت عن موسى الغضب ] أى سكن غضب موسى على أخيه وقومه
[ أخذ الألواح ] أي ألواح التوراة التى كان ألغاها
[ وفي نسختها هدى ورحمة ] أى وفيما نسخ فيها وكتب ، هداية للحق ورحمة للخلق بإرشادهم إلى ما فيه سعادة الدارين
[ للذين هم لربهم يرهبون ] أى هذه الرحمة للذين يخافون الله ، ويخشون عقابه على معاصيه
[ واختار موسى قومه سبعبن رجلا لميقاتنا ] أى اختار موسى من قومه سبعين رجلا ، ممن لم يعبدوا العجل ، للوقت الذي وعده ربه ، الإتيان فيه للإعتذار عن عبادة العجل
[ فلما أخذتهم الرجفة ] أى فلما رجف بهم الجبل وصعقوا
[ قال ربى لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى ] أى قال موسى على وجه التضرع والإستسلام لأمر الله : لو شئت يا ربى أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت ، فأنا عبيدك وتحت قهرك وأنت تفعل ما تشاء


[ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ] ؟ أى أتهلكنا وسائر بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء السبعون ؟ في قولهم : [ أرنا الله جهرة ] والاستفهام استفهام استعطاف وتذلل ، فكأنه يقول : لا تعذبنا يا الله بذنوب غبرنا ، قال الطبرى : إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل ، يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موعدا فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه ، ثم ذهب بهم ليعتذروا ، فلما أتوا ذلك المكان قالوا : لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة ، فإنك قد كلمته فأرنا ربنا ، فأخذتهم الصاعقة فماتوا ، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول : رب ماذا أقول لبني إسرائيل ؟ إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ؟ ! لو شثت أهلكتهم من قبل وإياى 0 أقول : إذا كان هذا قول الأخيار من بني إسرائيل ، فكيف حال الأشرار منهم ؟ نعوذ بالله من خبث اليهود
[ إن هي إلا فتنتك ] أى ما هذه الفتنة التي حدثت لهم إلا محنتك وابتلاؤك تمتحن بها عبادك
[ تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ] أى تضل بهذه المحنة من تشاء إضلاله وتهدي من تشاء هدايته
[ أنت ولينا فأغفر لنا وأرحمنا ] أى أنت يا رب متولي أمورنا وناصرنا وحافظنا ، فأغفر لنا ما قارفناه من المعاصى ، وأرحمنا برحمتك الواسعة الشاملة
[ وأنت خير الغافرين ] أى أنت خير من صفح وستر ، تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة
[ وأكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ] هذا من جملة دعاء موسى عليه السلام ، أى حقق لنا وأمنحنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
[ إنا هدنا إليك ] أى تبنا ورجعنا إليك من جميع ذنوبنا
[ قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ] أى قال تعالى : أما عذابي فأصيب به من أشاء من عبادي ، وأما رحمتي فقد عمت خلقي كلهم ، قال ابو السعود : وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي ، إيذان بأن الرحمة مقتضى الذات ، أاما العذاب فمقتضى معاصى العباد
[ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ] أي سأجعل هذه الرحمة خاصة في الآخرة ، بالذين يتقون الكفر والمعاصى ، ويعطون زكاة أموالهم ، ويصدقون بجميع الكتب والأنبياء
[ الذين يتبعون الرسول النبي الأمى ] أى هؤلاء الذين تنالهم الرحمة ، هم الذين يتبعون محمدا (ص) ، النبن العربي الأمي ، أى الذي لا يقرأ ولا يكتب ، قال البيضاوي : وإنما سقاه (رسولا) بالإضافة إلى الله تعالى ، و(نبيا) بالإضافة إلى العباد
[ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ] أى الذي يجدون نعته وصفته في التوراة والإنجيل ، قال ابن كثير : هذه صفة محمد (ص) في كتب الأنبياء ، بشروا أممهم ببعثته وأمروهم بمتابعته ، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم
[ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ] أى لا يأمر إلا بكل شيء مستحسن ، ولا ينهى إلا عن كل شىء قبيح
[ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ] أى يحل لهم ما حرم الله عليهم من الأشياء الطيبة بشؤم ظلمهم ، ويحرم عليهم ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير
[ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ] أى يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة ، التى تشبه الأغلال ، كقتل النفس في التوبة ، وقطع موضع النجاسة من الثوب ، والقصاص من القاتل عمدا كان القتل أو خطأ ، وشبه ذلك
[ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ] أى فالذين صدقوا بمحمد وعظموه ووقروه ونصروا دينه
[ واتبعوا النور الذي أنزل معه ] أى واتبعوا قرآنه المنير وشرعه المجيد
[ أولئك هم المفلحون ] أى هم الفائزون بالسعادة السرمدية


[ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ] هذا بيان لعموم رسالته (ص) لجميع الخلق أى قل يا محمد للناس : إني رسول من عند الله إلى جميع أهل الأرض
[ الذي له ملك السموات والأرض ] أى المالك لجميع الكائنات
[ لا إله هو يحيي ويميت ] أى لا رب ولا معبود بحق سواه ، فهو الإله القادر على الإحياء والإفناء
[ فآمنوا بالله ورسوله ] أي صدقوا بآيات الله ، وصدقوا برسوله المبعوث إلى جميع خلقه
[ النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ] أي آمنوا بالنبي الأمي صاحب المعجزات ، الذي لا يقرأ ولا يكتب ، المصدق بالكتب التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء
[ واتبعوه لعلكم تهتدون ] أى اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ، رجاء اهتدائكم إلى المطلوب
[ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ] أى ومن بني إسرائيل جماعة مستقيمون على شريعة الله ، يهدون الناس بكلمة الحق لا يجورون ، قال الزمخشري : لما ذكر تعالى الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا ، حتى أقدموا على العظيمتين : عبادة العجل ، وطلب رؤية الله ، ذكر أن منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق ، ويدلونهم ويرشدونهم على الاستقامة
[ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ] أي وفرقنا بني إسرائيل فجعلناهم قبائل شتى ، اثنتي عشرة قبيلة ، من اثنى عشر ولدا من أولاد يعقوب ، قال أبو حيان : أى فرقناهم وميزناهم أسباطا ليرجع أمر كل سبط أى - قبيلة - إلى رئيسه ، ليخف أمرهم على موسى ، ولئلا يتحاسدوا فيقع الهرج ، ولهذا فجر لهم اثنتي عشرة عينا لئلا يننازعوا ، ويقتتلوا على الماء ، وجعل لكل سبب نقيبا ليرجعوا في أمورهم إليه
[ وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه ] أى حين استولى عليهم العطش في التيه
[ أن اضرب بعصاك الحجر ] أى أوحينا إليه أن يضرب الحجر بعصاه فضربه
[ فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ] أى انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا من الماء بعدد الأسباط
[ قد علم كل أناس مشربهم ] أي قد عرف كل سبط وجماعة منهم عينهم الخاصة بهم ، قال الطبري : لا يدخل سبط على غيره في شربه
[ وظللنا عليهم الغمام ] أى جعلنا الغمام يكنهم من حر الشمس ويقيهم من أذاها ، وكان الظل يسير بسيرهم ويسكن بإقامتهم
[ وأنزلنا عليهم المن والسلوى ] أى وأكرمناهم بطعام شهي هو [ المن ] وهي شيء حلو ينزل على الشجر يجمعونه ويأكلونه و[ السلوى ] ، وهو طائر لذيذ اللحم يسمى السماني ، كل ذلك من إفضال الله وإنعامه عليهم دون جهد منهم
[ كلوا من طيبات ما رزقناكم ] أى وقلنا لهم : كلوا من هذا الشيء الطيب اللذيذ الذي رزقناكم إياه
[ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ] في الكلام محذوف تقديره : فكفروا بهذه النعم الجليلة ، وما ظلمونا بذلك ولكن ظلموا أنفسهم حيث عرضوها بالكفر لعذاب الله
[ وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم ] أي واذكر لهم حين قلنا لأسلافهم : اسكنوا بيت المقدس ، وكلوا من مطاعمها وثمارها من أى جهة ، ومن أي مكان شئتم منها
[ وقولوا حطة ] أى وقولوا حين دخولكم : يا ألله حط عنا ذنوبنا
[ نغفر لكم خطيئاتكم ] اي نمح عنكم جميع الذنوب التي سلفت منكم
[ سنزيد المحسنين ] أى وسنزيد من أحسن عمله بإمتثال أمر الله وطاعته ، نزيده فوق الغفران دخول الجنان
[ فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ] أي غير الظالمون منهم أمر الله بقولهم كلاما لا يليق ، حيث قالوا بدل [ حطة ] حنطة في شعيرة ، وبدل أن يدخلوا ساجدين خشوعا لله ، دخلوا يزحفون على أستاههم " أدبارهم " سخرية واستهزاء بأوامر الله


[ فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون ] أى فأرسلنا عليهم عذابا من السماء ، بسبب ظلمهم وعدوانهم المستمر سابقا ولاحقا ، قال ابو السعود : والمراد بالعذاب " الطاعون " روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا
[ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ] أى واسأل يا أيها الرسول اليهود عن أخبار أسلافهم ، وعن أمر القرية التي كانت بقرب البحر وعلى شاطئه ، ماذا حل بهم ؟ لما عصوا أمر الله واصطادوا يوم السبت ؟ ألم يمسخهم الله قردة وخنازير ؟ قال ابن كثير : وهذه القرية هي (أيلة) وهي على شاطىء بحر القلزم
[ إذ يعدون في السبت ] أى يتجاوزون حد الله فيه ، وهو اصطيادهم يوم السبت
[ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ] أى حين كانت الحيتان (الأسماك) تأتيهم يوم السبت - وقد حرم عليهم الصيد فيه - كثيرة ظاهرة على وجه الماء لكثرتها
[ ويوم لا يسبتون لا يأتيهم ] أى وفي غير يوم السبت وهي سائر الايام لا تأتيهم بل تغيب عنهم وتختفي
[ كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ] أى مثل ذلك البلاء العجيب ، نختبرهم ونمتحنهم بإظهار السمك لهم على وجه الماء ، في اليوم المحرم عليهم صيده ، وإخفائها عنهم في اليوم الحلال ، بسبب فسقهم وانتهاكهم حرمات الله ، قال القرطبي : روي أنها كانت في زمن داود عليه السلام ، وأن إبليس أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض ، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها ، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء ، فيأخذونها يوم الأحد ويحتالون في صيدها
[ وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ] قال ابن كثير : يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق : فرقة ارتكبت المحظور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت ، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم ، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة [ لم تعظون قوها الله مهلكهم ] أى لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله ، فلا فائدة في نهيكم إياهم ؟
[ قالوا معذرة إلى ربكم ] أى قال الناهون : إنما نعظهم لنعذر عند الله ، بقيامنا بواجب النصح والتذكير
[ ولعلهم يتقون ] أي ينزعون عما هم فيه من الإجرام ، قال الطبري : أى لعلهم أن يتقوا الله فينيبوا إلى طاعته ، ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعديهم الإعتداء في السبت
[ فلما نسوا ما ذكروا به ] أى فلما تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ، وأعرضوا عن قبول النصيحة إعراضا كليا
[ أنجينا الذين ينهون عن السوء ] أى نجينا الناهين عن الفساد في الأرض
[ وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ] أى وأخذنا الظالمين العصاة بعذاب شديد ، وهم الذين ارتكبوا المنكر
[ بما كانوا يفسقون ] أى بسبب فسقهم وعصيانهم لأمر الله
[ فلما عتوا عما نهوا عنه ] أى فلما استعصوا وتكبروا عن ترك ما نهوا عنه
[ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ] أي مسخناهم إلى قردة وخنازير ؟ والمعنى : أنهم عذبوا أولا بعذاب شديد ، فلما لم يرتدعوا وتمادوا في الطغيان مسخوا قردة وخنازير ، والحاصل أن أصحاب القرية انقسموا ثلاث فرق : فرقة عصت فحل بها العذاب ، وفرقة نهت ووعظت فنجاها الله من العذاب ، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تقارف المعصية وقد سكت عنها القرآن ، قال ابن عباسى : ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة أنجوا أم هلكوا ؟ قال عكرمة : فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا ، لأنهم كرهوا ما فعله أولئك ، فكساني حلة


[ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ] أي وأذكر يا أيها الرسول حين أعلم ربك اعلاما واضحا ، ليسلطن على اليهود إلى قيام الساعة من يذيقهم أسوأ العذاب ، بسبب عصيانهم ومخالفتهم أمر الله ، واحتيالهم على المحارم ، وقد سلط الله عليهم " محمدا " (ص) فطهر الأرض من رجسهم ، وأجلاهم عن الجزيرة العربية ، وسلط الله عليهم (بختنصر) فقتلهم وسباهم ، وسلط عليهم (النصارى) فأذلوهم وضربوا عليهم الجزية ، وسلط عليهم أخيرا (هتلر) فاستباح حماهم وكاد أن يبيدهم ويفنيهم بالقتل والتشريد في الأرض ، ولا يزال وعد الله بتسليط العذاب عليهم ساريا ، إلى أن يقتلهم المسلمون في المعركة الفاصلة ((وهو قوله (ص) في الحديث الذي رواه مسلم " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبىء اليهودي وراء الشجر أو الحجر ، فينطق الله الشجر والحجر ، فيقول : يا مسلم ، يا عبد الله ، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله . . ) وهذا الحديث من معجزات النبوة )) إن شاء الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله
[ إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ] أى سريع العقاب لمن عصاه ، وغفوز رحيم لمن أطاعه
[ وقطعناهم في الأرض أمما ] أى فرقناهم في البلاد طوائف وفرقا ، ففي كل بلدة فرقة منهم ، وليس لهم إقليم يملكونه ، حتى لا تكون لهم شوكة ، وما اجتمعوا في الأرض المقدسة في هذه الأيام ، إلا ليذبحوا بأيدي المؤمنين إن شاء الله ، كما وعد بذلك رسول الله ، حيث قال : " لا تقوم الساعة حتى يقابل المسلمون اليهود 000 " الحديث . . ثم بين تعالى أنهم ليسوا جميعا فجارا ، بل فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال سبحانه
[ منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ] أى منهم من آمن وهم قلة قليلة ، ومنهم من انحط عن درجة الصلاح ، بالكفر والفسوق وهم الكثرة الغالبة
[ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ] أى اختبرناهم بالنعم والنقم ، والشدة والرخاء ، لعلهم يرجعون عن الكفر والمعاصي
[ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ] أى خلف من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ، خلف آخر لا خير فيهم ، ورثوا الكتاب وهو التوراة عن آبائهم
[ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ] أي يأخذون ذلك الشيء الدنيء من حطام الدنيا من حلال وحرام ، ويقولون متبجحين : سيغفر الله لنا ما فعلناه ، وهذا اغترار منهم وكذب على الله
[ وأن يأتهم عرض مثله يأخذوه ] أى يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب ، كلما لاح لهم شيء من حطام الدنيا أخذوه ، لا يبالون من حلال كان أو من حرام
[ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ] الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، أى ألم يؤخذ عليهم العهد المؤكد في التوراة أن يقولوا الحق ولا يكذبوا على الله ؟ فكيف يزعمون نه سيغفر لهم مع إصرارهم على المعاصي وأكل الحرام ؟
[ ودرسوا ما فيه ] في هذا أعظم التوبيخ لهم أى والحال أنهم درسوا ما في الكتاب ، وعرفوا ما فيه المعرفة التامة ، من الوعيد على قول الباطل والإفتراء على الله
[ والدار الآخرة خير للذين يتقون ] أى والآخرة خير للذين يتقون الله بترك الحرام
[ أفلا يعقلون ] ؟ الاستفهام للإنكار أى أفلا ينزجرون ويعقلون ؟ والمراد أنهم لو كانوا عقلاء لما آثروا الفانية على الباقية
[ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ] أن يتمسكون في أمور دينهم بما أنزله الله ، ويحافظون على أداء الصلاة في أوقاتها
[ إنا لا نضيع أجر المصلحين ] أى لا نضيع أجرهم بل نجزيهم على تمسكهم وصلاحهم ، أفضل وأكرم الجزاء .
البلاغة :


1 - [ ولما سكت عن موسى الغضب ] شبه الغضب بإنسان يرعد ويزبد ، ويزمجر بصوته آمرا بالانتقام ، ثم اختفى هذا الصوت وسكت ، ففي الكلام (استعارة لطيفة) ويا له من تصوير لطيف ، يستشعر جماله كل ذي طبع سليم وذوق صحيح ! !
2 - بين لفظ " تضل " و " تهدى " طباق وكذلك بين لفظ (يحى " و " يميت " وهو من المحسنات البديعية .
3 - [ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ] فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة ، وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ، ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب .
4 - [ ويضع عنهم إصرهم والأغلال ] استعار الإصر والأغلال للأحكام والتكاليف الشاقة ، ففيه استعارة مكنية .
5 - [ أفلا تعقلون ] التفات من الغيبة إلى الخطاب ، زيادة في التوبيخ والتأنيب .
فائدة :
الخلف بفتح اللام من يخلف غيره بالخير ، والخلف بسكون اللام من يخلف غيره في الشر . كقوله تعالى : [ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ] وهذه الآية [ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ] .
قال الله تعالى : [ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة . . إلى . . ويذرهم في طغيانهم يعمهون ] من آية (171 ) إلى نهاية آية (186 ) .
المناسبة :
لما حكى تعالى عن بني إسرائيل عصيانهم وتمردهم على أوامر الله ، حكى هنا ما عاقبهم به من اقتلاع جبل الطور ورفعه فوقهم إن لم يعملوا بأحكام التوراة ، ثم ذكر تعالى مثلا لعلماء السوء ، وهو " بلعم بن باعورا " وضرب له مثلا بالكلب اللاهث ، وكفى به تصويرا لنفسية اليهود في تكالبهم على الدنيا وعبادتهم للمال ! !
اللغة :
[ نتقنا ] النتق : الجذب بقوة قال ابو عبيدة : أصل النتق قلع الشيء من موضعه والرمي به
[ ظلة ] الظلة : كل ما أظلك من سقف أو سحابة أو جانب حائط ، والجمع ظلل وظلال
[ وظنوا ] علموا أو أيقنوا
[ انسلخ ] الإنسلاخ : الخروج يقال لكل من فارق شيئا بالكلية انسلخ منه وانسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه
[ أخلد ] مال إلى الشيء وركن إليه وأصله اللزوم ، ومنه الخلود في الجنة
[ يلهث ] قال الجوهري : لهث الكلب يلهث إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش
[ ذرأنا ] خلقنا
[ يلحدون ] الإلحاد : الميل عن القصد والاستقامة يقال : الحد في الدين ولحد ، فهو ملحد ، لإنحرافه عن الشريعة والدين .
التفسير :
[ وإذ نتقنا الجبل فوقهم ] أى اذكر حين اقتلعنا جبل الطور ورفعناه فوق رءوس بني إسرائيل
[ كأنه ظلة ] أى كأنه سقيفة أو ظلة غمام
[ وظنوا أنه واقع بهم ] أى أيقنوا أنه ساقط عليهم إن لم يمتثلوا الأمر ، قال المفسرون : روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لشدة تكاليفها ، فرفع جبريل الطور على رءوسهم ، وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم ، فلما نظروا إلى الجبل ، خر كل واحد منهم ساجدا خوفا من سقوطه
[ خذوا ما آتيناكم بقوة ] أى وقلنا لهم خذوا التوراة بجد وعزيمة
[ واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ] أى طبقوا أحكامه واعملوا به ، لتكونوا في زمرة المتقين ! !


[ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ] قال الطبري : أى واذكر يا محمد إذ استخرج ربك أولاد آدم من أصلاب آبائهم ، فقررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض بذلك (( للمفسرين في هذه الاية قولان : أحدهما أن الله لما خلق ادم أخرج ذريته من صلبه وهم مثل الذر وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم فأقروا وشهدوا بذلك ، وقد روي هذا المعنى عن النبي (ص) من طرق كثيرة وقال به جماعة من الصحابة والثاني : أن هذا من باب التمثيل والتخييل والمعنى انه سبحانه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم ، وهذا الرأي اختاره الزمخشري وأبو حيان وأبو السعود ، والأول أصح وأرجح )) قال ابن عباس : مسح الله ظهر آدم فإستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة .
[ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ] أى وقررهم على ربوبيته ووحدانيته فأقروا بذلك والتزموه
[ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ] أى لئلا تقولوا يوم الحساب إنا كنا عن هذا الميثاق والإقرار بالربوبية غافلين لم ننبه عليه
[ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ] أى ولكيلا تقولوا يوم القيامة أيضا : نحن ما أشركنا وإنما قلدنا آباءنا واتبعنا منهاجهم فنحن معذورون
[ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ] أى أفتهلكنا بإشراك من أشرك من آبائنا المضلين ، بعد اتباعنا مناهجهم على جهل منا بالحق ؟
[ وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ] أي وكما بينا الميثاق نبين الآيات ليتدبرها الناس ، وليرجعوا عما هم عليه من الإصرار على الباطل وتقليد الأباء
[ وأتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ] أى وأتل يا محمد على اليهود خبر وقصة ذلك العالم ، الذي علمناه علم بعض كتب الله ، فانسلخ من الآيات كما تنسلخ الحية من جلدها ، بأن كفر بها وأعرض عنها
[ فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ] أى فلحقه الشيطان واستحوذ عليه حتى جعله في زمرة الضالين الراسخين في الغواية ، بعد أن كان من المهتدين ، قال ابن عباس : هو " بلعم بن باعوراء " كان عنده اسم الله الأعظم وقال ابن مسعود : هو رجل من بنى إسرائيل بعثه موسى إلى ملك " مدين " داعيا إلى الله فرشاه الملك ، وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه ، ففعل وأضل الناس بذلك
[ ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ] أى لو شئنا لرفعناه إلى منزل العلماء الأبرار ، ولكنه مال إلى الدنيا وسكن اليها ، واثر لذاتها وشهواتها على الآخرة ، واتبع ما تهواه نفسه فانحط أسفل سافلين
[ فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ] أى فمثله في الخسة والدناءة كمثل الكلب ان طردته وزجرته فسعى لهث ، وإن تركته على حاله لهث ، وهو تمثيل بادي الروعة ظاهر البلاغة
[ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ] أى هذا المثل السيىء ، هو مثل لكل من كذب بآيات الله ، وفيه تعريض باليهود فقد أوتوا التوراة وعرفوا صفة النبي عليه الصلاة والسلام ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وانسلخوا عن حكم التوراة
[ فأقصص القصص لعلهم يتفكرون ] أى أقصص على أمتك ما أوحينا إليك ، لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون ! !
[ ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ] أى بئس مثلا مثل القوم المكذبين بآيات الله
[ وأنفسهم كانوا يظلمون ] أى وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم ، فإن وباله لا يتعداها
[ من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ] أى من هداه الله فهو السعيد الموفق ، ومن أضله فهو الخائب الخاسر لا محالة ، والغرض من الآية بيان أن الهداية والإضلال بيد الله سبحانه


[ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ] أى خلقنا لجهنم - ليكونوا حطبا لها - خلقا كثيرا كأننا من الجن والإنس ، والمراد بهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة
[ لهم قلوب لا يفقهون بها ] أي لهم قلوب لا يفهمون بها الحق
[ ولهم أعين لا يبصرون بها ] أى لا يبصرون بها بصر اعتبار دلائل قدرة الله جل وعلا
[ ولهم آذان لا يسمعون بها ] أى لا يسمعون بها الآيات والمواعظ ، سماع تدبر واتعاظ ، وليس المراد نفي السمع والبصر بالكلية ، وإنما المراد نفيها عما ينفعها في الدين
[ أولئك كالأنعام بل هم أضل ] أى هم كالحيوانات في عدم الفقه والبصر والاستماع ، بل هم أسوأ حالا من الحيوانات ، فإنها تدرك منافعها ومضارها ، وهؤلاء لا يميزون بين المنافع والمضار ، ولهذا يقدمون على النار
[ أولئك هم الغافلون ] أى الغارقون في الغفلة
[ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ] أى لله الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها ، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها ، فسموه بتلك الأسماء
[ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ] أى اتركوا الذين يميلون في أسمائه تعالى عن الحق ، كما فعل المشركون حيث اشتقوا لآلهتهم أسماء منها (كاللات ) من الله ، و(العزى) من العزيز ، و(مناة) من المتان
[ سيجزون ما كانوا يعملون ] أى سينالون جزاء ما عملوا في الآخرة
[ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ] أي ومن بعض الأمم التي خلقنا ، أمة مستمسكة بشرع الله قولا وعملا ، يدعون الناس إلى الحق وبه يعملون ويقضون ، قال ابن كثير : والمراد قي الآية هذه الأمة المحمدية لحديث (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك وهذه الطائفة لا تختص بزمان دون زمان ، بل هم في كل زمان وفي كل مكان ، فالإسلام دائما يعلو ولا يعلى عليه ، وإن كثر الفساق وأهل الشر فلا عبرة فيهم ولا صولة لهم ، وفي الحديث بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية بأن الإسلام فى علو شرف ورفعة قدر ، هو وأهله إلى قيام الساعة
[ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ] أى والذين كذبوا بالقرآن من أهل مكة وغيرهم ، سنأخذهم قليلا ، قليلا ، ونقربهم من الهلاك من حيث لا يشعرون ، قال البيضاوي : وذلك بأن تتواتر عليهم النعم ، فيظنوا أنها لطف من الله تعالى بهم ، فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغى ، حتى تحق عليهم كلمة العذاب
[ وأملي لهم ] أى وأمهلهم ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، كما في الحديث الشريف " إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته
[ إن كيدي متين ] أى أخذي وعقابي قوي شديد ، وإنما سماه " كيدا " لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان
[ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ] أى أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بآيات الله ، ليعلموا أنه ليس بمحمد (ص) جنون ، بل هو رسول الله حقا أرسله الله لهدايتهم ، وهذا نفى لما نسبه له المشركون من الجنون في قولهم [ يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ]
[ إن هو إلا نذير مبين ] أى ليس محمد إلا رسول منذر ، أمره بين واضح ، لمن كان له لب أو قلب يعقل به ويعي
[ أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ] أي أولم ينظروا نظر استدلال فى ملك الله الواسع ؟ الذي يدل على عظمة الله وكمال القدرة ، والاستفهام للإنكار والتوبيخ
[ وما خلق الله من شيئ ] أى وفي جميع مخلوقات الله ، الجليل فيها والدقيق فيستدلوا بذلك على كمال قدرة صانعها ، وعظم شأن مالكها ، ووحدة خالقها ومبدعها ؟
[ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ] أى وأن يتفكروا لعل أجلهم قريب ، ليسارعوا إلى النظر والتدبر ، فيما يخلصهم من عذاب الله قبل حلول الأجل
[ فبأي حديث بعده يؤمنون ] أى فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون ؟ إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في الظهور والبيان ؟


[ من يضلل الله فلا هادي له ] أى من كتب الله عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد
[ ويذرهم في طغيانهم يعمهون ] أى ويتركهم في كفرهم وتمردهم يترددون ويتحيرون .
البلاغة :
1 - [ وإذ أخذ ربك ] فيه التفات من المتكلم إلى المخاطب والأصل وإذ أخذنا والنكتة فى ذلك تعظيم شأن الرسول بتوجيه الخطاب له .
2 - [ فانسلخ منها ] أى خرج منها بالكلية انسلاخ الجلد من الشاة .
3- [ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ] تشبيه تمثيلي أى حاله فى السوء ، كحال أخس الحيوانات وأسفلها ، وهي حالة الكلب في دوام لهثه ، في حالتي (التعب ) و(الراحة) فالصورة منتزعة من متعدد ، ولهذا يسمى (التشبيه التمثيلى) .
4 - [ أولئك كالأنعام ] التشبيه هنا (مرسل مجمل ) لذكر أداة التشبيه ، وحذت وجه الشبه .
فائدة :
روي عن ابن عباس في قوله تعالى : [ ألست بربكم قالوا بلى ] أنه قال : لو قالوا " نعم ، لكفروا ، ووجهه ان " نعم " تصديق للمخبر بنفي أو ايجاب ، فكأنهم أقروا أنه ليس ربهم ، بخلاف " بلى " فإنها حرف جواب ، تصديق للمخبر بالنفى وتفيد إبطاله ، فالمعنى : بلى أنت ربنا ، ولو قالوا نعم لصار المعنى : نعم لست ربنا ، فهذا وجه قول ابن عباس ، فتنبه له فإنه دقيق .
تنبيه :
في الحديث الشريف أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة " رواه الترمذي ، قال العلماء : معناه من حفظها وتفكر في مدلولها دخل الجنة ، وليس المراد حصر أسمائه تعالى في هذه التسعة والتسعين بدليل ما جاء في الحديث الآخر (أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) وقد ذكر ابن العربي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم ، والله أعلم .
قال الله تعالى : [ يسئلونك عن الساعة أيان مرساها . . . إلى . . ويسبحونه وله يسجدون ] من آية (187 ) إلى آية (206) نهاية السورة الكريمة .
المناسبة :
لما ذكر تعالى موقف المستهزئين من دعوة الرسول (ص) ، ذكر هنا طرفا من عنادهم واستهزائهم ، بسؤالهم الرسول (ص) عن وقت (قيام الساعة) ، ثم ذكر الحجج والبراهين على بطلان عقيدة المشركين ، في عبادة الأوثان والأصنام ، وختم السورة الكريمة ببيان عظمة شأن القرآن ، ووجوب الاستماع والإنصات له عند تلاوته .
اللغة :
[ مرساها ] استقرارها وحصولها ، من أرساه إذا أبيته وأقره ومنه رسمت السفينة إذا ثبتت ووقفت
[ يجليها ] يظهرها ، والتجلية : الكشف والإظهار
[ حفى ] الحفى : المستقصي للشيء المعتنى بأمره ، قال الأعشى : فإن تسألنى عنى فيارب سائل حفى على الأعشى به حيث أصعدا والإحفاء الاستقصاء ، ومنه إحفاء الشوارب ، وحفي بالشيء : إذا بحث للتعرف عن حاله
[ العرف ] المعروف وهو كل خصلة حميدة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس
[ الآصال ] جمع أصيل قال الجوهري : والأصيل الوقت من بعد العصر إلى المغرب0
سبب النزول :
روي أن المشركين قالوا للنبي (ص) : إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم ؟ فأنزل الله [ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ] .
التفسير :
[ يسألونك عن الساعة ] أى يسألونك يا محمد عن القيامة
[ أيان مرساها ] أى متى وقوعها وحدوثها ؟ وسميت القيامة (ساعة) لسرعة ما فيها من الحساب
[ قل إنما علمها عند ربي ] أى قل لهم يا محمد : لا يعلم الوقت الذي يحصل قيام القيامة فيه ، إلا الله سبحانه ، ثم أكد ذلك بقوله
[ لا يجليها لوقتها إلا هو ] أى لا يكشف أمرها ولا يظهرها للناس إلا الرب سبحانه بالذات ، فهو العالم بوقتها
[ ثقلت في السموات والأرض ] أى عظمت على أهل السموات والأرض حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها وأهوالها
[ يسألونك كأنك حفى عنها ] أى يسألونك يا محمد عن وقتها ، كأنك كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها


[ قل إنما علمها عند الله ] أى لا يعلم وقتها إلا الله لأنها من الأمور الغيبية التي استأثر بها علام الغيوب
[ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ] أى لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت ! ! قال الإمام الفخر : والحكمة في اخفاء الساعة عن العباد ، أنهم إذا لم يعلموا متى تكون ، كانوا على حذر منها ، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة ، وأزجر عن المعصية
[ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ] أي لا أملك أن اجلب إلى نفسي خيرا ، ولا أدفع عنها شرا إلا بمشيئته تعالى ، فكيف أملك علم الساعة ؟
[ ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير ] أى لو كنت أعرف أمور الغيب ، لحصلت كثيرا من منافع الدنيا وخيراتها ، ودفعت عني آفاتها ومضراتها
[ وما مسني السوء ] أى ولو كنت أعلم الغيب لاحترست من السوء ، ولكن لا أعلمه ، فلهذا يصيبني ما قدر لي من الخير والشر
[ إن أنا إلا نذير وبشير ] أى ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة
[ لقوم يؤمنون ] أى لقوم يصدقون بما جئتهم به من عند الله
[ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ] أي هو سبحانه ذلك العظيم الشأن ، الذي خلقكم جميعا من [ نفس واحدة ] هي آدم عليه السلام
[ وجعل منها زوجها ] أى وخلق منها حواء
[ ليسكن إليها ] أى ليطمئن إليها ويستأنس بها
[ فلما تغشاها حملت حملا خفيفا ] أى فلما جامعها حملت بالجنين حملا خفيفا دون إزعاج ، لكونه نطفة في بادىء الأمر ، فيكون أخف عليها بالنسبة إلى ما بعد ذلك
[ فمرت به ] أى استمرت به إلى حين ميلاده
[ فلما أثقلت ] أى ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبر الحمل في بطنها
[ دعوا الله ربهما ] أى دعوا الله مربيهما ومالك أمرهما
[ لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ] أى لئن رزقتا ولدا صالحا سوى الخلقة ، لنشكرنك على نعمائك
[ فلما آتاهما صالحا ] أى فلما وهبهما الولد الصالح السوي
[ جعلا له شركاء فيما آتاهما ] أي جعل أبناء آدم وذريته ، شركاء مع الله فعبدوا الأوثان والأصنام (( ذهبنا إلى هذا الرأي لجلائه ووضوحه ، وهو ما رجحه المحققون من أهل العلم ، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الاية في " ادم وحواء " وأن الضمير في قوله تعالى : {جعلا له شركاء} يعود إليهما ، ورووا في ذلك أحاديث وآثارا ، منها ما روي عن سمرة مرفوعا قال : " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه : " عبد الحارث " فانه يعيش ، فسمته عبد الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحي الشيطان " قال الحافظ ابن كثير : وهذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه وقد وضحها رحمه الله ورجح أن الحديث موقوف ، وضعف ما ورد من اثار ، ثم روى بسنده عن الحسن البصري أنه قال : كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بأدم ثم قال ابن كثير : وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا ، وأنه ليس المراد من هذا السياق " آدم وحواء " وإنما المراد المشركون من ذريته ، بدليل قول الله بعده {فتعالى الله عما يشركون } أقول : وهو الحق الذي لا محيد عنه ، لأن نسبة أدم إلى الشرك وهو نبى كريم أمر خطير))
[ فتعالى الله عما يشركون ] أى تنزه وتقدس الله عما ينسبه إليه المشركون
[ أيشركون ما لا يخلق شيئا ] الاستفهام للتوبيخ أى أيشركون مع الله ما لا يقدر على خلق شيء أصلا
[ وهم يخلقون ] أى والحال إن تلك الأوثان والألهة مخلوقة ، فكيف يعبدونها مع الله ؟
[ ولا يستطيعون لهم نصرا ] أى لا تستطيع هذه الأصنام نصر عابديها
[ ولا أنفسهم ينصرون ] أى ولا ينصرون أنفسهم ممن أرادهم بسوء ، فهم في غاية العجز والذلة ، فكيف يكونون آلهة ؟
[ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ] أى أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى خير أو رشاد ، لأنها جمادات


[ سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ] أى يتساوى في عدم الافادة ، دعاؤكم لهم وسكوتكم ؟ قال ابن كثير : يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها ، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها ، كما قال إبراهيم [ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ]
[ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ] أى أن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام ، وتسمونهم آلهة ، مخلوقون مثلكم بل الأناس أكمل منها ، لأنها تسمع وتبصر وتبطش ، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك ، فلهذا قال
[ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ] أمر على جهة التعجيز والتبكيت أى ادعوهم في جلب نفع أو دفع ضر ، إن كنتم صادقين في دعوى أنها الهة ((قال الحافظ ابن كثير : أسلم (معاذ بن جبل ) و(معاذ بن عمرو بن الجموح ) وكانا شابين فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتخذانها حطبا ، وكان لعمرو بن الجموح - وهو سيد قومه - صنم يعبده ويطيبه فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة - النجس - فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ، ويضع عنده سيفا ويقول له : انتصر ، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه ، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت ودلياه في بئر هناك ، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك ، علم أن ما عليه من الدين باطل فأنشد يقول : " تالله لوكنت إلها مستدن لم تك والكلب جميعا في قرن ) ثم اسلم فحسن إسلامه ، وقتل يوم أحد شهيدا ، رضي الله عنه وأرضاه . تفسير ابن كثير))
[ ألهم أرجل يمشون بها ] توبيخ إثر توبيخ ، أي هل لهذه الأصنام أرجل تقدر على المشي
[ أم لهم أيد يبطشون بها ] أى أم هل لهم أيد تفتك وتبطش بمن أرادها بسوء ؟
[ أم لهم أعين يبصرون بها ] أى أم هل لهم أعين تبصر بها الأشياء ؟
[ أم لهم أذان يسمعون بها ] أى أم هل لهم آذان تسمع بها الاصوات ؟ والغرض بيان جهلهم وتسفيه عقولهم ، في عبادة جمادات لا تسمع ولا تبصر ، ولا تغني عن عابدها شيئا ، لأنها فقدت الحواس ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، والإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام ، لوجود العقل والحواس فيه ، فكيف يليق بالأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون ، الذي لا يحس منه فائدة أبدا ، لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرة ؟!
[ قل ادعوا شركاءكم ] أى قل لهم يا محمد ادعوا أصنامكم ، واستنصروا واستعينوا بها علي
[ ثم كيدون فلا تنظرون ] أى ابذلوا جهدكم أنتم وهم في الكيد لي ، وإلحاق الآذى والمضرة بي ، ولا تمهلوني طرفة عين ، فإني لا أبالي بكم لاعتمادي على الله ، قال الحسن : خوفوا الرسول (ص) بآلهتهم ، فأمره تعالى أن يجابههم بذلك
[ ن وليي الله الذي نزل الكتاب ] أى إن الذي يتولى نصري وحفظى ، هو الله الذي نزل علي القرآن
[ وهو يتولى الصالحين ] أى هو جل وعلا يتولى عباده الصالحين ، بالحفظ والتأييد ، وهو وليهم في الدنيا والآخرة
[ والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ] كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر
[ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ] أى وان تدعوا هذه الأصنام إلى الهداية والرشاد ، لا يسمعوا دعاءكم ، فضلا عن المساعدة والإمداد
[ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ] أى وتراهم يقابلونك بعيون مصورة ، كأنها ناظرة وهي جماد لا تبصر ، لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئا
[ خذ العفو ] أمر له عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق ، أى خذ بالسهل اليسير في معاملة الناس ومعاشرتهم ، قال ابن كثير : وهذا أشهر الأقوال ويشهد له قول جبريل للرسول (ص) " إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك ،
[ وأمر بالمعروف ] أي بالمعروف والجميل ، المستحسن من الأقوال والأفعال


[ وأعرض عن الجاهلين ] أى لا تقابل السفهاء بمثل سفههم بل أحلم عليهم ، قال القرطبي : وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه الصلاة والسلام ، فهو تأديب لجميع خلقه
[ وإن ينزغنك من الشيطان نزغ ] أى وإما يصيبنك يا محمد طائف من الشيطان بالوسوسة ، والتشكيك في الحق
[ فاستعذ بالله ] أى فاستجر بالله والجأ إليه في دفعه عنك
[ إنه سميع عليم ] أى سميع لما تقول عليم بما تفعل
[ إن الذين اتقوا ] أى الذين اتصفوا بتقوى الله
[ إذا مسهم طائف من الشيطان ] أى إذا أصابهم الشيطان بوسوسته ، وحام حولهم بهواجسه
[ تذكروا ] أى تذكروا عقاب الله وثوابه
[ فإذا هم مبصرون ] أى يبصرون الحق بنور البصيرة ، ويتخلصون من وساوس الشيطان
[ وإخوانهم يمدونهم في الغي ] أى إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله ، وهم الكفرة الفجرة ، فإن الشياطين تغويهم وتزين لهم سبل الضلال
[ ثم لا يقصرون ] أى لا يمسكون ولا يكفون عن إغوائهم
[ وإذا لم تأتهم بآية ] أى وإذا لم تأتهم بمعجزة كما اقترحوا
[ قالوا لولا اجتبيتها ] أى هلا اختلقتها يا محمد ؟ واخترعتها من عند نفسك ؟! وهو تهكم منهم لعنهم الله
[ قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى ] أى قل لهم يا أيها الرسول : ليس الأمر إلى حتى آتى بشئ من عند نفسي ، وإنما أنا عبد أمتثل ما يوحيه الله إلى
[ هذا بصائر من ربكم ] أي هذا القرآن الجليل حجة بينة ، وبراهين نيرة ، يغني عن غيره من المعجزات ، فهو بمنزلة البصائر للقلوب ، به ينصر الحق ويدرك
[ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ] أى وهداية ورحمة للمؤمنين ، لأنهم المقتبسون من أنواره ، والمنتفعون من أحكامه
[ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ] أى وإذا تليت آيات القرآن فاستمعوها بتدبر وإمعان ، واسكتوا عند تلاوته إعظاما للقرآن وإجلالا له
[ لعلكم ترحمون ] اي للاكي تفوزوا بالرحمة
[ واذكر ربك في نفسك ] أى واذكر ربك سرا مستحضرا لعظمته وجلاله
[ تضرعا وخيفة ] أى متضرعا البه وخابفا منه
[ ودون الجهر من القول ] أى وسطا بين الجهر والسز
[ بالغدو والاصال ] أى في الصباح والعشي
[ ولا تكن من الغافلين ] أى ولا بغفل عن ذكر الله
[ ان الذين عند ربك ] أى الملائكة الاطهار
[ لا يستكبرون عن عبادته ] أى لا يتكبرون عن عبادة ربهم
[ ويسبحونه ] اي ينزهونه عما لا يليق به
[ وله يسجدون ] أى لا يسجدون إلا لله عز وجل ! !
البلاغة :
1 - [ كانك حفى عنها ] التثبيه (مرسل مجمل ) لذكر اداة التشبيه وحذف وجه الشبه .
2 - [ فلما تغثعاها ] التغشي هنا كنابة عن الجماع ، وهو من الكنايات اللطيفة .
3 - [ الهم ارجل يمشون بها . . ] الخ هذا الاسلوبب يسمى " الاطنابب ، وفاندته زيادة التقريع والتوبيخ .
4 - [ بنزفئك من الشيطان نزغ ] شنه وسوسة الثيطان واغراءه الناس على المعاصي بالنزغ ، وهو ادخال الابرة وما شابهها في الجلد ، ففيه استعارة لطيفة .
5 - [ هدا بصابر من ربكم ] فيه تشبيه بليغ واصله هذا كالبصائر ، حذفت اداة النشبيه ووجه الشبه فهوبليغ .
لطيفة :
حكي ان بعض السلف قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان اذا سول لك الخطايا ؟ قال : اجاهده ، قال : فان عاد ؟ قال : اجاهده قال : فان عاد ؟ قال : اجاهده ، قال ان هذا يطول ، ارايت لو مررت بغنم قنبحك كلبها ، ومنعك من العبور ما تصنع ؟ قال : اكابده وارده جهدي ! ! قال : هذا يطول عليك ، ولكن استنث بصاحب الغنم ، يكفه عنك ، فهذه فابدة الاستعاذة من الشيطان الرجيم .